عام تعثر الوساطات في ليبيا

عام تعثر الوساطات في ليبيا
TT

عام تعثر الوساطات في ليبيا

عام تعثر الوساطات في ليبيا

استقبلت ليبيا عام 2017 بتقرير منسوب إلى مصادر فرنسية يفيد بأن أمام رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني (المعترف بها دولياً) فائز السراج أربعة عناصر «مخربة» لعمل حكومته المنبثقة عن اتفاق الصخيرات. حدد التقرير هذا الرباعي بعنصر سياسي يمثله رئيس البرلمان عقيلة صالح الذي لم يصوّت لمنح الحكومة الثقة، وآخر عسكري يتمثل في المشير خليفة حفتر، فضلاً عن رفض البنك المركزي الليبي للتعاون مع حكومته (جرى الاتفاق على تسوية هذا الأمر الآن)، أما العنصر الرابع فهو مفتي ليبيا السابق الصادق الغرياني الذي يسير مع المتشددين.
فيما بعد سينفق السراج كل العام في محاولة زحزحة هذه العناصر الأربعة. وبالفعل تمكن بمساعدة داخلية وخارجية من إزاحة ثلاثة عناصر، وها هو العام يشارف على الانتهاء، ولم تبق أمامه إلا المفاوضات الشاقة مع المشير حفتر، التي انتهت من دون نتيجة مع حلول يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) 2017، تاريخ انتهاء الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات في 2015.
انعكست الخلافات الجهوية على عمل المجلس الرئاسي منذ مطلع العام، إذ أصدر رئيس المجلس المكلّف في غياب السراج، فتحي المجبري عدداً من التعيينات، اعترض عليها بقية الأعضاء واضطر السراج لاحقاً إلى إلغائها، لكن بعد أن تقدم عضو المجلس عن الجنوب موسى الكوني باستقالته، بينما استمر ممثل حفتر علي القطراني في مقاطعة المجلس، إضافة إلى عمر الأسود ممثل الزنتان. وفيما بعد اضطر المجبري أيضاً إلى مقاطعة المجلس بعد تمكن قوات حفتر من السيطرة على منطقة الهلال النفطي في مارس (آذار) والتي كان يسيطر عليها إبراهيم الجضران الرئيس السابق لجهاز حماية المنشآت النفطية، باعتبار أن المجبري الذي ينتمي إلى المنطقة الشرقية هو ممثل الجضران في المجلس. وهكذا لم يبق في المجلس إلا خمسة من أصل تسعة، وأصبح التوافق والتنسيق بينهم أفضل مما كان عليه في السابق.
في مطلع العام، أبدت روسيا اهتماماً كبيراً بليبيا بعد سيطرتها على سوريا، وظهرت حاملة الطائرات «الأميرال كوزينتسوف» أمام سواحل بنغازي واستقبل المشير حفتر بشكل رسمي على متنها، وعقد اجتماعاً بالدائرة المغلقة مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو. وكان حفتر يعول على الحصول على أسلحة من روسيا، حتى ولو منحها قاعدة بحرية وجوية في شرق ليبيا، إلا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المتورط في المستنقع السوري فضل الابتعاد عن مستنقع آخر أكثر غموضاً. وفي آخر الأمر فضلت روسيا الوقوف مع الشرعية الدولية في ليبيا، ويبدو أن الجزائر الحليف التقليدي لروسيا منذ الاتحاد السوفياتي كانت وراء ذلك.
وفي طرابلس، واجه السراج الكثير من المتاعب بسبب هجوم قوات رئيس ما يسمى «حكومة الإنقاذ» خليفة الغويل، التي احتلت في يناير (كانون الثاني) مقار خمس وزارات وقصور الضيافة والفندق الذي كان مقر المؤتمر الوطني السابق. وقوات الغويل تتكون في معظمها من جناح منشق على الأغلبية في مصراتة يسير في ركاب الإسلاميين ويحاول تخريب الاتفاق السياسي، وهو الجناح الأكثر تطرفاً في قوات «فجر ليبيا» التي سيطرت على طرابلس عام 2014 وأحرقت مطارها الدولي الذي كان تحت سيطرة الزنتان، واحتاج الأمر إلى جهد كبير من السراج للتنسيق مع الميليشيات المسيطرة على طرابلس، مثل «كتيبة ثوار طرابلس» بقيادة هيثم التاجوري، و«قوة الردع الخاصة» بقيادة عبد الرؤوف كارة، وقوة أخرى بقيادة عبد الغني الككلي لتنجح في طرد قوات الغويل.
رغم الإلحاح المصري، فقد رفض حفتر في فبراير (شباط) لقاء السراج في القاهرة، وفيما بعد دفع حفتر ثمن رفضه عندما تمسكت مصر في نهاية العام أسوة ببقية دول جوار ليبيا بالشرعية الدولية. غير أن ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد نجح في الجمع بين الرجلين في مايو (أيار) من العام نفسه، لكن من دون الوصول إلى نتيجة تذكر. وفي 25 يونيو (حزيران) تكرر اللقاء في ضيافة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرب باريس، وهو اللقاء الذي تفاءل به الليبيون إلا أنه أثار غضب الإيطاليين. ومنذ ذلك الحين فتح الإيطاليون خطا مع حفتر لم يفض إلى أي نتيجة، حتى عندما استقبلوه في روما في أواخر الشهر الجاري، ليصرح بأنه يوافق على الانتخابات وأنه متمسك بالشرعية الدولية.
خلفاً للدبلوماسي الألماني مارتن كوبلر الذي لم ينجح في تطبيق الاتفاق السياسي الذي توصل إليه سلفه برناردينو ليون أو تعديله، تسلم المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا غسان سلامة مهام منصبه في أغسطس (آب)، واستهل عمله بالاستماع إلى معظم الأطياف الليبية.
وعلى عكس المبعوثين السابقين، بث تعيين الوزير اللبناني السابق موجة من التفاؤل بين الليبيين، فهو سياسي خبر دهاليز السياسة في بلد خاض حرباً أهلية مدمرة قبل أن يتوصل قادته إلى توافق، كما أنه يقوم على توازنات دقيقة بين الطوائف. وأدرك سلامة منذ البداية أن الحل هو في تخطي كل الأجسام السياسة في البلاد والذهاب مباشرة إلى الانتخابات، ففي البداية اقترح تعديلات على الاتفاق السياسي بحيث يتكون المجلس الرئاسي من ثلاثة أعضاء بدلاً من تسعة، وتشكيل حكومة تكنوقراط وعقد مؤتمر عام يجمع كل الأطياف الليبية في تونس، الهدف منه إضفاء شرعية شعبية على التعديلات، ثم إجراء انتخابات عام 2018، إلا أنه تخلى عن عقد المؤتمر ومضى قدماً نحو الانتخابات، بينما تولت الشرعية الدولية احتواء الرافضين للانتخابات.
ومن بين أهم ما سجله عام 2017 في ليبيا، ما حدث في نوفمبر (تشرين الثاني) عندما بثت قناة «سي إن إن» الأميركية شريطاً يكشف وجود مزاد علني لبيع المهاجرين في ليبيا. ورغم الملاحظات المهنية على التقرير، فإنه كان كافياً لتسليط الضوء على أوضاع المهاجرين الأفارقة في مراكز الاحتجاز. ومع التنديد العالمي بما يحدث في البلاد وخروج مظاهرات أمام السفارات الليبية في أوروبا، أصدرت القمة الأوروبية - الأفريقية في أبيدجان قرارات بإجلاء المهاجرين من مراكز الاحتجاز في ليبيا، كما تسببت الوعود الإيطالية بمنح خمسة ملايين يورو إلى إحدى الميليشيات في صبراتة في اندلاع اشتباكات عنيفة مع ميليشيا أخرى، انتهت بطرد الميليشيا الأولى التي يقودها أحمد الدباشي من المدينة، وإغلاق الشاطئ الذي كان ينطلق منه المهاجرون نحو السواحل الأوروبية.
وكما كان متوقعاً مع نهاية العام، أعلن المشير حفتر نهاية الاتفاق السياسي وإلغاء كل الأجسام المنبثقة عنه، بينما أيد حليفه السابق رئيس مجلس النواب عقيلة صالح الذهاب إلى الانتخابات، ما دفع حفتر إلى إغلاق مجلس النواب في طبرق. كما هاجم عدد من الأشخاص المراكز الانتخابية في بنغازي ونزعوا الأرقام التي وضعتها المفوضية العليا للانتخابات، وهذا يعني أن الانتخابات قد لا تجري في معظم المنطقة الشرقية، ما يهدد بتقسيم البلاد. وحتى لو انتقل مجلس النواب إلى طرابلس، فإن نواب المنطقة الشرقية قد يواجهون مضايقات وتهديدات قد تطال عائلاتهم إذا التحقوا بزملائهم في طرابلس. وفي كل الأحوال لن يدّخر أنصار حفتر جهداً لإعاقة الانتخابات الرئاسية والتشريعية، ولكن عسكرياً ستبقى الأمور على ما هي عليه، فالقوات المحسوبة على المجلس الرئاسي لن تهاجم المنطقة الشرقية، وهي تتعقب عناصر تنظيم داعش في الأودية الصعبة جنوب سرت. كما أن قوات حفتر لن تهاجم المنطقة الغربية وتحتل طرابلس كما كانت تهدد بذلك.



تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تطور وسائل القمع يكشف عن هشاشة علاقة الحوثيين بالمجتمع

مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يراقب تجمعاً لرجال القبائل في صنعاء (إ.ب.أ)

في حين تكشف التقارير الحقوقية عن جملة واسعة من الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة الحوثية ضد سكان مناطق سيطرتها خلال العام الماضي، يتسع مشهد الانفلات الأمني على نحو لافت، في تزامن مثير مع تدهور الأوضاع وتفاقم الاحتقان الاجتماعي، بما يعكس اتساع الشرخ بين علاقة الحوثيين بالمجتمع والقبائل.

وتُظهر التقارير الحقوقية ووقائع الانفلات الأمني تطوُّرَ الممارسات الحوثية في التعاطي مع مختلف القضايا من السياسة الأمنية التي تعتمد على الاعتقالات والاختطافات واستخدام القضاء، إلى حملات عسكرية تستهدف المدنيين مباشرةً، بالاعتقالات الجماعية والقتل خارج القانون وتجنيد الأطفال واستهداف الأعيان المدنية.

في هذا السياق، نددت الحكومة اليمنية بالحملة العسكرية الحوثية على منطقة عزلة بيت الجلبي في مديرية الرجم التابعة لمحافظة المحويت (شمال غرب) والاعتداء على أهاليها، باستخدام مختلف أنواع الأسلحة، طبقاً لما أورده الإعلام الرسمي.

ودفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة، وفرضت حصاراً مشدداً على إحدى القرى عقب مقتل القيادي مجلي عسكر فخر الدين، الذي ينتمي إلى قوات الأمن المركزي التابعة للجماعة، برصاص مسلح قبلي خلال حملة أمنية على القرية أدت إلى مقتل أحد أهلها.

وتسبب مقتل القيادي الحوثي في تسيير الجماعة حملة عسكرية واسعة لتعزيز الحملة الأمنية، مما زاد من منسوب التوتر، حسب مصادر محلية، خصوصاً أن الحملة الأمنية الأولى جرت ضمن مساعي الجماعة لإطلاق حفّار آبار احتجزه الأهالي بسبب خلافات محلية.

وأدى تدخل القائمين على الحملة، وبينهم القيادي الذي لقي مصرعه، إلى مفاقمة الخلافات التي كانت في طريقها للحل بوساطات قبلية تقليدية، وبسبب انحياز القادة الحوثيين لأحد أطراف الخلاف، وقعت الاشتباكات.

ودعت الحكومة اليمنية مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن إلى سرعة التحرك لوقف هذه الانتهاكات، مطالبةً جميع المكونات السياسية والاجتماعية والمنظمات الحقوقية بالوقوف في وجه هذه الانتهاكات.

نفوذ بنهب الأراضي

في سياق هذا التغول الحوثي شهدت منطقة المحجر في مديرية همدان، الواقعة على الأطراف الشمالية الغربية من صنعاء، حملة عسكرية يتولى مسؤوليتها القيادي مهدي اللكمي المكنّى «أبو شامخ»، لمصادرة أراضٍ يؤكد مُلَّاكها صدور حكم قضائي لصالحهم.

