سعد الصويان: خطوات التنوير الخليجية تبشر بمستقبل واعد

كتابه «ملحمة التطور البشري» حصل أخيرا على «جائزة الشيخ زايد للكتاب»

د. سعد الصويان
د. سعد الصويان
TT

سعد الصويان: خطوات التنوير الخليجية تبشر بمستقبل واعد

د. سعد الصويان
د. سعد الصويان

عكف الدكتور سعد الصويان منذ عقود على دراسة التراث الشعبي بوصفه منتجا ثقافيا شعبيا، دراسة نقدية وأنثروبولوجية، وقد حصل على الدكتوراه في موضوع «الأنثروبولوجيا.. والفلكلور والدراسات الشرقية» من جامعة كاليفورنيا، عام 1985.
ومن أهم دراساته: «المأثورات الشفهية» 1985، و«حداء الخيل» 1988، و«الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص» 2000، و«فهرست الشعر النبطي» 2001.
وحصل أخيرا كتابه «ملحمة التطور البشري» على «جائزة الشيخ زايد للكتاب». في هذا الحوار معه في منزله بالرياض، يؤكد الصويان على أهمية الفلسفة التي من دونها ليس هناك تنظير علمي، ولا تعليم حقيقي، كما تحدث عن طبيعة المجتمعات البدائية التي يرى أنها مجتمعات مسطحة تكون الهويات فيها متطابقة، مشيرا إلى المواقع التي يتقاطع فيها السياسي والاجتماعي في الموروث الشعبي. هنا نص الحوار:

* فوزكم مؤخرا بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن إصداركم اللافت «ملحمة التطور البشري»، ماذا يمثل لكم، خصوصا أن الكتاب تناول قضايا ومضامين وإشكالات شبه محظورة وشائكة؟
- الاحتفاء بالكتاب يمثل في نظري أحد المؤشرات المشجعة على أن خطوات التنوير التي تدفع بها حكومات المنظومة الخليجية بدأت تظهر آثارها على ذهنيات الجيل الناشئ في منطقتنا، وتبشر بمستقبل واعد من الانفتاح الاجتماعي والحرية الفكرية.
* هل كنت تتوقع يوما أن تفوز بجائزة عالمية بحجم جائزة الشيخ زايد؟
- أذكر حين كنت صبيا، لم يتجاوز عمري العاشرة، خطرت لي فكرة جنونية، حتى إنني لا أدري ما مبعثها، بأنني سأذهب للدراسة في أميركا، وقلت ذلك لأخواتي فغرقن في ضحك هستيري، لأن ذلك بدا لهن أمرا سورياليا من سابع المستحيلات، كما أذكر أنني حينما نجحت في الصف الرابع الابتدائي، كانت الدولة تلك السنة قد بدأت تفرض رسوما مقدارها ثلاثة قروش على تسلم شهادات النجاح، وهو ما كانوا يسمونه حينها «طوابع». وحينما ذهبت إلى جدي الفلاح المعدم أطلب منه ثلاثة قروش قال لي: «يا وليدي، النجاح اللي بثلاث قروش ما لنا به لزوم». لك أن تتخيل طفلا عاش في تلك البيئة أن يواصل مشواره التعليمي ويصل إلى هذه المرحلة. ولكن كما يقول المثل: «النية مطية». فأنت إذا سلمت زمام أمرك لعقلك وأطلقت له العقال، فإنه لن يخذلك.
* كيف تقارن بين كتابك الفائز بجائزة الشيخ زايد وكتبك الأخرى؟
- لا شك أن كتاب «ملحمة التطور البشري» كتاب قيم يقدم للقارئ العربي مفهوم نظرية التطور البشري بمختلف توجهاتها الفكرية وتطبيقاتها العملية سواء من ناحية تطور الإنسان البيولوجي أم من ناحية تطور مؤسساته الثقافية والاجتماعية كافة. لكن الكتاب يبقى في النهاية مجرد نقل معرفي يقتصر جهدي فيه على تقديم هذه المعرفة بصياغة يستسيغها ويفهمها القارئ غير المتخصص. أما كتبي عن الشعر النبطي كوثيقة تاريخية واجتماعية وتتبع مراحل تطوره الفني واللغوي ورد أصوله إلى الشعر الجاهلي، فهذا هو ما أعده الإسهام الحقيقي. لكن جهودي في هذا المجال لم يسلط عليها الضوء الكافي، وراحت ضحية لما يعانيه مجتمعنا وثقافتنا من أزمة عميقة في الهوية، ومن حرج في قراءة تاريخ المنطقة على حقيقته. وأنا أدرك هذه المصاعب وأتفهمها، لكنني أيضا أحسست أنني في وضع يؤهلني للاضطلاع بهذه المهمة بقدر لا بأس به من الكفاءة، وأنه إن لم أنجزها أنا، فقد لا يأتي من ينجزها على الوجه المطلوب، لأن إنجازها يحتاج إلى تأهيل راسخ في مناهج ونظريات اللسانيات الحديثة والأنثروبولوجيا والفلكلور والتاريخ الشفهي، ناهيك بامتلاك الحس الفني واللغوي والانغماس في الثقافة التقليدية وحياة الماضي وصورها وأخيلتها ومجازاتها. والتضحية هنا لا تقتصر على عدم الاهتمام الرسمي بهذا الموضوع ومحاربته أكاديميا، وإنما وصمي بأنني إنسان شعبي في طريقة تفكيري وأسلوب حياتي، وأن ما أقدمه لا يختلف في شيء عن برنامج «البادية»، وما أشبهه من برامج توكل عادة لأشباه الأميين، بالإضافة إلى أن الجانب الساخر من شخصيتي قد يعطي الانطباع بأنني سطحي التفكير، لأن الجد في ثقافتنا مرتبط بالتحذلق والتشدق والتجهم والعبوس.

* تراث الصحراء
* لماذا خصصت معظم أعمالك لدراسة البداوة وحياة الصحراء.. ما الذي تراه في الصحراء؟
- أرى الحرية الفطرية والكرامة الإنسانية والإمكانات اللامحدودة لتحقيق الذات إذا توافرت للفرد المؤهلات الشخصية. قصة البداوة قصة درامية طويلة استمرت في جملتها لمدة تربو على 2000 سنة. إنها قصة كفاح البدوي لقهر الصحراء والتعايش معها، ومغالبة مستمرة، وكفاح متصل بين الإنسان والطبيعة الصحراوية. إنها قصة تجربة إنسانية فريدة في التكيف والبقاء، تستحق التوقف والرصد والتوثيق والتحليل.

* وما سر اهتمامك بالشعر النبطي؟
- الشعر النبطي يلتقي مع الشعر العربي القديم على صعيد واحد من الرؤية الإنسانية والحس الفني، وكلاهما صدى للظروف الطبيعية والاجتماعية نفسها. القصيدة النبطية لا تكاد تختلف عن القصيدة الجاهلية في التصور الفلسفي الذي تقدمه تفسيرا لهذا الكون ولحياة الإنسان على هذه الأرض، ولا تختلف عنها في المفاهيم والمثل التي تكرسها لتعطي حياة الصحراء القاسية معنى يعين على تحملها. لو غضضنا الطرف عن الفارق اللغوي بين القصيدة الجاهلية والقصيدة النبطية، لأصبح من الصعب أن نفصل بينهما في الشكل والمضمون. كلتاهما صورة للواقع ورصد للأحداث، وسجل للقيم، والمثل التي جعلت من حياة الصحراء، على الرغم من شظفها وتقلباتها، حياة تليق بالإنسان. لذا، فإن أي تقدم علمي نحققه في دراستنا لأي منهما ستكون له انعكاسات على فهمنا وتذوقنا للآخر.
* هل يصنع الموروث الشعبي هوية لبلد متعدد الهويات؟
- المجتمعات البدائية هي المجتمعات المسطحة التي تكون الهويات فيها متطابقة، وكل شخص ما هو إلا نسخة كربونية من الشخص الآخر. أما المجتمعات المتطورة فهي بطبيعتها مجتمعات مركبة تتشكل من فسيفساء متعددة الأشكال والألوان من العرقيات والمذاهب والطوائف والإثنيات التي تتعايش بعضها مع بعض بسلام في ظل قانون يساوي بين الجميع ويحفظ كرامتهم وحقوقهم. فليست المشكلة في تعدد الإثنيات والهويات داخل المجتمع الواحد، المهم ألا يميز القانون بين هذه الإثنيات كأن يفضل إحداها على الأخرى، أو يحتقر هذه ويعلي من شأن تلك.

* طوفان الصحوة
* لماذا لا نجد أحدا من طلابك يقتفي أثرك في اهتماماتك العلمية؟
- لأنه لم تتح لي الفرصة لا من القسم، ولا من الكلية، ولا من الجامعة، لمزاولة مهمتي التدريسية على الوجه الصحيح. كان كل يوم أقضيه في ردهات الكلية هو مجرد محاولة للنجاة من الغرق، لأن طوفان الصحوة كان على أشده آنذاك. وكان معظم الأساتذة الفاشلين، وما أكثرهم، يركبون سفينة الصحوة ليتحاشوا التعاطي الجاد مع التخصصات التي يفترض بهم تدريسها، ويهربون منها إلى ما يسمونه «أسلمة العلوم»، حتى إنهم أسلموا مواد الكيمياء والطبيعة. ومن الناحية الأخرى، كان الطلاب الذين يأتوننا في الجامعة «بضاعة معطوبة»، وضحية سياسة تعليمية فاشلة؛ إذ لم يؤهلهم تعليمهم الابتدائي والثانوي للانخراط في الجامعة، وتلقي دروس على المستوى الجامعي في أي من التخصصات. لكن مصيبتي تهون أضعافا مضاعفة حينما أرى ما رزئ به الوطن بأكمله من هؤلاء «الصحويين»، وما فرخوه من أجيال صحوية أصبحت كالنجيل «الثيل» تقصه فيشتد عوده وينمو بغزارة أكثر.
* كيف يمكن برأيك تدارك مشكلة التعليم؟
- لا شك أن تطوير المناهج أحد المخارج، لكن ما الفائدة من تطوير المناهج إذا كان المعلم نفسه غير مؤهل؟! لا بد من إعادة تأهيل الكادر التعليمي برمته على المستويين؛ الابتدائي والثانوي، وذلك بتحفيز المعلمين وتشجيعهم على الانخراط في دورات تدريبية مكثفة أثناء الإجازة الصيفية لمدة لا تقل عن خمس سنوات لكل معلم، ومن يمتنع عن ذلك، أو من لا يجتاز هذه الدورات يحال إلى التقاعد. وتطوير المناهج لا ينبغي له أن يكون مناقصات ومبررات تمنح لأناس معينين، وإنما تطوير حقيقي تنفذه جهات مختصة عالية التأهيل، ويكون التركيز فيه على العلوم الطبيعية والرياضية، وعلى التفكير النقدي التحليلي بدل التلقين والحفظ والاستظهار، ولن أتجرأ وأضيف تعليم الموسيقى، ربما سأتجرأ وأقول ذلك عام 2020.

* ثنائيات
* كيف ترى الفرق بين العلم والفلسفة؟
- حالما يجد الإنسان جوابا شافيا يطمئن له عن أي سؤال يشغل باله، فإن ذلك يحيل السؤال من إشكالية فلسفية إلى حقيقة علمية. فالفلسفة تزاول نشاطها على تخوم العلم وأراضيه المجهولة، وتحاول ترويض المسائل الصعبة المحيرة ليسهل قيادها، وتستجيب لمعطيات العلم التجريبي. الفلسفة، كما يقولون، هي أم العلوم، لذا من دون الفلسفة ليس هناك تنظير علمي ولا تعليم حقيقي.
* كيف ترى الفرق بين العلم والإيمان؟
- الإيمان الفطري الصادق غير المتلبس بمطامع الدنيا يمنح الفرد جرعة قوية من الطمأنينة النفسية والسلام الداخلي، بينما العلم يثير القلق الفكري والتساؤلات التي تستعصي على الإجابة. من ناحية أخرى قد يشن البشر حربا ضروسا بعضهم على بعض بسبب الاختلافات الدينية، لكنك لن تجد عالما واحدا يحمل السلاح في وجه عالم آخر، لأنه يخالفه الرأي ويتبنى وجهة نظر مغايرة، ربما لأن العلم واحد، بينما الأديان شتى. لكن الدين يبقى هو الجذور الراسخة التي تثبت شجرة الحضارة في أرضية الماضي، بينما العلم هو الأغصان التي تورق ولا تتوقف عن النمو والتجدد، ولو قطعت الأغصان التي يجري فيها ماء الحياة ماتت الجذور.
* والسياسي والاجتماعي.. أين يتقاطعان في الموروث الشعبي؟
- الموروث الشعبي اجتماعي في كونه يمثل صوت الشعب، وروح الجماعة، وضمير الأمة، وسياسي في كونه يشكل ضغطا على السلطة، ويساهم في توجيه قراراتها. فالسلطة التي لا تتماهى مع شعبها لن يكتب لها الاستقرار والبقاء. الموروث الشعبي سجل حي لتوجهات الشعب وطموحاته وآماله التي تحرص السلطة الراشدة على رصدها وتبنيها.
}* ما سر عزوفك عن إلقاء المحاضرات العامة والمشاركة في الأندية الأدبية ونشاطاتها المنبرية؟
- لأن ما يمكن قوله في حدود المساحة الفكرية الضيقة التي سمحت الأندية الأدبية لنفسها بها، قد قيل ولا فائدة من ترداده. أما ما تجاوز ذلك من طروحات، فلا أظن أن أحدا يجرؤ على الجهر به علنا في ظل بيئتنا المحافظة فكريا واجتماعيا. والقائمون على الأندية يعرفونني جيدا، ويخشون لو أطلقوا لي العنان أن أقع في المحظور، أو كما يقول التعبير الشعبي «أقمز الردامة».

* من كتبه
* قدم الدكتور سعد الصويان للمكتبة العربية والعالمية أعمالا ودراسات مهمة حول المسألة الشعبية في التراث، مؤكدا على الضرورة العلمية الأنثروبولوجية في الإحاطة بالمكونات الشعبية والثقافات العامية، كما في كتبه «الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص» و«فهرست الشعر النبطي» الذي رصد فيه كل ما هو منشور من نتاج شعراء وشاعرات الحاضرة والبادية، و«المأثورات الشفهية»، و«حداء الخيل».
وكتب الصويان أيضا في علم الأنثروبولوجيا الذي يعد علم الأمم المتحضرة، مؤكدا على الأهمية التي يحملها الفكر الأنثروبولوجي في فهم الطبيعة البشرية، والتعايش الإنساني، وتحرر العقل من العنجهيات المذهبية والعنصرية والشوفونيات العرقية، وربط الإنسان بالطبيعة.
وكتب الصويان عن الصحراء أيضا ومفازاتها وتراثها في كتابه «الصحراء العربية: ثقافتها وشعرها عبر العصور»، كما ألف كتابا عن أيام العرب الأواخر، تناول فيه أساطير ومرويات شفهية في التاريخ والأدب من شمال الجزيرة العربية، مع شذرات مختارة من قبيلة المرة وسبيعة. وله بالإنجليزية كتابان عن الشعر النبطي؛ الأول هو رسالة دكتوراه من جامعة كاليفورنيا في بيركلي حصل عليها قبل ثلاثة عقود، والآخر هو تحليل لغوي وأنثروبولوجي للحكايات (السوالف) في الثقافة الشعبية شمالي الجزيرة العربية؛ جمعها. بالإضافة إلى عشرات الدراسات والمقالات المنشورة في مجلات علمية مرموقة.
وهو يعمل حاليا، بالتوازي، على مشروعين كبيرين؛ الأول عن تتبع جذور الدين ابتداء من بلاد سومر ومصر القديمة عنونه بـ«من الأسطورة إلى التنزيل: تطور المفاهيم الدينية في الشرق الأدنى»، والمشروع الآخر هو معجم موسوعي ثقافي شامل لمفردات اللهجة العامية والشعر النبطي، وكل ما يتعلق بمعيشة القرية وحياة البادية وطبيعة الصحراء.



الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني
TT

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها، ويبدأ العالم قبل أن يُحكى. هناك يكتشف الإنسان أن الصمت ليس حدّ اللغة، إنما ذروتها القصوى، وليس فراغاً، بل كثافةً بدئيّة للوجود، وليس غياباً للكلام، هو حضوره الأقصى قبل التسمية.

من هذا الأفق المترع بالصمت يأتي كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني - 2025» نص مغرق في شاعريته يتجاوز منطق الحوار الصحافي التقليدي بين روائي وقارئ ليستحيل «مكاشفة» وجودية بين طرفين اعتصم أحدهما بصمت الحكمة، والآخر بجدوى السؤال. إن هذا العمل، الذي صاغ محاوره العشرة الصحافي والكاتب السعودي علي مكي، يمثل نموذجاً تطبيقياً في فضاء الأدب العربي المعاصر لـ«جماليات التلقي» عند هانس روبرت ياوس؛ حيث لا يعود القارئ (المحاور هنا) مجرد مستهلك سلبي لنصوص الروائي الليبي الأهم، إبراهيم الكوني، بل شريكاً مكتمل الشراكة في إنتاج الدلالة، يسعى لردم فجوات النص الإبداعي المترع بالرمز والميثولوجيا.

غلاف الكتاب

يظهر مكي في هذا الكتاب بوصفه «مستنطقاً» لا مجرّد سائل؛ ابن جازان الذي تشرَّب من تهامة موسيقاها البلاغية، ومن الصحراء صبرها، ويحمل في حقيبته المهنية تاريخاً طويلاً من المشاكسة الفكرية والعمق الأدبي الذي صُقل عبر عقود في الصحافة الثقافية السعودية والعربية. لم يكن غريباً عن عوالم الكوني؛ فهو من اعتاد مطاردة الخرافة الكامنة في ثنايا الواقع، ومساءلة العارفين عمّا يعجز الغارقون في يومياتهم الباهتة عن رؤيته.

في هذا الكتاب يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك؛ لا ليتحدّى الكوني، بل ليقترب منه، مستخدماً أدواته النقدية ليطوّق «سلطان الصحراء» بأسئلة تمسّ لبّ الوجود ذاته. هكذا يتحوّل الحوار إلى تجربة استبصارية عميقة، أشبه برحلة سالكٍ يصعد مدارج العرفان، حيث السؤال بحث عن معنى، والجواب ليس حقيقةً نهائية، وإنما عتبةً لكشفٍ أوسع.

تنطلق رؤية الكوني في مجموع أعماله من اعتبار الصحراء «مسقط رأس التكوين»، ومختبراً أزلياً لقيم الحرية. وفي هذا الحوار، نجد تقاطعاً عميقاً مع مفهوم «شعرية الفضاء/ المكان» لغاستون باشلار؛ فالصحراء عند الروائي الليبي ليست محض حيز جغرافي، إنها «فردوس الروح» و«محراب الصمت». هي الفضاء الذي يلقن الإنسان دروس الزهد الوجودي، محولاً تجربة «التيه» من قدر مفروض بحكم البيئة إلى «خيار وجودي» يكتمل به جوهر الإنسان.

إن التلقي عنده هنا يتجاوز إدراك المكان إلى تذوقه، حيث يستحث على كشف المفارقة: كيف يمكن لمكان يتسم بـ«العدم» الظاهري أن يكون مانحاً لـ«الوجود» الحقيقي؟ ويثبت الحوار أن الصحراء - مكانياً وميثولوجياً معاً - ليست رمالاً، بل هي (لوغوس) كوني، ولغة قائمة بذاتها لا يفهمها إلا من تجرد من أوهام العمران.

تتجلى في إجابات الكوني وحدةٌ عضوية عميقة تربط الكائنات بعضها ببعض؛ إذ ينتقل بالعلاقة من أفق «وحدة الكائنات» التقليدية إلى مرتبة «وحدة الوجود»، مستعيداً حكمةً بدئية تسبق نشوء الحضارات وخطابها العقلاني. ويقدّم الإنسان بوصفه شريكاً للحيوان والطبيعة في «غنيمة الوجود» لا سيداً عليها، مانحاً نصوصه صبغةً أحيائية تعيد النبض إلى كل مظاهر العالم الطبيعي.

وفي استنطاقه لهذه المنطقة، يتفعل في النص ما يمكن تسميته بـ«النقد البيئي»، إذ يتحول السرد إلى صرخة أخلاقية ضد توحّش الحداثة التي قطعت صلة الإنسان برحم الكون، ويقودنا بيدٍ حازمة إلى طفولة العالم الأولى، حيث يتكلم الجبل، ويحمل الودان «الغزال الصحراوي» أسرار السماء، ويغدو الشجر تجسيداً لصلاةٍ لا تنقطع.

يؤكد الكوني في مكاشفاته أن «الأسطورة هي المرشد الأعلى للسردية»، معتبراً إياها الترياق الوحيد لداء الفناء. ومن خلال استلهام الرموز التوراتية والقرآنية والميثولوجيا الأمازيغية، يصوغ نصاً يتخطى حدود الزمن الخطي (ماضٍ - حاضر - مستقبل)، ليقيم في الزمن الأسطوري السرمدي المفتوح بلا بداية ولا نهاية.

يلاحق المحاور بطل الكوني في تحوّلاته الوجودية، ويسأله عن «الخطيئة الأولى» التي جعلت من الصحراء عقاباً وجنّة في آن؛ فضاءً للعقوبة وملاذاً للخلاص في اللحظة نفسها. ويكشف الحوار أن الأسطورة عنده ليست حنيناً إلى الماضي، ولا متحفاً للذاكرة، لكنها أداة حيّة لتفسير «الآن»؛ فالإنسان ما زال يطارد السراب ذاته، والشهوة ما زالت هي الخطيئة التي تُخرجنا من فردوس الصمت إلى جحيم الكلام.

أما اللغة عنده فهي «لغة فوق اللغة»، لا تُريد أن تُسمّى الأشياء بقدر ما تريد أن تُصغي إلى ما قبل التسمية. إنها لغة تسعى إلى فكّ شيفرة الوجود عبر الصمت، لأن الصمت - في منظوره - ليس فراغاً، بقدر ما هو أعلى درجات المعرفة وذروة الامتلاء الروحي في مواجهة لغو الحرف وضجيجه.

يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك لا ليتحدّى الكوني بل ليقترب منه

بهذا المعنى يتحوّل فعل الرواية إلى معراجٍ أخير للإنسان في مواجهة العدم؛ معراجٍ يصعد فيه الوعي لا الجسد، وترتفع فيه العبارة لا الرؤية، فتغدو الكلمة فرمان تشريف وجودي يهب الإنسان حقّ الانتماء إلى المعنى.

يغوص مكي في هذا البحر اللدني، متسائلاً عن جدوى الكتابة إذا كان الصمت هو الغاية القصوى. وهنا يبدع الكوني في تفكيك مفارقة «الكتابة بالصمت»، فالحرف عنده ليس غاية، بل جسر ضرورة يعبر عليه الإنسان نحو ضفّة الحقيقة. هذه اللغة التي ينحتها الروائي، والتي يستجليها محاوره بذكاء، هي لغة «تطهرية» بالمعنى الأرسطي، تهدف إلى تخليص الروح من أدران المادة.

في هذا الأفق تغدو تجربة المنفى في حياة الكوني رحلة تنوير لا مفرّ منها لبعث الروح من «رماد الحرف». فالمنافي المتعددة - من روسيا إلى سويسرا وإسبانيا - كانت منازل في معراج الهجرة، اكتشف فيها أن «صحراء الباطن أقوى حجة من صحراء الحرف».

بذلك تتجاوز الهوية عنده حدود الانتماء العرقي الضيق، لتصبح هويةً ذات أبعاد مشحونة بقلق وجودي يبحث عن فردوس مفقود بين الذاكرة والضياع.

عند هذه العتبة يلتقي الروائي ومحاوره عند تخوم ما بعد الاستعمار وفلسفة نقد الهوية؛ فالكوني يرفض أن يُحبس داخل هوية جغرافية مغلقة، ويرى في المنفى تحرراً من أسر الطين، لا مجرد اغتراب مكاني. ومكي، بوعيه الصحافي المثقّف، يكشف كيف انتقل الكوني من كاتب «محلي» يروي عالم الطوارق إلى مفكر يتأمل مصير الإنسان بوصفه كائناً كونياً يتجاوز الحدود والأزمنة.

لذلك لا يمكن قراءة كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني» كإضافة نوعية فحسب إلى مكتبة الأدب العربي؛ إنه «مانيفستو» جمالي يعيد للحوار الأدبي كرامته بوصفه جنساً إبداعياً مستقلاً لا ملحقاً بالصحافة الثقافية. لقد نجح مكي في أن يكون الخيميائي الذي استخلص من ذهب الكوني خلاصات التجربة الإنسانية بما فيها مرارتها ونبلها في آن واحد.

عندما يعجز الكلام عن الإحاطة بالوجود، ويتراجع أمام اتساع الصمت، يتكشّف أن صحراء الكوني تجربة تُعاش قبل أن تكون مشهداً يُرى، أفقٌ للوعي قبل أن تكون حدوداً للجغرافيا، ومرآةٌ لقلق الإنسان بقدر ما هي مسرح الطبيعة. هنا تتكثّف خيوط الكتاب جميعها - الصمت، التيه، الأسطورة، المنفى، والهوية - في مفارقة واحدة شاهقة: الضياع مسارٌ خفيّ نحو المعنى، والفراغ الظاهر امتلاءٌ من نوعٍ آخر.

هذا العمل يأخذ بالقارئ إلى قلب «المكاشفة»، ويقوده لاكتشاف أن الصحراء التي يتحدث عنها الكوني قريبة منّا؛ كامنة في دواخلنا، في ذلك الصمت الذي نرتجف أمامه، وفي تلك الحرية التي نتردّد أمام ثمنها.

لقد نجح علي مكي في تحويل الكوني إلى مرآةٍ لنا جميعاً، ونجح الكوني في البرهنة على أن الأدب - حين يبلغ ذروته - ممارسةُ خشوعٍ في محراب الوجود؛ لحظةٌ يذوب فيها الاسم، ويخفت فيها الضجيج، ويبقى وجه الحقيقة وحده مشرقاً كشمس الظهيرة وهي تشقّ المدى حتى أقصاه.


بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل
TT

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة. أسلوب الرواية نفسه هو نسج في اللغة، وكأنما الكاتبة تحوك خيوط كلماتها كما تفعل شخصياتها على نولهن. فالنساء في الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الآداب» في بيروت، يحكن الأثواب وبسمة الخطيب تغزل الأحداث بقلمها، في حفر عميق في الذات النسائية الجمعية، من خلال تتبع سلالة واحدة، بحيث تتقصى حياة الجدّات واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى الوريثة الأخيرة ندى التي تعيش في عزلة بسبب وباء «كوفيد» وتحاول رتق النسيج الممزق الذي ورثته لتفهم تاريخها.

شجرة العائلة نسائية

على عكس شجرة العائلة التقليدية التي تحتفظ بأسماء الذكور وتسقط الإناث من الاعتبار الجينيالوجي، تذهب الخطيب إلى اقتفاء سيرة عائلة من خلال تجارب نسلها الأنثوي. هذا لا يعني أن الشخصيات الأخرى غير موجودة، بل على العكس الرواية تعجّ بأناس يصنعون هذا العالم الممتد مثل آمال ووالدتها، وهن من جيران الوادي الذي سكنته السلالة، لكن الربط الأساسي في الرواية يظل متمحوراً حول الحائكات اللواتي تنحدر من صلبهن ندى، وبينهن تانيس ومهجة وحسينة وأميرة وصولاً إلى ندى.

الحكاية تبدأ من الحفيدة الأخيرة ندى، معاصرتنا التي توفيت والدتها أميرة، وها هي تعود إلى بيتها، وتغرق في تفاصيل العزلة والحداد. «هل أمّها محظوظة لأنها عاشت للثمانين؟ تشكّ ندى في ذلك. فغالبية أيّام عمر الأمّ كانت تعيسة، قضتها في انتظار أحلام لن تتحقّق». تأتي المفاجأة لندى من حيث لم تكن تنتظر، من امرأة غريبة لا تعرفها، تطرق الباب وتطالبها باستعادة «أمانة» كانت قد أودعتها عند والدتها أميرة. هذه الأخيرة كانت «داية» تولد النساء وتدفن «خلاص» مواليدهن في الوادي، وهي التي حفظت «الأمانة» أو النسيج القديم، الذي نفهم بعد ذلك أنه الرابط الذي تتناقله السلالة النسائية.

خط زمني واحد يمتد من ماضٍ سحيق إلى حاضر الوباء الجديد، تتوارث النساء خلاله الألم ذاته وتقاومنه بالصبر والحياكة، والغزل والطبخ والتحايل وتجديل الشعر. ليس انتظاراً مجانياً، إنما هو تفاعل بطيء، لكنه متواصل وحثيث وفيه إصرار على بلوغ الهدف النهائي، وهو تغيير هذا المصير الذي يبدو لثقله أنه قدر لا مجال لزحزحته.

لا استخدام لكلمات ممجوجة كـ«الحقوق» أو «الحرية» أو «المساواة» التي ترفعها جمعيات تحرير المرأة، بل على العكس تماماً، هو سرد لمسارات متلاحقة لنساء يتلحفن بالصبر ويقتتن على العمل الصامت الذي لا يكلّ.

الاستعاضة عن الكلام بالنسج

ننتقل مع الكاتبة إلى زمن الجدة تانيس، المرأة البكماء الصماء التي نفيت إلى «قصر الهجران» المنحوت في صخور الوادي، ليكون سجناً تودع فيه النساء لعاقبهن. وهو منفى خُصص للنساء «العاصيات» أو «الموبوءات». في هذا القصر، بدلاً من أن تستسلم تانيس للموت، تُحوّل هي والنساء الأخريات في القصر الحياكة إلى أداتهن المتبقية للاستمرار والتغلب على العزلة. بهذا تصبح تانيس هي الغازلة التي افتتحت مسار الاستعاضة عن الكلام بالنسج. وعندما تولد ابنتها ليلان في «القصر الملعون» ترث عن أمها هذا الغزل، ومعه الصبر ورحلة العذاب الطويل. هكذا تتناسل النساء ويتوارثن الوجع؛ إذ من بعدهن تأتي الحفيدة أثاليا، التي تهرب بها تانيس لتبدأ رحلة على طول بلاد الصدع الزلزالي التي تمتد من تركيا إلى مصر. هناك على هذا الصدع ستولد مهجة الكبرى التي واجهت الطاعون والظلم الأسري. ومن السلالة نفسها تولد ضحى ومن ثم حسينة اللتان تابعتا بدورهما الغزل على النول، أمينات لتراث جدتهن تانيس.

اللعبة الروائية التي تنقلنا بين الحاضر (ندى) والماضي (الجدّات) تظهر لنا من خلال الأحداث أن الزلازل النفسية لهؤلاء النسوة المعذبات والمصرّات على الكدح، كأنما هي انعكاس للصدع الزلزالي الذي يمزق الأرض، وتأتي الحياكة التي لا يتوقفن عن ممارستها وسيلةً لرتق جروحهن.

