ما الذي يمكن قوله بعد عام على إدارة ترمب؟

ما الذي يمكن قوله بعد عام على إدارة ترمب؟
TT

ما الذي يمكن قوله بعد عام على إدارة ترمب؟

ما الذي يمكن قوله بعد عام على إدارة ترمب؟

لم تحقق إدارة الرئيس دونالد ترمب إنجازات كبيرة بعد، لكن ينبغي أن نكون منصفين. لا يمكن لإدارة أميركية تصل إلى السلطة في يناير (كانون الثاني) التوصل إلى اتفاقات مهمة أو تحقيق انتصارات عظيمة بعد 12 شهراً فقط.
مع ذلك من الممكن طرح سؤال مختلف وهو: هل لدى إدارة ترمب استراتيجية، وتدرك ما تفعله في المناطق الحيوية مثل الشرق الأوسط أم لا؟
يعتقد بعض المحللين الأميركيين أن فريق ترمب ليست لديه استراتيجية في التعامل مع الشرق الأوسط. وتتجلى أولويات إدارة ترمب في المنطقة ببطء شديد؛ ويعود هذا التأخر إلى حد ما إلى تباطؤ كل من البيت الأبيض والكونغرس، اللذين يهيمن الحزب الجمهوري على كليهما، في تشكيل فريق كامل من وكلاء الوزارات، ومساعدي الوزراء في كلٍّ من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع، ويعد هؤلاء المسؤولون قادة الموظفين الدائمين. وفي ظل عدم وجود قادة للفرق، تسير عملية اتخاذ القرارات بشأن الخطط والإجراءات بخطى بطيئة.
كانت استجابة إدارة ترمب البطيئة واضحة في تعاملها مع الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق، والعلاقات بين أربيل وبغداد. ولم يطلق الأميركيون المباحثات المكثفة بين أربيل والسليمانية وبغداد إلا خلال الأيام القليلة السابقة للاستفتاء الذي تم إجراؤه في 25 سبتمبر (أيلول) الماضي. وأرسل وزير الخارجية ريكس تيلرسون خطاباً في 23 سبتمبر إلى الرئيس مسعود بارزاني وعده فيه بقبول الاستفتاء إذا لم تتم معالجة شكاوى أربيل بعد عام من المفاوضات مع بغداد. ولم يصل الخطاب إلا بعدما بدأ أكراد الخارج بالفعل في التصويت. ولو كان ذلك الخطاب وصل مبكراً، ربما كان بارزاني قد وجد غطاءً سياسياً لتأجيل إجراء الاستفتاء. عوضاً عن ذلك تم إجراء الاستفتاء، وكان لبغداد رد فعل كلّف الأكراد الكثير، وجعل تردد الأميركيين بادياً وظاهراً.
ركّز نهج ترمب في التعامل مع العراق وسوريا، مثل نهج الرئيس باراك أوباما، على «داعش»، وتجاهل المشكلات الأخرى. وأصدر تيلرسون في يوليو (تموز) بياناً كتابياً يضع فيه مسألة مستقبل سوريا في أيدي روسيا. وكان الأميركيون غائبين عن الاجتماعات، التي كانت تتم بقيادة روسية في نوفمبر (تشرين الثاني)، بشأن سوريا.

