ديانا تريلنغ... سيرة تعود بها إلى الضوء

اعتماداً على ستين صندوقاً محفوظاً في أرشيف جامعة كولومبيا

ديانا تريلنغ... سيرة تعود بها إلى الضوء
TT

ديانا تريلنغ... سيرة تعود بها إلى الضوء

ديانا تريلنغ... سيرة تعود بها إلى الضوء

في تاريخ الأدب ناقدات أدبيات موهوبات تصادف أن كن زوجات لنقاد أدبيين ذائعي الشهرة راسخي المكانة، ومن ثم حكم على هؤلاء الناقدات بأن يبقين في منطقة الظل، أو على أحسن تقدير في مرتبة ثانية بعد أزواجهن. وربما كان أوضح مثال لهذا هو الناقدة الإنجليزية كويني ليفيس (1906 - 1981) زوجة الناقد ف. ر. ليفيس (1895 - 1978)، والناقدة الأميركية ديانا تريلنغ (1905 - 1996) زوجة الناقد الأميركي لايونيل تريلنغ (1905 - 1975). وهذه الأخيرة هي موضوع حديثنا هنا؛ وذلك بمناسبة صدور كتاب عنها يحمل عنوان «الرحلة التي لم يروها أحد: حياة ديانا تريلنغ» من تأليف ناتالي روبنز (الناشر: مطبعة جامعة كولومبيا) في 484 صفحة.
Nathalie Robins، The Untold Journey: The life of Diana Trilling، Columbia University Press.
أول ما يلفت نظر قارئ هذا الكتاب – كما تقول مارغوري بارلوف في عرض له بـ«ملحق التايمز الأدبي» (19 مايو/أيار 2017) - هو أن المؤلفة تبذل قصارى جهدها لكي تقدم ديانا في صورة إيجابية جذابة، لكن معرفتها سطحية بالوسط الذي كان يتحرك فيه مثقفو نيويورك، الذي كانت ديانا تنتمي إليه. وبدلاً من أن تقوم ناتالي روبنز بأي دراسة عميقة لكتابات هؤلاء المثقفين أو لمواقفهم الآيديولوجية فإنها تقدم خيطاً من الذكريات والحكايات اعتمدت فيها أساساً على ستين صندوقاً من أوراق ديانا محفوظة في أرشيف جامعة كولومبيا: رسائل ويوميات ومقابلات صحافية ومسودات قصص قصيرة، بل وحتى رسائل قصيرة من رؤساء التحرير يرفضون فيها نشر ما أرسلته إليهم ديانا.
والصورة التي تنبثق من هذه الوثائق إنما هي صورة امرأة صعبة المراس كثيراً ما تكون مكدرة تتميز بالصلف والانغماس في الذات والخبث على نحو ماكر، والتنافس الحاد مع الغير، وهي صفات جعلتها إن عاجلاً أو آجلاً تنفر من كل أصدقائها وعارفيها. وقد أجرت المؤلفة مقابلات مع كثير من هؤلاء الذين عرفوها، لكن شهاداتهم عنها لا تحقق الكثير من أجل تغيير هذه الصورة. كذلك، تمكنت المؤلفة من الاطلاع على أوراق زوج ديانا الناقد والأستاذ بجامعة كولومبيا. وحتى كلمات هذا الأخير لا تغير من هذا الانطباع. ففي يومياته بعد أول لقاء لهما في 1927 كتب: «الليلة التقيت بديانا. في البداية شعرت بنفور منها، لكني حتى في قلب النفور شعرت بانجذاب إليها». ولا يبدو أن مشاعره المركبة هذه قد تغيرت عبر السنين. وما لبث الانجذاب أن أخلى السبيل لفترة من العجز الجنسي من جانبه ولد توترات بين الزوجين. وظل لايونيل تريلنغ مخلصاً لها طوال حياتهما الزوجية، لكن لا يبدو أنه قد مال إليها كثيراً في أي وقت.
ولدت ديانا في نيويورك لأسرة غنية من يهود بولنديين هاجروا إلى الولايات المتحدة الأميركية. كان لدى الأسرة سائق سيارة وخادمة مقيمة إلى أن تأثرت بالانهيار المالي في نيويورك عام 1929. التحقت الابنة بكلية رادكليف في مدينة كمبردج بولاية ماساشوستس، حيث درست تاريخ الفن التشكيلي. كان من المألوف لفتيات الطبقة المتوسطة في تلك الأيام أن يعدن إلى بيوتهن بعد التخرج ويلبثن في انتظار الزواج. التقت بلايو نيل عندما كان في الثانية والعشرين يعد رسالته للدكتوراه بجامعة كولومبيا. وكان أبوه، وهو تاجر فراء، أقل ثروة من أبي ديانا، لكن الاثنين سرعان ما عقدا خطبتهما، وبقليل من المساعدة المالية من أسرة الخطيبة تمكنا من إتمام الزواج في 1929. استقرا في سلسلة من الشقق في نيويورك. وسرعان ما عُيّن لايونيل أستاذاً للأدب الإنجليزي في جامعة كولومبيا.
جاءت النقطة الحاسمة في حياتها في عام 1941 حين استرقت السمع إلى مهاتفة تليفونية بين زوجها وبين مرغريت مارشال محررة القسم الأدبي في مجلة «ذا نيشان». ومن هذه المهاتفة علمت أن الأخيرة كانت تبحث عن أحد يكتب غفلاً من التوقيع مراجعات للروايات الجديدة على صفحات المجلة، وسرعان ما تقدمت ديانا لشغل الوظيفة وحصلت عليها. وبعد عام صارت تنشر فيها بتوقيعها، كما بدأت توافي صحفاً ومجلات أخرى بكتاباتها.
كيف واتاها النجاح بهذه السرعة؟ من المفارقات أنها بخلاف زوجها لم تكن «مثقفة» بالمعنى الدقيق للكلمة - وفي الوقت الذي كان لايونيل يكتب فيه دراسات عميقة عن ماثيو أرنولد وهنري جيمز وروايات آداب السلوك في القرن التاسع عشر كانت هي تنظر بعين الاستهانة إلى أعمال أدبية مهمة عهد إليها بكتابة مراجعات لها. ذهبت إلى أن رواية جورج أورويل «مزرعة الحيوان»: «لا تزيد على أن تعيد ببساطة إنتاج الموقف التاريخي في روسيا دون أن تضيف إلى ذلك أي استبصارات أخلاقية أو سياسية جديدة».
ووصفت «إعادة زيارة برايدزهيد» - أهم روايات الروائي الإنجليزي إفلين وو - بأنها «مفتقرة إلى الاتساق» و«مملة»: وشكت من أن فرجينيا ولف في كتابها النقدي «القارئ العادي»: «دائماً ما تلوذ بحساسيتها الأنثوية». وفي مقابل ذلك كانت تشيد بأعمال أقل قيمة وكتّاب أدنى مستوى.
وشاب علاقتها التوتر مع سائر كتاب مجلة «بارتيزان رفيو» مثل حنة أرنت وماري مكارثي (ذهبت ديانا إلى أن هاتين الأخيرتين كانتا تنصبان شباكهما حول زوجها لايونيل، لكن لا يوجد دليل على ذلك في سيرة أيهما).
وإنما بعد وفاة لايونيل في 1975 قد علا نجمها. كان مما ساعد على ذلك أن اتجاهات النقد النسوي تلاقت مع اتجاهاتها (رغم أنها شخصياً كانت لها تحفظات على النقد النسوي ومن يمثلنه مثل جرمين جرير). ونظر إليها القراء على أنها قد ظلت طويلاً تعيش في منطقة الظل نتيجة لشهرة زوجها، وأنه قد آن الأوان لإتاحة الفرصة لها كي تتحدث بصوتها الخاص. أخرجت كتابها المسمى «مسز هاريس» (1981) وموضوعه ناظرة مدرسة بنات في ولاية فرجينيا قتلت عشيقها الطبيب لأنه خانها. لاقت هذه القصة هوى في نفسها وتحولت بين يديها من إحدى الجرائم التي تتحدث عنها الصحافة الشعبية الرخيصة إلى إحدى ميلودرامات المحاكم كتلك التي تقدمها مسلسلات التلفزيون الأميركية. وكانت هناك خطة لتحويل الكتاب إلى فيلم سينمائي، لكن ذلك لم يتم. على أن أحد النقاد دعا كتابها «من الكلاسيات».
وقال الناقد جاك بارزن لها إنها قد كتبت «واحدة من الأوصاف العظيمة للمحاكمات في عصرنا». وإلى جانب هذا الكتاب، أصدرت ديانا عدداً من الكتب التي تجمع شمل دراساتها النقدية ومقالاتها المتفرقة.
وفي الوقت ذاته ظلت ديانا محتفظة بروحها القتالية. ففي إحدى مقالات قدمتها لواحدة من دور النشر كي تدرج في كتاب لها نقدت الكاتبة المسرحية ليليان هيلمان نقداً جارحاً جعل الدار تحجم عن نشر الكتاب وتلغي عقدها معها. كان الخلاف بين المرأتين سياسياً، حيث إن هيلمان يسارية التوجه، لكن عنصراً من الغيرة الشخصية دخل، وبخاصة وقد كانت هيلمان كاتبة مسرحية مشهورة.
ولا يسع المرء إلا أن يتفق مع مارغوري بارلوف، التي أوردنا كلامها في مطلع هذا المقال، حين تقول إن ديانا وإن كانت ناقدة مثيرة للخلاف كانت تستحق كتاباً أفضل من هذا الكتاب الأشبه بمسلسل تلفزيوني متواضع المستوى.



دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
TT

دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)
علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)

أقام أغسطس، أول إمبراطور لروما القديمة، النصب ‌التذكاري الذهبي، الذي يُعرف باسم «المَعْلم الذهبي»، في المنتدى الروماني عام 20 قبل الميلاد ليكون بمثابة نقطة انطلاق رمزية لكل الطرق في الإمبراطورية مترامية الأطراف. وشكلت هذه الطرق بالفعل العمود الفقري لأول شبكة نقل على مستوى قارة في ​العالم، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأجرى الباحثون الآن تحليلاً هيكلياً مفصلاً لشبكة الطرق في الإمبراطورية، والتي تمتد على مسافة 300 ألف كيلومتر تقريباً وتعبر أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأظهرت الدراسة أن المقولة القديمة «كل الطرق تؤدي إلى روما» لم تكن دقيقة تماماً، وأن أنسب ما تنطبق عليه هذه المقولة هي القسطنطينية العاصمة اللاحقة للإمبراطورية (إسطنبول حالياً).

وخلص الباحثون في الدراسة إلى أن الرومان كانوا يفضلون بناء طرق مستقيمة، لكن التضاريس الوعرة كانت تعرقل أحياناً تحقيق هذا الهدف.

ووثقوا وجود علاقة في العديد من المناطق بين الطرق الرومانية القديمة والطرق السريعة الحديثة.

وشيد الرومان، الذين كانوا بارعين في الهندسة والبناء، طرقا تمتد من ‌صحاري المغرب والجزيرة ‌العربية جنوباً وشرقاً وصولاً إلى اسكوتلندا والمحيط الأطلسي شمالاً ​وغرباً. ‌وربطوا ⁠هذه الطرق ​بالأنهار الصالحة ⁠للملاحة والممرات البحرية لتشكيل شبكة نقل متكاملة.

وقال عالم الآثار القديمة توم بروجمانز من جامعة آرهوس في الدنمارك: «هذه البنية التحتية تعني أن منطقة شاسعة أصبحت أكثر تكاملاً، فقد وفرت منطلقاً بحجم قارة لانتشار الناس والحيوانات والبضائع والأفكار ومسببات الأمراض».

وأضاف بروجمانز، الذي ساعد في إعداد الدراسة التي نشرت اليوم الثلاثاء في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز»، أن «الفيالق الرومانية كانت تسير على الطرق للاستجابة للتهديدات وإغاثة زملائها واستعمار أراض جديدة... لكن الطرق نفسها كانت تستخدم في ⁠الغالب للانتقال بشكل متكرر بين المزارع والحقول أو إلى الأسواق المحلية لبيع المنتجات ‌الزراعية».

وتم قياس المسافات البرية من روما انطلاقا من ‌المعلم الذهبي، لكن هل كانت هذه المدينة القديمة الضخمة مركز ​الشبكة حقاً؟

وقال بروجمانز: «هل كل الطرق تؤدي إلى ‌روما؟ ليس بالضرورة».

وأضاف: «تقع روما في موقع مركزي بالنسبة للملاحة البحرية في البحر المتوسط، لكنها ‌ليست مركزية في شبكة الطرق الرومانية بالتحديد. وجدنا أن عواصم الأقاليم كانت تتمتع بمواقع ممتازة على الطرق في أقاليمها، مما يسهل إدارة الأقاليم وجمع الضرائب بفاعلية».

وكانت أنقرة في تركيا ولندن في بريطانيا وكورنث في اليونان بعضاً من هذه العواصم.

وأضاف بروجمانز: «كانت روما نفسها في موقع مركزي على الطرق المقامة على ساحل إيطاليا المطل على ‌بحر طرانة. لكن عندما نظرنا إلى جميع التحركات داخل شبه الجزيرة الإيطالية بأكملها، صدمنا عندما اكتشفنا أن الطريق الأكثر مركزية يتبع في ⁠الواقع ساحل البحر الأدرياتيكي المقابل، ⁠متجاوزاً روما تماماً».

عاصمة جديدة

نقل الإمبراطور قسطنطين العاصمة إلى القسطنطينية في أوائل القرن الرابع الميلادي.

وقال بروجمانز: «كانت هذه العاصمة الجديدة تتمتع بموقع استراتيجي عند ملتقى أوروبا وآسيا، وكشفت أبحاثنا أنها كانت مركزية بشكل غير عادي للسفر البري عبر الإمبراطورية بأكملها، أكثر بكثير من روما».

وأضاف أنها «تقع على مضيق البوسفور، ونعلم أن عبارات كانت تعبر هذا المضيق في العصور القديمة، مما ربط حركة المرور البرية الأوروبية والآسيوية بشكل فعال».

وساهمت هذه الطرق القديمة في تنظيم التفاعلات بين مئات الملايين من الناس لأكثر من ألفي عام بسبب استمرار استخدام عدد منها لفترة طويلة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في سنة 476 ميلادية وسقوط الإمبراطورية الرومانية الشرقية، والتي تسمى أيضاً الإمبراطورية البيزنطية، عام 1453.

ويقتفي العديد من الطرق السريعة الحديثة أثر تلك القديمة.

وأفاد بروجمانز: «من الأمثلة الرائعة على ذلك طريق ​فيا أوجوستا، الذي يمتد من قادس في جنوب ​إسبانيا إلى جبال البرانس. ويمر الطريق تحت قوس نصر اسمه قوس بيرا بين تاراجونا وبرشلونة، حيث يمكنك أن ترى بوضوح أنه يسير في نفس مسار الطريق السريع الحديث (إن-340)».

اقرأ أيضاً


مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
TT

مصر: ضبط 151 قطعة أثرية تجدد قضايا «التجارة المحرمة»

القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)
القطع الأثرية المضبوطة (وزارة الداخلية)

جددت واقعة توقيف أحد الأشخاص بمحافظة المنيا (جنوب مصر) وبحوزته 151 قطعة أثرية تعود للعصور المصرية القديمة والعصرين اليوناني والروماني من نتاج التنقيب غير المشروع، قضايا «التجارة المحرمة» في الآثار والمجرمة قانونا.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية عن استمرار جهود أجهزة مكافحة جرائم حيازة القطع الأثرية والاتجار بها حفاظاً على ثروات البلاد وتراثها القومي، وفي هذا الإطار أكدت معلومات وتحريات قطاع شرطة السياحة والآثار قيام أحد العناصر الإجرامية بمحافظة المنيا بحيازة قطع أثرية بقصد الاتجار بها.

ووفق بيان للوزارة «عقب تقنين الإجراءات أمكن ضبطه بدائرة مركز شرطة المنيا، وضُبط بحوزته (151) قطعة أثرية متنوعة (2 تابوت أثرى – 37 تمثالاً من الحجر الجيري والبرونزي والفيانس – قاعدة تمثال – تميمة – 3 أوانٍ – قنينة من الفخار –97 عملة معدنية - عدد من القطع الأثرية المتنوعة)، وبمواجهته اعترف بأن القطع الأثرية المضبوطة نتاج أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع عن الآثار بإحدى المناطق الجبلية بدائرة مركز شرطة أبو قرقاص، وحيازته لها بقصد الإتجار، وبعرض المضبوطات على الجهات المعنية أفادت بأن القطع المضبوطة جميعها أثرية تعود للعصور الفرعونية واليونانية والرومانية».

ضبط شخص بحوزته قطع أثرية في المنيا (وزارة الداخلية)

وكانت أجهزة المن قد ضبطت من قبل العديد من الحالات المشابهة من بينها ضبط شخص بحوزته 277 قطعة أثرية بالمنيا في أبريل (نيسان) الماضي، وضبط 9 أشخاص بحوزتهم 118 قطعة أثرية تماثيل وقطع متنوعة في محافظة القاهرة، خلال أغسطس (آب) الماضي.

ويجرم القانون المصري تجارة الآثار والتنقيب غير المشروع عنها، ويحدد القانون 117 لسنة 1983 اختصاصات ومسؤوليات التنقيب باعتبار المسؤول عنها المجلس الأعلى للآثار، وبخلاف ذلك تصل عقوبات التنقيب غير المشروع عن الآثار والاتجار بها إلى السجن المؤبد وغرامة 5 ملايين جنيه (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً مصرياً).

من جانبه، أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن «هناك حالة من الهوس لدى البعض من الشعب المصري للحلم بالثراء السريع عبر التنقيب غير المشروع عن الآثار؛ ما يتطلب تحرك الدولة سريعاً في اتخاذ بعض الإجراءات لوقف عمليات التنقيب والحفر خلسة عن الآثار، بتشديد العقوبات، والعمل سريعاً على تسجيل الأماكن الأثرية بالكامل، وزيادة الحراسة المشددة على المواقع والمناطق الأثرية، وعمل دوريات أمنية للحد من انتشار هذه الظاهرة، حيث إنه يعد إهداراً لتاريخ وحضارة المصريين والآثار المصرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الأمر «يتطلب تعديلات جديدة بقانون حماية الآثار، تتضمن تأمين من يقوم بالإبلاغ عن أعمال الحفر خلسة، ومكافآت مالية كبرى».

وأشار إلى أن «هناك خطورة كبيرة على الآثار التي تنتج عن الحفر خلسة، وتعد كارثة بكل المقاييس، فهذه الآثار تهرب وتباع في المزادات العلنية بالخارج، وليس لنا أي حقوق في عودتها؛ لأنها غير مسجلة، ولا نملك دليلاً على خروجها بطريقة غير شرعية، ومن العجيب أنه حين يتم اكتشاف آثار مصرية بالخارج مهربة، يطلب الجانب الأجنبي إثبات أن هذه الآثار مصرية، وحين ترد مصر بأنها آثار مصرية، ولكنها غير مسجلة يعدها الجانب الأجنبي مسوغاً له لبيع هذه الآثار في المزادات».


مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
TT

مصر لاستعادة «فنان الشعب» سيد درويش في عيد الموسيقى

سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)
سيد درويش قدّم أعمالاً موسيقية مؤسسة للتجديد (فيسبوك)

«ضع الغناء والموسيقى أمامك، وألقِ كل شرّ خلفك، وتذكّر الأفراح، حتى يأتي يوم الرسو في الأرض التي تحب الصمت»، بهذه الجملة المنحوتة على جدار مقبرة مصرية قديمة في الأقصر، بدأ الموسيقار المصري راجح داوود كلمته احتفالاً باليوم المصري للموسيقى، الذي يواكب ذكرى رحيل «فنان الشعب» سيد درويش (رحل في 15 سبتمبر «أيلول» 1923) أحد أهم رموز التجديد في الموسيقى.

واستشهد داوود بكلمات لكبار فلاسفة العالم، من بينهم شوبنهاور: «كل الفنون تطمح إلى أن تكون موسيقى». ونيتشه: «من دون الموسيقى، ستكون الحياة خطأ»، وهانس كريستيان أندرسن: «حين تعجز الكلمات، تتكلم الموسيقى».

وقال الموسيقار المصري إن الموسيقى لم تكن ترفاً لدى المصري القديم، بل جزءاً من حياته وحضارته. فكانت الموسيقى حاضرة في العمل والاحتفال والطقوس وسائر المناسبات، بل كانت الموسيقى دائماً على اتصال بإيقاع الحياة نفسها.

وأضاف أنه «بينما عرف المصريون القدماء الآلات الموسيقية، وصوروا العازفين والمغنين والراقصين على جدران المعابد والمقابر، يأتي اليوم دورنا، بكل ما أوتينا من أدوات تكنولوجية واتصالات عابرة للبحار والقارات، لإحياء تلك الصور والمدونات إلى موسيقى تصدح بها أرجاء الكون».

وأكد داوود أن «سيد درويش كان نقطة تحول من عالم الصالونات والنخب إلى العامل والفلاح والجندي والشارع، ليكمل الطريق بعده القصبجي وزكريا أحمد وعبد الوهاب والسنباطي وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وبليغ حمدي ومحمد فوزي ومحمد الموجي في جسر متنوع ومختلف في قوالبه وهيئته وأطيافه الموسيقية».

وشاركت قطاعات وهيئات وزارة الثقافة بعدد من الفعاليات للاحتفاء بهذه المناسبة بالقاهرة وكافة المحافظات المصرية، وفق بيان لوزارة الثقافة المصرية.

تمثال سيد درويش في أوبرا الإسكندرية (فيسبوك)

وقال المخرج عادل حسان، رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، إن برنامج وزارة الثقافة للاحتفال باليوم يتضمن برنامج الهيئة العامة لقصور الثقافة، وبه عدد من الحفلات الموسيقية من خلال الفرق الفنية التابعة للهيئة بمحافظات مصر، أبرزها: فرقة القاهرة للموسيقى العربية، كورال مركز الجيزة الثقافي، بجانب فرق الموسيقى العربية المتنوعة.

ويعقد المجلس الأعلى للثقافة جلسة تثقيفية بعنوان «قبل الستارة... سيد درويش وصناعة الأوبريت» بإدارة الدكتورة حنان أبو المجد، أستاذ التاريخ والتحليل الموسيقى، وعميد المعهد العالي للموسيقى «الكونسيرفتوار».

وشارك قطاع الفنون التشكيلية بإقامة ورشة رسم لنخبة من كبار الفنانين التشكيليين بحارة سيد درويش بكوم الدكة بالإسكندرية خلال الفترة من 7 سبتمبر حتى 13 سبتمبر، وكذلك بقاعة «ممر 35» يوم 21 سبتمبر. ويشارك البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية بتقديم عرض خاص للفرقة القومية للموسيقى الشعبية بقاعة صلاح جاهين، بينما تشارك أكاديمية الفنون برئاسة الدكتورة نبيلة حسن؛ بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية بقيادة المايسترو محمد عبد الستار.

كما ستشارك الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية في الاحتفالية بندوة بعنوان «اليوم المصري للموسيقى»، ويصاحب الندوة معرض توثيقي عن فنان الشعب سيد درويش، يضم مجموعة من الصور والمواد التوثيقية التي تستعرض مسيرته الفنية وإسهاماته البارزة في تاريخ الموسيقى والغناء المصري.

ومن المقرر إقامة احتفال كبير على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، سوف يشهد تكريم 5 من رموز الموسيقى والغناء المصري، تقديراً لإسهاماتهم الفنية في تاريخ الموسيقى المصرية، وهم «الموسيقار صلاح الشرنوبي، والفنانة عايدة الأيوبي، والدكتور ناير ناجي، والدكتور خيري الملط، والفنان والملحن عهدي شاكر»، وتُقدم خلاله الفرقة الموسيقية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية مختارات غنائية تمثل تاريخ وتراث الموسيقى المصرية.

أمسية تستدعي تراث سيد درويش (وزارة الثقافة)

ويستعيد قصر الأمير بشتاك «بيت الغناء العربي» بشارع المعز لدين الله الفاطمي، التابع لصندوق التنمية الثقافية، تجربة الموسيقار سيد درويش، من خلال أمسية فنية بعنوان «فنان الشعب... سيد درويش»، بمناسبة الذكرى الثالثة بعد المائة لوفاته.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن «تخصيص يوم للموسيقى في ذكرى سيد درويش يأتي في إطار إحياء مصر لرموزها، فسيد درويش معروف أنه واحد من أهم المجددين في الموسيقى المصرية والعربية بشكل عام، فقد غيّر شكل الأغنية في مصر، أخذ من الشارع والحقول حتى مجتمع الصيادين والموظفين وغيرهم من فئات الشعب»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «إحياء ذكراه وتخصيص يوم للموسيقى بالتزامن مع هذه الذكرى أمر مهم جداً، ومن المهم الحفاظ على هذا الطقس وإحياء ذكراه بهذا الشكل كل عام، ويتم تعريف الأجيال الجديدة به، ويكفي أنه الفنان الوحيد الذي تغنت فيروز بإحدى أغانيه، وأتمنى أن يكون الاحتفال أكبر كل عام، ويساهم دائماً في استعادة تراث سيد درويش».

ولد سيد درويش في 17 مارس (آذار) عام 1892 بحي كوم الدكة بالإسكندرية، وسافر إلى القاهرة عام 1917 وشارك في ثورة 1919 وقدّم أغنية «قوم يا مصري» التي تعدّ رمزاً للنهضة المصرية، كما لحّن ما يقرب من 20 مسرحية، من بينها «فشر» و«قولوا له»، و«العشرة الطيبة» و«الهلال» و«كليوباترا»، كما لحّن العديد من الأدوار و التواشيح، ومن أهم أعماله وأبرزها نشيد «بلادي بلادي» الذي أخذ عنه السلام الوطني لمصر.