عبد الفتاح أبو مدين.. «الطحسني» الذي أشعل «الحداثة» ربع قرن

كان في مجلة «الرائد» مثل الطبيب يستبعد كلمة ويضع كلمة

عبد الفتاح أبو مدين في إحدى الندوات
عبد الفتاح أبو مدين في إحدى الندوات
TT

عبد الفتاح أبو مدين.. «الطحسني» الذي أشعل «الحداثة» ربع قرن

عبد الفتاح أبو مدين في إحدى الندوات
عبد الفتاح أبو مدين في إحدى الندوات

كغيره من ناكري الذات، استهل الأديب السعودي عبد الفتاح محمد أبو مدين سيرته الذاتية في كتابه الشهير «حكاية الفتى مفتاح» بقوله: «إنني أؤكد من البداية أن حياتي ليس فيها شيء يستحق التسجيل والحديث لأنها حياة أمثالي ممن عاش اليتم والجهل والفقر..».
ولد أبو مدين في عام 1344 من الهجرة ودخل الكتاب في بنغازي وفق الطريقة القديمة، يقرأ القرآن، يكتبه على لوح من الخشب، يحفظه ثم يمحوه. ففي عهد الاستعمار الإيطالي، لم تكن توجد سوى المدارس الإيطالية، فخشي عليه والده ووالدته، بحسب رواية أبو مدين خلال تكريمه في منتدى «الإثنينية» في عام 1984، أنه إذا دخل المدرسة سيجند وبالتالي يحارب مع الكفرة!
توفي والده ولم يترك خلفه شيئا من متاع الدنيا. يومئذ كان عبد الفتاح في الـ12. ذهب ليفتش عن عمل، فوجد عملا في البناء لكن عضلاته الواهنة لم تساعده على الاستمرار، تركه وعمل في مقهى، ثم في فرن، يجلب النشارة من المناجر، والدقيق من (صوامع) الدقيق، يحمل في سن يفاعة كيس دقيق يزن 80 كيلا، قبل أن يأتي عام 1942، الذي توسل فيه خاله عند السفير البريطاني في جدة، يرجوه أن يتوسط لدى الإدارة البريطانية، التي كانت تحكم ليبيا يومئذ، أن يركبه ووالدته إلى الحجاز. ليتلقى بعد استقراره بفترة من الزمن المرحلة الابتدائية في مدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة، لكنه اضطر إلى عدم إكمال الدراسة لضيق حال خاله، الذي كان يعوله بعد إحالته إلى التقاعد، ليستقر به المقام في جدة.
هذه البدايات القاسية، التي شكلت وجدان أبو مدين، لعلها هي كذلك من صنعت عزيمته وجلده على تحقيق طموحاته. ومن هنا ليس غريبا على «الفتى مفتاح» وهو «الطحسني»، نسبة إلى طه حسين، الذي تأثر به وقرأه وتعرف إلى أدبه أول مرة في سنة 1368 من الهجرة، قبل أن يبدأ رحلة الكتابة في عام 1370من الهجرة.
فلأبو مدين عدة مؤلفات تنوعت ما بين النقد والدراسات والبحوث والمقالات الأدبية والسيرة الذاتية. وصدر له «أمواج وأثباج»، «في معترك الحياة»، و«تلك الأيام»، «حكاية الفتى مفتاح»، «الصخر والأظافر»، «حمزة شحاتة.. ظلمه عصره»، «هؤلاء عرفت»، «الحياة بين الكلمات»، «علامات»، «الذين ضل سعيهم» «نقد لمنكر السنة النبوية»، «من أحاديث الحياة»، و«أيامي في النادي».
إضافة إلى عمله مديرا لإدارة مؤسسة «عكاظ» للصحافة، ثم مديرا لتحرير العدد الأسبوعي من جريدة «عكاظ»، كما عمل مديرا لإدارة مؤسسة «البلاد للصحافة والنشر» لمدة تسع سنوات. وعضـوا في مجلس إدارة النـادي الأدبـي بجدة عام 1395 من الهجرة إذ يعد من المشاركين في نادي جدة الأدبي منذ تأسيسه عام 1395هـ، قبل أن يصبح رئيسا لهذا النادي بعد وفاة الأستاذ محمد حسن عواد عام 1401 من الهجرة لمدة 25 عاما، وهي المرحلة التي تعد الأبرز في مسيرته العملية.
