الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»

الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»

عبر مواقفه المتشددة من الأزمة السورية
السبت - 4 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 23 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [14270]
موسكو: طه عبد الواحد
تمكّن الرئيس فلاديمير بوتين من تحسين فرص روسيا في إكمال الهيمنة على أوراسيا، الكتلة الأرضية الضخمة التي تتشكل من قارتي أوروبا وآسيا، مقابل تراجع كبير جداً للنفوذ الأميركي فيها، ولا سيما الأجزاء الشرقية وتحديداً آسيا الوسطى، وذلك حين أحكم قبضته على ملف سوريا. وفي الوقت ذاته، استغل بوتين انتشار ظاهرة الإرهاب في المنطقة ومخاوف «الجوار» السوفياتي السابق من الظاهرة لتثبيت النفوذ الروسي عسكري، والدور القيادي لروسيا في المنطقة.

لقد استغل «سيد الكرملين» التدخل الروسي المباشر لاستعادة مكانة روسيا دولياً وإقليمياً، سواءً في منطقة الشرق الأوسط، أو في الفضاء السوفياتي السابق. وعبر العمليات العسكرية والدور الفاعل والنشط في مطابخ السياسة وأروقة الدبلوماسية أظهرت روسيا قوتها العسكرية وإرادتها السياسية، وهي عوامل أساسية أثرت على نظرة حكام جمهوريات سوفياتية سابقة نحو العلاقة مع الكرملين. ولعل عامل التأثير الأهم والأكثر حساسية في هذا الشأن هو الموقف السياسي المتصلب الذي تبناه بوتين في دعمه رأس النظام السوري بشار الأسد، ومعاندته في رفض الإطاحة بالأسد بالقوة، معتبراً أن أي تغيير للسلطة يجب أن يجري عبر عملية سياسية. ومن ثم، وجد بعض قادة هذه الجمهوريات في موقف موسكو حيال مصير الأسد مؤشراً إيجابياً غيّر نظرتهم نحو الكرملين، الذي بات بالنسبة لهم حليفاً موثوقاً، من ناحية يمكن أن يدافع عنهم أيضاً في حال شهدت بلادهم اضطرابات داخلية، ومن ناحية أخرى لا يحاسبهم أو ينتقدهم وحكوماتهم وسياساتهم الداخلية في مجال الحريات والحقوق، كما تفعل الولايات المتحدة.

تميز العقد الأول من مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بتنافس حاد بين موسكو وواشنطن على النفوذ في منطقة آسيا الوسطى، في سياق تنافس بين نظريتين «أوراسيتين». النظرية الأولى أميركية لخصها الأكاديمي والمستشار السياسي الأميركي الشهير زبيغنيو بريجينسكي في كتابة «رقعة الشطرنج الكبرى»، ودعا فيها إلى سيطرة أميركية على أوراسيا (أوروبا وآسيا) والإمساك بمناطق حساسة فيها للحؤول دون توسيع روسيا لنفوذها في محيطها الجغرافي الأوراسي، وبالتالي، التحول إلى إمبراطورية أوراسية مهيمنة. والأخرى، نظرية روسية لخصها المفكر الروسي ألكسندر دوغين في مؤلفات عدة له، منها «الدرب الثالث» و«الدرب الأوراسي كفكر قومي»، تؤكد على «أوراسية الدولة» الروسية والدور القيادي لروسيا في «أوراسيا».

النظريتان تتفقان على أهمية أوراسيا، لكن تضع كل منهما رؤية خاصة لمعاني وكيفية وأهداف السيطرة على تلك الكتلة الجغرافية الضخمة، أو الجغرافيا الممتدة من سواحل أوروبا الغربية على المحيط الأطلسي حتى شرق الصين وسيبيريا الروسية، وبينهما آسيا الوسطى ودول الشرق الأوسط الآسيوية. واليوم تضم أوراسيا ثلاثة أرباع مصادر الطاقة في العالم، وفيها ست دول ضخمة من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية، والدولتان الأكثر سكاناً في العالم وهما الصين والهند، بالإضافة إلى روسيا الدولة الأكبر مساحة.

في العقد الأول بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، تمكنت الولايات المتحدة من بناء علاقات مع عدد كبير من الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تنتمي جغرافياً إلى أوراسيا، مستغلة ضعف الدولة الروسية في تلك الفترة وانشغالها بالأزمات الداخلية. وإلى جانب التعاون الاقتصادي المحدود، استفادت الولايات المتحدة من «الحرب على الإرهاب» في أفغانستان فشيدت قواعد عسكرية في بعض تلك الجمهوريات.



حالة إسلام كريموف

غير أن قادة جمهوريات آسيا الوسطى (السوفياتية سابقاً) كانوا ينظرون على الدوام بريبة وحذر إلى التعاون مع واشنطن، ولا سيما بعدما ساهمت الأخيرة في أحداث «الثورات الملوّنة»، وبالأخص، في جورجيا وأوكرانيا، التي انتهت بالإطاحة بأنظمة الحكم وتنصيب أخرى أكثر ولاءً لواشنطن. وكان في مقدمة هؤلاء المرتابين رئيس أوزبكستان السابق الراحل إسلام كريموف، الذي كان الحليف الأكبر لواشنطن في آسيا الوسطى ووقّع معها اتفاقاً عام 2001 لافتتاح قاعدة أميركية على الأراضي الأوزبكية في إطار الحرب على الإرهاب في أفغانستان. ذلك أن كريموف سرعان ما أخذ يعيد النظر في تحالف مع واشنطن، ولا سيما بعد دعمها «الثورات الملوّنة»، وإدراكه أن هذه العلاقات قد تفرض عليه التزامات في مجال الحريات؛ الأمر الذي يشكل تهديداً لنظام حكمه.

أكثر من ذلك، اتهم كريموف واشنطن بالوقوف خلف الاحتجاجات في مدينة أندريجان الأوزبكية عام 2005، وقرر إغلاق القاعدة الأميركية في بلاده، ومن ثم، عاد وانفتح بحذر على العلاقات مع موسكو عبر الانضمام مجدداً إلى منظمات تكاملية أسستها روسيا في الفضاء السوفياتي السابق. وبعدها بقي على كرسي الرئاسة «إلى الأبد» حتى وفاته عام 2016.

خلال كل مراحل العلاقات بين واشنطن وعدد كبير من قادة الجمهوريات السوفياتية السابقة، شكّل قلق أولئك القادة على أنظمة حكمهم من «نشر الديمقراطية الأميركية» ثغرة كبيرة في السياسة الأميركية في المنطقة. هذا إلى جانب ثغرة أخرى لا تقل أهمية، وتجلت بعزوف معظم القوى السياسية المهيمنة في الجمهوريات السوفياتية السابقة، باستثناء قادة أوكرانيا وجمهوريات البلطيق ومولدافيا (مولدوفا) إلى حد ما، بالانخراط كلياً كأدوات في السياسات الأميركية الرامية إلى الحد من النفوذ الروسي. ونشير هنا إلى أن واشنطن لم تمنح هذه الجمهوريات بدائل اقتصادية وسياسية وعسكرية تغنيها عن حاجتها الدائمة إلى «الجارة» روسيا، التي ظلت القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأكبر في المنطقة، مقارنة بجوارها، حتى في فترة ضعفها خلال عقد التسعينات.



مشروعات موسكو وحساباتها

منذ البداية اعتمدت روسيا على المشروعات التكاملية الاقتصادية، ومن ثم العسكرية للحفاظ على نفوذها في آسيا الوسطى، بما يضمن لها هيمنة أكبر في أوراسيا بشكل عام. واستفادت بادئ ذي بدء من التوجهات التكاملية لدى نور سلطان نظربايف، رئيس كازاخستان وصاحب معظم المبادرات لتشكيل تكتلات تكاملية في المنطقة، ومواقف رئيس بيلاروسيا (روسيا البيضاء) ألكسندر لوكاشينكو، الساعي إلى الحفاظ على الروابط التاريخية الثقافية الاجتماعية والقومية والسياسية مع روسيا. وبالفعل، نسجت موسكو مع البلدين علاقات مميزة شكلت لاحقاً نواة للكثير من الخطوات التكاملية الإقليمية بقيادة روسية. كذلك، استفادت روسيا بمهارة من رد فعل الصين الإيجابي على السياسات الأميركية في آسيا الوسطى والفضاء السوفياتي السابق بشكل عام. وهكذا اندفعت موسكو وبكين نحو بناء علاقات والمشاركة في تكتلات دولية أساسها تجنّب المواجهة والصراع على النفوذ في الفضاء الجيوسياسي المحيط، المشترك بين البلدين، والتنافس فيه، لكن ضمن تفاهمات تكمن في أساس علاقات تعاون استراتيجية الطابع قامت بينهما.

في علاقاته مع الجمهوريات السوفياتية السابقة حرص بوتين على تعزيز التعاون الثنائي. وتميزت هذه العلاقات بطابع مستقر عموماً، وإن شهدت مع بعض الجمهوريات تطورات إيجابية، بينما تدهورت مع عدد قليل منها، مثل أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان إلى حد ما، وكذلك مع أوزبكستان، التي كانت تتنقل بين تكتلات أسست بدفع من واشنطن وأخرى أسست بدفع من روسيا والصين وكازاخستان. وكان الرئيس الأوزبكي كريموف ينطلق في حساباته من تقديره للتهديدات لنظام حكمه التي تنطوي على مشاركته في أي مشروع تكاملي إقليمي... وفي نهاية المطاف، وجد ضالته بالتقارب مع روسيا التي تعارض مثله السياسات الأميركية، وترى فيها قوة تتدخل لـ«الإطاحة بأنظمة الحكم».

ضمن هذه «الفسيفساء» الجيوسياسية المعقدة أعلن قادة روسيا والصين وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، وكذلك أوزبكستان، تأسيس «منظمة شنغهاي للتعاون»، ووقعوا ميثاق التأسيس عام 2002. وبذا ظهرت منظمة دولية جديدة تمتد على 60 في المائة من الرقعة الأوراسية، من بين أهدافها محاربة الإرهاب وتدعيم الأمن ومواجهة الحركات الانفصالية والتطرف الديني أو العرقي.

وبعد انضمام الهند وباكستان إلى المنظمة خلال قمتها الأخيرة في كازاخستان أصبحت «منظمة شنغهاي للتعاون» ممتدة على 70 في المائة من الجغرافيا الأوراسية، ويعيش فيها أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية. ومن خلال هذه المنظمة ثبّتت روسيا نفوذها في العلاقات مع 4 جمهوريات من آسيا الوسطى هي كازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان.



تحالف... وحلم اتحاد

كذلك ذهبت روسيا نحو تعزيز التحالف العسكري مع الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تصنف «صديقة» عبر تكتلات إقليمية، لكن بعيداً عن مشاركة الصين. وفي هذا الإطار، برزت «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» ونواتها اتفاق الأمن الجماعي الذي وقّعته في العاصمة الأوزبكية طشقند عام 1992 كل من روسيا وأرمينيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، ولاحقاً في عام 1993 انضمت إليه كل من أذربيجان وجورجيا وبيلاروسيا. وعام 2002، قرّر قادة دول الاتفاق خلال اجتماعهم في موسكو تحويلاً إلى منظمة أطلقوا عليها «منظمة معاهدة الأمن الجماعي»، لكن من دون مشاركة أذربيجان وجورجيا وأوزبكستان، التي انسحبت من الاتفاقية عام 1999، وبقيت معاً في منظمة تشكلت بدفع من واشنطن تعرف باسم «منظمة غوام».

في الواقع، ما كان لأي صيغة تكاملية مع الجوار السوفياتي أن تستمر بنجاح دون تكامل اقتصادي، وهو الأمر الذي أدركه الرئيس بوتين وأطلق منذ عام 2000، عامه الأول رئيساً لروسيا، خطوات في هذا المجال، بالتعاون مع حليفيه في كازاخستان وبيلاروسيا، وأسس القادة الثلاثة معاً في البداية الفضاء الاقتصادي الأوراسي، ومن ثم الاتحاد الجمركي، وغيرها من خطوات أدت كلها في نهاية المطاف إلى ولادة «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» في مايو (أيار) 2014. ويضم هذا الكيان في صفوفه اليوم روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا وأرمينيا وقيرغيزستان. ولكن موسكو لا تنوي التوقف عند هذا المستوى، بل تسعى إلى تأسيس «اتحاد أوراسي» بالمعنى التام، وهو ما أكده بوتين في مقال كتبه عام 2011، وقال فيه: إن «بناء الاتحاد الجمركي والفضاء الاقتصادي الأوراسي الموحّد، وضعا الأسس لآفاق بناء اتحاد اقتصادي أوراسي (...) لن نتوقف عند هذا الحد، ونضع نصب أعيننا هدفا طموحاً: الانتقال إلى الخطوة التالية، إلى مستوى أعلى من التكامل، نحو الاتحاد الأوراسي».

ومع أهمية كل هذه الخطوات التكاملية والدور الذي لعبته في استعادة روسيا نفوذها وتوسيعه وتعزيزه على الرقعة الأوراسية، واجه طموح الكرملين للسيطرة على أوراسيا، ولا يزال، عقبات تمثلت بعلاقات غير مستقرة، بل وسلبية في بعض الحالات، مع دول مهمة في الفضاء السوفياتي، لم تنضم إلى المشروعات التكاملية الإقليمية الروسية، مثل أوكرانيا وأذربيجان وتركمنستان ومولدافيا وجورجيا.

غير أن علاقات روسيا حتى مع بعض الدول المذكورة شهدت خلال الفترة الماضية تحولات إيجابية، لا يمكن النظر لها بمعزل عن المكانة التي اكتسبتها روسيا على المستويين الإقليمي والدولي؛ بفضل تدخلها العسكري في سوريا، وإصرارها على الدفاع سياسياً وعسكرياَ عن نظام الأسد. وبذا وجدت قيادات عدد كبير من الدول، بينها بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة، وجدت نفسها بين خيارين في نهج السياسية الخارجية: الأول هو التوجه نحو تعزيز العلاقات مع واشنطن، التي قد تدعم في أي وقت احتجاجات شعبية داخلية ضد هؤلاء الحكام، أو تعمل على الإطاحة بهام لسبب ما. والآخر هو مراجعة العلاقة مع روسيا والمضي في تعزيز التعاون معها في كل المجالات والانضمام إلى مشروعاتها التكاملية، بعدما أثبتت التجربة العملية «وفاءً» لحكام في الدول «الصديقة»، وإحجامها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والأهم رفضها تغيير أنظمة الحكم عبر الاحتجاجات بغض النظر عن عدالة تلك الاحتجاجات، وتمسكها بضرورة «حل كل المشكلات عبر الحوار السياسي الداخلي». وهي أكدت على هذا الموقف طوال السنوات الأخيرة عبر مواقفها في سوريا، ومن ثم دعواتها الحالية إلى حوار داخلي شامل في ليبيا شرطاً ضرورياً لإنهاء الأزمة الليبية. وعليه، كان من الطبيعي ضمن هذه الخيارات أن ترجح الكفة الروسية.



الدرس السوري

راهناً، يمكن القول إن التدخل العسكري الروسي في الأزمة السورية، والمواقف السياسية المتشددة التي تبناها الكرملين من هذه الأزمة في المحافل الدولية، ساعدت روسيا في مجال التكامل الإقليمي، على مستويين: المستوى الأول، تعزيز دورها القيادي في التكتلات التكاملية. والمستوى الآخر، بث روح جديدة في هذه التكتلات، إن جاز التعبير، والدفع بها مجدداً إلى واجهة الاهتمامين الإقليمي والدولي، والنظر إليها باعتبارها تكتلات تمثل مركز قوة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. وعلى سبيل المثال، غدت الدعوة لتشكيل تحالف دولي للتصدي للإرهاب التي أطلقها الرئيس بوتين في مستهل حربه في سوريا، فقرة رئيسية على جدول أعمال منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» و«منظمة شنغهاي للتعاون». وحقاً، تسعى روسيا إلى إشراك دول «معاهدة الأمن الجماعي»، بشكل أو بآخر، في العمليات في سوريا؛ سعياً منها لتثبيت دور «المنظمة» ككل بصفتها قوة عسكرية مؤهلة لتدخل في النزاعات الدولية. وفي هذا السياق دعت روسيا كل من قيرغيزستان وكازاخستان للمشاركة في مراقبة «مناطق خفض التصعيد» في سوريا. ومع أن قادة البلدين رفضوا الدعوة الروسية، واشترطوا الحصول على تفويض دولي لإرسال مراقبين، فإن الدعوة بحد ذاتها تشكل إعلاناً عن دور محسوب لـ«المنظمة» في النزاعات الدولية؛ الأمر الذي يعزز من مكانة موسكو وهيبتها ونفوذها ودورها في الفضاء الجيوسياسي الأوراسي لدول «المنظمة».

من جهة أخرى، أوروبية هذه المرة، لدى الحديث عن هيمنة على أوراسيا لا يمكن إسقاط أوكرانيا من الحسابات، فهي الجزء من الرقعة الأوراسية الذي قال عنه بريجينسكي، الذي تولى منصب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر: إنه «من دون أوكرانيا لا يعود بإمكان روسيا أن تبقى إمبراطورية أوروآسيوية». ثم حذّر: «إذا استعادت موسكو السيطرة على أوكرانيا والوصول إلى منفذ على البحر الأسود، فإن روسيا ستمتلك مجدداً، وبشكل أوتوماتيكي، الأسباب التي تخولها أن تعود إمبراطورية قوية ممتدة عبر آسيا وأوروبا».



أوكرانيا... وسوريا

في الحقيقة، ومع أن التدخل الروسي في سوريا لا يتصل مباشرة بما جرى ويجري في أوكرانيا، فإن «الثورة البرتقالية» الأوكرانية، التي ترى موسكو أنها جزء من «سيناريو ثورات أميركية الصنع»، شكلت أساساً رئيساً للموقف الروسي مما يجري في سوريا؛ إذ إنها دفعت الكرملين إلى تبني موقف معادٍ للحراك الشعبي السوري وداعم للأسد، وذلك انطلاقاً من قناعة مسبقة عند الكرملين بأن ما يجري في سوريا تكرار لـ«الثورة البرتقالية» في أوكرانيا، وأن واشنطن تقف خلف الحراك الشعبي لتغيير نظام دمشق.

أضف إلى ما سبق، أن التدخل الروسي لصالح الأسد لم يأت بهدف حماية حكمه فقط، بل جاء لوقف مد «الثورات» قبل أن تصل مناطق النفوذ الروسي المباشر في أوراسيا، أي إلى عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تحكمها أنظمة شبيهة بنظام الحكم السوري. ولقد عبّر وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عن هذا الأمر بوضوح من خلال محاضرة ألقاها في جامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية، يوم 21 فبراير (شباط) الماضي. فلقد قال شويغو: «إن استخدام قواتنا في سوريا سمح بحلّ مهام جيوسياسية، وتمكنّا من قطع سلسلة (الثورات الملوّنة) التي يجري نشرها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا». وأردف: «موجة الثورات الملوّنة أحدثت تغيّرات جدية في السياسة الدولية وفي موازين القوى عالمياً وإقليمياً»، مشيراً إلى أن تلك «الثورات» اجتاحت يوغوسلافيا، وجورجيا، وليبيا، وأوكرانيا، وسوريا.

في غضون ذلك، يستمر التنافس بين موسكو وواشنطن على النفوذ في أوكرانيا من دون أن يتمكن أي منهما من حسم الصراع لصالحها. غير أن روسيا، بعد التصعيد الأخير في الداخل الأوكراني منذ عام 2014. تمكنت من فرض سيطرتها على منفذ إضافي لها على البحر الأسود بعدما ضمت شبه جزيرة القرم عام 2016 إلى الاتحاد الروسي. وفي المقابل، حرمت الولايات المتحدة من السيطرة على أوكرانيا «خاصرة روسيا الرخوة»، حين قرّر الكرملين تقديم الدعم التام للميليشيات المحلية في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، فأمسكت بذلك موسكو بالملف الأوكراني بقوة، وعطلت المساعي الغربية الرامية إلى ضم أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتحويلها إلى «حزام أمني» و«خط مواجهة متقدم» للحلف عند الحدود الروسية.

وختاماً، تجدر الإشارة إلى أن موسكو تسعى ضمن الحل السياسي للأزمة الأوكرانية إلى قطع الطريق مستقبلاً أمام انضمام أوكرانيا إلى «ناتو»، وهي تطالب عبر الموقف الذي أعلنته القوى الحليفة المسيطرة على مناطق جنوب شرقي البلاد، بإعلان أوكرانيا «دولة خارج الأحلاف».
Moscow اخبار اوروبا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة