إنجاز عسكري يخذله إخفاق الأمن والسياسة

إنجاز عسكري يخذله إخفاق الأمن والسياسة
TT

إنجاز عسكري يخذله إخفاق الأمن والسياسة

إنجاز عسكري يخذله إخفاق الأمن والسياسة

تخطو ليبيا باتجاه العام الجديد مدعومة بإنجاز عسكري يظهر في القضاء على الإرهاب وعناصر «داعش»، لكن على الجانب الآخر تبدو البلاد المأزومة منذ 3 سنوات مكبلة بإخفاق أمني لا يمكن أن تستتب معه الحياة الطبيعية للمواطنين إلا بالمضي قدماً في اتجاه اتفاق سياسي.
يمكن بوضوحٍ تمييزُ عام 2017 في الأزمة الليبية الممتدة منذ أغسطس (آب) 2014 عندما وقع الانقلاب على شرعية الانتخابات التي أتت بمجلس النواب من قبل ما يعرف بعملية «فجر ليبيا»، بأنه عام هزيمة «داعش» في المدن الليبية التي استطاع التوغل فيها والسيطرة عليها، بدرجات متفاوتة، كبنغازي ودرنة في الشرق، وسرت والجفرة في الوسط، وصبراتة في الغرب، ناهيك عن مدن الجنوب التي لا تكاد تصل إليها سلطة أي من الحكومات الثلاث المتصارعة، حيث استفاد هذا التنظيم من حالة الفوضى وضعف الدولة وانقسامها وغياب المؤسسات العسكرية والأمنية القادرة على التصدي لمخططاته.
لقد تعرّضت مسألة إعادة بناء وتأهيل المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي لتحديات كبيرة، أبرزها إصرار المسلحين وتشكيلاتهم التي تكوّنت في فترة حرب التحرير التي فرضها النظام السابق، وظروف الثورة العارمة ضده في العام 2011، مدعومين وموظّفين من قوى وأحزاب سياسية مؤدلجة تتخذ الإسلام السياسي شعاراً لها، على الاحتفاظ بسلاحهم وعلى إنشاء كيانات موازية تكون بديلاً عن الجيش والشرطة.
وبدأت قوة الدروع وقوامها من المسلحين في الظهور تدريجياً بكل أقاليم ليبيا التاريخية (برقة وفزان وطرابلس)، وألحقت برئاسة الأركان لتكون بديلاً عن المؤسسة العسكرية، كما أُنشئت بنفس التوجه والكيفية قوة اللجان الأمنية لتكون بديلاً عن الشرطة. وبالتالي دخلت هذه الأجسام من خلال سطوتها، كل في محيطه الاجتماعي ومنطقته وتبعيته السياسية، طرفاً في الصراع حول السلطة ومقدرات الدولة وثرواتها التي استُنزِفت بشكل كبير، وغير مسبوق، من قبل هذه الأجسام.
وخضع أول جسم منتخب بعد الثورة، وهو المؤتمر الوطني العام الذي فشل في مهامه، ومنها إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، لإرادة كتلة تشكلت داخله من تلك التيارات السياسية المؤدلجة، التي أجهضت عمل المؤتمر والمسار الديمقراطي والعملية السياسية اللاحقة برمتها.
وبينما اضطلعت الجماعات المسلحة والموالية لكيانات «الإسلام السياسي» بمهام حفظ الأمن، بموجب قرارات خاطئة صادرة عن المؤتمر الوطني العام، تراجعت في المقابل المؤسسة الأمنية الرسمية وانزوت، كما شهدت المدن الليبية انفلاتاً أمنياً ملحوظاً وتصاعدت أعمال العنف والقتل لرجال الجيش والأمن الوطني والنشطاء الإعلاميين والحقوقيين، خصوصاً في بنغازي عاصمة الشرق الليبي ومعقل الثورة.
وكشفت تلك الجماعات بوضوح عن توجهاتها ومخططاتها المعادية وتحالفاتها وارتباطاتها بالخارج تنظيماً وتمويلاً، وهو ما قاد خلال النصف الأول من عام 2014 إلى إطلاق مجموعة من ضباط وجنود الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر «عملية الكرامة» المدعومة شعبياً لمقاتلة تلك الجماعات وتنظيماتها الإرهابية، وهي العملية التي حظيت أيضاً بدعم مجلس النواب الذي انتُخِب لاحقاً بديلاً للمؤتمر الوطني، إذ أضفى الشرعية على قادة العملية ومنحهم الصفة القانونية من خلال تعديل القانون العسكري واستحداث منصب القائد العام للجيش، الذي أسند إلى قائد هذه العملية.
ودفعت الإجراءات السابقة إلى تشكّل نواة لبناء الجيش الوطني الليبي انطلاقاً من شرق البلاد الذي نجح بمساندة شباب المناطق والأحياء في هزيمة الجماعات المسلحة الإرهابية في بنغازي، بعد قتال مرير استمر ثلاثة أعوام كاملة، ليعلن في يوليو (تموز) 2017 تحرير المدينة من الإرهاب وطرد الميليشيات المسلحة من منطقة الهلال النفطي، وبسط سيطرته على منطقة الجفرة واستعادة قاعدتها العسكرية من أيدي تلك الجماعات، إلى جانب تمدده إلى الجنوب، وبسط السيطرة على القاعدة الجوية الرئيسية ومعسكرات الجيش، في أعقاب مذبحة ارتكبتها الجماعات الإرهابية بحق أفراد الجيش من أبناء الجنوب الليبي.
وفي الغرب الليبي، ظلت العاصمة طرابلس، ومدن الزاوية وصبراتة وصرمان وورشفانة تحديداً، مسرحاً للجماعات المسلحة بمختلف توجهاتها وانتماءاتها وصراعها من أجل السيطرة والنفوذ داخل هذه المدن.
وعلى جانب آخر، فشلت الحكومة الموازية التي شكلها المؤتمر الوطني العام بعد عودته إلى المشهد مجدداً بقوة السلاح، في احتواء الصراع، بل أصبحت طرفاً فيه من خلال ما تملكه من أذرع مسلحة. ومع دخول المجلس الرئاسي الذي أنتجه الاتفاق السياسي الموقّع في مدينة الصخيرات المغربية في السابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) 2015، إلى العاصمة طرابلس في مارس (آذار) 2016. تغيّرت خريطة التحالفات بين هذه الجماعات التي تعذَّر على السلطة التوافقية الجديدة إنفاذ الترتيبات الأمنية القاضية بنزع سلاحها، من خلال دمج أو تسريح مسلحيها، لانطواء ذلك على إشكاليات مرتبطة بطبيعة الصراع وتعقيداته.
كما عمدت السلطة الجديدة إلى «إعادة تدوير» بعض هذه الجماعات التي تضم في عضويتها مدنيين وعسكريين سابقين، وذلك بتأسيس جهاز أمني جديد تحت اسم «الحرس الرئاسي»، ضمنت من خلاله تمثيلاً لبعض المجموعات الأمنية وتعيين أعضاء منها في مواقع قيادية بهذه المؤسسة أو تلك، إلى جانب ضم بعض هذه المجموعات إلى شرعيتها، بحيث أصبحت تبعيتها لحكومة الوفاق.
وتجلت هذه الإجراءات في تشكيل قوة «البنيان المرصوص» التي أطلق من خلالها المجلس الرئاسي حربه علي تنظيم داعش في مدينة سرت التي سيطر عليها بالكامل، وأصبحت مركزاً رئيسياً له بكل مقدراتها ومرافقها الحيوية كالمطار والميناء والقاعدة الجوية لمدة زادت على العام ونصف العام، قبل أن تتمكن هذه القوة من إلحاق الهزيمة به وتحرير المدينة ومحيطها منه، لتعود مدينة سرت اعتباراً من بداية 2017 إلى أهلها وحضن الوطن. كما تمكنت قوة أخرى تابعة لحكومة الوفاق من تحرير مدينة صبراتة من المجموعات المسلحة الإجرامية والإرهابية التي عاثت فيها فساداً.
وغني عن البيان أن الانتصارات التي تحققت ضد «داعش» والجماعات المرتبطة به يعود الفضل فيها بعد التضحيات البطولية لرجال الجيش والمدنيين من الشباب المساند لهم، إلى دعم ومساندة سكان المدن التي دارت الحرب داخل أحيائها، حيث تحملوا آلام ومعاناة النزوح والتدمير لممتلكاتهم والاستهداف لحياتهم، فضلاً عن الدعم الواضح الذي قدمته بعض الدول الشقيقة والصديقة للتخلص من هذا الإرهاب البغيض.
على الصعيد الأمني، فإلى جانب ما كان يعانيه قطاع الأمن أساساً من ضعف في بنية أجهزته وكوادره، فقد فشلت الحكومات الانتقالية والمؤقتة التي تولَّت السلطة بالبلاد في إصلاح وتفعيل وتعزيز دور هذا القطاع لمواجهة التحديات الكبيرة والخطيرة التي تتربص بالوطن والمواطن، ومرد ذلك إلى انتشار السلاح وتزايد التشكيلات المسلحة وتغوُّلها على أجهزة الأمن الرسمية المختلفة، وهو ما أدى إلى تراجع دورها في حفظ الأمن والنظام.
وفضلاً عما سبق، يمكن رصد زيادة معدلات الجريمة في كل المدن والمناطق من دون رادع، بعد أن أصبح الإفلات من العقاب هو السمة المميزة لهذه المراحل الانتقالية الممتدة التي تراجع فيها الأمن، وبالتالي عجزت مؤسسات القضاء والعدالة عن القيام بمهامها.
وإذا كان عام 2017 الذي استمرت فيه الأزمة السياسية والانقسام شهد انحسار الإرهاب وهزيمته عسكرياً في ليبيا بفعل مؤسسة الجيش شرقاً وغرباً، التي تبذل جهوداً حثيثة لتوحيدها وإنهاء انقسامها، فإن العام نفسه تميّز بالانفلات الأمني الكبير والخطير فارتفعت معدلات جرائم القتل والخطف والتعذيب والاعتداء على الممتلكات الخاصة والمرافق العامة.
ومع تقديرنا للجهود التي بُذلت وتُبذل هنا وهناك، فلا سبيل لتدارك الانفلات الأمني إلا بحل الأزمة التي تتخبط فيها البلاد من خلال الاتفاق السياسي الذي تم برعاية الأمم المتحدة، وإنهاء الانقسام بتوحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية، وتشكيل حكومة وطنية واحدة.
وينبغي أن يكون على رأس أولويات الحكومة المنتظرة إنفاذ خطة وطنية وترتيبات أمنية صارمة تقود إلى حل التشكيلات المسلحة بعد دمج وتأهيل أو تسريح أعضائها، طبقاً لمقتضيات المصلحة العامة، وتوحيد وتعزيز دور المؤسستين العسكرية والأمنية لتحتكرا دون غيرهما السلاح واستعمال العنف، تطبيقاً للقانون وتأكيداً للنظام الذي وحده يمدهما بأسباب القوة والقدرة على مواجهة التحديات التي تتربص بالبلاد، وتعيق مسيرتها وتحولها الديمقراطي.



حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.


البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
TT

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات القيادة السعودية، المُخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.

وتأتي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية، وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ودعم التعافي المستدام في اليمن، حيث مثّل وزارة المالية اليمنية مروان بن غانم وزير المالية، فيما مثّل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المشرف العام السفير محمد آل جابر.

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

ومن المنتظر أن يسهم الدعم في معالجة عجز الموازنة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على الإيفاء بالتزاماتها ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، ترسيخاً لدعائم الاستقرار المستدام، وينعكس إيجاباً على تعزيز القوة الشرائية، وانتظام الدخل للأسر، وتحسين مستوى المعيشة، وكذلك تنشيط الأسواق التجارية.

كما يساهم الدعم في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.

ويُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من المملكة العربية السعودية، وشملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني ومنحاً للمشتقات النفطية، وكذلك مشاريع ومبادرات تنموية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وشكّلت إحدى الدعائم الرئيسية نحو التعافي الاقتصادي في اليمن.

كما يمتد دعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليشمل مساراً متكاملاً لبناء القدرات المؤسسية، الذي انطلق منتصف عام 2021، واستهدف وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية اليمنية، تعزيزاً لقدرات الكوادر اليمنية، وتمكين الجهات الحكومية من تشخيص احتياجاتها، وتقييم قدراتها، والارتقاء بأدائها، بما ينسجم مع أفضل الممارسات.

يُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من السعودية (البرنامج السعودية)

ويساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بناء وتنمية القدرات الحكومية وتطوير الكوادر بمختلف المستويات: المؤسساتية، والفنية، والأصول المجتمعية، عبر نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الإدارية والفنية في مختلف القطاعات الأساسية والحيوية، حيث يمثل تعزيز قدرات المؤسسات الحكومية خطوة محورية في تعزيز الاستقرار وتحفيز النمو الاقتصادي.