مجلس الدولة يمرر قانون الاستفتاء على الدستور الليبي

نائب برلماني: لا نتعامل مع حكومة السراج لعدم دستوريتها

TT

مجلس الدولة يمرر قانون الاستفتاء على الدستور الليبي

أقر المجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية طرابلس، أمس، مشروع قانون الاستفتاء على مسودة الدستور الجديد للبلاد، في خطوة تصعيدية جديدة أحادية الجانب، وصفها طلال الميهوب رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي، بأنها «غير قانونية وغير ذات قيمة».
وصوت مجلس الدولة، خلال جلسة مفاجئة عقدها أمس، بالموافقة على مشروع قانون الاستفتاء على مسودة الدستور، وفقاً للمادة (23) من الاتفاق المبرم في منتجع الصخيرات بالمغرب عام 2015، حيث قال أعضاء في المجلس إن 52 عضواً من بين 74 حضروا الجلسة، صوتوا لصالح المشروع.
وأجازت الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي، مسودة الدستور؛ لكنها تعرضت لطعون قضائية بسبب مخالفات شابت عملية التصويت. وتنص المادة التي استند إليها مجلس الدولة في تصويته المنفرد أمس، على أنه «ومن دون إخلال بالصلاحيات التشريعية لمجلس النواب (البرلمان) يقوم ومجلس الدولة بتشكيل لجنة مشتركة بينهما، قبل شهرين من انتهاء عمل الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، مهمتها اقتراح مشروعي قانوني الاستفتاء والانتخابات العامة، لاستكمال المرحلة الانتقالية والتشريعات الأخرى ذات الصلة، وتقدم مشروعات القوانين لمجلس النواب لإقرارها». وقال طلال الميهوب، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب (البرلمان) الليبي المعترف به دولياً لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما قام به أمس ما يعرف بمجلس الدولة، غير قانوني ولا يمثل إلا من صوت عليه، ولا يؤدي إلى شي إلا إلى مزيد من التشظي والانقسام».
وأضاف: «(مجلس الدولة) هو المعرقل للحياة السياسية في البلاد، وهو من يتحمل تبعات تصرف أعضائه المراهقين سياسياً المؤدلجين دينياً».
وسئل: من المتسبب في تعطل جهود البعثة الأممية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية؟ فأجاب: «(عبد الرحمن) السويحلي (رئيس المجلس الأعلى للدولة) وعصابته هم من يعرقلون الاتفاق السياسي، ومجلس النواب أدى ما عليه القيام به»، مؤكداً أن «عدم التعامل مع ما يعرف بحكومة الوفاق (الوطني التي يترأسها فائز السراج) جاء من باب عدم دستورية هذا الجسم»، على حد تعبيره.
في المقابل، تسبب سوء الأحوال الجوية، في تأجيل جلسة كان مقرراً أن يعقدها مجلس النواب الليبي أمس، لمناقشة تضمين الاتفاق السياسي بالإعلان الدستوري (الدستور المؤقت)، إلى الأسبوع المقبل.
ولم يتمكن أعضاء المجلس، خاصة في المنطقة الغربية، من اللحاق بالجلسة، بعدما تعذر تنقلهم عبر رحلات الطيران، خاصة من الغرب والجنوب، إلى مقر مجلس النواب في مدينة طبرق، بأقصى الشرق الليبي.
وقال عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي لمجلس النواب، إنه تم تأجيل جلسات المجلس للأسبوع المقبل، بسبب بعض المشكلات اللوجستية، مشيراً في تصريح مصور نشره الموقع الإلكتروني الرسمي للمجلس، إلى أن أعضاء المجلس سوف يستكملون جدول الأعمال الأسبوع المقبل، وتحديداً فيما يخص تعديل الإعلان الدستوري، الإعلان العاشر المتعلق بالسلطات التنفيذية، والمقترح الذي اعتمده مجلس النواب لتعديل اتفاق الصخيرات. وكان مجلس النواب قد اعتمد «الصيغة التوافقية» التي قدمها الشهر الماضي غسان سلامة، رئيس بعثة الأمم المتحدة، بشأن التعديلات على الاتفاق؛ لكن مجلس الدولة رفضها، نافياً توافقه بشأنها خلال المفاوضات المشتركة التي استضافتها تونس. وبموجب المادة 12 من الأحكام الإضافية لاتفاق الصخيرات، فإن أي تعديلات يرغب فيها البرلمان أو مجلس الدولة، يجب أن تتم عبر لجنة مشتركة، ويتم التصويت عليها، كل على حدة، لتمرير وقانونية أي تعديل يطال الاتفاق. من جهته، اعتبر صالح قلمة مقرر مجلس النواب، أن بعثة الأمم المتحدة تواجه صعوبات في تطبيق خطتها المتعلقة بالحل السياسي في ليبيا، نتيجة لتعدد الآراء والتوجهات، وتداخلها إقليمياً ودولياً في المشهد الليبي غير المسبوق.
وقال قلمة، في بيان مقتضب نشره على صفحته عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أول من أمس، إن رئيس البعثة الأممية غسان سلامة، ومن خلال تصريحاته الأخيرة، وضع كثيراً من النقاط على الحروف، ولم يكن متفائلاً ولا متشائماً، ولكنه كان دبلوماسياً وشفافاً في حديثه، وأوصل كثيراً من الرسائل للجميع.
وأعلنت السلطات في شرق ليبيا عزمها عقد مؤتمر في شهر مارس (آذار) المقبل، لحشد الدعم لإعادة إعمار مدينة بنغازي، ثاني أكبر مدينة ليبية، بعد أن لحقت بها أضرار بالغة جراء ثلاث سنوات من القتال بين قوات عسكرية ومقاتلين إسلاميين.
وقال منظمون لوكالة «رويترز»، إن المؤتمر الذي سيكون برعاية مجلس النواب، سيُعقد تحت اسم «المؤتمر والمعرض الدولي لإعادة إعمار مدينة بنغازي» في الفترة من 19 إلى 21 مارس المقبل، وأضافوا في دعوة نشرت على الإنترنت، أن معرضاً مدته ستة أيام سيقام في الشهر نفسه.
ويشير الإعلان عن عقد المؤتمر إلى رغبة في إظهار عودة الأمور إلى طبيعتها في ميناء بنغازي، بعد أن أعلن القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر نهاية حملة لطرد مقاتلين إسلاميين في يوليو الماضي.
واستمرت الاشتباكات بوتيرة متقطعة في بعض المناطق المعزولة؛ لكن الحياة عادت لطبيعتها في باقي أنحاء المدينة، وإن كانت بعض الأحياء تعرضت لدمار شبه كامل بفعل القصف والضربات الجوية. وسعت الأمم المتحدة إلى مد الجسور بين طرفي النزاع الدائر منذ الإطاحة بالعقيد الراحل معمر القذافي في 2011، وجرى تعليق المحادثات في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.



عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط... ونتنياهو و«حزب الله» يخوضان حرباً عبثية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: إيران تستخدم لبنان ورقة ضغط... ونتنياهو و«حزب الله» يخوضان حرباً عبثية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن إيران «تستخدم لبنان ورقة ضغط» في إطار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب «حزب الله»، يشنان «حرباً عبثية» لن تؤدي أبداً إلى «النتيجة المرجوة».

وقال عون في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الأميركية إن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل هي من خلال المفاوضات، وعلى نتنياهو والإسرائيليين و(حزب الله) أن يفهموا أنهم يخوضون حرباً لا جدوى منها، وأن الاستراتيجية التي يتبعونها هي قصيرة النظر، وتؤدي إلى نتائج عكسية».

وشدد على أنه «لا يمكن التعامل مع (حزب الله) إلا محلياً، وهذا هو واجب الدولة والحكومة، إنما بشرط واحد وهو إزالة جذور أسباب وجود سلاحه؛ أي الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء حالة الصراع مع إسرائيل».

وأعلن أنه «يرفض تماماً تصريح (الحرس الثوري) الإيراني الذي يملك تأثيراً كبيراً على (حزب الله)، لجهة عدم موافقتهم على الاتفاق وما حصل، وإنهم يستعملون لبنان ورقة تفاوضية في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الأميركية».

وأضاف: «سئمنا هذا الوضع منذ عام 1969، نريد أن نعيش في سلام، ويستحق اللبنانيون عدم رؤية منازلهم تدمّر كل 5 أو 10 سنوات، لقد ملّوا وهم يعتمدون عليّ ومن واجبي تجاه شعبي. هم الشعب اللبناني وليسوا شعب (الأمين العام لحزب الله) نعيم قاسم».

وأضاف: «لدينا فرصة جيدة لإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، لدينا فرصة للشعبين اللبناني والإسرائيلي للعيش في حالة من الأمن والأمان. إنها فرصة هائلة وعليهما أن يختارا (نتنياهو وحزب الله): الحرب أو المفاوضات أو الدبلوماسية، والدبلوماسية هي أفضل طريقة. وكرجل عسكري، فإنني أفهم وقد عشت فظائع الحرب، وأفضل طريقة هي عبر الدبلوماسية، فالحروب بشكل عام، وعبر التاريخ، تنتهي بمنتصر ومهزوم أو من خلال المفاوضات، ولن يتمكن الطرفان من تحقيق أهدافهما من خلال الحرب».

وعن إمكان اقتناع «حزب الله» بالمفاوضات واتفاق وقف إطلاق النار، أعرب عون عن أمله في أن يتم إقناعهم في نهاية المطاف، لكنه أضاف: «إنما الثمن سيكون مرتفعاً للأسف. سأحاول، فليس هناك من مستحيل، وسأدفع نحو هذا الأمر».

وأوضح أن «رئيس مجلس النواب نبيه بري يؤيد المفاوضات وإنهاء هذه الحرب، وقد سئم من الحرب بعد أن شاهد تدمير الجنوب، وأعتمد عليه».

أما عن تصريح «الحرس الثوري» الإيراني الذي أعلن فيه عدم موافقته على الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، شدد عون على رفضه لهذا الكلام، وقال: «هذا ليس بلدكم، إنه بلدنا، وواجبنا، وعملكم ليس التدخل في بلدنا، وأنا أرفض هذا التصريح بشكل تام، لأن شعبنا هو الذي يقتل، وبيوتنا هي التي تدمّر، هم يستعملون لبنان ورقة تفاوضية في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الأميركية. هذا أمر غير مقبول».


الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

اتهمت الحكومة اليمنية الجماعةَ الحوثية بالوقوف وراء اغتيال أحد أبرز المسؤولين التنمويين في البلاد، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً نظراً لمكانة الضحية ودوره في إدارة واحد من أهم البرامج التنموية التي عملت لعقود على دعم المجتمعات المحلية، والتخفيف من آثار الأزمات الإنسانية.

وجاءت هذه الاتهامات خلال مباحثات أجراها وزير الداخلية اليمني، اللواء الركن إبراهيم حيدان، مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، حيث استعرض الوزير مستجدات التحقيقات المتعلقة باغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، والإجراءات التي نفَّذتها الأجهزة الأمنية منذ وقوع الحادثة. وفق ما ذكره الإعلام الرسمي.

وأكد الوزير اليمني أنَّ التحقيقات أسفرت عن ضبط عدد من المشتبه بهم، مشيراً إلى وجود أدلة قالت السلطات إنَّها تثبت تورُّط الحوثيين في التخطيط والتنفيذ للجريمة، في تطوُّر يضيف بُعداً جديداً إلى الاتهامات المتبادلة بين الحكومة والجماعة بشأن استهداف الكوادر المدنية والعاملين في المجالات الإنسانية والتنموية.

وبحسب وزارة الداخلية اليمنية، فإنَّ مسار التحقيقات قاد إلى نتائج وصفتها بالحاسمة، دفعتها إلى تحميل الحوثيين المسؤولية عن عملية الاغتيال التي استهدفت المسؤول التنموي البارز الذي كان يقود مؤسسةً لعبت دوراً محورياً في تنفيذ مشروعات تنموية وخدمية في مختلف المحافظات اليمنية.

وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان (إعلام حكومي)

وأبلغ الوزير السفير الأوروبي أنَّ الأجهزة الأمنية تواصل استكمال إجراءات التحقيق وجمع الأدلة وملاحقة المتورطين، مؤكداً أنَّ الجريمة لا يمكن فصلها عن المناخ الأمني المُعقَّد الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.

كما ربط حيدان بين هذه القضية، واستمرار الجماعة الحوثية في احتجاز عدد من موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية، عادّاً أنَّ تلك الممارسات تعكس نهجاً متصاعداً في التضييق على العمل الإنساني والتنموي.

وتنظر الأوساط الحكومية إلى الحادثة بوصفها ضربةً موجعةً للجهود التنموية في اليمن، لا سيما أنَّ الصندوق الاجتماعي للتنمية يُعدُّ من أهم المؤسسات التي حافظت على نشاطها خلال سنوات الحرب، وأسهمت في توفير فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق الأكثر احتياجاً.

تعاون أمني مع أوروبا

جاء ملف الاغتيال ضمن مباحثات أوسع تناولت التعاون الأمني بين اليمن والاتحاد الأوروبي، حيث أشاد وزير الداخلية بالدعم الذي يُقدِّمه الاتحاد الأوروبي للحكومة اليمنية، وبرامج بناء قدرات الأجهزة الأمنية.

وأكد حيدان تطلع وزارته إلى توسيع مجالات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ملفات مكافحة الهجرة غير الشرعية والتحديات الأمنية العابرة للحدود، مشدداً على أهمية التنسيق المشترك لحماية المصالح المتبادلة وتعزيز الاستقرار.

من جانبه، جدَّد سفير الاتحاد الأوروبي دعم الاتحاد لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة باليمن، مؤكداً استمرار التعاون مع وزارة الداخلية في مختلف المجالات الأمنية بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار. بحسب ما نقله الإعلام الرسمي.

ويأتي هذا الدعم في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد مزيد من المساندة الدولية لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية المتفاقمة، وسط استمرار الصراع وتراجع مستويات التمويل الدولي للبرامج الإغاثية والتنموية.

انتهاكات واسعة بحق الأطفال

بالتزامن مع الاتهامات الحكومية بشأن عملية الاغتيال، أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريراً جديداً وثَّقت فيه ما قالت إنها «انتهاكات واسعة» ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق الأطفال منذ بداية عام 2015 وحتى نهاية مارس (آذار) 2026.

ووفق التقرير، بلغ عدد الانتهاكات الموثقة نحو 29 ألفاً و891 حالة، شملت القتل، والإصابة، والاختطاف، والإخفاء القسري، والتعذيب، والاعتداءات الجنسية، والتجنيد القسري للأطفال.

وأشار التقرير الحقوقي إلى مقتل أكثر من 5 آلاف طفل وإصابة آلاف آخرين، فضلاً عن تهجير عشرات الآلاف وتشريدهم، بينما حُرم ملايين الأطفال من التعليم؛ نتيجة تداعيات الحرب وتحويل عدد من المدارس إلى مواقع عسكرية أو مراكز للتعبئة والتجنيد.

كما تحدَّث التقرير عن استمرار الحوثيين في تجنيد الأطفال وإشراكهم في العمليات القتالية، مؤكداً أنَّ هذه الممارسات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل، وداعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية لحماية الأطفال ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.


السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
TT

السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

بينما يُنظر إلى أزمة السيولة التي تواجه الحكومة اليمنية على أنها نقص في الأوراق النقدية، يرى خبراء اقتصاديون أن المستجد الأبرز يتمثل في اتساع الفجوة بين البنوك والسوق، مع استمرار تركز جزء كبير من السيولة خارج القنوات المصرفية الرسمية؛ الأمر الذي حدّ من فاعلية السياسات النقدية وأبقى الأزمة قائمة رغم الإجراءات الأخيرة للبنك المركزي.

وفي حين لم يعلن البنك المركزي اليمني، بشكل مباشر، عن قرارات لمعالجة الأزمة التي تواجه القطاع المصرفي وتلقي بآثار ثقيلة على الاقتصاد والسكان، فإن الإجراءات المتخذة من طرفه خلال الفترة الماضية، غير قادرة على إنهاء معاناة البنوك اليمنية في الحصول على الأوراق النقدية الكافية لإنجاز المعاملات اليومية.

ويرى الخبير الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي أن توصيف الأزمة بأنها نقص في النقد ليس دقيقاً بالكامل، موضحاً أن الأوراق النقدية لا تزال متوافرة في الأسواق ويتم تداولها خارج الجهاز المصرفي، في حين تكمن المشكلة الأساسية في عجز البنوك عن استقطاب هذه الأموال وإعادتها إلى الدورة المالية الرسمية.

ويوضح الآنسي لـ«الشرق الأوسط» أن القيود التنظيمية وآليات العمل التقليدية التي ما زالت تحكم القطاع المصرفي تقلص جاذبية البنوك وتجعلها أقل قدرة على المنافسة مقارنة بشركات الصرافة.

تتصاعد المخاوف اليمنية من تأثيرات أزمات المنطقة على مستويات المعيشة (رويترز)

وتفرض البنوك حدوداً منخفضة على التحويلات وساعات عمل محدودة، في حين توفر شركات الصرافة خدمات أكثر مرونة وسرعة؛ الأمر الذي دفع شريحة واسعة من الأفراد والتجار إلى الابتعاد عن التعامل المصرفي التقليدي، وفقاً للآنسي.

وشهد الناتج المحلي الإجمالي في اليمن انكماشاً حاداً ومستمراً خلال العقد الممتد من 2015 إلى 2025 (عقد الانقلاب الحوثي والحرب)، بانكماش وصل إلى نحو 43 في المائة، ووصل إجمالي الخسائر التراكمية للاقتصاد اليمني إلى أكثر من 126 مليار دولار، كما تنقل بيانات البنك الدولي ووزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية.

أزمة بنيوية

خلال الأسابيع الماضية، أجرى البنك المركزي اليمني اجتماعات مكثفة مع البنوك المحلية وبرنامج الغذاء العالمي، وسط مخاوف من تأثيرات عميقة للنزاعات في المنطقة على الأمن الغذائي في البلاد، وعدم القدرة على توفير السلع الأساسية للسكان.

ويرى عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن المشكلة تتجاوز الأدوات الفنية للبنك المركزي إلى بنية مؤسسية أكثر تعقيداً؛ إذ تفتقر السلطات النقدية إلى أدوات مالية جاذبة يمكن أن تستقطب السيولة المكتنزة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي ذات العوائد المناسبة، فضلاً عن تأثير الانقسام النقدي والمؤسسي الذي فرضته الحرب وأدى إلى تشظي المنظومة المالية وإضعاف مركزية القرار النقدي.

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» استبعد المساجدي وجود تأثير مباشر لممارسات الجماعة الحوثية في هذه الأزمة التي تواجهها مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، إلا أنه نبّه إلى وقوع تأثير بنيوي لإقدام الجماعة على خلق اقتصاد موازٍ يعتمد على التعاملات غير المصرفية ويعيد إنتاج سلوكيات مالية مضطربة، ودفع السياسة النقدية إلى العمل في بيئة غير مكتملة السيطرة.

وتتهم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الحوثيين بضرب واستهداف الاقتصاد اليمني وموارد الدولة، والاعتداء على موانئ تصدير النفط والتهديد وإيقاف حركة تصدير الوقود والغاز؛ ما أدى إلى حرمان السكان من أهم مصادر الإيرادات والمرتبات والخدمات الأساسية.

من جانبه، يربط الخبير الاقتصادي اليمني عبد السلام الأثوري أزمة السيولة بحالة تفكك أوسع طالت مؤسسات الدولة وآليات إدارة الموارد العامة. ويشير إلى أن جزءاً من الأموال المتداولة يتسرب خارج الدورة الاقتصادية الرسمية عبر قنوات غير مصرفية، في حين تتجه مبالغ أخرى نحو المضاربة بالعملات الأجنبية أو التحويل إلى الخارج؛ الأمر الذي يفاقم اختلالات السوق النقدية.

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بتدمير الاقتصاد واستهداف المنشآت الاقتصادية منذ بدء الحرب (أ.ب)

وطبقاً لما قاله الأثوري لـ«الشرق الأوسط»، فإن تراجع دور المؤسسات المالية الرسمية أدى إلى توسع الاقتصاد الموازي، حيث أصبحت شركات الصرافة تستحوذ على جزء كبير من السيولة وتوجهها نحو المضاربة والتحويلات الخارجية، كما عمّق الانقسام السياسي والنقدي تشظي المنظومة المالية؛ ما عطل الدورة النقدية وأحدث اختناقاً في السيولة، رغم وجود أموال كبيرة خارج الجهاز المصرفي.

إجراءات غير مجدية

على الرغم من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة على الودائع، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، وتنظيم عمليات الاستيراد، فإن المراقبين يرون أن تأثير هذه الإجراءات لا يزال محدوداً ما لم تترافق مع إصلاحات أعمق تعيد الثقة بالقطاع المصرفي وتنشط الدورة النقدية.

ويؤكد الآنسي أن رفع أسعار الفائدة قد لا يحقق النتائج المرجوة؛ لأن البنك المركزي لا يسيطر فعلياً إلا على جزء محدود من الكتلة النقدية، بينما تبقى النسبة الأكبر خارج النظام المصرفي، كما يدعو إلى مراجعة بعض السياسات المتعلقة بتمويل الواردات لتخفيف الضغط على السيولة المحلية.

وطالب بتعديل القرار الملزم للمستوردين بتوريد 100 في المائة من قيمة الاعتمادات بالعملة المحلية لتخفيف الضغط عليها، منوهاً إلى أن البنك المركزي لا يستطيع إلزام البنوك بتجاوز ما يُعرف بمركز العملة؛ لأن البنوك لا تملك حق تغيير أموال المودعين من عملة إلى أخرى إلا بطلبهم.

على الرغم من تحسن سعر الريال اليمني فإنه يعاني ضعف القدرة الشرائية (أ.ب)

ويسعى البنك المركزي إلى إلزام بعض البنوك بتوفير العملات الأجنبية، وضخها في الأسواق لتغطية العجز عن دفع الرواتب.

من جهته، يدعو الأثوري إلى إصلاح الرواتب من خلال تدقيق القوائم الوظيفية وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، ودمج جزء منها بالنظام المصرفي، والتحول للدفع الرقمي من خلال توسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد، ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة.

ومع استمرار اختناق السيولة رغم وجود كتل نقدية كبيرة خارج الجهاز المصرفي، تبدو الأزمة أقرب إلى أزمة توزيع وثقة وإدارة مالية منها إلى نقص فعلي في الأموال؛ وهو ما يجعل معالجتها مرهونة بإصلاحات مؤسسية أوسع تتجاوز الأدوات النقدية التقليدية.