حفلات الغناء في السعودية... صناعة وبهجة

حفلات الغناء في السعودية... صناعة وبهجة

تحول نوعي في مفهوم الترفيه... وحراك مؤسسي لتطوير الذائقة الموسيقية
الجمعة - 10 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 29 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [14276]
الدمام: إيمان الخطاف
السعوديون من أكثر الشعوب تقديراً للموسيقى والطرب، وكثيراً ما غذت ثقافة نجد والحجاز صُناع الفن في المشرق والمغرب، وربما المشهد الأبرز في السنوات الماضية هو تكبُّد السعوديين مشقة السفر لحضور الحفلات والسهرات الموسيقية، وهو ما تغيّر الآن بعد أن أصبح قصّ تذاكر حفلة غنائية واجتماع أفراد العائلة فيها للطرب والسهر، أمراً اعتيادياً في الرياض، أو في أي مدينة سعودية أخرى، إذ صارت هذه الحفلات تشكل حيزاً للأسر السعودية، وتحوّلاً جديداً في مفهوم وصناعة الترفية، وصار الجمهور السعودي الذي يصفه الموسيقيون بـ«السمِّيع»، يجد متنفساً له داخل البلاد، مع عودة الحفلات الموسيقية الصاخبة، والضاجَّة بالمرح والحياة، التي تنظمها هيئة الترفيه السعودية، وتشهد إقبالا هائلاً وتنظيماً احترافياً.

وتبدي حليمة مظفر، وهي كاتبة سعودية مهتمة بالفنون، رضاها عن هذه الحفلات الموسيقية والغنائية، قائلاً: «نلمس جودة في انتقاء الأسماء، مثل اختيار الموسيقار ياني أخيراً». مردفة: «كبداية فما نراه مشجع جداً، وهيئة الترفيه تستحق التصفيق على المجهود الكبير والانتقائي، فمع الوقت بدأنا نلمس جهودها، وبدأت الأمور أكثر استقراراً، وبتنا نلمس جودة الرؤية حول هذه الأنشطة».

وتكمل مظفر حديثها لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «هذه الأنشطة الترفيهية مهمة جداً للأسرة السعودية على مستوى الصحة النفسية، ولا نغفل أن كثيراً من السعوديين كانوا يتكبدون عناء السفر في الإجازات، وحتى القصيرة منها، التي لا تتجاوز اليومين، للبحث عن الأنشطة العائلية الترفيهية، وهو ما صار متوفراً ومتاحاً داخل البلاد الآن».

وترى مظفر أن الأنشطة الفنية الترفيهية تسير في الطريق الصحيح ووفق منهجية جيدة، مضيفة: «نحتاج إلى خطة للإجازات تتناسب معها، فهناك إجازة الربيع ثم إجازة الصيف، ولا ننسى كذلك أن هذه الحفلات تعد مورداً اقتصادياً مهماً كي نحافظ على الريال السعودي داخل البلد بدلاً من أن يسافر للخارج». وعن جهوزية المجتمع تقول: «المجتمع جاهز لأن معظمة من فئة الشباب، ونحن نحتاج لأكثر من فعاليات موسيقية ومسرحية وغنائية، نتطلع لتقديم الكثير من الفنون الأخرى».

من جهته، يرى الموسيقي سلمان جهام، وهو عضو جمعية الثقافة والفنون بالدمام، أن المجتمع السعودي يبحث عن الأنشطة الموسيقية والغنائية منذ سنوات، والأمر ليس بالجديد، مضيفاً: «كان السعوديون يبحثون عن هذه الأنشطة خارج البلاد، والآن صارت متاحة داخل البلاد، هذا هو الفرق فقط، فالمجتمع لديه جهوزية مسبقة لذلك».

ويعتقد جهام خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هيئة الترفيه في أنشطتها الفنية الأخيرة همَّشَت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، بقوله: «كنا نأمل من هيئة الترفيه التنسيق مع جمعية الثقافة والفنون التي تحملت طيلة العقود الأربعة الماضية مسؤولية صناعة الترفيه الحقيقي على المستوى الفني والثقافي، بدلاً أن تأتي الأمور كما يحدث الآن».

ويردف: «من يقول إن الحفلات الموسيقية والغنائية عادت، فكأنه ينكر جهودنا السابقة، وكأننا لم نفعل شيئاً في السنوات الماضية، في حين كنا نناضل لإحياء الترفيه الحقيقي، على الرغم من أن كلمة الترفيه في حد ذاتها مطاطة». ويصف جهام الحفلات المقامة حالياً بـ«النخبوية»، مضيفاً: «أسعار التذاكر لا تتناسب مع دخل الناس الباحثة عن الترفيه الحقيقي». ويتابع: «أرجو من هيئة الترفيه أن تركز على الاستفادة من الخامات المحلية بدلاً من استيراد الفنون والفنانين».

جدير بالذكر أن الموسيقار العالمي ياني، أحيا قبل أسابيع حفلات في السعودية، حظيت بحضور جماهيري غفير، بمعية فرقته الموسيقية التي تتألف من 12 شخصاً، من ضمنهم 3 سيدات، وقد قدم الموسيقار الشهير في بداية حفلاته مقطوعات موسيقية كلاسيكية من القرن الماضي. وكانت هذه الحفلات الثلاث محط أنظار عشاق الموسيقى منذ الساعات الأولى من الإعلان عنها.

وتبدو ظاهرة نفاد التذاكر التي تتبع خبر الإعلان عن الحفلات لافتة، إذ تُظهر حجم تعطش الجمهور السعودي الكبير لهذه الأنشطة الموسيقية والغنائية، إذ نفدت تذاكر حفلة الفنان محمد عبده منذ وقت مبكر في الرياض والدمام، وتكرر الأمر مع مغنيَيْن آخرين، على الرغم من الجدل الدائر حول ارتفاع أسعار التذاكر، إذ يصل سعر التذاكر إلى ألفي ريال (533 دولاراً) وحدّها الأدنى 300 ريال (80 دولاراً).

ويتعرف السعوديون على مواعيد وأخبار هذه الحفلات عن طريق «روزنامة الترفيه» التي أطلقتها هيئة الترفية، مع إتاحة الحجز الإلكتروني والدفع عن طريق البطاقة الائتمانية، دون تكبد عناء الذهاب لقطع التذكرة، ويحظى مركز الملك فهد الثقافي بالرياض بنصيب الأسد من هذه الحفلات، إلى جانب قاعة المؤتمرات الكبرى بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن في الرياض، وفي الدمام هناك الصالة الخضراء.

في حين ابتكرت السعودية مفهوماً جديداً للحفلات الغنائية، في إقامة حفلات نسائية، تحييها فنانات عربيات ويكون جمهورها من فئة السيدات فقط، إذ قصَّت شريط هذه الحفلات المغنية الإمارتية بلقيس، التي أحيت أول حفلة غنائية للنساء في جدة مطلع شهر ديسمبر (كانون الأول)، تبعتها المغنية اللبنانية هبة طوجي في الرياض، خلال الشهر نفسه.
السعودية موسيقى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة