الإعلام الأميركي في عهد ترمب... من الحياد إلى الانحياز

مواقف الرئيس تعمّق انقسامات الصحافة... ودفعت بمفاهيم جديدة

ينتقد ترمب دائماً وسائل الإعلام التقليدية ويتهمها بنشر {الأخبار المزيفة»
ينتقد ترمب دائماً وسائل الإعلام التقليدية ويتهمها بنشر {الأخبار المزيفة»
TT

الإعلام الأميركي في عهد ترمب... من الحياد إلى الانحياز

ينتقد ترمب دائماً وسائل الإعلام التقليدية ويتهمها بنشر {الأخبار المزيفة»
ينتقد ترمب دائماً وسائل الإعلام التقليدية ويتهمها بنشر {الأخبار المزيفة»

باتت الأزمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والإعلام الأميركي مرشحة لدخول مرحلة جديدة من التصعيد بعدما أعلن الأسبوع الماضي أن حملته الانتخابية المقبلة المقررة في 2020 ستركز على توسيع الفارق بين «فيك نيوز» (الأخبار المزيفة) والأخبار الحقيقية.
وفور إزاحة الستار عن أجندته للتعامل مع الإعلام بعد عامين قالت لارا ترمب زوجة ابن الرئيس أريك ترمب بأنها ستتفرغ لهذا المشروع. ونشرت على شبكة الإنترنت فيديو تحت عنوان الأخبار الدعائية (بروباغاندا نيوز). وقالت إن «هذا النوع من الأخبار غير منصف في تعامله مع الرئيس ترمب ولا يركز على إنجازاته إنما على السلبيات».
منذ الانتخابات الماضية، انتقد ترمب بعض وسائل الإعلام واتهمها بنشر الأخبار «المزيفة» مثل تلفزيون «سي إن إن» وصحيفتي «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» وضمت القائمة لاحقا قناتي «إن بي سي» وشقيقتها «سي إن بي سي». وفي المقابل، وجه كيلا من المديح لقناة فوكس نيوز المحافظة.
ولم يمر عام على ترمب للبيت الأبيض حتى حفر مصطلح «فيك نيوز» مكانه في قواميس اللغة. كما أثارت مواقفه المثيرة للجدل حول وسائل الإعلام ولجوئه إلى أسلحة «تويتر» اهتمام المجلات الأكاديمية المختصة في الإعلام، ونشرت دورية «كولومبيا جورناليزم ريفيو» كلية الصحافة العريقة في جامعة كولومبيا بنيويورك، في عددها الأخير الشهر الماضي دراسة تحليلية أظهرت أن الإعلام ينقسم بحسب ترمب إلى صديق وعدو وهو تصنيف لم يقدم عليه أي رئيس أميركي في العصر الحديث.
وتشبه الدراسة مواقف ترمب بمواقف الرئيس الجمهوري الأسبق تيدي روزفلت في عام 1907 من الصحافيين الليبراليين. وخلصت الدراسة إلى أن التصنيف «لن يدوم طويلا وأنه مرتبط بصاحبه». وأوضحت «يظل كثير من الصحافيين الأميركيين (محايدين) أو (يأملون أن يكونوا محايدين)». وفي نفس الوقت تنفي الدراسة وجود «تحزب» بين الصحافيين إلا أنها تشير إلى وجود «تحيز».

تاريخ التحزب في الصحافة الأميركية
بدأت الصحافة الأميركية حزبية من قبل تأسيس الولايات المتحدة. وذلك لأنها تحزبت ضد الاستعمار البريطاني وفق ما يذكر كتاب «تاريخ الصحافة الأميركية» بقلم خبير الإعلام الأميركي مايكل ستيفنز.
في عام 1734. اعتقل حاكم نيويورك البريطاني، الصحافي جون زينغر، لأنه هاجم التاج البريطاني. لكن، برأت المحكمة زينغر، وصار منذ ذلك الحين رمزا ليس فقط لحرية الصحافة الأميركية والموضوعية وإنما صار دليلا على طبيعة ميل الإنسان نحو رأي دون الآخر.
وبعد استقلال الولايات المتحدة (عام 1776)، ظهرت الأحزاب السياسية الأميركية، خاصة الحزبين الرئيسيين: الفيدرالي والجمهوري. لكن، بعد الوحدة الوطنية التي جمعت كل السياسيين والصحافيين، اختلفوا حول إجازة الدستور (عام 1789): قال الفيدرالي إن الدستور يجب أن يقوي الحكومة المركزية على حكومات الولايات. وقال الجمهوريون العكس. (في الوقت الحاضر، يعكس هذا الاختلاف الحزبان الديمقراطي والجمهوري).
من هنا شقت الحزبية طريقها في الإعلام الأميركي. وصار لكل حزب صحف ومنشورات وعلاقات عامة. وبعد 100 عام تقريبا من استقلال الولايات المتحدة (عام 1860)، كانت هناك 1,630 صحيفة حزبية، و83 صحيفة «مستقلة». وكان الخط الحزبي في كل خبر، ناهيك عن التعليقات الحزبية التي كانت تستعمل كلمات مثل: «أعداء» و«أصدقاء» و«أغبياء» و«خونة» و«أبطال». حينها كان قادة الأحزاب هم رؤساء التحرير.
موت الصحافة الحزبية
بعد نصف قرن تقريبا، وتحديدا في بداية القرن العشرين، ظهر عمالقة في الصحافة الأميركية مثل: جوزيف بوليتزر (صاحب جائزة التفوق الصحافي السنوية)، وراندولف هيرست (صاحب مؤسسات صحافية عملاقة). وساهم الرجلان في نقل الصحافة الأميركية من حزبية إلى وطنية. تحت تأثير حدثين هامين في ذلك الوقت وهما صعود شركات عملاقة، وثورة الإعلانات في الصحف. مما أدى إلى رفع التحزب راية الهزيمة أمام حسابات الربح والخسارة. العامل الآخر ظهرت فرق رياضية وفنية على مستوى الولايات. وقل الاهتمام بالحزبية.
واستمرت النظريتان، الديمقراطية والجمهورية عن دور الحكومة في المجتمع وتركت تأثيرها على السياسة، والاقتصاد، والإعلام. مما فتح الباب أمام المزايدات الوطنية. وتحت تأثير هذا التقابل كشف الصحافي ابتون سينكلير ما سماه «فساد الرأسماليين» في عام 1906. وحظيت خطوته بتأييد الكونغرس. وأسس الصحافي إدارة الطعام والدواء (إف دي إيه) الحالية، بهدف حماية المستهلكين. لكن، اتهمه جمهوريون، بقيادة الرئيس تيودور روزفلت بعرقلة حرية السوق، و«قذف الناس بالطين».
وفي عام 1934، بعد فوز الرئيس الديمقراطي فرانكلين روزفلت، وبداية صدور قوانين ليبرالية اجتماعية واقتصادية، دخلت مواجهة الصحافة والسلطة مراحل جديدة عندما تحالفت ضد قرارات الرئيس إمبراطوريات صحافية محافظة (مثل إمبراطورية ويليام هيرست) مما دفعه للجوء إلى وسيلة إعلامية جديدة وقرر مخاطبة الأميركيين مباشرة عبر الإذاعة.
وبعده بقرابة 30 عاما، لجأ الرئيس الديمقراطي جون كيندي إلى جهاز إعلامي أكثر تطورا هو التلفزيون ليكون منبره لمخاطبة مواطنيه دون وساطات.
المحافظون ضد الليبراليين
وفي منتصف القرن العشرين سقطت وسائل الإعلام في قبضة العائلات والشركات العملاقة. اختفى الصراع الحزبي وكان التنافس التجاري السمة البارزة وكانت السوق ميدان المواجهة بين الجمهوريين المنحازين لحريته مقابل الديمقراطيين المطالبين بمراقبته.
ورجحت كفة الصحافة الليبرالية بفضل قوانين الرؤساء الديمقراطيين. انطلاقا من هنا ظهرت قوانين تعزز مكانة الصحافة وفي بداية الأربعينات من القرن الماضي تأسست لجنة الاتصالات الفيدرالية (إف سي سي) للإشراف على الإعلام الإذاعي، ولضمان إذاعة آراء متعارضة. وتعزز الهدف عندما صدر قانون مبدأ النزاهة قبل حلول عقد الخمسينات.
وامتدت قوانين الصحافة الورقية لتشمل القنوات المرئية والتلفزيونية في 1959 بقرار من الكونغرس. وتواصلت القوانين إلى 2005 عندما أصدر الكونغرس في عهد جورج بوش الابن قانون منع الإباحية في التلفزيونات والإذاعات.
أما الآن يتطلع الجمهوريون في عهد ترمب إلى إلغاء أكثر هذه القوانين على منوال ما تنص عليه نظرية حرية السوق. في هذا الشأن تقول شيرلي بياجي في كتابها «تأثير الإعلام» إن «دور الحكومة هو حماية المواطنين. لكن، موازنة ذلك مع حرية الإعلام ليست سهلة».
وأحدث مثال على ذلك، النقاش الحالي تحت سقف الكونغرس حول تطبيق القوانين السابقة عن النزاهة الصحافية على الإنترنت، خاصة على إعلانات الإنترنت وذلك على أثر فضيحة نشر إعلانات روسية في الإنترنت، خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، تؤيد ترمب ضد مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون.
الانحياز ظاهرة القرن الجديد
قبل عامين، أعاد تقرير مركز «بيو» للاستطلاعات الشعبية، في واشنطن العاصمة، تعريف «الانحياز الإعلامي». وفق التقرير الانحياز بأنه «ليس بالضرورة تأييد رأي ضد آخر، من وقت لآخر، ولكن، أن يحدث ذلك بصورة منتظمة ومستمرة».
طبعا لا يمكن صدور قانون يعرف الرأي المحافظ، والرأي الليبرالي، والرأي المستقل (وما بين هذه الآراء). كما لا يمكن تقسيم الإعلام الأميركي هكذا. لكن، يمكن ملاحظة هذه الميول بصورة عامة.
وفي كل الحالات، يؤكد التقرير أنه لا عودة لمفهوم الإعلام الحزبي وإنما تشهد الساحة الإعلامية نموا لمفهوم «التحيز». وبناء على هذا تحيزت صحيفتا «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»، وقناتا «سى إن إن» و«إن بي سي» للمعسكر الليبرالي. وفي الجهة الأخرى تحيزت صحف مثل «واشنطن تايمز» «برايتبارت نيوز» و«وول ستريت جورنال»، وقناة «فوكس» للمحافظين.
على ضوء ذلك، فإن «التحيز الإعلامي» للحزبين كان لافتا خلال العقد الماضي. ففي عام 2008 تبرع 1160 صحافيا بأكثر من مليون دولار لحملة المرشح الديمقراطي باراك أوباما وفي المقابل تبرع 193 صحافيا بمبلغ 140,000 دولار لحملة السيناتور الجمهوري جون ماكين وجاءت أغلب تلك التبرعات من صحافيين يعملون في 3 قنوات تلفزيونية هي «إن بي سي» و«سي بي إس» و«إيه بي سي»).
قبل 3 أعوام، أجرى مركز «غالوب» استطلاعا شعبيا أوضح أن نسبة 44 في المائة من الأميركيين ترى الإعلام الأميركي «ليبراليا جدا». بينما ترى نسبة 19 في المائة أنه «محافظ جدا». وترى نسبة 34 في المائة أنه «معقول».
إمبراطورية ميردوخ والإعلام في أميركا
تقود مؤسسة الملياردير الأميركي الأسترالي روبرت ميردوخ الإعلام المنحاز للمحافظين إلى جانب صحف «وول ستريت جورنال» و«واشنطن تايمز» و«برايتبارت نيوز».
ورغم أن تقارير ذكرت أن ميردوخ وصف نفسه بأنه ليس «ليبراليا»، لكنه «ليبراتي» مما يعني أنه يميل إلى الحرية الاقتصادية والاجتماعية وليس «جمهوريا» التي ترفع شعار حرية اقتصادية، لكن قيود أخلاقية اجتماعية.
وكشف شارلي رينا، مسؤول سابق في «فوكس»، أن الأوامر تصدر كل صباح عن طريقة تغطية الأخبار. وأن هذه الأوامر «ليست مثل التي في وكالة أسوشييتد برس، وتلفزيونات «إيه بي سي» و«سي بي إس» و«إن بي سي». كما أنها «تسير في الخط السياسي للرئيس بوش الابن» (كان ذلك وقت عمل رينا في تلفزيون «فوكس»).
وحسب الاستطلاعات والأبحاث، يبدو الانحياز المحافظ وسط الصحافيين أقل كثيرا من الانحياز الليبرالي. والمرجح أن يمر الإعلام الليبرالي بسنوات قاسية في عصر الرئيس ترمب. وسيظل الإعلام اليميني أقل حجما، لكنه صار أعلى صوتا.
ولأن الرئيس ترمب شذ عن رؤساء كثيرين قبله، وانحاز إلى جانب إعلام معين، هو الإعلام المحافظ، صار الصوت أعلى، بل صار مزعجا، بل صار مخيفا. وترمز إلى ذلك صحيفة «برايتبارت نيوز»، التي تقول: إنها لا تنحاز إلى «اليمين المتطرف»، ولكن إلى «اليمين البديل».
صحافي يميني بين رجال الرئيس
في العام الماضي، أبدى كثير من الأميركيين وخاصة الصحافيين استغرابهم من اختيار دونالد ترمب رئيس تحرير صحيفة «برايتبارت نيوز»، ستيفن بانون، مديرا لحملته الانتخابية في الانتخابات الرئاسية. وذلك لأن الصحيفة ربما أكثر صحف أميركا المشهورة يمينية.
في ذلك الوقت، لم يدم الاستغراب طويلا لأن التوقعات بفوز ترمب كانت ضعيفة. لكن لم يفز ترمب فقط، بل، اختار بانون «مستشارا استراتيجيا» في البيت الأبيض. لم يدم بانون كثيرا في البيت الأبيض. استقال، وعاد إلى صحيفته. وبدا كأنه صار أقوى مما كان عليه.
يقود الآن ما يسميه «اليمين البديل» (ليس اليمين المتطرف) الذي يركز على استعادة «مجد الثقافة الغربية»، بكل ما في هذا العبارة من معانٍ. لهذا، سألت صحيفة «واشنطن بوست»، في غمز واستهزاء واستخفاف: «هل صحيفة (برايتبارت نيوز) هي أول صحيفة حكومية في تاريخ الولايات المتحدة؟».
وقبل سنوات قليلة قال بانون في مقابلة مع تلفزيون «سي سبان»: «ليوفق الله السود، والسمر، والصفر. لست في معركة معهم. لكن، لا تقدر قوة في الأرض أن تنفي لوني الأبيض. إنه سلالة أفتخر بها».
وأضاف: «نريد أميركا يتساوى فيها الجميع. لا نريد أميركا فيها حقوق خاصة لهذه الفئة ولتلك الفئة. لينال كل شخص حسب عمله. عندما تتدخل الحكومة في أشكال وألوان الناس، وتفضل هذا على هذا، تبدأ المشاكل».
في كل الحالات، انقسم الصحافيون الأميركيون حول بانون فمن جهة تقول أكثرية كثيرة إنهم حزانى، بل غاضبون بينما يذهب فريق آخر إلى أن «قلة تقول: إن الغضب والحزن لن يغيرا الأمر الواقع، وهو أن ترمب وصحيفة (برايتبارت نيوز) غيرا، ليس فقط الوضع السياسي في الولايات المتحدة، بل، أيضا تاريخ الولايات المتحدة السياسي ناهيك عن الإعلام الأميركي، وتاريخ الإعلام الأميركي».
الأفضلية للإعلام اليميني
ومنذ أن دخل ترمب البيت الأبيض، صارت بعض الشخصيات الإعلامية الكبيرة تهتم باليمين، وإعلام اليمين. واحدة من هذه الأقلية القليلة شيلي هيبويرث، صحافية في مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو». كتبت: «كفانا عاطفية، كفانا هلعا وولعا. لنكن واقعيين. هذه هي أميركا الجديدة».
واشترك في النقاش ألكسندر ستيل، أستاذ في كلية الصحافة في جامعة كولومبيا (في نيويورك)، وربط بين ترمب والحالة الراهنة للإعلام الأميركي، وبين ما حدث في إيطاليا في عهد رئيس الوزراء برلسكوني، إمبراطور الإعلام الإيطالي. وتابع أن «في البلدين، وبسبب حرية الصحافة من دون حدود، وحرية امتلاك وسائل الإعلام من دون حدود، تسلق ترمب وبرلسكوني إلى قمة الحكم».
بنفس الاتجاه، كتب وويل سومر، صحافي في صحيفة «هيل» المستقلة التي تهتم بشؤون الكونغرس: «لنكن واقعيين، صرنا نعيش في عالم ترمب وبانون». وقال إنه استغرب بسبب عدم أهمية الصحف اليمينية في أذهان أصدقائه الصحافيين الذين يعملون في الصحف الليبرالية. وقال: «رضعت لبن راش ليمبو، وغيره من المعلقين المحافظين، في سن مبكرة. لكن، الآن، تغيرت. لكن، أستمر أؤمن بأن الناس، وخاصة الصحافيين، يجب ألا يقللوا من أهمية اليمين، وإعلام اليمين». استضاف تريفور نوح، مقدم برنامج ليلي تلفزيوني، تومي لاهيرن، رئيس تحرير موقع «بليز» اليميني. وفي خطوة مماثلة استضاف تاكر كارلسون، في قناة «فوكس»، ليز سبيد، مراقبة صحيفة «نيويورك تايمز» للحديث عن إهمال الإعلام اليميني.
وكتب كينيث شتيرن صحافي سابق في إذاعة «إن بي أر» شبه الحكومية عن «أسرار تصويت الأميركيين مع اليمين» وقال إنه «توجد أشياء كثيرة في صحيفة (برايتبارت نيوز) لا أؤمن بها، بل ربما أحتقرها. لكن، لا أقدر على أن أنكر أن الصحيفة تعبر عن رأي قطاع ليس صغيرا من الشعب الأميركي يؤمن بآراء تبدو لنا غريبة، أو يمينية، أو حتى رجعية».


مقالات ذات صلة

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.


اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
TT

اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)

لاحقت اتهامات بانتهاك حقوق الملكية الفكرية شركة «بيت دانس» الصينية، مالكة منصة «تيك توك»، ما دفع الشركة لإعلان عزمها اتخاذ خطوات لتعزيز الحماية في هذا الصدد. وتوقّع خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» أن تسهم مثل هذه الاتهامات «في تغيير طريقة التعامل مع المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي»، مطالبين بوضع قواعد استخدام تحمي حقوق منتج المحتوى الأصلي.

شركة «بيت دانس» كانت قد طوَّرت، أخيراً، نموذجاً للذكاء الاصطناعي حمل اسم «سيدانس 2.0»، وأنتج النموذج عدداً من مقاطع الفيديو التي تحاكي في تفاصيلها مشاهد من أفلام هوليوود، حصدت ملايين المشاهدات على الإنترنت. وهو ما دفع الشركات المُنتَجة للمشاهد الأصلية لاتهام «بيت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهم. ولقد ذكرت «جمعية صناعة الأفلام الأميركية»، التي تمثّل شركات عدة منها «ديزني»، و«يونيفرسال»، و«وارنر»، و«نتفليكس»، في بيان لها، أخيراً، أن «نموذج سيدانس يستخدم على نطاق واسع أعمالاً محمية بحقوق الطبع والنشر الأميركية». وأضافت: «نموذج الذكاء الاصطناعي لبيت دانس يعمل من دون ضمانات فعّالة، ويجب إيقافه فوراً».

بدورها، أقرَّت «بايت دانس» بما عدّتها «مخاوف بشأن برنامج سيدانس 2.0»، معلنة اعتزامها «اتخاذ خطوات لتعزيز إجراءات الحماية الحالية، ومنع الاستخدام غير المُصرَّح به للملكية الفكرية والصور من قبل المستخدمين»، وفق بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

هذا، ويتوافر نموذج «سيدانس 2.0» حالياً بوصفه نسخةً تجريبيةً محدودةً في الصين فقط. وأفادت شركة الاستشارات السويسرية «سيتول ديجيتال سوليوشنز» بأنه «أكثر نماذج توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي تطوراً»، إذ يتفوَّق على نماذج أخرى طوَّرتها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الاتهامات الموجّهة لنماذج الذكاء الاصطناعي بشأن انتهاكات حقوق الملكية الفكرية لن تتوقف. وتابع أن «نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد في الأساس على المحتوى المنشور (المقروء أو المرئي)، ما يجعلها بالتبعية تنتهك حقوق المنتج الأصلي عند توليد أي نوع من المحتوى». وأردف إكو: «إن التطورات المتسارعة لنماذج الذكاء الاصطناعي تحتم ضرورة العمل على حوكمتها، ووضع قواعد تحمي حقوق المنتج الأصلي، وهي قواعد تتضمَّن التفرقة بين معايير الاستخدام التجاري وغير التجاري، والإشارة بوضوح... إلى أن هذا المُنتَج مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، والإشارة للعمل الأصلي الذي استُعين به في توليد هذا المحتوى».

من جهة ثانية، سبق أن أثارت نماذج الذكاء الاصطناعي جدلاً بشأن اعتدائها على حقوق الملكية الفكرية؛ ففي عام 2024 نُشرت مقالات على مدوّنة قديمة متخصصة في التكنولوجيا تابعة لشركة «أبل» تحمل اسم «تي يو إيه دبليو (TUAW)»، مع أنها مغلقة منذ عام 2011، وتبيَّن أن «المقالات الجديدة أنتِجت بواسطة الذكاء الاصطناعي، ونُشرت بأسماء كتاب وصحافيي المدونة السابقين، بعد استيلاء مالك جديد على المدوّنة المغلقة». وهو ما أثار تساؤلات في حينه عن كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية لمنتجي المحتوى الأصليين.

في حوار مع «الشرق الأوسط»، صرَّح الصحافي المصري محمد فتحي، المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، بأن «اتهامات الشركات لبايت دانس وتيك توك بانتهاك حقوق الملكية الفكرية ستدفع إلى إعادة صياغة قواعد إنتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي» وأشار إلى أنه «من دون إطار تنظيمي واضح، يُشكِّل الذكاء الاصطناعي تهديداً مباشراً لحقوق المبدعين، مع استمرار ظهور منتجات تُعاد فيها تهيئة محتوى أصلي دون تعويض أو إذن».

ثم أضاف: «القوانين الحالية حول حقوق النشر لم تُصمَّم للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يؤكد الحاجة لإطار جديد... وهذا الإطار يشمل تحديد معنى الاستفادة المشروعة للبيانات، وأنواع البيانات، التي يمكن استعمالها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن تعويض حقوق للمصادر الأصلية، مع وضع معايير واضحة للاستعمال التجاري، ومعايير يجري على أساسها تصنيف الفيديو المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ليكون مستقلاً عن الأصل، أو متضمناً حقوقاً للمبدعين الأصليين».

ومن ثم، طالب فتحي بـ«تحديث القوانين لتشمل الذكاء الاصطناعي، ووضع تعريف قانوني لكيفية استخدام البيانات للتدريب، وإلزام الشركات باشتراطات شفافة حول مصادر البيانات، ووضع أنظمة ترخيص مرنة وعادلة». ودعا إلى «وجود اتفاقات تسمح باستخدام المحتوى مقابل تعويض، واستحداث تراخيص تشمل نظام مكافآت واضح للمطوّرين... إلى جانب وضع أنظمة تتبُّع وتحرّي محتوى الفيديو لحماية أصحاب الحقوق الأصلية، ووضع علامات مائية ذكية يمكن تمييزها حتى بعد إعادة استعمال المادة المُصوَّرة».

واختتم بالتأكيد على «أهمية تعزيز وعي المبدعين، بشأن كيفية حماية أعمالهم، مع وضع إرشادات حول حقوق الترخيص واستخداماتهم في الذكاء الاصطناعي».


قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