5 رهانات أمام تونس الجديدة

إلياس الفخفاخ وزير المالية التونسي السابق
إلياس الفخفاخ وزير المالية التونسي السابق
TT

5 رهانات أمام تونس الجديدة

إلياس الفخفاخ وزير المالية التونسي السابق
إلياس الفخفاخ وزير المالية التونسي السابق

تمرّ تونس بمرحلة انتقالية تقترن في الوقت نفسه بنجاحات ومكاسب من جهة، وبمخاطر وصعوبات من جهة أخرى.
وتحتاج البلاد إلى سياسات واقعية تراعي التشعبات والتعقيدات التي تفرضها مراحل الانتقال من نظام سياسي استبدادي إلى نظام سياسي تعددي ديمقراطي، ومن منوال اقتصادي أسقطته الثورة الشعبية إلى منوال تنموي جديد ناجع ومدمج يحقق التغيير المنشود. ومن بين أولويات المرحلة الانتقالية، اليوم، في تونس يتعين كسب خمسة رهانات، أمنية وسياسية واقتصادية.
يأتي في مقدمة الرهانات التونسية، مسألة المحافظة على مسار تركيز مسار الديمقراطية والتعددية الذي قطعنا أشواطاً في سبيله، بوضع الدستور الجديد والهيئة المستقلَّة المشرفة على الانتخابات، وضمان حرية التعبير والإعلام والتنظيم. ومن ثم ضمان الأمن وتجنيب البلاد مخاطر التهديدات الأمنية الإقليمية، وبينها انتشار مخاطر الإرهاب، أو عودة المنظومة الأمنية القمعية التي قامت ضدها الثورة. وكسب ورقة تطوير مؤسسات الأمن لتكون في خدمة دولة ديمقراطية، ومجتمع تعددي ومعاصر.
وثالث الرهانات، هو كسب ورقة التنمية الاقتصادية واحتواء مخاطر العجز المالي والاقتصادي والصعوبات التي أنهكت قطاعات حيوية، من بينها السياحة والمناجم والتصدير والاستثمار. ورابعاً: المحافظة على الوحدة الوطنية وتجنب مخاطر الصراعات والنزاعات الداخلية التي برزت في عدة دول، من بينها الصدامات ذات الصبغة الآيديولوجية والعشائرية والجهوية. وأخيراً، المحافظة على السيادة الوطنية بما في ذلك السيادة في أبعادها المالية والاقتصادية التي أصبحت مهددة بضغوط المؤسسات الخارجية التي تسند القروض والمساعدات بشروط مجحفة أحياناً.
وإجمالاً فإن تونس تتميز عن بقية بلدان «الربيع العربي» بنجاحاتها النسبية في رفع كل هذه التحديات في المرحلة الانتقالية.
لكن ما نلاحظه اليوم من تعثر في استكمال مسار البناء الديمقراطي والتنموي، رغم مرور 3 سنوات عن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كان من المفترض أن تكون دافعاً للرفع من نسق الإصلاح والتغيير بالانتقال من الحكم المؤقت، إلى الحكم الدائم، لا يطمئن بل يدعو لليقظة من الانحراف.
نسجل اليوم العديد من بوادر الانتكاس في مجالات كثيرة من بينها استكمال بناء المؤسسات الدستورية كالمحكمة الدستورية والهيئات المستقلة... وعدم إنجاز الانتخابات المحلية التي يتطلع إليها الشعب منذ سنوات. كما تكشف بعض الوقائع والمؤشرات عودة إلى أساليب القمع والتضييق على الحريات. ولولا ضغط الشباب والحقوقيين والسياسيين والإعلاميين ذوي النزاهة لتراجع هامش الحريات في البلاد أكثر فأكثر.
ومن الناحية الاقتصادية، سجلت تونس تراجعاً كبيراً وغير مسبوق في قيمة الدينار الذي فقد أكثر من 40 في المائة من قيمته مقارنة بسنة 2014. كما تسبب ارتفاع نسب الدين الخارجي والعجز التجاري في تدهور الأوضاع. ويتخوف الجميع من استفحال الصعوبات المالية والاقتصادية سنة 2018، ومن تواصل ارتفاع التضخم وتدهور القدرة الشرائية مع العجز عن تحقيق مطالب ملحَّة من بينها تحسين موارد البلاد المالية وإنجاز التنمية وتحسين فرص الشغل الجديدة للحد من معضلة البطالة.
ولعل من أخطر ما يهدد البلاد مع اقتراب موعد الانتخابات المقررة لسنة 2019 بروز مؤشرات عودة النعرات الجهوية وافتعال التناقضات بين الشمال والجنوب والصراعات الآيديولوجية حول الهوية الثقافية والوطنية والمعتقدات الدينية رغم حسمها من قبل غالبية السياسيين والنخب والشعب عند التصويت على دستور يناير (كانون الثاني) 2014.
وعلى غرار ما جرى في انتخابات 2014 تبرز مجدداً مخاطر تقسيم البلاد والمجتمع إلى نصفين متنافرين لأسباب انتخابية بحتة. وقد اتضحت «الكذبة الكبرى» خلال السنوات الثلاث الماضية عندما تناسى زعماء الشقين المتصارعين قبل الانتخابات شيطنة كل طرف للطرف المقابل بمجرد الإعلان عن النتائج وتشكيل حكومات مشتركة. وكانت النتيجة تعمق أزمة ثقة المواطن في السياسيين والنخب.
في الوقت ذاته، بات خطر المساس بالسيادة الوطنية على الأقل في بعده الاقتصادي أكثر تهديداً بعد أن بلغت نسبة المديونية 70 في المائة، وأصبحت البلاد ترضخ إلى الضغوط الخارجية، وتضطر إلى القبول بشروط لم تكن ستقبل بها مسبقاً.
من الناحية السياسية، تعاني تونس اليوم من مضاعفات سياسية ترمز إلى حكم المحافظين اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ودينياً. وكانت الحصيلة عودة السياسيين وصُنّاع القرار الاقتصادي والاجتماعي الذين يعملون على المحافظة على منوال الحكم القديم المبني على المحسوبية والولاءات ومركزية القرار.
للأسف، فقد أعادت انتخابات 2014 تشكيل المنظومة القديمة والطبقة الموالية لخيارات منظومة ما قبل ثورة 2011، والمحافظة على منوال التنمية المبني على الولاءات والمحسوبية والامتيازات والتهميش للجهات الداخلية ومركزية الحكم... في حين يحاول في الوقت ذاته المحافظون المرتبطون بالمشروع الديني الذي يستمد شرعيته وبرنامجه من منوال محافظ لا علاقة له بالقرن الحادي والعرين أن يتمكنوا من بعض المواقع لتكريس مشروعهم.
في الوقت ذاته، استفحل الخلط بين المال والسياسة والإعلام وكانت النتيجة انتشاراً أكبر للرشوة وظاهرة شراء الذمم والتأثير على العملية السياسية، وهو ما جنَّب البلاد نقاوة العملية السياسية.
لكن هل من مخرج من هذه الدوامة والوضعية الحرجة؟

لا بد أن نسجل أن المشهد السياسي لم يتشكل بعد في عائلات سياسية تدافع عن مشاريع وسياسات وتصورات واضحة. ما يحكم السياسيين والأطراف السياسية الكبرى إلى حد الآن هو منطق الوصول إلى السلطة بكل الأشكال والوسائل. وعند الوصول إليها يصبح الأهم هو المحافظة عليه بكل الأساليب.
إن المرجوَّ والمطلوب اليوم هو إعادة تشكيل المشهد السياسي بناءً على مشاريع وتوجهات وبرامج للتغيير والإصلاح حتى يختار الناخب في 2019 من يحكمه وفق مشاريع وأسس حكم سياسية، وليس على أساس شعارات شيطنة وتخويف وتوجيه. ولا يمكن تشكيل هذا المشهد السياسي الجديد إلا عبر بناء عائلات سياسية وطنية على أسس سياسية صلبة تعتمد الوضوح والتصالح.
العائلة الإسلامية المحافظة بعد تصالحها مع المدنية والحداثة، والعائلة السياسية التي تنتسب إلى حكم التجمع الدستوري بعد تصالحها مع الديمقراطية، والعائلة الديمقراطية الاجتماعية التقدمية بعد تخليها عن «الزعامتِيّة» والتشتت، وعائلة اليسار التونسي بتفرعاته الماركسية وغيرها بعد مصالحته مع الهوية التونسية العربية الإسلامية.
ومن بين مشكلات البلاد أن كل العائلات السياسية تشكو انقساماً وتشرذماً بما فيها حركة النهضة التي تبدو أكثر تماسكاً.
يُضاف إلى كل هذه التحديات هشاشة التوازنات المالية للدولة، وتدهور القدرة الشرائية للمواطن، خصوصاً أوضاع الطبقة الوسطى والضعيفة وفشل سياسات النهوض بالجهات المهمشة. والمعضلة هي أن تونس لا تزال بعد 7 أعوام عن انتفاضة شبابها وثورة جهاتها الداخلية تراوح المكان ذاته، بما يسبب ارتفاع منسوب الاحتقان وتراجع الإيمان بإمكانية الإصلاح وفرص الإنقاذ.
كل هذه المشكلات لا يُمكن حلها في فترة قصيرة وتستوجب سياسات طويلة المدى ومعالجة للعوامل الهيكلية وتجاوزاً لمنهج الترقيع والحلول الوقتية. ومن المؤمّل أن تنظم الانتخابات البلدية فعلاً في النصف الأول من عام 2018 لأن الأمر يتعلق باستحقاق وطني له أولوية لاستكمال المسار الديمقراطي، لأن البلدية هي المقياس، وانتخاب أكثر من 7 آلاف مستشار بلدي سوف يجنب البلاد نهائياً العودة إلى الوراء فيما يخص المكتسبات الديمقراطية.
في الوقت ذاته، يجب مراعاة مبدأ التدرج والوضوح في نقل السلطة المركزية إلى السلطة المحلية، وتجنب افتعال تناقضات بين السلطة المركزية الممثلة عبر الوالي والمعتمدين والسلط المحلية والجهوية المنتخبة.
رغم الحصيلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية السلبية للسنوات الثلاث الماضية فإن لتونس التي قطعت خطوات في مجال بناء مسارها الديمقراطي التعددي مؤهلات لأن تصلح أوضاعها، وتحقق نجاحات جديدة خاصة باليقظة والضغط وتنظيم الانتخابات البلدية والجهوية في مطلع مايو (أيار) المقبل وانطلاق التحضير لانتخابات البرلمانية والرئاسية في السنة الموالية في مناخ سليم بعيداً عن الحسابات السياسية، وتقديم المصلحة العليا للبلاد على المصالح الحزبية والفئوية والشخصية الضيقة.
قال تعالى: «فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض» صدق الله العظيم.



اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
TT

اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)

في ظل تصاعد تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى السواحل اليمنية منذ مطلع العام الحالي، صعّدت السلطات اليمنية من عملياتها الأمنية ضد شبكات تهريب المهاجرين، ونفذت حملة مداهمات واسعة استهدفت أوكاراً تستخدمها تلك الشبكات في محافظة أبين، لاحتجاز المهاجرين وتعذيبهم، في تحرك يعكس تنامي القلق الرسمي من تحول بعض المناطق الساحلية إلى ممرات مفتوحة لأنشطة التهريب والاتجار بالبشر.

وقالت مصادر أمنية في محافظة أبين (شرق عدن)، إن قوة مشتركة من الأمن العام والقوات الخاصة والأمن الوطني، نفذت، بتوجيهات من السلطة المحلية، عمليات مداهمة استهدفت مواقع في مديرية أحور الساحلية، تُستخدم من قبل مهربين لإيواء مهاجرين غير شرعيين، قبل نقلهم عبر مسارات غير قانونية نحو مناطق داخلية، أو إلى وجهات حدودية.

وذكرت السلطات أن القوة الأمنية واجهت مقاومة مسلحة من المهربين أثناء تنفيذ الحملة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات انتهت بالسيطرة على المواقع المستهدفة، واعتقال عدد من المتورطين في عمليات الاحتجاز والتعذيب، إلى جانب ضبط أسلحة ومعدات كانت تستخدم في إدارة هذه الأنشطة غير القانونية، فضلاً عن إحراق مواقع اتُّخذت مراكز احتجاز مؤقتة للمهاجرين.

المهاجرون الأفارقة إلى اليمن يتعرضون لأشكال متعددة من الانتهاكات (إعلام محلي)

وبحسب مسؤولين محليين، تأتي هذه العمليات ضمن خطة أمنية أوسع تهدف إلى تفكيك شبكات التهريب المنظمة التي تنشط على امتداد السواحل الجنوبية والشرقية، مستفيدة من اتساع الشريط الساحلي وصعوبة مراقبته بصورة كاملة، إلى جانب هشاشة الأوضاع الأمنية التي أفرزتها سنوات الحرب.

وأكدت السلطة المحلية في مديرية أحور، أن الحملة لن تكون إجراءً عابراً؛ بل بداية لسلسلة عمليات متواصلة لتعقب المتورطين، وملاحقة الشبكات التي تدير عمليات تهريب البشر، وتستخدم وسائل عنيفة بحق المهاجرين؛ من بينها الاحتجاز القسري والتعذيب والابتزاز المالي، وصولاً إلى استغلال بعضهم في أنشطة غير مشروعة.

ورغم عدم إعلان السلطات الحصيلة النهائية للموقوفين، تحدثت مصادر محلية عن ضبط عدد من العناصر المتورطة، في حين تمكن آخرون من الفرار إلى مناطق وعرة، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى توسيع نطاق التحري والملاحقة، مع تشديد الرقابة على المنافذ الساحلية التي تنطلق منها قوارب التهريب.

40 ألف مهاجر

تأتي هذه التطورات في وقت تظهر فيه بيانات رسمية استمرار التدفق الكبير للمهاجرين من القرن الأفريقي إلى اليمن؛ إذ وصل نحو 40 ألف مهاجر منذ بداية العام الحالي، غالبيتهم الساحقة من الجنسية الإثيوبية، فيما سجلت الأيام الماضية وحدها، وصول أكثر من 200 مهاجر إلى سواحل محافظة شبوة ضمن موجات متواصلة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن اليمن، رغم الحرب والانهيار الاقتصادي والأوضاع الإنسانية المعقدة، ما زال يمثل محطة رئيسية على طريق الهجرة المختلطة من القرن الأفريقي نحو دول الخليج، سواء باعتباره نقطة عبور أو وجهة مؤقتة للباحثين عن فرص اقتصادية أفضل.

تدمير مواقع تستخدم لاحتجاز وتعذيب المهاجرين غير الشرعيين (إعلام محلي)

لكن هذا المسار تحول، وفق تقارير حقوقية، إلى واحد من أخطر طرق الهجرة غير النظامية في المنطقة، حيث يتعرض القادمون عبره إلى سلسلة واسعة من الانتهاكات تبدأ منذ لحظة وصولهم إلى الشواطئ اليمنية، مروراً بعمليات احتجاز وتعذيب وابتزاز، ولا تنتهي عند الاستغلال في أعمال قسرية أو أنشطة مرتبطة بالجريمة المنظمة.

وتحمل تلك التقارير شبكات التهريب المسؤولية عن النسبة الأكبر من الانتهاكات بحق المهاجرين، يليها تأثير أطراف النزاع، إلى جانب ظروف الحرب التي جعلت كثيراً من المناطق خارج الرقابة القانونية الفاعلة، وهو ما أتاح لتلك الشبكات توسيع نفوذها وتحويل معاناة المهاجرين إلى تجارة مربحة تدر ملايين الدولارات سنوياً.

طريق محفوف بالموت

يرى مراقبون أن تشديد الإجراءات الأمنية في بعض السواحل الجنوبية باليمن، دفع شبكات التهريب إلى تحويل نشاطها تدريجياً نحو السواحل الشرقية، ما خلق مسارات جديدة أقل رقابة، لكنها أكثر خطورة من حيث الانتهاكات، في ظل ضعف الحماية القانونية وغياب التنسيق الإقليمي الكافي لمواجهة الظاهرة.

ووفقاً لتقديرات حكومية، يشكل الإثيوبيون نحو 89 في المائة من إجمالي المهاجرين الوافدين إلى اليمن سنوياً، مقابل 11 في المائة من الصوماليين، فيما تم تسجيل أكثر من 600 حالة وفاة منذ عام 2024 وحتى الآن، سواء بسبب الغرق أو العنف أو الظروف القاسية التي يواجهها المهاجرون خلال رحلتهم.

كما حذرت تقارير إنسانية من أن تراجع التمويل الدولي للمساعدات المخصصة للمهاجرين زاد من هشاشتهم، ودفع كثيرين، خصوصاً النساء والفتيات، إلى الوقوع ضحايا للاستغلال الجنسي والعمل القسري مقابل الغذاء أو المأوى أو وعود بإكمال الرحلة.

وفي مواجهة هذا الواقع، تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن عشرات الآلاف يواصلون سنوياً مغادرة القرن الأفريقي باتجاه اليمن مدفوعين بالفقر والنزاعات وانعدام الفرص، غير أن كثيراً منهم يجد نفسه في دائرة الاستغلال والعنف، بدلاً من الوصول إلى الأمان الذي سعوا إليه، ما يجعل مكافحة شبكات التهريب وحماية الضحايا تحدياً إنسانياً وأمنياً متصاعداً يتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم بأسره.


«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.