ومرحلة رئاسته النادي الأدبي بجدة، وهي المرحلة التي بات النادي فيها مالئا الدنيا وشاغلا الناس والصحافة والمجالس بصخب وجدل وحوارات لا تنتهي عن «الحداثة» و«البنيوي» وما بعد البنيوية، أو بحسب وصف رفيقه في رحلة النادي الأدبي، الناقد الأدبي عبد الله الغذامي، الذي يقول في مقال له بعنوان «صناعة الجمهور: نار الحداثة»: «لقد جاءت نار الحداثة، تلك النار التي أنضجت كل ما هو نيء في جسد الثقافة».
ولعل السمة الأبرز في شخصية الأديب أبو مدين تواضعه الجم، الذي أجمع عليه مجايلوه، إذ كان يتمثل دائما مقولة الأديب الأستاذ محمد حسين زيدان: «أنا رجل من عرْض الناس يؤدي بعض واجبه، أو ما استطاع إلى ذلك سبيلا».
إلا أن هذا التواضع لم يدفعه للتقليل من قدره، إذ يوضح: «غير أني أزعم أننا في نادي جدة الأدبي الثقافي، وقد وعينا الخطاب الثقافي المعرفي، ولا أزعم أنني صاحب هذا الخطاب، لكن كنت مع نخبة وعت دورها وكيف تقدم نصوصا ونماذج ثقافية حية، فكسب نادي جدة جولات خلال مرحلة ثرية».
وحتى عندما أتاح النادي الفرصة أمام النساء للمشاركة في النشاطات المنبرية، كنوع من العدالة والإنصاف للمثقفات والأديبات وسط حالة غلب عليها، يومذاك، صوت التشدد، ووصفها أبو مدين في كتابه «أيامي مع النادي» بقوله: «كانت الأصوات المتطرفة تعبر عن نفسها بالمنشورات وأشرطة الكاسيت والكتب ومن على بعض منابر المساجد، ومع ذلك لم نجد بدا من اتخاذ قرار بإنشاء صالة نسائية ترتبط بصالة الرجال، عبر الدائرة التلفزيونية، وإتاحة الفرصة للمثقفات للمشاركة، وببساطة متناهية خاطبت أمير منطقة مكة المكرمة حينها الأمير ماجد بن عبد العزيز (رحمه الله) أستأذنه في فتح الصالة النسائية، وقد بارك الأمير هذه الخطوة، وأذن لنا بذلك».
ويصف الغذامي شخصية أبو مدين الإدارية بقوله: «الرجل على قدر عالٍ من تقدير المشورة والرأي ثم الشجاعة في التنفيذ، مع الفصل التام بين ما يراه هو شخصيا وما يجب عمله، ولا يستبد برأيه الخاص في مشاريع عامة تهم الوسط كله (...)، ولقد قبل أبو مدين الأسئلة ورحب بالتحديات وتحمل التبعات. فكان العاملون معه يشعرون أنهم مع رجل فتح عقله للآراء وسمح لأفكار العمل أن تأخذ مجراها، وترك الحوار هو المتحكم في الموقف».
ومع ذلك كله خرج أبو مدين من النادي الأدبي وبقي في نفسه شيء من حتى، إذ قال في أحد حواراته العامة ردا على تقييمه لفترته في النادي الأدبي: «أود أن أقول لوزيري الثقافة والإعلام الأخ إياد ثم عبد العزيز خوجه، أقول كلمتين أو طلبين: أعطونا صلاحيات، وأعطونا دعما ماديا، ثم حاسبونا».
كما يقترن اسم الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين بعملين صحافيين في جدة بجريدة «الأضواء»، وهي أول جريدة تصدر في جدة في العهد السعودي، أصدرها بالاشتراك مع محمد سعيد باعشن، في عام 1377 من الهجرة، و«الرائد» التي كان هو صاحبها ورئيس تحريرها، وأصدرها في عام 1379 من الهجرة، وهو يومئذ موظف في مصلحة الجمارك بجدة.
استمرت المجلة إلى قيام المؤسسات، حيث توقفت، إذ انتهى امتلاك صحافة فردية في البلاد. وشهدت «الرائد» معارك ضارية بين جيلين من الأدباء، ويروي أبو مدين عن بداية تأسيسها أنه «في مطلع عام 1379 من الهجرة أخذت أتابع الملك فيصل (يرحمه الله) حيثما يكون على حدود العراق في الصيد في فصل الربيع أبعث إليه ببرقية رجاء أن يصدر أمره الكريم بمنحي إذنا بإصدار مجلة أدبية باسم (الرائد)، وتابعت ذلك حتى صدر الأمر، وأصدرت في شكل مجلة على غرار مجلة (الرسالة)، التي كنت أحبها، في البداية أصدرت (الرائد) نصف شهرية لمدة سنة، وبعد ذلك فردتها كالأستاذ السباعي على شكل تابلوه من غير غلاف، واستمررت أصدرها، ويعينني إخواني وأصدقائي من الكاتبين؛ الأستاذ محمود عارف، الدكتور محمد سعيد العوضي».
ويسرد أبو مدين قصة عن الدكتور عبد الله مناع الذي كان أحد أوائل الذين ساهموا في بداية مشوار مجلة «الرائد»، إذ يقول: «كان (المناع) يدرس في الجامعة بالإسكندرية، ويبعث إلى بمقالات مزعجة بعنوان (على قمم الشقاء)، وهي عبارة عن قصة مسلسلة تدور حول حب وغرام الشباب فكنت أسهر على الحلقة الواحدة ليلة كاملة، مثل الطبيب أستبعد كلمة وأضع كلمة.. أحذف حرفا وأضع آخر.. وفي ذات مرة وأنا في الجمارك وفي موسم الحج اتصل بي الشيخ عبد الملك بن إبراهيم (يرحمه الله) رئيس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحادثني 40 دقيقة، فقال: يا فلان، لقد جاءنا من نثق فيهم من الحجاز، وقالوا إن صحيفة (الرائد) هي بمثابة (روزاليوسف) الحجاز.. وكانت (روزاليوسف) في ذلك الوقت غير مرغوب فيها، وطفق الشيخ يعلن، ويعاتبني بقوله: هذا عمل لا يجوز.. وكلام طويل».
ولم تخلُ «الرائد» من تلك المعارك التي كانت ضارية بين الشباب والشيوخ، والتي يمثل الشباب فيها كل من الشابين المتعبين، علي العمير وراشد الحمدان، ويصف أبو مدين ذلك بقوله: «كان العمير في قرية الموسم على حدود اليمن وهي قرية صغيرة، والأستاذ راشد الحمدان كان يدرس في كلية الشريعة بمكة.. وكانا يثيران معارك عنيفة، وكنت أتقبل منهما رسائلهما وأنشرها، ولكن أشهد الله أنني لا أترك لهما ولا لغيرهما مجالا للتطاول على الشيوخ.. لأن جيل التجربة هو موضع الاحترام وموضع التقدير، مهما تغيرت المفاهيم والمقاييس. لقد كانت فترة علي العمير وراشد الحمدان فترة حرجة، وفترة صعبة، ولكن مع هذا كان التوازن مستمرا، وكان هناك احترام للكبار كما قلت، وكنت أوائم بين هذا وهذا، وأقول إني من (الأعراف)، لا أنا من الشيوخ ولا من الشباب، أضع نفسي مع جماعة الأعراف، لا في النار ولا في الجنة، أو بينهما على طريق الجسر».



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.