حرق وإيهام بـ«السم»... تقنيات حوثية في تعذيب سجناء من دون اتهامات

ناجون من معتقلات الانقلابيين رووا لـ {الشرق الأوسط} جوانب من مأساتهم

صحافيون يمنيون يرفعون لافتات لدعم زملاء لهم في معتقلات الحوثي أثناء مؤتمر صحافي للأمم المتحدة في الكويت (غيتي)
صحافيون يمنيون يرفعون لافتات لدعم زملاء لهم في معتقلات الحوثي أثناء مؤتمر صحافي للأمم المتحدة في الكويت (غيتي)
TT

حرق وإيهام بـ«السم»... تقنيات حوثية في تعذيب سجناء من دون اتهامات

صحافيون يمنيون يرفعون لافتات لدعم زملاء لهم في معتقلات الحوثي أثناء مؤتمر صحافي للأمم المتحدة في الكويت (غيتي)
صحافيون يمنيون يرفعون لافتات لدعم زملاء لهم في معتقلات الحوثي أثناء مؤتمر صحافي للأمم المتحدة في الكويت (غيتي)

تقف السجون الرسمية اليمنية الواقعة تحت سلطة الانقلاب الحوثي والسجون غير الرسمية التي أقيمت في المنازل المصادَرَة من مسؤولي الحكومة الشرعية، شاهدةً على حالة من الانهيار الأخلاقي للميليشيات الحوثية، وتورُّطِها في انتهاكات حقوق الإنسان عبر استخدام أبشع أنواع التعذيب الذي يؤدي إلى وفاة غالبية المعتقلين.
وتحدّث مجموعة من المعتقلين المفرج عنهم الذين تم مبادلتهم بأسرى لـ«الشرق الأوسط»، عن أساليب التعذيب التي تعرضوا لها وشاهدوها في المعتقلات الحوثية.
يقول أحد الناجين: «بعد اختطافي من إحدى الأسواق في الحديدة خضعت للتحقيق على يدي أحد الحوثيين الذي كان يهدد ويستخدم الصعق الكهربائي لاستجوابي، ثم ألقوني في إحدى زنازين السجن غير الرسمي مع كثير من الأشخاص المخطوفين مثلي، وبعد ثلاث ليال أخرجونا وعرضوا علينا التهم التي وُجِّهَتْ لنا، وهي امتلاكنا سلاحاً، ورصد الأهداف للتحالف، وبعدها نقلونا إلى السجن المركزي في الحديدة الذي بقيت فيه 12 شهراً».

حفلة تعذيب
وعن أساليب التعذيب التي كان يتعرض لها مع زملائه، ذكر أن التعذيب عند الانقلابيين كان متعدد الأشكال، فمنه التعذيب بأحجار البناء، ووضع ما يقارب 30 منها على ظهر المعتقل الواحد، وأيضاً التعذيب بالخنق، والاستمتاع بمشاهدة المعتقل وهو يُشرِف على الموت بعد أن يُلبِسوا رأسه غطاء مصنوعاً من النايلون، وهو مقيد بالسلاسل، ومعاودة تكرار هذه العملية قبل اختناقه تماماً.
ولفت إلى أن التعذيب يختلف باختلاف شخصية المحقق والمعتقل؛ فكلما كان الشخص قوياً ورافضاً الاتهامات تفننوا في تعذيبه، فبعض المعتقلين تعرضوا لإحراق أعضائهم التناسلية بولاعة السجائر، ومنهم من قاموا بضربهم بالحجارة في منطقة الكلى إذا علموا أنهم مصابون بمرض الكلى، وأشخاص كانوا يسكبون عليهم الماء ويطرحونهم أرضاً في العراء حتى تتجمد أطرافهم من شدة البرد، وآخرون كانوا يقيمون عليهم «حفلة»، عبر حقنهم بإبر يزعمون أنها «سم» ويبقونهم ليعيشوا وَهْم الموت فيما تعلو ضحكات السجانين.

رصاصة في قلب الصحافة
ولم يسلم الإعلاميون منذ بداية الانقلاب الحوثي من الملاحقة. الصحافي يوسف العجلان أحد الصحافيين الذين تعرضوا للاختطاف والتعذيب، وتمكنوا من الخروج بعد صفقة تبادل بين الحوثي والحكومة الشرعية، حكى لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل قصته: «كان اعتقالي في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، من أمام منزلي وسط العاصمة صنعاء، حيث قدم مسلحون بلباس عسكري وأشهروا أسلحتهم في وجهي حينما كنت على متن سيارتي، وطلبوا مني الذهاب معهم إلى قسم شرطة الحميري الذي بقيت فيه ساعات عدة دون تحقيق قبل أن أنقل إلى البحث الجنائي».
وذكر العجلان أن الميليشيات الحوثية اعتقلته سنة و45 يوماً، توزعت إقامته بين 6 سجون جميعها بصنعاء، واختلف التعامل معه من سجن إلى آخر، لكن ما جمعهم هو أن المعتقل يُعامَل بإذلال وإهانة، وتوجيه تهمة «داعشي» له بشكل دائم.
وتعرض العجلان للتعذيب والضرب المبرح خلال فترة التحقيق التي استمرت 26 يوماً، وبقي في زنزانة انفرادية ضيقه (متر × مترين) مع مختَطَف آخر، ومنع من دخول دورة المياه إلا ثلاث مرات باليوم.
وأشار أثناء حديثه، إلى وجود أشخاص استمرّ تعذيبهم أكثر من ثلاثة أشهر بقي بعضهم في الزنزانات الانفرادية، واستخدمت طرقاً مختلفة في تعذيبهم، وأشخاص تم إخفاؤهم أشهراً عدة دون أن تعرف عائلاتهم أماكنهم، وآخرون مر على اختفائهم 3 سنوات ولا أحد يعلم مكانهم.
وأوضح أن الحوثيين استخدموا كل ما أمكنهم من تعذيب، بدءاً من الإهانة والضرب التي تصل مع بعضهم حد التعذيب الذي يُفقِدهم حياتهم، إلى التصفية، كما حدث أواخر العام الماضي، مع المختطف وليد الابي الذي قُتِل بالرصاص أثناء التحقيق معه في البحث الجنائي.
وقال العجلان: «لا يُسمَح لأي مريض بأخذه للمستشفى من أجل العلاج، ما جعل كثيراً من المختطفين يفقدون صحتهم، فبعضهم أتُلِف كبده أو أصيب بالشلل أو فقد السمع وغيره كما حصل مع زميلي الصحافي المختطَف عبد الخالق عمران الذي تعرض جزء من جسمه للشلل، والزميل صلاح القاعدي الذي فقد السمع في إحدى أذنيه».
وأضاف أن الحوثيين رفضوا إطلاق سراحه رغم تدخل شخصيات اجتماعية وأيضاً قيادات في الجماعة المسلحة، وكانوا يُرعِبونه بأن قضيته كبيرة جدًّا، خصوصاً أنه إعلامي. وتابع: «أنا واحد ممن هاجمهم زعيم الحوثيين، وحرَّض علينا بشكل واسع، ما اضطر أصدقاء لي للتواصل مع الحكومة الشرعية من أجل مبادلتي مقابل أسير حوثي لدى الجيش الوطني لإخراجي، واستمرت عملية التفاوض حولي ما يقرب من 6 أشهر، حتى تمت صفقة التبادل في 23 من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الحالي وتم نقلي إلى مأرب».

منظمات مشلولة
وبسؤاله عن دور المنظمات الدولية، قال العجلان: «للأسف، لم تقدم شيئاً باستثناء الصليب الأحمر الذي كان يزور فقط السجن المركزي الذي بقِيَت فيه 5 أشهر وزارنا مرة واحدة فقط، ولم يقدم شيئاً باستثناء صابون الغسيل والاستحمام ولا شيء سواه، أما منظمات دولية أو محلية حقوقية فهي لم تزُرْ أي معتقلات».

