نقطة انطلاق التحول الاقتصادي السعودي

نقطة انطلاق التحول الاقتصادي السعودي

حصيلة عام استثنائي بالأرقام
الأربعاء - 8 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 27 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [ 14274]
د. عبد الله الردادي
قد يكون عام 2017 العام الأبرز اقتصادياً في تاريخ المملكة العربية السعودية، إذ شهد هذا العام كثيراً من التغيرات الاقتصادية فيها، وذلك بالبدء الفعلي في تطبيق برامج «رؤية 2030» على المستويين الداخلي والخارجي. فعلى المستوى الداخلي بدأت المملكة في تطبيق برامج الرؤية مثل برامج التوازن المالي أو التخصيص أو فرض رسوم الوافدين وضريبة القيمة المضافة، أما على النطاق الخارجي، فقد شملت هذه التغييرات تكوين شراكات اقتصادية مع كبريات دول العالم مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين. كما شهدت أيضاً الإعلان الشفاف عن الاستثمارات السعودية الخارجية والداخلية عن طريق صندوق الاستثمارات العامة السعودي.

إنه العام الذي شهد الإعلان عن مشاريع غير تقليدية... مشاريع هي الأولى من نوعها في تاريخ المملكة، مثل مشروع البحر الأحمر السياحي ومشروع القدية الترفيهي، أو مشروع مدينة «نيوم»، وهو الأضخم من بين هذه المشاريع

شهد عام 2017 تغيراً في السياسات المالية للسعودية على المستوى الداخلي ابتداء من إعلان الميزانية، مروراً بالإعلان الشفاف عن المشاريع والاستثمارات السعودية الخارجية.

على الصعيد الداخلي، بدأت تتضح معالم تطبيق «رؤية 2030» التي تهدف إلى تعدد مصادر الدخل للمملكة، بدلاً من الاعتماد على النفط بصفته مصدراً أساسياً للمصاريف العامة. وقد ينظر البعض إلى استحالة استغناء المملكة عن النفط، إلا أن الواقع هو أن الهدف من برامج تعدد الدخل الحكومي ليس الاستغناء عن النفط بشكل كلي، بل يهدف هذا البرنامج لتخفيف الآثار المترتبة على تذبذب أسعار النفط على الدخل الحكومي.

لقد استمرت المملكة في عام 2017 في تطبيق برنامج التوازن المالي لـ2020، الذي يهدف إلى الموازنة بين دخل الدولة ومصاريفها العامة بحلول عام 2020، وحتى الآن اتضحت مرونة هذا البرنامج من خلال حدثين مهمين في عام 2017.

الحدث الأول كان إعادة بدلات الموظفين الحكوميين بعد إيقاف صرفها العام الماضي، واعتمدت هذه الخطوة بعد إعلان وزارة المالية أن المملكة بدأت بالفعل بتوفير جزء من النفقات ما مكَّنَها من إعادة البدلات دون تضرر الميزانية.

والحدث الثاني تمثل بإعادة تقييم برنامج التوازن المالي نفسه عبر إعلان وزير المالية أن المملكة قد تغير موعد تحقيق التوازن المالي من عام 2020 إلى عام2023.

هذا، ورحب خبراء البنك الدولي في منتصف عام 2017 بهذه الخطوة من الحكومة السعودية، التي تعد الأولى خليجياً وعربياً، ثم إن هذه الخطوة تحديداً تخدم التوجه السعودي الذي يهدف إلى اكتفاء الوزارات السعودية ذاتياً بحيث يصار إلى تقييم أداء الوزارات أربع مرات في العام بدلاً من مرة واحدة. كذلك فوجود الميزانيات ربع السنوية يسهل عملية التقييم المالي للقطاعات الحكومية في حال أرادت المملكة خصخصتها وبيعها للقطاع الخاص.

من ناحية ثانية، أعلن هذا العام عن بدء تطبيق عدد من البرامج الحكومية على المستوى الداخلي، لعل الأبرز من ضمن هذه البرامج هو تطبيق ضريبة القيمة المضافة بدءاً من غرة عام 2018.

البرنامج الآخر الذي أعلن عنه وسيتم تطبيقه العام المقبل هو فرض رسوم على الوافدين في المملكة، سواءً كان الوافد ضمن القوة العاملة أو ضمن المرافقين لهم. ويتوقع أن تدرّ هذه الرسوم ما يقارب 24 مليار ريال.

وعلى مستوى التخصيص، استمرت برامج تخصيص الدوائر الحكومية بين دراسة على الورق وتخصيص بشكل فعلي. وتهدف برامج التخصيص في المملكة إلى تقليص المصاريف الحكومية، ونقل بعض الدوائر الحكومية من كونها عبئاً على الميزانية العامة إلى أن تصبح مؤسسات مستقلة بذاتها ومحققة الاكتفاء الذاتي. كذلك تهدف برامج التخصيص إلى زيادة الفعالية في هذه الدوائر الحكومية والانتقال من البيروقراطية الحكومية إلى الديناميكية المعروفة عن مؤسسات القطاع الخاص. ومما لا شك فيه أن في تخصيص بعض الدوائر الحكومية الدعم للقطاع الخاص، ونقله من الاستثمارات التقليدية القصيرة المدى إلى استثمارات طويلة المدى أحد أهداف الرؤية التي تتطلع إلى رفع نسبة مشاركة القطاع الخاص في الناتج المحلي إلى نسبة 50 في المائة.

وإضافة إلى توفير المصاريف العامة من تخصيص بعض الدوائر الحكومية، فإن المملكة قد تحصل على دخل إضافي من بيع هذه المؤسسات الحكومية إلى القطاع الخاص. ولعل أكبر مثال ناجح على تخصيص المؤسسات الحكومية السعودية ما تحقق في بعض مطارات المملكة، ومنها مطار الملك فهد الدولي في الدمام الذي جرى تحويله إلى «شركة مطارات الدمام»، وما هو جارٍ حالياً في بيع جزئيات من «مطار الملك خالد الدولي» في العاصمة الرياض إلى «شركة مطارات الرياض». وكذلك الحال في مطارات أخرى في المملكة.

أيضاً تواصل العمل في دعم برامج المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وذلك لدعم القطاع الخاص بالمملكة. ويتمثل هذا الدعم بتعزيز صناديق وبرامج التمويل والاستشارات للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، مثل برنامج «بادر» و«ريادة» وغيرها من برامج دعم الشباب السعودي.

إلا أن الحدث الأكثر صدى في عام 2017 كانت التوقيفات في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي؛ ففي حين فوجئ الناس بإيقاف وزير الخدمة المدنية وإحالته للتحقيق في تجاوزات نسبت إليه في أبريل (نيسان) الماضي في حالة هي الأولى من نوعها في تاريخ الدولة السعودية، شكلت توقيفات الرابع من نوفمبر مفاجأة على المستويين المحلي والدولي. إذ في ليلة واحدة تم توقيف ما يقارب الـ50 شخصاً ما بين أمراء ووزراء سابقين، في قضايا تتعلق بالفساد. وتترتب على هذه التوقيفات - من الناحية الاقتصادية - عدة أمور:

الأمر الأول يعنى بتنظيم المصاريف العامة الحكومية، ذلك أنه من الصعب أن توفر الدولة في النفقات العامة بوجود الفساد والاختلاسات في دوائرها الحكومية.

الأمر الثاني معني باستعادة جزء مما تم استلابه من الميزانيات العامة للسنوات السابقة، وهو ما صرح ولي العهد السعودي بقيمته التي تعادل ما يقارب 10 في المائة من الميزانيات السعودية للسنوات الماضية. وبحسب تصريح ولي العهد السعودي لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية فإن المبالغ التي قد يتم استردادها من المتهمين في قضايا الفساد عن طريق التسوية قد تقارب 100 مليار دولار أميركي. ولاستيعاب ضخامة هذا المبلغ، يكفي معرفة أن المبلغ الذي ستحصل عليه المملكة في حال طرح «أرامكو» للاكتتاب العام (الذي وُصِف بحجر الزاوية لرؤية 2030) هو 50 مليار دولار.

الأمر الثالث أن المملكة بهذه التوقيفات وجهت رسالة واضحة إلى المستثمرين الأجانب في المملكة، وهو أن الفساد لن يقف حجر عثرة في وجه دخولهم للسوق السعودية. وكانت التشكيكات قد ازدادت أخيراً بقدرة المملكة على جذب المستثمرين الأجانب لسوقها المحلية، وركزت تشكيكات المشككين على معدل الفساد في المملكة وعلى البيروقراطية الحكومية. وبالتالي، جاءت الحملة ضد الفساد كفيلة بالرد على هذا التشكيك.

على صعيد آخر، لعل أول انطلاقة للشراكات الاقتصادية الدولية للمملكة في عام 2017 كانت بزيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة في منتصف شهر مارس (آذار) بعد شهر ونصف الشهر تقريباً من تولي دونالد ترمب الرئاسة. ولقد وصفت وكالة «رويترز» هذه الزيارة بـ«نقطة التحول» في العلاقات بين المملكة وأميركا بعد سنوات من اللااستقرار إبان ولاية الرئيس السابق باراك أوباما. وكانت هذه الزيارة حجر أساس لكثير من الاتفاقيات التي أعلن عنها إبان زيارة الرئيس الأميركي للمملكة في مايو (أيار) الماضي، وتضمنت هذه الاتفاقيات استثمارات سعودية بقيمة 40 مليار دولار، ولقد تنوّعت هذه الاستثمارات ما بين القطاع الصناعي والتقني والبنية التحتية، وهي المشاريع ذاتها التي قامت الحكومة الصينية أيضاً بالاستثمار بها.

ووقعت المملكة أيضاً أثناء هذه الزيارة اتفاقيات مع كبريات الشركات الأميركية لإنشاء مصانع أميركية سعودية على الأراضي السعودية، ولعل أكبر هذه الشركات شركة «جنرال إلكتريك» العملاقة، وكان هدف هذه الاستثمارات واضحاً ومتوافقاً مع برنامج «الرؤية»، ألا وهو نقل التقنية الصناعية إلى المملكة وتوطينها بحيث تنشئ فرصاً وظيفية للشباب السعودي، وتقلل الاعتماد على الواردات التي تعتمد عليها المملكة سواء كانت هذه الواردات تستخدم في التنقيب على النفط أو في الصناعات العسكرية.

وكانت ثاني الشراكات السعودية في عام 2017 إثر زيارة وزير الطاقة السعودي للصين في أغسطس (آب) الماضي، وتم الاتفاق خلالها على إنشاء صندوق سعودي صيني بقيمة 20 مليار دولار يتضمن استثمارات سعودية في مصافي النفط الصينية، إضافة إلى استثمارات في الطاقة المتجددة. ولا يخفى على أحد أهمية العلاقة السعودية - الصينية، إذ يبلغ حجم الاستثمارات المشتركة بين البلدين ما يقارب 60 مليار دولار، وتستورد الصين حالياً ربع الصادرات النفطية السعودية، ثم إن المملكة دعمت سياسياً واقتصادياً المشروع الصيني لـ«طريق الحرير الجديد» المسمى «طريق واحد... حزام واحد» الذي يخدم بشكل كبير الحركة الملاحية في البحر الأحمر.

وتمثّلت ثالث الشراكات الدولية في زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان لروسيا الاتحادية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في زيارة تُعدّ أول زيارة لملك سعودي إليها. ولقد كان النفط سابقاً نقطة التقاء محورية بين المملكة وروسيا، وكاد يكون نقطة الالتقاء الوحيدة بين البلدين، فالدولتان تنتجان سوياً ربع الإنتاج النفطي العالمي. وكان تم الاتفاق مسبقاً بين البلدين عام 2014 على خفض مستوى الإنتاج النفطي بغية المحافظة على مستويات أسعار النفط، إلا أن الزيارة السعودية لروسيا أسَّسَت أيضاً نقاط التقاء أخرى بين البلدين تمثلت في نقل بعض الصناعات العسكرية من روسيا إلى المملكة، إضافة إلى استثمارات التعدين والطاقة المتجددة، وفتحت المملكة المجال للمستثمرين الروس بالبحث عن فرص استثمارية في المملكة.

تواصلت التحليلات في عام 2017 عن طرح شركة «أرامكو» السعودية للاكتتاب العام، والمعروف أن المملكة كانت قد أعلنت في بداية عام 2016 عن نيتها طرح جزء من أرامكو للاكتتاب العام. واتضح بعد فترة أن أكبر الأسواق المرشحة لاحتضان هذا الطرح الأضخم تاريخياً هما سوقا لندن ونيويورك الماليتان. ومع اقتراب موعد الاكتتاب، تناولت الصحف العالمية هذا الاكتتاب، خصوصاً من ناحية تقييم الشركة العملاقة. ففي حين قيَّمَت المملكة شركة «أرامكو» بما يقارب تريليوني دولار، ارتأت بعض الشركات المالية أن القيمة الفعلية للشركة لا تزيد عن 1.4 تريليون دولار. وعلى الرغم من هذه الضغوط، فإن المنافسة لا تزال قائمة بين لندن ونيويورك لاحتضان هذا الاكتتاب. ولقد نبعت خلال هذا العام فكرة أن تشتري الصين هذه الحصة من «أرامكو» دون أي طرح لاكتتاب عام. ويرى المحللون أن في شراء الصين حصة من «أرامكو» مصلحة للبلدين. إذ تتمثل مصلحة المملكة بأن تشتري الصين هذه الحصة بناء على التقييم المحدد من قبل المملكة دون نقصان، بينما تتمثل المصلحة الصينية في ضمان الحصول على حصتها النفطية بشكل منتظم كونها أحد المالكين في الشركة. ولكن على الرغم من جميع التكهنات عن تأجيل المملكة طرح أسهم أرامكو للاكتتاب، دحض وزير المالية السعودي هذه التكهنات بإعلانه أن المملكة تنوي بالفعل المضي قدماً بهذا الطرح في مطلع العام المقبل.

وفي الرابع والعشرين من أكتوبر عام 2017، وضمن مبادرة المملكة لمستقبل الاستثمار الذي أقيم في الرياض، أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن مشروع طموح يقام بين ثلاث دول هي المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية وجمهورية مصر العربية.

سمي هذا المشروع «نيوم»، وهو المشروع الأضخم من نوعه من حيث التكلفة المادية، إذ تبلغ تكلفة المشروع ما يقارب 500 مليار دولار، وهو «مشروع حالم» كما وصفه ولي العهد السعودي.

تقام هذه المدينة على مساحة تربو على 26 ألف كيلومتر مربع، بامتداد على ما يقارب 460 كيلومتراً على شاطئ البحر الأحمر. ويتضمن المشروع الضخم عدداً من المشاريع في عدد من القطاعات الاستثمارية تتصل بمستقبل الطاقة والمياه، ومستقبل وسائل النقل، ومستقبل التقنيات الحيوية، ومستقبل الغذاء، ومستقبل التصنيع المتطور، ومستقبل الإنتاج الإعلامي، ومستقبل الترفيه، ومستقبل المعيشة، ومستقبل العلوم التقنية والرقمية. وقد يُطرح هذا المشروع مستقبلاً للاكتتاب العام، كما هو الحال مع «أرامكو»، إلا أن هذا الإعلان عن الاكتتاب سابق لأوانه، وقد لا يتم إلا بعد عام 2030.

من جهة أخرى، يهدف صندوق الاستثمارات العامة السعودي إلى إنشاء استثمارات سعودية سيادية في مجالات عدة، وذلك لتكون هذه الاستثمارات مصدراً لدخل المملكة في المستقبل. وحتى هذه اللحظة أعلن الصندوق عن استثمارات عدة، من ضمنها الاستثمار في البنية التحتية الأميركية بما يقارب 40 مليار دولار، والاستثمار في «صندوق الرؤية التقني» بالمشاركة مع «سوفت بانك» الياباني بما يقارب 100 مليار دولار، وهو ما يجعله الصندوق الاستثماري الأضخم في العالم.

كذلك يشارك صندوق الاستثمارات العامة في مشاريع محلية، مثل مشروع البحر الأحمر السياحي ومشروع القدية الترفيهي، بالإضافة إلى مشاركته في مدينة «نيوم»، وصندوق الاستثمارات السعودي - الروسي. وكان قد سبق لصندوق الاستثمارات السعودي إعلانه شراء حصة من شركة «أوبر» العالمية لسيارات الأجرة، وتأسيس الشركة السعودية للصناعات العسكرية، وتأسيس الشركة الوطنية لخدمات كفاءة الطاقة، وشركة «نون»، وتأسيس الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير. ولقد أعلن الصندوق أخيراً عن برنامجه خلال السنوات الثلاث المقبلة وهو برنامج يتوقع أن يرفع قيمة أصوله إلى 1.5 تريليون دولار. ويهدف الصندوق بحلول عام 2020 إلى أن تشكل استثماراته ما يقارب 6.3 في المائة من الناتج المحلي، وأن يوفر ما يقارب 20 ألف وظيفة بشكل مباشر.

ختاماً، حددت المملكة العربية السعودية أهدافها في عام 2017، وسعت إليها بشكل مباشر، وكان من ضمن هذه الأهداف نقل الصناعات والتقنيات وتوطينها في المملكة. كذلك سعت المملكة عن طريق ذراعها العلمية المتمثلة بـ«مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية»، إلى نقل كثير من الصناعات في المملكة وتوطين تقنيتها في المملكة. ولعل أبرز هذه المساعي كان البرنامج السعودي - الأوكراني المشترك لصناعة طائرات «أنتونوف» التي تم تدشين نموذجها الأول هذا العام.وبدأت المملكة في التسويق للاستثمار الأجنبي بشكل فعال من خلال «مؤتمر مستقبل الاستثمار» في المملكة بإشراف مباشر من ولي العهد السعودي، في حدث ضم أكثر من 2500 مستثمر ومدير تنفيذي من مختلف أنحاء العالم.

- خبير إقتصادي سعودي
السعودية الاقتصاد السعودي

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة