الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»

عبر مواقفه المتشددة من الأزمة السورية

الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»
TT

الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»

الكرملين يحكم قبضته على «أوراسيا»

تمكّن الرئيس فلاديمير بوتين من تحسين فرص روسيا في إكمال الهيمنة على أوراسيا، الكتلة الأرضية الضخمة التي تتشكل من قارتي أوروبا وآسيا، مقابل تراجع كبير جداً للنفوذ الأميركي فيها، ولا سيما الأجزاء الشرقية وتحديداً آسيا الوسطى، وذلك حين أحكم قبضته على ملف سوريا. وفي الوقت ذاته، استغل بوتين انتشار ظاهرة الإرهاب في المنطقة ومخاوف «الجوار» السوفياتي السابق من الظاهرة لتثبيت النفوذ الروسي عسكري، والدور القيادي لروسيا في المنطقة.
لقد استغل «سيد الكرملين» التدخل الروسي المباشر لاستعادة مكانة روسيا دولياً وإقليمياً، سواءً في منطقة الشرق الأوسط، أو في الفضاء السوفياتي السابق. وعبر العمليات العسكرية والدور الفاعل والنشط في مطابخ السياسة وأروقة الدبلوماسية أظهرت روسيا قوتها العسكرية وإرادتها السياسية، وهي عوامل أساسية أثرت على نظرة حكام جمهوريات سوفياتية سابقة نحو العلاقة مع الكرملين. ولعل عامل التأثير الأهم والأكثر حساسية في هذا الشأن هو الموقف السياسي المتصلب الذي تبناه بوتين في دعمه رأس النظام السوري بشار الأسد، ومعاندته في رفض الإطاحة بالأسد بالقوة، معتبراً أن أي تغيير للسلطة يجب أن يجري عبر عملية سياسية. ومن ثم، وجد بعض قادة هذه الجمهوريات في موقف موسكو حيال مصير الأسد مؤشراً إيجابياً غيّر نظرتهم نحو الكرملين، الذي بات بالنسبة لهم حليفاً موثوقاً، من ناحية يمكن أن يدافع عنهم أيضاً في حال شهدت بلادهم اضطرابات داخلية، ومن ناحية أخرى لا يحاسبهم أو ينتقدهم وحكوماتهم وسياساتهم الداخلية في مجال الحريات والحقوق، كما تفعل الولايات المتحدة.
تميز العقد الأول من مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بتنافس حاد بين موسكو وواشنطن على النفوذ في منطقة آسيا الوسطى، في سياق تنافس بين نظريتين «أوراسيتين». النظرية الأولى أميركية لخصها الأكاديمي والمستشار السياسي الأميركي الشهير زبيغنيو بريجينسكي في كتابة «رقعة الشطرنج الكبرى»، ودعا فيها إلى سيطرة أميركية على أوراسيا (أوروبا وآسيا) والإمساك بمناطق حساسة فيها للحؤول دون توسيع روسيا لنفوذها في محيطها الجغرافي الأوراسي، وبالتالي، التحول إلى إمبراطورية أوراسية مهيمنة. والأخرى، نظرية روسية لخصها المفكر الروسي ألكسندر دوغين في مؤلفات عدة له، منها «الدرب الثالث» و«الدرب الأوراسي كفكر قومي»، تؤكد على «أوراسية الدولة» الروسية والدور القيادي لروسيا في «أوراسيا».
النظريتان تتفقان على أهمية أوراسيا، لكن تضع كل منهما رؤية خاصة لمعاني وكيفية وأهداف السيطرة على تلك الكتلة الجغرافية الضخمة، أو الجغرافيا الممتدة من سواحل أوروبا الغربية على المحيط الأطلسي حتى شرق الصين وسيبيريا الروسية، وبينهما آسيا الوسطى ودول الشرق الأوسط الآسيوية. واليوم تضم أوراسيا ثلاثة أرباع مصادر الطاقة في العالم، وفيها ست دول ضخمة من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية، والدولتان الأكثر سكاناً في العالم وهما الصين والهند، بالإضافة إلى روسيا الدولة الأكبر مساحة.
في العقد الأول بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، تمكنت الولايات المتحدة من بناء علاقات مع عدد كبير من الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تنتمي جغرافياً إلى أوراسيا، مستغلة ضعف الدولة الروسية في تلك الفترة وانشغالها بالأزمات الداخلية. وإلى جانب التعاون الاقتصادي المحدود، استفادت الولايات المتحدة من «الحرب على الإرهاب» في أفغانستان فشيدت قواعد عسكرية في بعض تلك الجمهوريات.

حالة إسلام كريموف
غير أن قادة جمهوريات آسيا الوسطى (السوفياتية سابقاً) كانوا ينظرون على الدوام بريبة وحذر إلى التعاون مع واشنطن، ولا سيما بعدما ساهمت الأخيرة في أحداث «الثورات الملوّنة»، وبالأخص، في جورجيا وأوكرانيا، التي انتهت بالإطاحة بأنظمة الحكم وتنصيب أخرى أكثر ولاءً لواشنطن. وكان في مقدمة هؤلاء المرتابين رئيس أوزبكستان السابق الراحل إسلام كريموف، الذي كان الحليف الأكبر لواشنطن في آسيا الوسطى ووقّع معها اتفاقاً عام 2001 لافتتاح قاعدة أميركية على الأراضي الأوزبكية في إطار الحرب على الإرهاب في أفغانستان. ذلك أن كريموف سرعان ما أخذ يعيد النظر في تحالف مع واشنطن، ولا سيما بعد دعمها «الثورات الملوّنة»، وإدراكه أن هذه العلاقات قد تفرض عليه التزامات في مجال الحريات؛ الأمر الذي يشكل تهديداً لنظام حكمه.
أكثر من ذلك، اتهم كريموف واشنطن بالوقوف خلف الاحتجاجات في مدينة أندريجان الأوزبكية عام 2005، وقرر إغلاق القاعدة الأميركية في بلاده، ومن ثم، عاد وانفتح بحذر على العلاقات مع موسكو عبر الانضمام مجدداً إلى منظمات تكاملية أسستها روسيا في الفضاء السوفياتي السابق. وبعدها بقي على كرسي الرئاسة «إلى الأبد» حتى وفاته عام 2016.
خلال كل مراحل العلاقات بين واشنطن وعدد كبير من قادة الجمهوريات السوفياتية السابقة، شكّل قلق أولئك القادة على أنظمة حكمهم من «نشر الديمقراطية الأميركية» ثغرة كبيرة في السياسة الأميركية في المنطقة. هذا إلى جانب ثغرة أخرى لا تقل أهمية، وتجلت بعزوف معظم القوى السياسية المهيمنة في الجمهوريات السوفياتية السابقة، باستثناء قادة أوكرانيا وجمهوريات البلطيق ومولدافيا (مولدوفا) إلى حد ما، بالانخراط كلياً كأدوات في السياسات الأميركية الرامية إلى الحد من النفوذ الروسي. ونشير هنا إلى أن واشنطن لم تمنح هذه الجمهوريات بدائل اقتصادية وسياسية وعسكرية تغنيها عن حاجتها الدائمة إلى «الجارة» روسيا، التي ظلت القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الأكبر في المنطقة، مقارنة بجوارها، حتى في فترة ضعفها خلال عقد التسعينات.

مشروعات موسكو وحساباتها
منذ البداية اعتمدت روسيا على المشروعات التكاملية الاقتصادية، ومن ثم العسكرية للحفاظ على نفوذها في آسيا الوسطى، بما يضمن لها هيمنة أكبر في أوراسيا بشكل عام. واستفادت بادئ ذي بدء من التوجهات التكاملية لدى نور سلطان نظربايف، رئيس كازاخستان وصاحب معظم المبادرات لتشكيل تكتلات تكاملية في المنطقة، ومواقف رئيس بيلاروسيا (روسيا البيضاء) ألكسندر لوكاشينكو، الساعي إلى الحفاظ على الروابط التاريخية الثقافية الاجتماعية والقومية والسياسية مع روسيا. وبالفعل، نسجت موسكو مع البلدين علاقات مميزة شكلت لاحقاً نواة للكثير من الخطوات التكاملية الإقليمية بقيادة روسية. كذلك، استفادت روسيا بمهارة من رد فعل الصين الإيجابي على السياسات الأميركية في آسيا الوسطى والفضاء السوفياتي السابق بشكل عام. وهكذا اندفعت موسكو وبكين نحو بناء علاقات والمشاركة في تكتلات دولية أساسها تجنّب المواجهة والصراع على النفوذ في الفضاء الجيوسياسي المحيط، المشترك بين البلدين، والتنافس فيه، لكن ضمن تفاهمات تكمن في أساس علاقات تعاون استراتيجية الطابع قامت بينهما.
في علاقاته مع الجمهوريات السوفياتية السابقة حرص بوتين على تعزيز التعاون الثنائي. وتميزت هذه العلاقات بطابع مستقر عموماً، وإن شهدت مع بعض الجمهوريات تطورات إيجابية، بينما تدهورت مع عدد قليل منها، مثل أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان إلى حد ما، وكذلك مع أوزبكستان، التي كانت تتنقل بين تكتلات أسست بدفع من واشنطن وأخرى أسست بدفع من روسيا والصين وكازاخستان. وكان الرئيس الأوزبكي كريموف ينطلق في حساباته من تقديره للتهديدات لنظام حكمه التي تنطوي على مشاركته في أي مشروع تكاملي إقليمي... وفي نهاية المطاف، وجد ضالته بالتقارب مع روسيا التي تعارض مثله السياسات الأميركية، وترى فيها قوة تتدخل لـ«الإطاحة بأنظمة الحكم».
ضمن هذه «الفسيفساء» الجيوسياسية المعقدة أعلن قادة روسيا والصين وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، وكذلك أوزبكستان، تأسيس «منظمة شنغهاي للتعاون»، ووقعوا ميثاق التأسيس عام 2002. وبذا ظهرت منظمة دولية جديدة تمتد على 60 في المائة من الرقعة الأوراسية، من بين أهدافها محاربة الإرهاب وتدعيم الأمن ومواجهة الحركات الانفصالية والتطرف الديني أو العرقي.
وبعد انضمام الهند وباكستان إلى المنظمة خلال قمتها الأخيرة في كازاخستان أصبحت «منظمة شنغهاي للتعاون» ممتدة على 70 في المائة من الجغرافيا الأوراسية، ويعيش فيها أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية. ومن خلال هذه المنظمة ثبّتت روسيا نفوذها في العلاقات مع 4 جمهوريات من آسيا الوسطى هي كازاخستان وقيرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان.

تحالف... وحلم اتحاد
كذلك ذهبت روسيا نحو تعزيز التحالف العسكري مع الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تصنف «صديقة» عبر تكتلات إقليمية، لكن بعيداً عن مشاركة الصين. وفي هذا الإطار، برزت «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» ونواتها اتفاق الأمن الجماعي الذي وقّعته في العاصمة الأوزبكية طشقند عام 1992 كل من روسيا وأرمينيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، ولاحقاً في عام 1993 انضمت إليه كل من أذربيجان وجورجيا وبيلاروسيا. وعام 2002، قرّر قادة دول الاتفاق خلال اجتماعهم في موسكو تحويلاً إلى منظمة أطلقوا عليها «منظمة معاهدة الأمن الجماعي»، لكن من دون مشاركة أذربيجان وجورجيا وأوزبكستان، التي انسحبت من الاتفاقية عام 1999، وبقيت معاً في منظمة تشكلت بدفع من واشنطن تعرف باسم «منظمة غوام».
في الواقع، ما كان لأي صيغة تكاملية مع الجوار السوفياتي أن تستمر بنجاح دون تكامل اقتصادي، وهو الأمر الذي أدركه الرئيس بوتين وأطلق منذ عام 2000، عامه الأول رئيساً لروسيا، خطوات في هذا المجال، بالتعاون مع حليفيه في كازاخستان وبيلاروسيا، وأسس القادة الثلاثة معاً في البداية الفضاء الاقتصادي الأوراسي، ومن ثم الاتحاد الجمركي، وغيرها من خطوات أدت كلها في نهاية المطاف إلى ولادة «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» في مايو (أيار) 2014. ويضم هذا الكيان في صفوفه اليوم روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا وأرمينيا وقيرغيزستان. ولكن موسكو لا تنوي التوقف عند هذا المستوى، بل تسعى إلى تأسيس «اتحاد أوراسي» بالمعنى التام، وهو ما أكده بوتين في مقال كتبه عام 2011، وقال فيه: إن «بناء الاتحاد الجمركي والفضاء الاقتصادي الأوراسي الموحّد، وضعا الأسس لآفاق بناء اتحاد اقتصادي أوراسي (...) لن نتوقف عند هذا الحد، ونضع نصب أعيننا هدفا طموحاً: الانتقال إلى الخطوة التالية، إلى مستوى أعلى من التكامل، نحو الاتحاد الأوراسي».
ومع أهمية كل هذه الخطوات التكاملية والدور الذي لعبته في استعادة روسيا نفوذها وتوسيعه وتعزيزه على الرقعة الأوراسية، واجه طموح الكرملين للسيطرة على أوراسيا، ولا يزال، عقبات تمثلت بعلاقات غير مستقرة، بل وسلبية في بعض الحالات، مع دول مهمة في الفضاء السوفياتي، لم تنضم إلى المشروعات التكاملية الإقليمية الروسية، مثل أوكرانيا وأذربيجان وتركمنستان ومولدافيا وجورجيا.
غير أن علاقات روسيا حتى مع بعض الدول المذكورة شهدت خلال الفترة الماضية تحولات إيجابية، لا يمكن النظر لها بمعزل عن المكانة التي اكتسبتها روسيا على المستويين الإقليمي والدولي؛ بفضل تدخلها العسكري في سوريا، وإصرارها على الدفاع سياسياً وعسكرياَ عن نظام الأسد. وبذا وجدت قيادات عدد كبير من الدول، بينها بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة، وجدت نفسها بين خيارين في نهج السياسية الخارجية: الأول هو التوجه نحو تعزيز العلاقات مع واشنطن، التي قد تدعم في أي وقت احتجاجات شعبية داخلية ضد هؤلاء الحكام، أو تعمل على الإطاحة بهام لسبب ما. والآخر هو مراجعة العلاقة مع روسيا والمضي في تعزيز التعاون معها في كل المجالات والانضمام إلى مشروعاتها التكاملية، بعدما أثبتت التجربة العملية «وفاءً» لحكام في الدول «الصديقة»، وإحجامها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والأهم رفضها تغيير أنظمة الحكم عبر الاحتجاجات بغض النظر عن عدالة تلك الاحتجاجات، وتمسكها بضرورة «حل كل المشكلات عبر الحوار السياسي الداخلي». وهي أكدت على هذا الموقف طوال السنوات الأخيرة عبر مواقفها في سوريا، ومن ثم دعواتها الحالية إلى حوار داخلي شامل في ليبيا شرطاً ضرورياً لإنهاء الأزمة الليبية. وعليه، كان من الطبيعي ضمن هذه الخيارات أن ترجح الكفة الروسية.

الدرس السوري
راهناً، يمكن القول إن التدخل العسكري الروسي في الأزمة السورية، والمواقف السياسية المتشددة التي تبناها الكرملين من هذه الأزمة في المحافل الدولية، ساعدت روسيا في مجال التكامل الإقليمي، على مستويين: المستوى الأول، تعزيز دورها القيادي في التكتلات التكاملية. والمستوى الآخر، بث روح جديدة في هذه التكتلات، إن جاز التعبير، والدفع بها مجدداً إلى واجهة الاهتمامين الإقليمي والدولي، والنظر إليها باعتبارها تكتلات تمثل مركز قوة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. وعلى سبيل المثال، غدت الدعوة لتشكيل تحالف دولي للتصدي للإرهاب التي أطلقها الرئيس بوتين في مستهل حربه في سوريا، فقرة رئيسية على جدول أعمال منظمة «معاهدة الأمن الجماعي» و«منظمة شنغهاي للتعاون». وحقاً، تسعى روسيا إلى إشراك دول «معاهدة الأمن الجماعي»، بشكل أو بآخر، في العمليات في سوريا؛ سعياً منها لتثبيت دور «المنظمة» ككل بصفتها قوة عسكرية مؤهلة لتدخل في النزاعات الدولية. وفي هذا السياق دعت روسيا كل من قيرغيزستان وكازاخستان للمشاركة في مراقبة «مناطق خفض التصعيد» في سوريا. ومع أن قادة البلدين رفضوا الدعوة الروسية، واشترطوا الحصول على تفويض دولي لإرسال مراقبين، فإن الدعوة بحد ذاتها تشكل إعلاناً عن دور محسوب لـ«المنظمة» في النزاعات الدولية؛ الأمر الذي يعزز من مكانة موسكو وهيبتها ونفوذها ودورها في الفضاء الجيوسياسي الأوراسي لدول «المنظمة».
من جهة أخرى، أوروبية هذه المرة، لدى الحديث عن هيمنة على أوراسيا لا يمكن إسقاط أوكرانيا من الحسابات، فهي الجزء من الرقعة الأوراسية الذي قال عنه بريجينسكي، الذي تولى منصب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر: إنه «من دون أوكرانيا لا يعود بإمكان روسيا أن تبقى إمبراطورية أوروآسيوية». ثم حذّر: «إذا استعادت موسكو السيطرة على أوكرانيا والوصول إلى منفذ على البحر الأسود، فإن روسيا ستمتلك مجدداً، وبشكل أوتوماتيكي، الأسباب التي تخولها أن تعود إمبراطورية قوية ممتدة عبر آسيا وأوروبا».

أوكرانيا... وسوريا
في الحقيقة، ومع أن التدخل الروسي في سوريا لا يتصل مباشرة بما جرى ويجري في أوكرانيا، فإن «الثورة البرتقالية» الأوكرانية، التي ترى موسكو أنها جزء من «سيناريو ثورات أميركية الصنع»، شكلت أساساً رئيساً للموقف الروسي مما يجري في سوريا؛ إذ إنها دفعت الكرملين إلى تبني موقف معادٍ للحراك الشعبي السوري وداعم للأسد، وذلك انطلاقاً من قناعة مسبقة عند الكرملين بأن ما يجري في سوريا تكرار لـ«الثورة البرتقالية» في أوكرانيا، وأن واشنطن تقف خلف الحراك الشعبي لتغيير نظام دمشق.
أضف إلى ما سبق، أن التدخل الروسي لصالح الأسد لم يأت بهدف حماية حكمه فقط، بل جاء لوقف مد «الثورات» قبل أن تصل مناطق النفوذ الروسي المباشر في أوراسيا، أي إلى عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تحكمها أنظمة شبيهة بنظام الحكم السوري. ولقد عبّر وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عن هذا الأمر بوضوح من خلال محاضرة ألقاها في جامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية، يوم 21 فبراير (شباط) الماضي. فلقد قال شويغو: «إن استخدام قواتنا في سوريا سمح بحلّ مهام جيوسياسية، وتمكنّا من قطع سلسلة (الثورات الملوّنة) التي يجري نشرها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا». وأردف: «موجة الثورات الملوّنة أحدثت تغيّرات جدية في السياسة الدولية وفي موازين القوى عالمياً وإقليمياً»، مشيراً إلى أن تلك «الثورات» اجتاحت يوغوسلافيا، وجورجيا، وليبيا، وأوكرانيا، وسوريا.
في غضون ذلك، يستمر التنافس بين موسكو وواشنطن على النفوذ في أوكرانيا من دون أن يتمكن أي منهما من حسم الصراع لصالحها. غير أن روسيا، بعد التصعيد الأخير في الداخل الأوكراني منذ عام 2014. تمكنت من فرض سيطرتها على منفذ إضافي لها على البحر الأسود بعدما ضمت شبه جزيرة القرم عام 2016 إلى الاتحاد الروسي. وفي المقابل، حرمت الولايات المتحدة من السيطرة على أوكرانيا «خاصرة روسيا الرخوة»، حين قرّر الكرملين تقديم الدعم التام للميليشيات المحلية في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، فأمسكت بذلك موسكو بالملف الأوكراني بقوة، وعطلت المساعي الغربية الرامية إلى ضم أوكرانيا لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتحويلها إلى «حزام أمني» و«خط مواجهة متقدم» للحلف عند الحدود الروسية.
وختاماً، تجدر الإشارة إلى أن موسكو تسعى ضمن الحل السياسي للأزمة الأوكرانية إلى قطع الطريق مستقبلاً أمام انضمام أوكرانيا إلى «ناتو»، وهي تطالب عبر الموقف الذي أعلنته القوى الحليفة المسيطرة على مناطق جنوب شرقي البلاد، بإعلان أوكرانيا «دولة خارج الأحلاف».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.