فالرتق عند النسّاجات له وظائف عدّة لأن «قطبة واحدة ضالّة قد تطيح النسيج أو تجبر الحائكة الدؤوبة على إعادة العمل». ولكن «الرتق» أو «الرثو» أو «الوصل» هو الحيلة المنقذة. «حين تعلّمت ندى حياكة الصوف، كان يعجبها أن تسحب خيطاً من آخر، وتشبكهما، ثمّ تعقدهما، وإن أفلتت منها قطبة تسارع إلى إنقاذها وربطها بأخواتها بقطبة مخفية». المهم هنا «أنّ قفا أقمشة النول تُظهِر بوضوح ما رُمّم ووصِّل واُصلِح. وإنّ القفا هو دليل رحلة الأخطاء والعثرات التي قطعها الحائك وسوء الحظّ أيضاً».

الرموز تحمل الرواية

اعتمدت الأديبة الأسلوب الملحمي في القص الذي تتداخل فيه الرومانسية مع القسوة، والتاريخ بالتخييل، والسيرة الفردية لكل امرأة بالحكاية الأسرية. تبدو الأجواء وكأنها محاطة بهالة ضبابية مليئة بالرموز رغم أنها تحدثنا عن نساء يمارسن حياة اعتيادية من طبخ وتنظيف وغزل وولادة وكفاح مستمر. الخطيب في العودة إلى قصص النساء وتناسلهن المتخم بميراث ثقيل وموجع، جعلت الترميز وسيلتها لكتابة سيرة جماعية فيها من النضال الصامت ما يجعلها أسطورية النكهة.

الكاتبة تنسج مع تانيس وكأنها تشاركها نولها وخيوط تفاصيل مرارة سجنها، وصبرها وصمتها، وتتحدث عوضاً عنها، لتقول المسكوت عنه بطريقتها الترميزية. فالأمراض الجينية كالصدفية التي تنتقل مع الميراث الأنثوي لسلالة تانيس، من أسبابها أيضاً الضغط النفسي، والكبت. والصدع الزلزالي الجغرافي مكان الحدث يتوازى مع التصدع السيكولوجي الذي تخضع له الشخصيات. كذلك هناك رمزية «صدق القفا» التي تحدثنا عنها. فوجه النسيج المنتظم الخيوط، ليس كقفاه المليء بالعقد والوصلات، ومقابل التاريخ الذي نقرأه للنساء هناك الوجه الآخر، الذي يخفي كل الخلفيات بجروحها ودموعها وآهاتها التي يحكيها «قصر الهجران».

تطرح الرواية فكرة أن هؤلاء النساء، رغم اختلاف شخصياتهن وأزمانهن، يمثلن وجوداً واحداً تصعب تجزئته. «الأسماء كلها واحدة» كما تقول المرأة الغريبة، وندى هي آخر خيط في رداء نسجته النساء في عمل متواصل.

عندما يموت زوج ندى يبدو وكأن السماء تنقشع، ويأتي الفرج. مأساوي أن يكون موت الزوج هو الحلّ السعيد الوحيد للمرأة. لكن الوفاة هنا هي الباب الذي يفتح لندى لتعثر على حريتها، وربما تثأر لجداتها. زوجها الذي لم يتمكن من الإنجاب كل ما فعله أنه كتب الشقّة الزوجيّة وأرضاً باسمها تعويضاً تكفيراً عن ذنبه، أو هكذا ظن. لكنه في المقابل تزوج مرتين محاولاً أن يثبت لنفسه بأنه كامل ولا تشوب رجولته النقصان. محاولة ندى حل مشكلة الإنجاب بتبني «آدم» لم تحل المشكلة بل زادتها تعقيداً؛ إذ أصبحت العلاقة المتوترة بين زوجها وابنها باباً لعواصف جديدة.

«لم يتقبّل الزوج أن تنبت لآدم (والاسم له رمزيته حتماً) لحية، حتّى أنّه جاهر بسخريته من (شنب الفئران) الذي بدأ ينمو تحت أنفه، فكيف سيتقبّل أن يحلق آدم ذقنه؟ كيف سيعبّر عن حنقه حين يدخل حمّام آدم ويرى معجون الحلاقة والشفرة؟».

لم تتخل ندى عن الغزل، لكنها في الوقت نفسه حصلت على الماجستير، وعثرت على وظيفة في مكتبة إحدى الجامعات، في غفلة من زوجها.

انكشاف كل هذا أمام أعين الزوج لن يغضبه فقط، بل سيودي بحياته كلياً إثر الصدمة. فهو «لا يروق له أن تفرح، فكيف بأن تكون سعيدة. لا بل لا يروق له أن يفرح أحد وهو محروم من الإنجاب ومشكوك في رجولته رغم كل محاولاته إثبات العكس».

في الصفحات الأخيرة من الرواية، تظهر امرأة غريبة لندى تمسك برداء يطول ويتمدد، تنكشف عليه زخارف وأسماء، كل أولئك اللواتي شاركن في صنعه: «اسمي مكتوب في هذا الرداء، أسمائي، أسماؤنا». تلبسه الحفيدة الأخيرة، بصفته صنيعة نساء السلالة كلها، بحيث إنه حين يلتف حول جسدها يصبح جزءاً منه، وتجسيداً حياً لتراثها وكل من سبقنها.

هي الآن الحارسة المؤتمنة على إرث عائلتها النسوي، ولا نعرف ما سيكون مصير الرداء من بعدها لأنها لم تنجب ذكراً ولا أنثى، وإنما تنحصر آمالها في ابنها بالتبني: «آدم»، ولربما سلالة ذكورية جديدة.


أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا
TT

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي. ويقدّم هذا الإصدار أول ترجمة عربية كاملة لديوان «Arte de Pájaros»، أحد أهم أعمال نيرودا المتأخرة وأكثرها تأملاً.

ويعود الديوان إلى عام 1966، حين نُشر في موطنه تشيلي مصحوباً برسومات لفنانين بارزين، قبل أن يُدرج في الأعمال الكاملة ويُترجم إلى لغات عدة. ويُنظر إليه نقدياً بوصفه محطة أسلوبية فارقة تتراجع فيها النبرة الخطابية لصالح كتابة مكثفة تُصغي للطبيعة. في هذا العمل، لا يتعامل نيرودا مع الطيور بوصفها موضوعاً زخرفياً أو استعارياً مباشراً، بل بوصفها كائنات لغوية وحسية، تتيح إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين اللغة والحركة والزمن.

كتب نيرودا هذه القصائد بعد جولات ربيعية على الساحل التشيلي برفقة زوجته ماتيلدا أوروتيا، وهو ما يظهر في حضور البحر والرياح وهجرات الطيور بوصفها عناصر بنائية في الصورة الشعرية.

يتألف الديوان من 53 قصيدة موزعة على قسمين: الأول مكرّس لطيور حقيقية من البيئة التشيلية، والثاني يتجه نحو طيورٍ متخيلة، تُصاغ ضمن بنية لغزية تجعل من التسمية فعلاً شعرياً. وتتخلل الديوان ثلاث قصائد طوال تمنحه تماسكاً بنيوياً يجمع بين الجانبين: الوصفي والتأملي.

ويفتتح نيرودا الديوان بمشهد جماعي تتبدى فيه هجرة الطيور بوصفها حركةً كونيةً صارمةً، تقودها غريزةٌ لا تعرف التردّد:

زاويةٌ من الطيور

باتجاه

خط عرضٍ، من حديدٍ وثلجٍ،

تتقدّم دونما هوادةٍ

في نهجها المستقيم:

استقامةٌ ساغبةٌ

كسهمٍ مصوَّبٍ،

لجموعٍ سماويةٍ تشق طريقها

للتكاثر، مجبولةً

بحبٍ وهندسةٍ قاهرين...

ومن مشهدية الأسراب وحركتها في السماء، ينتقل الشاعر إلى سلسةٍ من القصائد يتأمل فيها طيوراً مفردةً في موائلها، مثل طائر أبو منجل ليربط بين الماء والذاكرة، وبين الجسد وصمت الغابة:

المياه النهرية، أعرفها

وبسابغٍ من ماء العشق وترابه

انضوت في جسدي

الأصوات السرية للغابة

...

وحتى في إغفاءتي

أحيا ذلك الصمت الجهوري،

وأستيقظ، أو توقظني

أسراب طيور أبو منجل الهائلة، المتئدة،

وقد تمكّثت في حلمي.

وفي مواجهة هذا القرب الحميم من الطبيعة، يتحوّل اللون في قصيدة «قُبّرة المروج حمراء الصدر» إلى سؤال، والجمال إلى أثر عنفٍ خفي:

لماذا تُريني كل يوم

قلبكِ الدامي؟

أي خطيئةٍ ترتدينها،

أي قبلةٍ من الدم لا تمّحى،

وأي رمية صيادٍ دهمتك؟

ويبتكر نيرودا طيوراً متخيّلة تُصاغ من الريش واللغة معاً، مثل «الطائر الهيروغليفي»:

متداخلٌ ريشه، ريشةً جنب أخرى،

يبسط جناحيه في ميادين العمل.

طائر المتاهة، طائر البر والبحر،

والألغاز...

وفي ختام الديوان، يعود الشاعر إلى ذاته، معلناً وداعاً لا يخلو من الامتنان، ليغدو الطيران استعارة لحياةٍ كاملة:

شاعرٌ ريفيٌّ ومحبٌّ للطيور.

آتي وأذهب طائفاً العالم،

بلا عتاد،

أُصفّر، بلا هدف، حيثما ذهبت.

أستسلم

للشمس وحقيقتها،

وللمطر، ولغة قيثارته...

وقد اعتمدت الترجمة العربية على ترجمة وسيطة بالإنجليزية مع الرجوع المنهجي إلى النص الإسباني الأصلي، بإشراف من الأديبة والأكاديمية الدكتورة خديجة قضّوم أستاذة اللغات الرومانسية وآداب أميركا اللاتينية، التي يسّرت تدقيق الترجمة لضمان مطابقة المعنى والاقتراب من الخصوصيات البيئية والثقافية للنص، خصوصاً ما يتعلق بالأسماء المحلية والحمولات الدلالية المرتبطة بطيور تشيلي وإقليم باتاغونيا في أطراف أميركا الجنوبية.

ويتيح هذا الإصدار لقرّاء الشعر الاطلاع على جانب تأمّلي أقل تداولاً من تجربة نيرودا، حيث تتقاطع الحساسية الشعرية مع الطبيعة وعناصرها المختلفة، ويقدّم نصاً يوسّع أفق المطالعة الشعرية من خلال تجربة لغوية وبيئية مختلفة.