ترمب وإيران... حدود ترجمة الأقوال إلى أفعال

ترمب وإيران... حدود ترجمة الأقوال إلى أفعال
TT

ترمب وإيران... حدود ترجمة الأقوال إلى أفعال

ترمب وإيران... حدود ترجمة الأقوال إلى أفعال

صحيح أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتهج لهجة أكثر عدائية ضد إيران من «المرشح الرئاسي» ترمب، إلا أنه بات عليه ترجمة الأقوال إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع، إذ لم تسفر سياساته فعلياً إلا عن تعزيز قبضة إيران، لا سيما في سوريا.
بعد توليه مهامَّ منصبه، غيّر ترمب موقفه إزاء خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة إعلامياً باسم الاتفاق النووي الإيراني، وتراجع تماماً عن وعوده بتمزيقه. وفي فبراير (شباط) الماضي، وبعد تجربة الصاروخ الباليستي الذي أطلقته طهران، أصدرت الإدارة الأميركية إنذاراً رسمياً لإيران، على أثر التجربة الصاروخية و«سلوكياتها المزعزعة للاستقرار عبر الشرق الأوسط».
وبعد فترة وجيزة، أعلنت الإدارة الأميركية عن إجراء مراجعة مشتركة بين مختلف الوكالات الحكومية لسياستها إزاء إيران. وفي الوقت ذاته، شجعت حلفاءها في الشرق الأوسط على العمل الجاد معاً في تحالف مشترك لمواجهة المخاطر الإيرانية. ووقعت الولايات المتحدة على صفقات أسلحة تُقدَّر بمليارات الدولارات بغية طمأنة الشركاء الخليجيين في الشرق الأوسط.
بيد أن القيادة الإيرانية اعتمدت منهج «الترقب والانتظار» حيال من اعتبرته رئيساً لا يمكن التنبؤ بتصرفاته. وظن المسؤولون في إيران أن الرئيس ترمب يسعى لاستفزازهم بغية التراجع عن الاتفاق النووي، ومن ثم يُلقي المسؤولية عليهم، ويعيد فرض العقوبات المكبلة. أشار الإيرانيون إلى أنهم لن يكونوا الطرف المنسحب أولاً من الاتفاق النووي، لكنهم سيعيدون إحياء الخيار النووي والتعجيل برفع تخصيب اليورانيوم، إذا ما انهار الاتفاق.
عنصر آخر من استراتيجية طهران تمثل بدق إسفين بين الولايات المتحدة وأوروبا القلقة من مزاجية الرئيس ترمب، التي قد تسفر عن إلغاء الاتفاق، ومن ثم الدخول في أزمة دولية جديدة. ونجح ترمب في إثارة مزيد من المخاوف من عقوبات قد تُفسِد صفقات بمليارات الدولارات من الاستثمارات الأوروبية في إيران.
وشكَّلَت الأزمة السورية الاختبار الأول والحقيقي لإدارة ترمب بالنسبة لإيران؛ فبعد الغزو الدموي لمدينة حلب في عام 2016، اتجهت قوات «الحرس الثوري» وحلفاؤها صوب الشرق لاستعادة الأراضي من تنظيم داعش.
وفي أواخر مايو (أيار)، اقتربت تلك القوات من قاعدة التنف الأميركية، التي تقع على مقربة من المعبر الحدودي الرئيسي مع العراق. وأرسلت إيران عناصر الميليشيات الموالية لها برفقة الطائرات المسيَّرة التي عبرت مناطق الحماية المعلنة من جانب الولايات المتحدة. وجاء الرد الأميركي قوياً ومؤثراً؛ فما كان من القوات الموالية للنظام السوري إلا الالتفاف حول القوات الأميركية المنتشرة هناك لتتقدم زاحفة باتجاه محافظة دير الزور. ولم تعرقل الولايات المتحدة هذه الخطوة، رغم أنها تتقاطع مع خطط التحالف بقيادة الولايات المتحدة حيال تنظيم داعش. ومن شأنها أيضاً السماح لإيران بالتمدد في شرق سوريا، وإعادة فتح خط الإمدادات الحيوي الممتد من إيران وحتى لبنان، الذي فقدته طهران لصالح التحالف الموالي للنظام السوري منذ أواخر عام 2012، عندما أغلقت المعارضة الطرق الموصلة إلى العراق كافة.
وبات من الواضح أن السياسة الأميركية في سوريا لم تكن، بالأساس، سوى استمرار للتركيز «قصير النظر» من قبل الإدارات الأميركية السابقة على تنظيم داعش أولاً، وقبل أي اعتبار آخر.
وفي يوليو (تموز)، أجرت إيران اختبارا جديداً لصاروخ «سيمرغ» الباليستي القادر على حمل أقمار صناعية، استناداً إلى تكنولوجيا الصواريخ العابرة للقارات. ورداً على الاختبار الذي أعلنت الولايات المتحدة أنه يأتي انتهاكاً لقرار مجلس الأمن رقم «2231» المرجع للاتفاق النووي، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية كيانات معينة ذات دور محوري في برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني على قوائم العقوبات.
وهذه العقوبات، رغم كل شيء، لم تستهدف شبكة المشتريات غير القانونية أو تشدد القبضة على الموارد المستخدمة في البرنامج الإيراني. ورغم أن الولايات المتحدة تعهدت بالرد بقوة على برنامج الصواريخ الباليستية، فإن التأثير الفعلي للعقوبات المفروضة كان طفيفاً للغاية حتى الآن.
وفي أكتوبر (تشرين الأول)، كشفت إدارة ترمب عن سياستها التي طال انتظارها حيال إيران. وصرح الرئيس الأميركي في مؤتمر صحافي بأن الولايات المتحدة تعتزم «تحييد» التحديات الإيرانية النووية وغير النووية، من ملفات حقوق الإنسان، وحتى الانتشار الصاروخي، ووصف النظام الإيراني بأنه «يشكل أخطر التهديدات على مصالح الولايات المتحدة والاستقرار الإقليمي».
وأعلنت الإدارة الأميركية أيضاً أنها تعتزم تطبيق الاتفاق النووي، لكنها لن تصدق على التزام إيران بالاتفاق أمام الكونغرس، بموجب قانون المراجعة النووية الإيرانية. وقال ترمب، مستشهداً بالعديد من وقائع الانتهاك النووية من جانب إيران (مثل تجاوز الحد المسموح من احتياطي الماء الثقيل، ومنع المفتشين الدوليين من دخول المواقع العسكرية)، والاستمرار في تطوير الصواريخ الباليستية والأنشطة الإقليمية العدائية، إن تعليق العقوبات الاقتصادية بموجب الاتفاق النووي سيكون «غير ملائم وغير متناسب». واعتبرت الولايات المتحدة «الحرس الثوري» من الكيانات الإرهابية، بموجب الأمر التنفيذي رقم «13224»، وتعهدت استهداف مصادر تمويله.
وبعد مرور ثلاثة أسابيع، عاونت إيران العراق في استعادة منطقة كركوك المتنازع عليها من الأكراد بعد إجراء الاستفتاء الأخير. والتصور الواقعي في هذه المسالة أن الولايات المتحدة قد تخلت عن حلفائها الأكراد لصالح إيران.
عانت الصورة الأميركية من هزة كبيرة أخرى في سوريا. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توسَّعت القوات التي تقودها إيران بدعم من القوات الروسية صوب شرق سوريا واستولت على مدينة البوكمال، وهي من المعابر الحدودية المهمة مع العراق، وأسفر الأمر بالتالي عن إنشاء منطقة نفوذ مستمرة من إيران وحتى البحر الأبيض المتوسط.
بموازاة ذلك، أصبحت سياسة الإدارة الأميركية حيال الاتفاق النووي أكثر وضوحاً: «إما إصلاحه أو إسقاطه». وتعامل الأوروبيون الحريصون على إبقاء الولايات المتحدة قيد الالتزام بالاتفاق وحماية مصالحهم التجارية في إيران، بشكل علني وسري مع مجالات اهتمام الإدارة الأميركية مثل الصواريخ الباليستية والأنشطة الإقليمية. وتطرق الجانب الفرنسي إلى التفاوض بشأن الصواريخ ومتابعة العمل بالاتفاق عند انتهاء بند «غروب الشمس» (موعد نهاية الاتفاق بعد 10 سنوات من توقيعه)، لكن مدى جديتهم لم يتضح بعد. غير أن طهران قد رفضت حتى الآن أي مفاوضات بشأن أي اتفاق نووي جديد، فضلاً عن المحادثات المتعلقة ببرنامج الصواريخ. كما هدد «الحرس الثوري» الإيراني بزيادة مدى الصواريخ وصولاً إلى أوروبا، ما يزيد من عزلة إيران على الصعيد الدولي ويقوّض من خطتها الرامية إلى دق إسفين سياسي بين الحليفين الكبيرين عبر الأطلسي.
إذا ما ألغي الاتفاق النووي، فستتسق أوروبا في خاتمة المطاف مع العقوبات الأميركية الأكثر تشدداً بحق إيران، لأنها لن تفضل الأسواق الإيرانية على السوق الأميركية الكبرى في العالم. لكن الولايات المتحدة ستفقد ميزة الاستفادة من ذريعة البرنامج النووي الإيراني غير المشروع، مما يزيد صعوبة بناء نظام عقوبات أكثر تأثيراً. ولقد دفعت هذه الذريعة كلاً من روسيا والصين إلى تأييد التدابير الصارمة ضد إيران في مجلس الأمن. ولبناء نظام عقوبات فعال كذلك الذي دفع بإيران في اتجاه طاولة المفاوضات قد يستغرق فترة طويلة من الوقت، وربما أطول من الوقت الذي تتطلبه قدرات إيران لتسريع التخصيب والقفز على مسار صناعة القنبلة النووية. ولا يميل ترمب إلى استخدام الخيار العسكري، نظراً إلى التكاليف العالية للحرب، التي ستلقى معارضة دولية قوية مؤكدة، فضلاً عن أن الوضع الهش للرئيس في الداخل لن يدعمه في حرب خارجية طويلة.
في العام المقبل، هناك احتمال متزايد لصدام بين الولايات المتحدة وإيران؛ فقد تعمل الولايات المتحدة على إبطاء التقدم الإيراني في الهوامش، لكن من غير المرجح إحداث انقلاب استراتيجي لأن تكاليفه باهظة للغاية بالنسبة إلى الإدارة الأميركية. فمن المتوقَّع أن يتقرر مصير منطقة الشرق الأوسط في العراق وسوريا، حيث يتصاعد دور إيران. ومن شأن الصراع في سوريا بين الولايات المتحدة وإيران أن يؤدي إلى شن هجمات ضد القوات الأميركية هناك، وفي العراق كذلك. ويمكن لأي من السيناريوهين أن يثير أزمة تأتي على الاتفاق النووي وتتطلب مزيداً من التدخل والموارد الأميركية. وفي خاتمة المطاف، تعتبر طهران سوريا نزاعاً وجودياً، وهي أكثر التزاماً وتصميماً حياله من الولايات المتحدة.
وباستثناء التغييرات التي طرأت على الوضع الراهن، فإن الاتفاق النووي من المقرر أن يبقى كما هو. وفي حين أن الولايات المتحدة أعلنت أنها ستعزز أنظمة الدفاع الصاروخية في المنطقة لمواجهة صواريخ «الحرس الثوري» التي يمكن إطلاقها من إيران كما يمكن إطلاقها من اليمن، فإنها لم توضح كيفية عرقلة البرنامج الباليستي أو تعطيله. ووجدت الولايات المتحدة إجماعاً كافياً بين الحلفاء الإقليميين لتشكيل تحالف ضد توسع طهران العسكري الإيراني، ويمكن لهذه القوى إحباط المكاسب الإيرانية، لا سيما في سوريا. لكن مدى قدرة الحلف الأميركي على ترجمة ذلك إلى مكاسب استراتيجية في 2018، يبقى غير واضح.



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.