عنصر حوثي ضمن استعراض مسلح نظمته الجماعة في محافظة عمران (أ.ف.ب)

ونشرت الحملة عدداً كبيراً من مسلحيها في المنطقة التي اشتكى أهاليها من وقوع انتهاكات متعددة بحقهم؛ بينها الاعتداءات الجسدية والاعتقال، وتشديد القيود على الحركة، والمنع من مغادرة المنازل.

وخلال الأعوام الماضية وسّعت الجماعة الحوثية أنشطتها في مديرية همدان للاستيلاء على الأراضي بغرض استحداث تجمعات سكنية لأنصارها وعائلات قتلاها المقربين من القيادة العليا، إلى جانب منشآت أخرى بينها سجون ومقرات للأجهزة الأمنية.

وبينما قُتل سبعة أشخاص وأُصيب خمسة آخرون في مديرية برط التابعة لمحافظة الجوف (شمال شرقي صنعاء)، في أول أيام شهر رمضان، إثر تجدد ثأر قديم بين قبيلتي المكاسير وآل أبو عثوة بني هلال، كانت مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، مسرحاً لاعتداء عناصر أمنية حوثية على أحد السكان بإطلاق النار عليه وإصابته بجراح خطيرة، واقتحام منزله ونهب محتوياته بسبب خلافات مالية بينه وبين أحد هذه العناصر.

تطور منهجي للقمع

حسب تقارير مؤسسات حقوقية محلية، فإن الجماعة الحوثية كثفت انتهاكاتها خلال العام الماضي، وطوَّرت من نهجها في استهداف المدنيين، ضمن مخاوفها من ازدياد الغضب الشعبي بسبب ممارساتها والأوضاع المعيشية المتدهورة التي أوصلت السكان إليها.

الحوثيون فرضوا حصاراً على الشخصيات الاجتماعية وقادة أمنيين وعسكريين سابقين (إ.ب.أ)

ووثّق «مركز رصد للحقوق والتنمية» 868 انتهاكاً خلال العام، في محافظة البيضاء (241 كيلومتراً جنوب شرقي صنعاء) مثّل الاعتقال التعسفي والاختطاف 79 في المائة منها، لتتحول المحافظة إلى «سجن مفتوح».

وتصدرت مديرية القريشية قائمة المناطق التي طالتها الانتهاكات بـ592 حالة، حيث تعرضت على مدار العام للحصار والقصف بمختلف الأسلحة، وسقط من أهاليها 40 قتيلاً و32 جريحاً، واحتجزت الجماعة 16 جثماناً ورفضت تسليمها إلا بشروط عدَّها التقرير مُهينة لذوي القتلى، إضافةً إلى اعتداءات على مساجد ومنشآت تعليمية وتدمير منازل.

ويَبرز انفجار محطة غاز في مديرية الزاهر، الذي أودى بحياة أكثر من 35 شخصاً، مؤشراً إضافياً على هشاشة البيئة الاقتصادية وغياب الرقابة والاستهتار بحياة وسلامة السكان.

مسلحون حوثيون يحاصرون قريةً شمال غربي صنعاء ضمن مساعي السيطرة على الأراضي (إكس)

وفي الجوف، سجلت «منظمة عدالة» 8860 انتهاكاً خلال العام الماضي، بينها 24 حالة قتل خارج القانون، و24 حالة اختطاف وتعذيب، فضلاً عن مقتل أكثر من 12 مدنياً عند إحدى النقاط.

وتضمنت الانتهاكات 1509 وقائع كان ضحاياها من الأطفال، وشملت تجنيد 300 طفل واستخدام 709 في أعمال عسكرية، إضافةً إلى اقتحام ونهب منشآت وفعاليات ذات طابع طائفي، مما أدى إلى نزوح 6589 مدنياً.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
TT

حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)

تفرض الجماعة الحوثية منذ أيام حصاراً أمنياً على منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار داخل الأوساط القبلية والسياسية.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، بأن القيادي الحوثي يوسف المداني وجّه، قبل أيام، بفرض طوق أمني مُشدد حول منزل الأحمر، مع نشر مسلحين مُلثمين على متن مدرعات وعربات عسكرية في محيط الشوارع المؤدية إليه، وإقامة نقاط تفتيش لتقييد حركة الدخول والخروج.

وحسب المصادر، فقد شملت إجراءات الجماعة التدقيق في هويات الزائرين، ومنهم مشايخ من قبيلة حاشد وقبائل أخرى، ومنع بعضهم من الوصول إلى المنزل، فيما أرغمت زواراً آخرين على توقيع تعهدات بعدم مُعاودة زيارة الأحمر؛ في تصعيد لافت ضد شيوخ القبائل في مناطق قبضتها.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضح سكان مجاورون لمنزل الأحمر شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الحي شهد تعزيزات أمنية غير مُعتادة، الأمر الذي انعكس على الحركة اليومية وأثار مُخاوف كبيرة من تطور الموقف إلى اندلاع مواجهات قبلية، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المُتصاعد.

كما يخشى السكان من أن يؤدي ذلك التحرك الذي يصفونه بـ«الاستفزازي» إلى مزيد من الاحتقان القبلي، خصوصاً إذا طال أمد الحصار أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات أخرى.

رسائل إخضاع

يُعد الشيخ حمير الأحمر من أبرز الوجاهات الاجتماعية في قبيلة حاشد، إحدى كبرى القبائل اليمنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن استهداف شخصية قبلية بهذا الوزن قد يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.

وعبّر وجهاء قبليون من عمران وصنعاء وريفها لـ«الشرق الأوسط»، عن استيائهم الكبير من الإجراءات الحوثية المُتبعة، معتبرين أن التضييق المُستمر على الرموز القبلية يُشكل تجاوزاً للأعراف الاجتماعية المُتعارف عليها، ويُهدد بإثارة حساسيات واسعة في محيط القبائل الشمالية.

وأشاروا إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات يُعد «استفزازاً مباشراً» للأعراف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني، التي تجرّم محاصرة المنازل بمختلف أنواع الأسلحة أو انتهاك حرمتها.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على السكان خشية أي انتفاضة ضدهم (إ.ب.أ)

كانت مصادر محلية قد أفادت بأن مسلحي الجماعة اختطفوا الشيخ القبلي جبران مجاهد أبو شوارب، أحد مشايخ حاشد في إحدى نقاط التفتيش شمال صنعاء خلال عودته من زيارة منزل الأحمر، واقتادوه إلى جهة غير معلومة دون معرفة الأسباب.

تواصُل الزيارات

على وقع الإجراءات الحوثية المُشددة، تتواصل في صنعاء زيارات عدد من شيوخ القبائل ووجهائها إلى منزل الشيخ حمير الأحمر، غير آبهين بالقيود التي تفرضها الجماعة في محيط المنزل منذ أيام.

ووفق مصادر قبلية، فإن شخصيات اجتماعية بارزة حرصت على الوصول إلى منزل الشيخ الأحمر، تعبيراً عن التضامن ورفض ما وصفوه بـ«انتهاك الأعراف القبلية» في ظل استمرار انتشار المسلحين وإقامة نقاط تفتيش حول المنطقة.

وأكدت المصادر أن الزيارات تتم وسط أجواء من التوتر، إلا أنها تعكس تمسك القبائل بموقفها الداعم والمؤيد للشيخ الأحمر.

وأشار مراقبون إلى أن هذه التحركات القبلية تحمل رسائل واضحة برفض سياسة التضييق ومحاصرة المنازل، معتبرين أن الأعراف القبلية في اليمن تضع حرمة خاصة للبيوت وتحظر استهدافها بأي شكل من الأشكال.

لقطة من كاميرا مراقبة تُظهر عرضاً عسكرياً حوثياً سابقاً أمام منزل الشيخ الأحمر (فيسبوك)

تأتي هذه التطورات في سياق علاقة مُتوترة بين الحوثيين وعدد من شيوخ ووجهاء القبائل، منذ اجتياحهم صنعاء ومدن أخرى، حيث سعت الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ القبلي وإخضاع القيادات التقليدية لسلطتها.

كانت الجماعة الحوثية، وفي سياق أعمال الاستفزاز المُتكررة، قد نظمت في أغسطس (آب) من العام الفائت، عرضاً عسكرياً أمام البوابة الرئيسية لمنزل الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في صنعاء مع ترديد «الصرخة الخمينية».

Your Premium trial has ended


تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».