أولوية إيران
وكان ذلك خلال فترة حكم إدارة أوباما عام 2016. والتغيير الوحيد، الذي أحدثه ترمب فيما يتعلق بالسياسة الأميركية تجاه كل من سوريا والعراق، إلغاء قرار أوباما الذي كان يُلزم القوات الأميركية بالحصول على موافقة من البيت الأبيض على كل هدف يستهدفه هجوم جوي. كان فريق أوباما أكثر خوفاً وقلقاً من حدوث إصابات ووفيات في صفوف المدنيين، ومن القانون الدولي. أما ترمب، الذي لا يفكر بشكل قانوني، فقد ألغى الالتزام بالحصول على تلك الموافقة. نتيجة لذلك، رأينا ارتفاعاً في عدد الإصابات والوفيات بين المدنيين في مدن مثل الموصل، والرقة منذ تولي إدارة ترمب السلطة. لا يشعر ترمب بالقلق إزاء الإصابات أو الوفيات في صفوف المدنيين، بل أثنى على الدور العسكري الذي قامت به إدارته من أجل استعادة الأراضي التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش.
تمثل مكافحة الإرهاب إحدى ركائز خطة ترمب الخاصة بالشرق الأوسط، والآن بعدما خسر تنظيم داعش المدن التي كان يسيطر عليها، نرى بوضوح أن الشيء الآخر الذي تركز عليه إدارة ترمب في الشرق الأوسط هو إيران؛ فقد سعى ترمب إلى زيادة الضغط على إيران برفضه تأكيد احترام إيران للاتفاق النووي الذي طلبه منه الكونغرس. تردد ترمب في جعل أميركا تنسحب من الاتفاق تماماً، حيث تدرك إدارته أنه إذا قامت بذلك ستواصل دول أخرى مثل روسيا، والصين، والأوروبيين، تنفيذ الاتفاق مع إيران، وفي هذه الحالة سيتم إقصاء أميركا. في الوقت ذاته، لم يكن ترمب يرغب في التعرض لهجوم سياسي من تيار اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأميركية، ومن مؤيدي إسرائيل، بدعمه للاتفاق النووي؛ وعوضاً عن ذلك جعل الكرة في ملعب الكونغرس، حيث ترك لهم مسألة تحديد ما يمكن القيام به بشأن فرض المزيد من العقوبات. إنه يعلم أن الكونغرس سيفرض على الأرجح المزيد من العقوبات على إيران خصوصاً بسبب تصنيعها صواريخ، حيث وافق كل من الجمهوريين والديمقراطيين في مجلس النواب بالفعل على مشروع قانون يقضي بفرض عقوبات جديدة على إيران بسبب تصنيعها صواريخ، وكان عدد الأصوات الموافقة 432 في مقابل صوتين معارضين.
وربما تكون الانقسامات السياسية، التي تشهدها واشنطن حالياً، هي الأكبر منذ حرب فيتنام ونيكسون، لذا يعد التوحد على فرض المزيد من العقوبات على إيران أمراً جديراً بالملاحظة.
ويُعزى هذا التوحد بدرجة كبيرة إلى إدراك تراجع نفوذ واشنطن في الشرق الأوسط مع تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة، ما يمثل تهديداً كبيراً على إسرائيل، وأصدقاء آخرين للولايات المتحدة. لم يكن أوباما يشعر بقلق شديد من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، حيث صرح لمجلة «أتلانتيك» عام 2016 بأن على كل من المملكة العربية السعودية وإيران «تقاسم» المنطقة. ومن غير الواضح ما الذي كان أوباما يعنيه بكلمة «تقاسم»، وينبغي أن يكون للمواطنين في دول مثل العراق وسوريا ولبنان حق تقرير مصير دولهم في كل الأحوال.
على الجانب الآخر، يتسم موقف ترمب بقدر أكبر من التصميم تجاه ممارسات إيران في الإقليم؛ فقد أعلنت إدارة ترمب في أكتوبر (تشرين الأول) أنها ستدفع ملايين الدولارات نقداً كمكافأة لأي شخص يساعد في تحديد مكان اثنين من قادة «حزب الله» أو في القبض عليهما. وحض وزير الخارجية الأميركي خلال زيارته إلى بغداد في شهر أكتوبر، حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي، على إعادة جماعات مسلحة إيرانية إلى بلادهم، لكنه لم يكن يدرك أن أكثر أفراد تلك الجماعات المسلحة عراقيون وهم بالفعل في وطنهم الآن. ويوضح هذا مرة أخرى حاجة تيلرسون إلى تشكيل فريق يستطيع توضيح الأمور وشرحها له.
الأهم من كل ذلك هو سعي ترمب إلى تحسين العلاقات مع دول عربية قادرة على تكوين جبهة مشتركة موحدة مع الولايات المتحدة للتصدي للنفوذ الإيراني. وكانت العلاقات بين واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط شهدت تراجعاً خلال فترة حكم أوباما، ويعمل ترمب على تحسين تلك العلاقات. ومن الجدير بالذكر أن تكون الرحلة الأولى التي يقوم بها رئيس أميركي إلى الخارج هي رحلة إلى الشرق الأوسط، وأن تكون أول دولة يزورها هي المملكة العربية السعودية. وقام غاريد كوشنر، صهره ومستشاره السياسي، بالعديد من الزيارات الخاصة إلى الرياض لمناقشة تحسين سبل التعاون بين البلدين، وهي جيدة جداً وعلى مستوى رفيع من تبادل الزيارات. كذلك استقبل ترمب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض خلال شهر أبريل (نيسان)، والتقاه مرة أخرى في أثناء زيارة ترمب للرياض. واستقبل الرئيس الأميركي أيضاً محمد بن زايد، ولي عهد (أبوظبي)، في واشنطن في مايو (أيار).
وغابت قضايا حقوق الإنسان في الشرق الأوسط عن الخطاب الأميركي، وأخذ يركز على إيران، والاستقرار في المنطقة، والاتفاقات التجارية. كان يأمل الأميركيون خلال كل تلك المناقشات أن توافق الدول العربية الكبرى على التعاون للحد من النفوذ الإيراني، وهي رسالة تحظى بشعبية في المنطقة.