معتقلات سرية
وعن أماكن المعتقلات غير الرسمية، أكد العجلان أن الميليشيات الحوثية استخدمت مباني حكومية ومنازل شخصيات في الحكومة الشرعية، مثل منزل نائب الرئيس الفريق علي محسن الأحمر، وكذا منزل محمد بن موسى العامري مستشار الرئيس هادي ورئيس حزب الرشاد الذي تحدث كثيراً من المعتقلين أنه كان أكثر مكان مشهور بالتعذيب والمعاناة، ويقع جنوب العاصمة صنعاء.
إلى ذلك، أوضح لـ«الشرق الأوسط» يحيى الهيج الذي كان يعمل مديراً لمدرسة الثورة في الحديدة وكان ضمن أحد المعتقلين الذين تم إطلاق سراحهم بعملية تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثي، أن الميليشيات الحوثية استخدمت منازل المسؤولين في الحكومة الشرعية التي صادرتها في الحديدة معتقلاتٍ للناشطين، التي منها منزل الرئيس عبد ربه منصور هادي الواقع في كورنيش الحديدة، وبيت عسكر زعيل أحد ضباط القوات المسلحة في الشرعية، إضافة إلى المؤسسات الخاصة والمناطق الأثرية المعتمدة من «اليونيسكو»، مثل قلعة الكورنيش في الحديدة.

اعترافات تحت التعذيب
وأشار الهيج إلى أنه بقي مقيداً بالسلاسل قرابة العام وتعرض للتعذيب وهو لا يعلم التهم الموجَّهَة له «مارسوا معي الضرب والتجويع والتهديد بخطف أبنائي وأسرتي والإساءة لسمعتي وسمعة أسرتي، حققوا معي وأنا معصوب العينين، وأخذوا بصمتي بالقوة على أوراق لا أعلم ما كُتِب فيها».
وعن وسائل التعذيب التي مورست ضد المعتقلين، قال الهيج: «من وسائل التعذيب استخدمت الميليشيات الصعق الكهربائي والضرب حتى فقدان الوعي أو الموت، وتعليق المعتقل من اليدين أو الأرجل في سقف الغرفة لمدة تصل إلى 18 ساعة متواصلة، ومنع الدواء بشكل كامل، ومنع الطعام والشراب بشكل جزئي، والحرمان من دخول الحمام لفترة تصل إلى ثلاث أيام، مع الإبقاء في تقييدنا بالسلاسل طيلة فترة الاعتقال».

عذاب في القلعة
تنقل الهيج بين سجون رسمية وغير رسمية في الحديدة وذمار، وبقي فترة طويلة مسجوناً في صرح «القلعة» المظلم، الذي حوله الحوثيون من معلم تاريخي أثري إلى سجن كبير يحتوي على أكثر من 200 سجين، يتم تكديس المعتقلين فيها داخل 12 زنزانة، وتابع: «كانت لحظات غروب الشمس تصيب أبداننا بالرجفة من الخوف كون الفترة بين غروبها وشروقها هي فترة التحقيق المصحوبة بألوان التعذيب». وأشار إلى أن سجن القلعة احتوى على عدد كبير من كبار السجن والأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 18 عاماً من بينهم لم تتعدّ أعمارهم الـ11 عاماً، سجنوا للضغط على آبائهم وأقربائهم الفارين لتسليم أنفسهم، انتقلوا فيما بعد إلى سجن «حنيش» الواقع في جزيرة بالبحر الأحمر لا يوجد فيها سكان يرفض حتى أفراد الجيش الوجود فيها بسبب الظروف البيئية والمناخية القاسية.
وأضاف: «أثناء اعتقالي في السجن المركزي في الحديدة، طالب مجموعة من المعتقلين الاتصال بذويهم للاطمئنان عليهم، ورفعوا أصواتاً مطالباتهم بذلك، وهو ما قوبل بإطلاق الرصاص المباشر الحي من قبل محقق يدعى محمد السودي بشكل عشوائي على الجميع ليسقط مجموعة منهم بين قتيل وجريح، وقام الحوثيون بمكافأته وتنصيبه كبير المحققين في السجن».



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.