الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»

عبر مواقفه المتشددة من الأزمة السورية

الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»
TT

الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»

الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»

تمكّن الرئيس فلاديمير بوتين من تحسين فرص روسيا في إكمال الهيمنة على أوراسيا، الكتلة الأرضية الضخمة التي تتشكل من قارتي أوروبا وآسيا، مقابل تراجع كبير جداً للنفوذ الأميركي فيها، ولا سيما الأجزاء الشرقية وتحديداً آسيا الوسطى، وذلك حين أحكم قبضته على ملف سوريا. وفي الوقت ذاته، استغل بوتين انتشار ظاهرة الإرهاب في المنطقة ومخاوف «الجوار» السوفياتي السابق من الظاهرة لتثبيت النفوذ الروسي عسكري، والدور القيادي لروسيا في المنطقة.
لقد استغل «سيد الكرملين» التدخل الروسي المباشر لاستعادة مكانة روسيا دولياً وإقليمياً، سواءً في منطقة الشرق الأوسط، أو في الفضاء السوفياتي السابق. وعبر العمليات العسكرية والدور الفاعل والنشط في مطابخ السياسة وأروقة الدبلوماسية أظهرت روسيا قوتها العسكرية وإرادتها السياسية، وهي عوامل أساسية أثرت على نظرة حكام جمهوريات سوفياتية سابقة نحو العلاقة مع الكرملين. ولعل عامل التأثير الأهم والأكثر حساسية في هذا الشأن هو الموقف السياسي المتصلب الذي تبناه بوتين في دعمه رأس النظام السوري بشار الأسد، ومعاندته في رفض الإطاحة بالأسد بالقوة، معتبراً أن أي تغيير للسلطة يجب أن يجري عبر عملية سياسية. ومن ثم، وجد بعض قادة هذه الجمهوريات في موقف موسكو حيال مصير الأسد مؤشراً إيجابياً غيّر نظرتهم نحو الكرملين، الذي بات بالنسبة لهم حليفاً موثوقاً، من ناحية يمكن أن يدافع عنهم أيضاً في حال شهدت بلادهم اضطرابات داخلية، ومن ناحية أخرى لا يحاسبهم أو ينتقدهم وحكوماتهم وسياساتهم الداخلية في مجال الحريات والحقوق، كما تفعل الولايات المتحدة.
تميز العقد الأول من مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بتنافس حاد بين موسكو وواشنطن على النفوذ في منطقة آسيا الوسطى، في سياق تنافس بين نظريتين «أوراسيتين». النظرية الأولى أميركية لخصها الأكاديمي والمستشار السياسي الأميركي الشهير زبيغنيو بريجينسكي في كتابة «رقعة الشطرنج الكبرى»، ودعا فيها إلى سيطرة أميركية على أوراسيا (أوروبا وآسيا) والإمساك بمناطق حساسة فيها للحؤول دون توسيع روسيا لنفوذها في محيطها الجغرافي الأوراسي، وبالتالي، التحول إلى إمبراطورية أوراسية مهيمنة. والأخرى، نظرية روسية لخصها المفكر الروسي ألكسندر دوغين في مؤلفات عدة له، منها «الدرب الثالث» و«الدرب الأوراسي كفكر قومي»، تؤكد على «أوراسية الدولة» الروسية والدور القيادي لروسيا في «أوراسيا».
النظريتان تتفقان على أهمية أوراسيا، لكن تضع كل منهما رؤية خاصة لمعاني وكيفية وأهداف السيطرة على تلك الكتلة الجغرافية الضخمة، أو الجغرافيا الممتدة من سواحل أوروبا الغربية على المحيط الأطلسي حتى شرق الصين وسيبيريا الروسية، وبينهما آسيا الوسطى ودول الشرق الأوسط الآسيوية. واليوم تضم أوراسيا ثلاثة أرباع مصادر الطاقة في العالم، وفيها ست دول ضخمة من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية، والدولتان الأكثر سكاناً في العالم وهما الصين والهند، بالإضافة إلى روسيا الدولة الأكبر مساحة.
في العقد الأول بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، تمكنت الولايات المتحدة من بناء علاقات مع عدد كبير من الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تنتمي جغرافياً إلى أوراسيا، مستغلة ضعف الدولة الروسية في تلك الفترة وانشغالها بالأزمات الداخلية. وإلى جانب التعاون الاقتصادي المحدود، استفادت الولايات المتحدة من «الحرب على الإرهاب» في أفغانستان فشيدت قواعد عسكرية في بعض تلك الجمهوريات.

حالة إسلام كريموف
غير أن قادة جمهوريات آسيا الوسطى (السوفياتية سابقاً) كانوا ينظرون على الدوام بريبة وحذر إلى التعاون مع واشنطن، ولا سيما بعدما ساهمت الأخيرة في أحداث «الثورات الملوّنة»، وبالأخص، في جورجيا وأوكرانيا، التي انتهت بالإطاحة بأنظمة الحكم وتنصيب أخرى أكثر ولاءً لواشنطن. وكان في مقدمة هؤلاء المرتابين رئيس أوزبكستان السابق الراحل إسلام كريموف، الذي كان الحليف الأكبر لواشنطن في آسيا الوسطى ووقّع معها اتفاقاً عام 2001 لافتتاح قاعدة أميركية على الأراضي الأوزبكية في إطار الحرب على الإرهاب في أفغانستان. ذلك أن كريموف سرعان ما أخذ يعيد النظر في تحالف مع واشنطن، ولا سيما بعد دعمها «الثورات الملوّنة»، وإدراكه أن هذه العلاقات قد تفرض عليه التزامات في مجال الحريات؛ الأمر الذي يشكل تهديداً لنظام حكمه.
أكثر من ذلك، اتهم كريموف واشنطن بالوقوف خلف الاحتجاجات في مدينة أندريجان الأوزبكية عام 2005، وقرر إغلاق القاعدة الأميركية في بلاده، ومن ثم، عاد وانفتح بحذر على العلاقات مع موسكو عبر الانضمام مجدداً إلى منظمات تكاملية أسستها روسيا في الفضاء السوفياتي السابق. وبعدها بقي على كرسي الرئاسة «إلى الأبد» حتى وفاته عام 2016.
خلال كل مراحل العلاقات بين واشنطن وعدد كبير من قادة الجمهوريات السوفياتية السابقة، شكّل قلق أولئك القادة على أنظمة حكمهم من «نشر الديمقراطية الأميركية» ثغرة كبيرة في السياسة الأميركية في المنطقة. هذا إلى جانب ثغرة أخرى لا تقل أهمية، وتجلت بعزوف معظم القوى السياسية المهيمنة في الجمهوريات السوفياتية السابقة، باستثناء قادة أوكرانيا وجمهوريات البلطيق ومولدافيا (مولدوفا) إلى حد ما، بالانخراط كلياً كأدوات في السياسات الأميركية الرامية إلى الحد من النفوذ الروسي. ونشير هنا إلى أن واشنطن لم تمنح هذه الجمهوريات بدائل اقتصادية وسياسية وعسكرية تغنيها عن حاجتها الدائمة إلى «الجارة» روسيا، التي ظلت القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأكبر في المنطقة، مقارنة بجوارها، حتى في فترة ضعفها خلال عقد التسعينات.