الأولوية الثالثة ودخول التاريخ
الأمر الثالث في سلم أولويات إدارة ترمب فيما يتعلق بالشرق الأوسط هو التوصل إلى اتفاق كبير لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وكان ترمب قد التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إسرائيل خلال شهر مايو وفي نيويورك خلال شهر سبتمبر، وذهب كوشنر إلى إسرائيل مرتين، وأصبحت التصريحات التي تصدر عن البيت الأبيض بشأن إسرائيل أكثر وداً من التصريحات خلال فترة حكم أوباما. يبدو أنه لا يوجد لدى الإدارة الأميركية أمل كبير في التمكن من إقناع الفلسطينيين باتخاذ خطوات كبيرة باتجاه نتنياهو. من المؤكد أن تهديد واشنطن في نوفمبر بتقييد عمل مكتب التمثيل الفلسطيني في واشنطن بسبب الإصرار الفلسطيني على إحالة اتهامات لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب إلى المحكمة الجنائية الدولية قد قوّض قدرة أميركا على الاضطلاع بدور الوسيط. مع ذلك يفضل فريق ترمب التعاون مع الدول العربية الكبرى لإقناع السلطة الفلسطينية بتقديم مرونة من أجل التوصل إلى اتفاق سلام. وكذلك ينتظرون من الإسرائيليين اتخاذ بعض الخطوات، لكن ليس لدى ترمب أو الكونغرس أي فكرة عن كيفية إقناع إسرائيل بالقيام بذلك.
مما لا شك فيه أن ترمب يريد للتاريخ أن يسجل إبرامه هذا الاتفاق الهائل الذي ظل هدفاً يراوغ الرؤساء الأميركيين من نيكسون حتى أوباما، لكن لدى فريقه هدف آخر وهو تكوين جبهة عربية - إسرائيلية مشتركة ضد إيران. ولا تعد هذه الفكرة جديدة، حيث يدعو بعض المراقبين في الولايات المتحدة، واشنطن إلى تكوين تلك الجبهة منذ عدة سنوات. تعتقد إدارة ترمب أن الجبهة المشتركة ممكنة، في حين أن قدرتها على العمل بفعالية على المسارات الثنائية والإقليمية في غضون أشهر وسنوات من أجل التوصل إلى اتفاق فلسطيني - إسرائيلي لا تزال أمراً مشكوكاً به. ويصدق هذا بوجه خاص بسبب المشكلات الداخلية التي يواجهها كل من نتنياهو وعباس. كذلك يعتقد الأميركيون أنه نظراً إلى كون النفوذ الإيراني مشكلة كبيرة، تتجاهل دول في المنطقة مشكلات أخرى، وتعزف عن التعاون بشأنها. ويمثل تجاهل التاريخ في أجزاء أخرى من العالم مشكلة بالنسبة إلى الأميركيين بوجه عام، وبالنسبة إلى إدارة ترمب بوجه خاص.
بالمثل، لجأ ترمب إلى العلاقات الدبلوماسية الشخصية مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وهو أحد الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الذي قاوم في الماضي تنامي النفوذ الإيراني واتساع نطاقه. واستقبل ترمب الرئيس التركي إردوغان في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض خلال شهر مايو، والتقاه مجدداً في نيويورك خلال شهر سبتمبر. ووصف ترمب إردوغان بأنه «صديق»، وأكد أن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة في أفضل حالاتها. وتجاهل ترمب الإجراءات القمعية التي اتخذها إردوغان ضد معارضيه وخصومه السياسيين، والإعلام، والعاملين في القطاع الحكومي، بعد محاولة الانقلاب التي حدثت عام 2016، وكانت هناك حدود مهمة لتحرك واشنطن من أجل استعادة العلاقات التي شهدت توتراً خلال فترة حكم أوباما. الجدير بالذكر أن إدارة ترمب قد قررت في مايو 2017 إرسال السلاح بشكل مباشر إلى «وحدات حماية الشعب» الكردي في سوريا المقربة من حزب العمال الكردستاني، الذي يقاتل الحكومة التركية داخل تركيا، والمدرج على قائمة المنظمات الإرهابية الخاصة بكل من الحكومة الأميركية والحكومة التركية. وأخبر ترمب الرئيس إردوغان في 24 نوفمبر أن الولايات المتحدة ستتوقف عن توريد السلاح إلى «وحدات حماية الشعب» الكردي، لكن كان وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس قد صرح بالفعل بأن القوات الأميركية ستظل موجودة في المناطق الكردية السورية لحمايتها من قوات الرئيس بشار الأسد، وبالتالي أيضاً من الضغط التركي.

ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى سياسة إدارة ترمب تجاه الشرق الأوسط في عام 2018؟
من المستحيل معرفة ذلك لأنه لا تزال هناك مناصب مهمة شاغرة في الإدارة. مع ذلك يبدو واضحاً عدم اتباع إدارة ترمب أي استراتيجية محددة تحكم كيفية مساعدة دول المنطقة في التصدي للجماعات الإرهابية في المستقبل، باستثناء بعض الإجراءات المرحلية الأمنية. لذا سنشهد المزيد من صفقات بيع الأسلحة، دون تقديم مساعدة اقتصادية لإعادة بناء سوريا، أو العراق، أو ليبيا، أو اليمن.
لقد ذكر ترمب بوضوح في تغريدة له على موقع «تويتر» بتاريخ 24 نوفمبر، أن القوات الأميركية لا ينبغي لها الانخراط في حروب منطقة الشرق الأوسط، وهو أمر أكده مراراً وتكراراً خلال حملته الانتخابية. لذلك قد لا تظل القوات الأميركية موجودة طويلاً في شرق سوريا، حيث لا يشعر ترمب على الأرجح بأي ولاء تجاه أكراد سوريا، ومن الممكن أن تسرع واقعة واحدة سيئة وتيرة سحب القوات الأميركية، مثلما سحب ريغان قوات مشاة البحرية الأميركية من بيروت بعد التفجير الانتحاري الذي وقع عام 1982.
ومع توقع زيادة الطريق إلى عملية السلام الفلسطيني - الإسرائيلي وعورةً عام 2018، من الممكن أن يطلب ترمب من الحلفاء ممارسة المزيد من الضغوط على الفلسطينيين، والاتجاه إلى المزيد من التعاون مع إسرائيل دون تقديم تعويض يذكر سوى بعض صفقات السلاح، والسكوت عن الوضع السياسي الداخلي في تلك الدول. من المرجح أن يصبح الصراع في اليمن هو الاختبار الأكبر الذي يوضح التزام ترمب. مع ذلك الأهم من ذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة هي التحقيقات مع الرئيس ترمب ووضعه القانوني، إلى جانب الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في نوفمبر 2018، والتي من المتوقع أن تتجاوز سخونتها تأثير الاحتباس الحراري على الولايات المتحدة الأميركية.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.