مشروعات موسكو وحساباتها
منذ البداية اعتمدت روسيا على المشروعات التكاملية الاقتصادية، ومن ثم العسكرية للحفاظ على نفوذها في آسيا الوسطى، بما يضمن لها هيمنة أكبر في أوراسيا بشكل عام. واستفادت بادئ ذي بدء من التوجهات التكاملية لدى نور سلطان نظربايف، رئيس كازاخستان وصاحب معظم المبادرات لتشكيل تكتلات تكاملية في المنطقة، ومواقف رئيس بيلاروسيا (روسيا البيضاء) ألكسندر لوكاشينكو، الساعي إلى الحفاظ على الروابط التاريخية الثقافية الاجتماعية والقومية والسياسية مع روسيا. وبالفعل، نسجت موسكو مع البلدين علاقات مميزة شكلت لاحقاً نواة للكثير من الخطوات التكاملية الإقليمية بقيادة روسية. كذلك، استفادت روسيا بمهارة من رد فعل الصين الإيجابي على السياسات الأميركية في آسيا الوسطى والفضاء السوفياتي السابق بشكل عام. وهكذا اندفعت موسكو وبكين نحو بناء علاقات والمشاركة في تكتلات دولية أساسها تجنّب المواجهة والصراع على النفوذ في الفضاء الجيوسياسي المحيط، المشترك بين البلدين، والتنافس فيه، لكن ضمن تفاهمات تكمن في أساس علاقات تعاون استراتيجية الطابع قامت بينهما.
في علاقاته مع الجمهوريات السوفياتية السابقة حرص بوتين على تعزيز التعاون الثنائي. وتميزت هذه العلاقات بطابع مستقر عموماً، وإن شهدت مع بعض الجمهوريات تطورات إيجابية، بينما تدهورت مع عدد قليل منها، مثل أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان إلى حد ما، وكذلك مع أوزبكستان، التي كانت تتنقل بين تكتلات أسست بدفع من واشنطن وأخرى أسست بدفع من روسيا والصين وكازاخستان. وكان الرئيس الأوزبكي كريموف ينطلق في حساباته من تقديره للتهديدات لنظام حكمه التي تنطوي على مشاركته في أي مشروع تكاملي إقليمي... وفي نهاية المطاف، وجد ضالته بالتقارب مع روسيا التي تعارض مثله السياسات الأميركية، وترى فيها قوة تتدخل لـ«الإطاحة بأنظمة الحكم».
ضمن هذه «الفسيفساء» الجيوسياسية المعقدة أعلن قادة روسيا والصين وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، وكذلك أوزبكستان، تأسيس «منظمة شنغهاي للتعاون»، ووقعوا ميثاق التأسيس عام 2002. وبذا ظهرت منظمة دولية جديدة تمتد على 60 في المائة من الرقعة الأوراسية، من بين أهدافها محاربة الإرهاب وتدعيم الأمن ومواجهة الحركات الانفصالية والتطرف الديني أو العرقي.
وبعد انضمام الهند وباكستان إلى المنظمة خلال قمتها الأخيرة في كازاخستان أصبحت «منظمة شنغهاي للتعاون» ممتدة على 70 في المائة من الجغرافيا الأوراسية، ويعيش فيها أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية. ومن خلال هذه المنظمة ثبّتت روسيا نفوذها في العلاقات مع 4 جمهوريات من آسيا الوسطى هي كازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان.

تحالف... وحلم اتحاد
كذلك ذهبت روسيا نحو تعزيز التحالف العسكري مع الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تصنف «صديقة» عبر تكتلات إقليمية، لكن بعيداً عن مشاركة الصين. وفي هذا الإطار، برزت «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» ونواتها اتفاق الأمن الجماعي الذي وقّعته في العاصمة الأوزبكية طشقند عام 1992 كل من روسيا وأرمينيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، ولاحقاً في عام 1993 انضمت إليه كل من أذربيجان وجورجيا وبيلاروسيا. وعام 2002، قرّر قادة دول الاتفاق خلال اجتماعهم في موسكو تحويلاً إلى منظمة أطلقوا عليها «منظمة معاهدة الأمن الجماعي»، لكن من دون مشاركة أذربيجان وجورجيا وأوزبكستان، التي انسحبت من الاتفاقية عام 1999، وبقيت معاً في منظمة تشكلت بدفع من واشنطن تعرف باسم «منظمة غوام».
في الواقع، ما كان لأي صيغة تكاملية مع الجوار السوفياتي أن تستمر بنجاح دون تكامل اقتصادي، وهو الأمر الذي أدركه الرئيس بوتين وأطلق منذ عام 2000، عامه الأول رئيساً لروسيا، خطوات في هذا المجال، بالتعاون مع حليفيه في كازاخستان وبيلاروسيا، وأسس القادة الثلاثة معاً في البداية الفضاء الاقتصادي الأوراسي، ومن ثم الاتحاد الجمركي، وغيرها من خطوات أدت كلها في نهاية المطاف إلى ولادة «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» في مايو (أيار) 2014. ويضم هذا الكيان في صفوفه اليوم روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا وأرمينيا وقيرغيزستان. ولكن موسكو لا تنوي التوقف عند هذا المستوى، بل تسعى إلى تأسيس «اتحاد أوراسي» بالمعنى التام، وهو ما أكده بوتين في مقال كتبه عام 2011، وقال فيه: إن «بناء الاتحاد الجمركي والفضاء الاقتصادي الأوراسي الموحّد، وضعا الأسس لآفاق بناء اتحاد اقتصادي أوراسي (...) لن نتوقف عند هذا الحد، ونضع نصب أعيننا هدفا طموحاً: الانتقال إلى الخطوة التالية، إلى مستوى أعلى من التكامل، نحو الاتحاد الأوراسي».
ومع أهمية كل هذه الخطوات التكاملية والدور الذي لعبته في استعادة روسيا نفوذها وتوسيعه وتعزيزه على الرقعة الأوراسية، واجه طموح الكرملين للسيطرة على أوراسيا، ولا يزال، عقبات تمثلت بعلاقات غير مستقرة، بل وسلبية في بعض الحالات، مع دول مهمة في الفضاء السوفياتي، لم تنضم إلى المشروعات التكاملية الإقليمية الروسية، مثل أوكرانيا وأذربيجان وتركمنستان ومولدافيا وجورجيا.
غير أن علاقات روسيا حتى مع بعض الدول المذكورة شهدت خلال الفترة الماضية تحولات إيجابية، لا يمكن النظر لها بمعزل عن المكانة التي اكتسبتها روسيا على المستويين الإقليمي والدولي؛ بفضل تدخلها العسكري في سوريا، وإصرارها على الدفاع سياسياً وعسكرياَ عن نظام الأسد. وبذا وجدت قيادات عدد كبير من الدول، بينها بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة، وجدت نفسها بين خيارين في نهج السياسية الخارجية: الأول هو التوجه نحو تعزيز العلاقات مع واشنطن، التي قد تدعم في أي وقت احتجاجات شعبية داخلية ضد هؤلاء الحكام، أو تعمل على الإطاحة بهام لسبب ما. والآخر هو مراجعة العلاقة مع روسيا والمضي في تعزيز التعاون معها في كل المجالات والانضمام إلى مشروعاتها التكاملية، بعدما أثبتت التجربة العملية «وفاءً» لحكام في الدول «الصديقة»، وإحجامها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والأهم رفضها تغيير أنظمة الحكم عبر الاحتجاجات بغض النظر عن عدالة تلك الاحتجاجات، وتمسكها بضرورة «حل كل المشكلات عبر الحوار السياسي الداخلي». وهي أكدت على هذا الموقف طوال السنوات الأخيرة عبر مواقفها في سوريا، ومن ثم دعواتها الحالية إلى حوار داخلي شامل في ليبيا شرطاً ضرورياً لإنهاء الأزمة الليبية. وعليه، كان من الطبيعي ضمن هذه الخيارات أن ترجح الكفة الروسية.

الدرس السوري
راهناً، يمكن القول إن التدخل العسكري الروسي في الأزمة السورية، والمواقف السياسية المتشددة التي تبناها الكرملين من هذه الأزمة في المحافل الدولية، ساعدت روسيا في مجال التكامل الإقليمي، على مستويين: المستوى الأول، تعزيز دورها القيادي في التكتلات التكاملية. والمستوى الآخر، بث روح جديدة في هذه التكتلات، إن جاز التعبير، والدفع بها مجدداً إلى واجهة الاهتمامين الإقليمي والدولي، والنظر إليها باعتبارها تكتلات تمثل مركز قوة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. وعلى سبيل المثال، غدت الدعوة لتشكيل تحالف دولي للتصدي للإرهاب التي أطلقها الرئيس بوتين في مستهل حربه في سوريا، فقرة رئيسية على جدول أعمال منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» و«منظمة شنغهاي للتعاون». وحقاً، تسعى روسيا إلى إشراك دول «معاهدة الأمن الجماعي»، بشكل أو بآخر، في العمليات في سوريا؛ سعياً منها لتثبيت دور «المنظمة» ككل بصفتها قوة عسكرية مؤهلة لتدخل في النزاعات الدولية. وفي هذا السياق دعت روسيا كل من قيرغيزستان وكازاخستان للمشاركة في مراقبة «مناطق خفض التصعيد» في سوريا. ومع أن قادة البلدين رفضوا الدعوة الروسية، واشترطوا الحصول على تفويض دولي لإرسال مراقبين، فإن الدعوة بحد ذاتها تشكل إعلاناً عن دور محسوب لـ«المنظمة» في النزاعات الدولية؛ الأمر الذي يعزز من مكانة موسكو وهيبتها ونفوذها ودورها في الفضاء الجيوسياسي الأوراسي لدول «المنظمة».
من جهة أخرى، أوروبية هذه المرة، لدى الحديث عن هيمنة على أوراسيا لا يمكن إسقاط أوكرانيا من الحسابات، فهي الجزء من الرقعة الأوراسية الذي قال عنه بريجينسكي، الذي تولى منصب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر: إنه «من دون أوكرانيا لا يعود بإمكان روسيا أن تبقى إمبراطورية أوروآسيوية». ثم حذّر: «إذا استعادت موسكو السيطرة على أوكرانيا والوصول إلى منفذ على البحر الأسود، فإن روسيا ستمتلك مجدداً، وبشكل أوتوماتيكي، الأسباب التي تخولها أن تعود إمبراطورية قوية ممتدة عبر آسيا وأوروبا».

أوكرانيا... وسوريا
في الحقيقة، ومع أن التدخل الروسي في سوريا لا يتصل مباشرة بما جرى ويجري في أوكرانيا، فإن «الثورة البرتقالية» الأوكرانية، التي ترى موسكو أنها جزء من «سيناريو ثورات أميركية الصنع»، شكلت أساساً رئيساً للموقف الروسي مما يجري في سوريا؛ إذ إنها دفعت الكرملين إلى تبني موقف معادٍ للحراك الشعبي السوري وداعم للأسد، وذلك انطلاقاً من قناعة مسبقة عند الكرملين بأن ما يجري في سوريا تكرار لـ«الثورة البرتقالية» في أوكرانيا، وأن واشنطن تقف خلف الحراك الشعبي لتغيير نظام دمشق.
أضف إلى ما سبق، أن التدخل الروسي لصالح الأسد لم يأت بهدف حماية حكمه فقط، بل جاء لوقف مد «الثورات» قبل أن تصل مناطق النفوذ الروسي المباشر في أوراسيا، أي إلى عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تحكمها أنظمة شبيهة بنظام الحكم السوري. ولقد عبّر وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عن هذا الأمر بوضوح من خلال محاضرة ألقاها في جامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية، يوم 21 فبراير (شباط) الماضي. فلقد قال شويغو: «إن استخدام قواتنا في سوريا سمح بحلّ مهام جيوسياسية، وتمكنّا من قطع سلسلة (الثورات الملوّنة) التي يجري نشرها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا». وأردف: «موجة الثورات الملوّنة أحدثت تغيّرات جدية في السياسة الدولية وفي موازين القوى عالمياً وإقليمياً»، مشيراً إلى أن تلك «الثورات» اجتاحت يوغوسلافيا، وجورجيا، وليبيا، وأوكرانيا، وسوريا.
في غضون ذلك، يستمر التنافس بين موسكو وواشنطن على النفوذ في أوكرانيا من دون أن يتمكن أي منهما من حسم الصراع لصالحها. غير أن روسيا، بعد التصعيد الأخير في الداخل الأوكراني منذ عام 2014. تمكنت من فرض سيطرتها على منفذ إضافي لها على البحر الأسود بعدما ضمت شبه جزيرة القرم عام 2016 إلى الاتحاد الروسي. وفي المقابل، حرمت الولايات المتحدة من السيطرة على أوكرانيا «خاصرة روسيا الرخوة»، حين قرّر الكرملين تقديم الدعم التام للميليشيات المحلية في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، فأمسكت بذلك موسكو بالملف الأوكراني بقوة، وعطلت المساعي الغربية الرامية إلى ضم أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتحويلها إلى «حزام أمني» و«خط مواجهة متقدم» للحلف عند الحدود الروسية.
وختاماً، تجدر الإشارة إلى أن موسكو تسعى ضمن الحل السياسي للأزمة الأوكرانية إلى قطع الطريق مستقبلاً أمام انضمام أوكرانيا إلى «ناتو»، وهي تطالب عبر الموقف الذي أعلنته القوى الحليفة المسيطرة على مناطق جنوب شرقي البلاد، بإعلان أوكرانيا «دولة خارج الأحلاف».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.