الإعلام الأميركي في عهد ترمب... من الحياد إلى الانحياز

مواقف الرئيس تعمّق انقسامات الصحافة... ودفعت بمفاهيم جديدة

ينتقد ترمب دائماً وسائل الإعلام التقليدية ويتهمها بنشر {الأخبار المزيفة»
ينتقد ترمب دائماً وسائل الإعلام التقليدية ويتهمها بنشر {الأخبار المزيفة»
TT

الإعلام الأميركي في عهد ترمب... من الحياد إلى الانحياز

ينتقد ترمب دائماً وسائل الإعلام التقليدية ويتهمها بنشر {الأخبار المزيفة»
ينتقد ترمب دائماً وسائل الإعلام التقليدية ويتهمها بنشر {الأخبار المزيفة»

باتت الأزمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والإعلام الأميركي مرشحة لدخول مرحلة جديدة من التصعيد بعدما أعلن الأسبوع الماضي أن حملته الانتخابية المقبلة المقررة في 2020 ستركز على توسيع الفارق بين «فيك نيوز» (الأخبار المزيفة) والأخبار الحقيقية.
وفور إزاحة الستار عن أجندته للتعامل مع الإعلام بعد عامين قالت لارا ترمب زوجة ابن الرئيس أريك ترمب بأنها ستتفرغ لهذا المشروع. ونشرت على شبكة الإنترنت فيديو تحت عنوان الأخبار الدعائية (بروباغاندا نيوز). وقالت إن «هذا النوع من الأخبار غير منصف في تعامله مع الرئيس ترمب ولا يركز على إنجازاته إنما على السلبيات».
منذ الانتخابات الماضية، انتقد ترمب بعض وسائل الإعلام واتهمها بنشر الأخبار «المزيفة» مثل تلفزيون «سي إن إن» وصحيفتي «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» وضمت القائمة لاحقا قناتي «إن بي سي» وشقيقتها «سي إن بي سي». وفي المقابل، وجه كيلا من المديح لقناة فوكس نيوز المحافظة.
ولم يمر عام على ترمب للبيت الأبيض حتى حفر مصطلح «فيك نيوز» مكانه في قواميس اللغة. كما أثارت مواقفه المثيرة للجدل حول وسائل الإعلام ولجوئه إلى أسلحة «تويتر» اهتمام المجلات الأكاديمية المختصة في الإعلام، ونشرت دورية «كولومبيا جورناليزم ريفيو» كلية الصحافة العريقة في جامعة كولومبيا بنيويورك، في عددها الأخير الشهر الماضي دراسة تحليلية أظهرت أن الإعلام ينقسم بحسب ترمب إلى صديق وعدو وهو تصنيف لم يقدم عليه أي رئيس أميركي في العصر الحديث.
وتشبه الدراسة مواقف ترمب بمواقف الرئيس الجمهوري الأسبق تيدي روزفلت في عام 1907 من الصحافيين الليبراليين. وخلصت الدراسة إلى أن التصنيف «لن يدوم طويلا وأنه مرتبط بصاحبه». وأوضحت «يظل كثير من الصحافيين الأميركيين (محايدين) أو (يأملون أن يكونوا محايدين)». وفي نفس الوقت تنفي الدراسة وجود «تحزب» بين الصحافيين إلا أنها تشير إلى وجود «تحيز».

تاريخ التحزب في الصحافة الأميركية
بدأت الصحافة الأميركية حزبية من قبل تأسيس الولايات المتحدة. وذلك لأنها تحزبت ضد الاستعمار البريطاني وفق ما يذكر كتاب «تاريخ الصحافة الأميركية» بقلم خبير الإعلام الأميركي مايكل ستيفنز.
في عام 1734. اعتقل حاكم نيويورك البريطاني، الصحافي جون زينغر، لأنه هاجم التاج البريطاني. لكن، برأت المحكمة زينغر، وصار منذ ذلك الحين رمزا ليس فقط لحرية الصحافة الأميركية والموضوعية وإنما صار دليلا على طبيعة ميل الإنسان نحو رأي دون الآخر.
وبعد استقلال الولايات المتحدة (عام 1776)، ظهرت الأحزاب السياسية الأميركية، خاصة الحزبين الرئيسيين: الفيدرالي والجمهوري. لكن، بعد الوحدة الوطنية التي جمعت كل السياسيين والصحافيين، اختلفوا حول إجازة الدستور (عام 1789): قال الفيدرالي إن الدستور يجب أن يقوي الحكومة المركزية على حكومات الولايات. وقال الجمهوريون العكس. (في الوقت الحاضر، يعكس هذا الاختلاف الحزبان الديمقراطي والجمهوري).
من هنا شقت الحزبية طريقها في الإعلام الأميركي. وصار لكل حزب صحف ومنشورات وعلاقات عامة. وبعد 100 عام تقريبا من استقلال الولايات المتحدة (عام 1860)، كانت هناك 1,630 صحيفة حزبية، و83 صحيفة «مستقلة». وكان الخط الحزبي في كل خبر، ناهيك عن التعليقات الحزبية التي كانت تستعمل كلمات مثل: «أعداء» و«أصدقاء» و«أغبياء» و«خونة» و«أبطال». حينها كان قادة الأحزاب هم رؤساء التحرير.
موت الصحافة الحزبية
بعد نصف قرن تقريبا، وتحديدا في بداية القرن العشرين، ظهر عمالقة في الصحافة الأميركية مثل: جوزيف بوليتزر (صاحب جائزة التفوق الصحافي السنوية)، وراندولف هيرست (صاحب مؤسسات صحافية عملاقة). وساهم الرجلان في نقل الصحافة الأميركية من حزبية إلى وطنية. تحت تأثير حدثين هامين في ذلك الوقت وهما صعود شركات عملاقة، وثورة الإعلانات في الصحف. مما أدى إلى رفع التحزب راية الهزيمة أمام حسابات الربح والخسارة. العامل الآخر ظهرت فرق رياضية وفنية على مستوى الولايات. وقل الاهتمام بالحزبية.
واستمرت النظريتان، الديمقراطية والجمهورية عن دور الحكومة في المجتمع وتركت تأثيرها على السياسة، والاقتصاد، والإعلام. مما فتح الباب أمام المزايدات الوطنية. وتحت تأثير هذا التقابل كشف الصحافي ابتون سينكلير ما سماه «فساد الرأسماليين» في عام 1906. وحظيت خطوته بتأييد الكونغرس. وأسس الصحافي إدارة الطعام والدواء (إف دي إيه) الحالية، بهدف حماية المستهلكين. لكن، اتهمه جمهوريون، بقيادة الرئيس تيودور روزفلت بعرقلة حرية السوق، و«قذف الناس بالطين».
وفي عام 1934، بعد فوز الرئيس الديمقراطي فرانكلين روزفلت، وبداية صدور قوانين ليبرالية اجتماعية واقتصادية، دخلت مواجهة الصحافة والسلطة مراحل جديدة عندما تحالفت ضد قرارات الرئيس إمبراطوريات صحافية محافظة (مثل إمبراطورية ويليام هيرست) مما دفعه للجوء إلى وسيلة إعلامية جديدة وقرر مخاطبة الأميركيين مباشرة عبر الإذاعة.
وبعده بقرابة 30 عاما، لجأ الرئيس الديمقراطي جون كيندي إلى جهاز إعلامي أكثر تطورا هو التلفزيون ليكون منبره لمخاطبة مواطنيه دون وساطات.
المحافظون ضد الليبراليين
وفي منتصف القرن العشرين سقطت وسائل الإعلام في قبضة العائلات والشركات العملاقة. اختفى الصراع الحزبي وكان التنافس التجاري السمة البارزة وكانت السوق ميدان المواجهة بين الجمهوريين المنحازين لحريته مقابل الديمقراطيين المطالبين بمراقبته.
ورجحت كفة الصحافة الليبرالية بفضل قوانين الرؤساء الديمقراطيين. انطلاقا من هنا ظهرت قوانين تعزز مكانة الصحافة وفي بداية الأربعينات من القرن الماضي تأسست لجنة الاتصالات الفيدرالية (إف سي سي) للإشراف على الإعلام الإذاعي، ولضمان إذاعة آراء متعارضة. وتعزز الهدف عندما صدر قانون مبدأ النزاهة قبل حلول عقد الخمسينات.
وامتدت قوانين الصحافة الورقية لتشمل القنوات المرئية والتلفزيونية في 1959 بقرار من الكونغرس. وتواصلت القوانين إلى 2005 عندما أصدر الكونغرس في عهد جورج بوش الابن قانون منع الإباحية في التلفزيونات والإذاعات.
أما الآن يتطلع الجمهوريون في عهد ترمب إلى إلغاء أكثر هذه القوانين على منوال ما تنص عليه نظرية حرية السوق. في هذا الشأن تقول شيرلي بياجي في كتابها «تأثير الإعلام» إن «دور الحكومة هو حماية المواطنين. لكن، موازنة ذلك مع حرية الإعلام ليست سهلة».
وأحدث مثال على ذلك، النقاش الحالي تحت سقف الكونغرس حول تطبيق القوانين السابقة عن النزاهة الصحافية على الإنترنت، خاصة على إعلانات الإنترنت وذلك على أثر فضيحة نشر إعلانات روسية في الإنترنت، خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، تؤيد ترمب ضد مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون.
الانحياز ظاهرة القرن الجديد
قبل عامين، أعاد تقرير مركز «بيو» للاستطلاعات الشعبية، في واشنطن العاصمة، تعريف «الانحياز الإعلامي». وفق التقرير الانحياز بأنه «ليس بالضرورة تأييد رأي ضد آخر، من وقت لآخر، ولكن، أن يحدث ذلك بصورة منتظمة ومستمرة».
طبعا لا يمكن صدور قانون يعرف الرأي المحافظ، والرأي الليبرالي، والرأي المستقل (وما بين هذه الآراء). كما لا يمكن تقسيم الإعلام الأميركي هكذا. لكن، يمكن ملاحظة هذه الميول بصورة عامة.
وفي كل الحالات، يؤكد التقرير أنه لا عودة لمفهوم الإعلام الحزبي وإنما تشهد الساحة الإعلامية نموا لمفهوم «التحيز». وبناء على هذا تحيزت صحيفتا «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»، وقناتا «سى إن إن» و«إن بي سي» للمعسكر الليبرالي. وفي الجهة الأخرى تحيزت صحف مثل «واشنطن تايمز» «برايتبارت نيوز» و«وول ستريت جورنال»، وقناة «فوكس» للمحافظين.
على ضوء ذلك، فإن «التحيز الإعلامي» للحزبين كان لافتا خلال العقد الماضي. ففي عام 2008 تبرع 1160 صحافيا بأكثر من مليون دولار لحملة المرشح الديمقراطي باراك أوباما وفي المقابل تبرع 193 صحافيا بمبلغ 140,000 دولار لحملة السيناتور الجمهوري جون ماكين وجاءت أغلب تلك التبرعات من صحافيين يعملون في 3 قنوات تلفزيونية هي «إن بي سي» و«سي بي إس» و«إيه بي سي»).
قبل 3 أعوام، أجرى مركز «غالوب» استطلاعا شعبيا أوضح أن نسبة 44 في المائة من الأميركيين ترى الإعلام الأميركي «ليبراليا جدا». بينما ترى نسبة 19 في المائة أنه «محافظ جدا». وترى نسبة 34 في المائة أنه «معقول».
إمبراطورية ميردوخ والإعلام في أميركا
تقود مؤسسة الملياردير الأميركي الأسترالي روبرت ميردوخ الإعلام المنحاز للمحافظين إلى جانب صحف «وول ستريت جورنال» و«واشنطن تايمز» و«برايتبارت نيوز».
ورغم أن تقارير ذكرت أن ميردوخ وصف نفسه بأنه ليس «ليبراليا»، لكنه «ليبراتي» مما يعني أنه يميل إلى الحرية الاقتصادية والاجتماعية وليس «جمهوريا» التي ترفع شعار حرية اقتصادية، لكن قيود أخلاقية اجتماعية.
وكشف شارلي رينا، مسؤول سابق في «فوكس»، أن الأوامر تصدر كل صباح عن طريقة تغطية الأخبار. وأن هذه الأوامر «ليست مثل التي في وكالة أسوشييتد برس، وتلفزيونات «إيه بي سي» و«سي بي إس» و«إن بي سي». كما أنها «تسير في الخط السياسي للرئيس بوش الابن» (كان ذلك وقت عمل رينا في تلفزيون «فوكس»).
وحسب الاستطلاعات والأبحاث، يبدو الانحياز المحافظ وسط الصحافيين أقل كثيرا من الانحياز الليبرالي. والمرجح أن يمر الإعلام الليبرالي بسنوات قاسية في عصر الرئيس ترمب. وسيظل الإعلام اليميني أقل حجما، لكنه صار أعلى صوتا.
ولأن الرئيس ترمب شذ عن رؤساء كثيرين قبله، وانحاز إلى جانب إعلام معين، هو الإعلام المحافظ، صار الصوت أعلى، بل صار مزعجا، بل صار مخيفا. وترمز إلى ذلك صحيفة «برايتبارت نيوز»، التي تقول: إنها لا تنحاز إلى «اليمين المتطرف»، ولكن إلى «اليمين البديل».
صحافي يميني بين رجال الرئيس
في العام الماضي، أبدى كثير من الأميركيين وخاصة الصحافيين استغرابهم من اختيار دونالد ترمب رئيس تحرير صحيفة «برايتبارت نيوز»، ستيفن بانون، مديرا لحملته الانتخابية في الانتخابات الرئاسية. وذلك لأن الصحيفة ربما أكثر صحف أميركا المشهورة يمينية.
في ذلك الوقت، لم يدم الاستغراب طويلا لأن التوقعات بفوز ترمب كانت ضعيفة. لكن لم يفز ترمب فقط، بل، اختار بانون «مستشارا استراتيجيا» في البيت الأبيض. لم يدم بانون كثيرا في البيت الأبيض. استقال، وعاد إلى صحيفته. وبدا كأنه صار أقوى مما كان عليه.
يقود الآن ما يسميه «اليمين البديل» (ليس اليمين المتطرف) الذي يركز على استعادة «مجد الثقافة الغربية»، بكل ما في هذا العبارة من معانٍ. لهذا، سألت صحيفة «واشنطن بوست»، في غمز واستهزاء واستخفاف: «هل صحيفة (برايتبارت نيوز) هي أول صحيفة حكومية في تاريخ الولايات المتحدة؟».
وقبل سنوات قليلة قال بانون في مقابلة مع تلفزيون «سي سبان»: «ليوفق الله السود، والسمر، والصفر. لست في معركة معهم. لكن، لا تقدر قوة في الأرض أن تنفي لوني الأبيض. إنه سلالة أفتخر بها».
وأضاف: «نريد أميركا يتساوى فيها الجميع. لا نريد أميركا فيها حقوق خاصة لهذه الفئة ولتلك الفئة. لينال كل شخص حسب عمله. عندما تتدخل الحكومة في أشكال وألوان الناس، وتفضل هذا على هذا، تبدأ المشاكل».
في كل الحالات، انقسم الصحافيون الأميركيون حول بانون فمن جهة تقول أكثرية كثيرة إنهم حزانى، بل غاضبون بينما يذهب فريق آخر إلى أن «قلة تقول: إن الغضب والحزن لن يغيرا الأمر الواقع، وهو أن ترمب وصحيفة (برايتبارت نيوز) غيرا، ليس فقط الوضع السياسي في الولايات المتحدة، بل، أيضا تاريخ الولايات المتحدة السياسي ناهيك عن الإعلام الأميركي، وتاريخ الإعلام الأميركي».
الأفضلية للإعلام اليميني
ومنذ أن دخل ترمب البيت الأبيض، صارت بعض الشخصيات الإعلامية الكبيرة تهتم باليمين، وإعلام اليمين. واحدة من هذه الأقلية القليلة شيلي هيبويرث، صحافية في مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو». كتبت: «كفانا عاطفية، كفانا هلعا وولعا. لنكن واقعيين. هذه هي أميركا الجديدة».
واشترك في النقاش ألكسندر ستيل، أستاذ في كلية الصحافة في جامعة كولومبيا (في نيويورك)، وربط بين ترمب والحالة الراهنة للإعلام الأميركي، وبين ما حدث في إيطاليا في عهد رئيس الوزراء برلسكوني، إمبراطور الإعلام الإيطالي. وتابع أن «في البلدين، وبسبب حرية الصحافة من دون حدود، وحرية امتلاك وسائل الإعلام من دون حدود، تسلق ترمب وبرلسكوني إلى قمة الحكم».
بنفس الاتجاه، كتب وويل سومر، صحافي في صحيفة «هيل» المستقلة التي تهتم بشؤون الكونغرس: «لنكن واقعيين، صرنا نعيش في عالم ترمب وبانون». وقال إنه استغرب بسبب عدم أهمية الصحف اليمينية في أذهان أصدقائه الصحافيين الذين يعملون في الصحف الليبرالية. وقال: «رضعت لبن راش ليمبو، وغيره من المعلقين المحافظين، في سن مبكرة. لكن، الآن، تغيرت. لكن، أستمر أؤمن بأن الناس، وخاصة الصحافيين، يجب ألا يقللوا من أهمية اليمين، وإعلام اليمين». استضاف تريفور نوح، مقدم برنامج ليلي تلفزيوني، تومي لاهيرن، رئيس تحرير موقع «بليز» اليميني. وفي خطوة مماثلة استضاف تاكر كارلسون، في قناة «فوكس»، ليز سبيد، مراقبة صحيفة «نيويورك تايمز» للحديث عن إهمال الإعلام اليميني.
وكتب كينيث شتيرن صحافي سابق في إذاعة «إن بي أر» شبه الحكومية عن «أسرار تصويت الأميركيين مع اليمين» وقال إنه «توجد أشياء كثيرة في صحيفة (برايتبارت نيوز) لا أؤمن بها، بل ربما أحتقرها. لكن، لا أقدر على أن أنكر أن الصحيفة تعبر عن رأي قطاع ليس صغيرا من الشعب الأميركي يؤمن بآراء تبدو لنا غريبة، أو يمينية، أو حتى رجعية».


مقالات ذات صلة

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أوروبا رجل الأعمال والملياردير الأميركي إيلون ماسك (أ.ف.ب)

تلفزيون ألماني يحذف مقطعاً يتهم إيلون ماسك بتأجيج الاحتجاجات في بلفاست

أقام إيلون ماسك دعوى على قناة ألمانية بسبب تقرير عنه، ما دفعها لحذف فقرة مثيرة للجدل بعد اعتراضه القانوني.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق مخيون في لقطة من أحد أعماله (حسابه على فيسبوك)

انتقاد مذيع مصري خاض في «خصوصيات» عبد العزيز مخيون

تعرض إعلامي مصري للهجوم الحاد من فنانين ومتابعين لتعرضه للحياة الشخصية للفنان الراحل عبد العزيز مخيون.

داليا ماهر (القاهرة)
الخليج «هيئة تنظيم الإعلام» أكدت استمرارها في رصد كل محتوى مخالف للأنظمة والضوابط (واس)

«هيئة الإعلام» السعودية: إحالة مسيء لدولة شقيقة إلى النيابة العامة

استدعت «هيئة تنظيم الإعلام» السعودية مواطناً أساء لدولة شقيقة بتعرضه لرموزها وقياداتها في مساحة صوتية بمنصة تواصل اجتماعي، وجرت إحالته للنيابة العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا نشطاء ومعارضون سياسيون يشاركون في مظاهرة بالعاصمة تونس (رويترز)

القضاء التونسي يحكم بسجن صحافية 4 سنوات غيابياً

كشفت الصحافية التونسية ‌خولة بوكريم، وهي منتقدة شديدة للرئيس قيس سعيد، أن محكمة في تونس قضت بسجنها 4 سنوات غيابياً.

«الشرق الأوسط» (تونس)
أوروبا نانديتو باديا وجورج ستانا رجلان رومانيان متهمان بطعن الصحافي الإيراني الدولي بوريا زراتي قرب منزله في ويمبلدون في مارس 2024 يمثلان أمام محكمة «وولويتش كراون» في لندن ببريطانيا 18 مايو 2026 في رسم تخطيطي للمحكمة (رويترز)

محكمة بريطانية: رومانيون طعنوا صحافياً في لندن بتحريض من إيران

قال ممثلو ادعاء أمام محكمة بريطانية، اليوم الاثنين، إن مجموعة من الرجال الرومانيين، يعملون وكلاء للحكومة الإيرانية، نفّذوا هجوماً بالسكين على صحافي في لندن.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
TT

الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي

جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)
جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك)

ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطلّ التلفزيون برأسه منتصف القرن الماضي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعة. ثم جاء «الإنترنت» فجدّدوا النبوءة. واليوم، مع انتشار «البودكاست» وهيمنة منصات البثّ الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جديدة: هل بلغ هذا «الوسيط» المولود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سوى تحوّل جذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرةً استثنائية على البقاء والتكيّف؟

«البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة

في الواقع، لا تستقيم قراءة المشهد الإعلامي الراهن من دون الاعتراف بأن «البودكاست» غيّر شيئاً جوهرياً في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي.

الإذاعة التقليدية تفرض على مستمعها إيقاعها الخاص: توقيتاً محدداً، وترتيباً لا يملك تغييره، وبرنامجاً لم يشارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأساً على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوىً جديداً فحسب، بل يمنحه أيضاً سلطةً لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف.

إنه تحوّل في طبيعة العلاقة ذاتها بين الصوت ومن يستقبله. ولقد كشفت الأرقام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» 42 في المائة في عام 2024، مقارنةً بـ22 في المائة فحسب في عام 2019؛ وهو ما يعني أن جيلاً كاملاً أعاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانزياح بجلاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع التراكمية للإذاعة إلى 67 في المائة في خريف عام 2024، مقارنةً بما يزيد على 70 في المائة قبل عقد من الزمن.

في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الصورة ذاتها؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي اليوم ما معدّله 11 ساعة أسبوعياً للإذاعة التقليدية، مقابل معدل 17 قبل عشر سنوات. ويُعزى هذا التراجع جزئياً، وفق المصادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المكان الذي ظلّ تاريخياً «الحاضنة» الأكبر للاستماع الإذاعي.

الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل

في الواقع، إن فحص الأرقام الإجمالية بعيداً عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقلّ دراميةً مما تُصوّره مراثي «الرقمنة». وبمناسبة «اليوم العالمي للإذاعة»، أصدر «التحالف العالمي للإذاعات» بيانات تؤكد أن هذا «الوسيط» الإعلامي لا يزال يصل إلى ما يقارب الـ90 في المائة من السكان في الأسواق الكبرى، محتلاً بذا المرتبة الأولى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية.

وعلى الصعيد الفرنسي، لا يزال ما بين 37 و38 مليون مستمع يومي يعتمدون على الإذاعة بأشكالها المختلفة، في حين تُبيّن بيانات هيئة «أركوم» الحكومية لعام 2025 أن أكثر من نصف الفرنسيين ممن تجاوزوا الخامسة والثلاثين لا يزالون أوفياء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البثّ الإذاعي الكبرى في بريطانيا أرقاماً قياسية بنهاية عام 2024، فلقد تجاوز خلالها معدل المستمعين الأسبوعيين 29 مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي.

من جانب آخر، رصدت مؤسسة «إس بي إم» الفرنسية للدراسات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع للإذاعات الرقمية عام 2025، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة انتقال؛ ذلك أن الناس لم يُقلعوا عن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي.

وفي السياق عينه، لعلّ نموذج إذاعة «نوفا» الفرنسية يُلخّص هذا التحوّل أبلغ تلخيص. فهذه المحطة التي ظلّت طويلاً إذاعةً تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جمهورها أربع مرات في غضون سنتين فقط، لتبلغ مطلع عام 2026 مليوناً و595 ألف مستمع يومي.

والسرّ هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بل في أشياء أبسط وأعمق هي: الهوية التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديداً لا سواه.

ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه

وبالفعل، تمتلك الإذاعة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل:

أولاها المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تقع أي فاجعة، تبقى الإذاعة الوسيلة الأسرع والأكثر مصداقيةً في إيصال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات.

وثانيتها اللحظة الجمعية؛ إذ تصنع الإذاعة وقتاً مشتركاً بين ملايين المستمعين في اللحظة ذاتها، وهي تجربة نادرة في بيئة رقمية تميل بطبيعتها إلى التفتيت والتخصيص المتطرّف.

وثالثتها الثقة؛ إذ تحتلّ الإذاعة المرتبة الأولى في ثقة المواطنين الأوروبيين بفارق معدله 18 نقطة مئوية عن أقرب منافسيها؛ إذ يثق بها قرابة 56 في المائة من الأوروبيين، وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية.

في هذا السياق، يرى إيف ديل فرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الصوت الذي ينبعث من المحطة يمتلك قدرةً فريدة على التوحيد في حين تتآكل وسائل الإعلام التقليدية، وتُفتّت المنصّات الرقمية انتباه الجماهير في تسلسلات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة».

أفق المستقبل

على صعيد موازٍ، تكشف الدراسات المتخصصة لعام 2025 عن أن الإذاعات و«البودكاست» والبثّ الرقمي لا يخوضون حرباً، بل يسيرون في مسارات متقاطعة تُفضي إلى ما بات يُعرف بـ«العلامة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بثّ، بل أصبحت كياناً صوتياً متكاملاً يبثّ مباشرةً وينتج «بودكاست» ويُنشئ أرشيفاً يُعاد استهلاكه.

ذلك أن الإذاعات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«البودكاست» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معاً من دون أن ينفي أحدهما الآخر.

بل إن الإذاعة التي ستبقى هي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست في التقنية التي تبثّ بها، بل في الصوت البشري الحيّ الذي تُقدّمه، وفي الثقة التي بنيت وتراكمت عبر أجيال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطاً لعصر لم تولد فيه.

90 % من سكان الأرض لا يزالون يستمعون إلى الإذاعات


هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
TT

هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟

جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)
جانب من حفل إطلاق تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 (موقع معهد رويترز لدراسات الصحافة)

أثار تقرير الإعلام الرقمي لعام 2026 تساؤلات بشأن إمكانية تغيير طريقة عمل المؤسسات الإعلامية استجابةً لتغير نمط استهلاك الجمهور للأخبار. وفي حين رأى خبراء أن «الفترة المقبلة ستشهد نمواً في الاعتماد على الفيديو في تقديم الأخبار»، فإنهم شددوا على أن «ذلك لا يعني التخلي عن الإعلام المكتوب».

حسب التقرير الذي أصدره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، الأسبوع الماضي، فإنه «للمرة الأولى على مدار 15 سنة من إعداد التقرير، يظهر اعتماد غالبية الجمهور على مشاهدة مقاطع الفيديو الإخبارية عبر الإنترنت في جميع الدول التي رصدها التقرير وعددها 48 دولة».

وأوضح أن «77 في المائة من الجمهور عالمياً يستهلكون الفيديوهات الإخبارية على الإنترنت أسبوعياً، ليتجاوز عدد من يشاهدون نشرات الأخبار التلفزيونية في نحو 45 دولة»، في حين تظل «ألمانيا والدنمارك وهولندا هي الدول الثلاث الوحيدة التي تتقدم فيها الأخبار التلفزيونية أو تتساوى مع مقاطع الفيديو على الإنترنت».

محمود غزيل، الصحافي اللبناني، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، صرح لـ«الشرق الأوسط» بأن «تبنّي إنتاج الفيديوهات أثَّر بشكل عميق ومتسارع في طريقة عمل الإعلام»، مشيراً في هذا الصدد إلى «صعود المنصات الإخبارية الجديدة في العالم العربي، حيث باتت الفيديوهات تشكِّل العصب الأساس للعمل الإعلامي، بينما النصوص المكتوبة لا يعوَّل على انتشارها بشكل واسع بين المستخدمين على منصات التواصل».

وأردف غزيل أن «نسبة الـ77 في المائة في تقرير معهد رويترز ليست مجرد إحصائية عابرة، بل دلالة على استهلاك الفيديوهات والمقاطع المصورة، تبين أن التحقيقات المطولة المكتوبة لم تعد تحظى بنفس التأثير على المستخدمين»، قبل ان يضيف: «ولمن ما زالت التحقيقات مهمة، إلا أن تأثيرها أقل بكثير من الفيديوهات».

غزيل تابع أيضاً أن «التأثير الأكبر لمثل هذا التغير في نمط الاستهلاك سيكون في عملية اكتشاف المواد وتوزيعها، بحيث أن الدخول إلى المواقع الإلكترونية المباشرة للمؤسسات لن يكون بنفس أهمية طريقة عرض وتقديم الفيديوهات على منصات التواصل، سواء كان ذلك عبر (تيك توك) أو الريلز أو (يوتيوب)». وفي رأيه «يتوجب على المؤسسات الإعلامية أن تتأقلم مع متطلبات المنصات والتحديثات المستمرة في خوارزمية الانتشار، مما يعني التركيز على إنتاج المحتوى الأصلي حسب كل منصة، وليس مجرد إعادة نشر نفس المادة المصورة لكل المنصات... وأن هذا يعني على سبيل المثال، التركيز على المادة الجاذبة والترجمة والنص على الشاشة للفيديوهات القصيرة، في حين يتم التركيز على المحتوى الطويل والمسهب بالشرح لمنصة (يوتيوب)».

وأكد الخبير اللبناني أنه «ينبغي على وسائل الإعلام الحديثة أن تتقرب من المقابلات الشخصية الأكثر دفئاً والتركيز على محتوى وراء الكواليس أو محتوى البث المباشر».

في المقابل، قال غزيل إن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني بالضرورة التخلي عن الطرق التقليدية في معالجة المحتوى؛ بل تطويرها وتأقلمها وتكاملها مع المتطلبات الحديثة... وبالتالي، فالنصوص والمواد المكتوبة تبقى أساسية، للعمق أو التوثيق وأرشفة المواد أو التحقيقات المعقدة؛ ولكنها لن تكون الطريقة الرئيسية للوصول إلى القراء والمتابعين». ولفت في هذا الصدد إلى «تجارب لمؤسسات عربية تكتب تقارير طويلة غنية بالمعلومات، ولكن تدعمها بفيديوهات قصيرة ممتعة تُنشر على المنصات». واختتم كلامه بتأكيد أنه «حال أصرت الوسيلة على الطريقة التقليدية فقط، من نص طويل أو تقرير إخباري مثل التلفزيون، ستواجه الوسيلة الإعلامية تآكلاً مستمراً في شريحة الجمهور المستهدف، أما من يستثمر في فيديو مع الحفاظ على الجودة الصحافية، فسيجد فرصاً جديدة للوصول والتأثير، خصوصاً بين الشباب».

من جهة ثانية، أشار تقرير «معهد رويترز» إلى أن «المؤسسات الإخبارية التقليدية تشهد تراجعاً في مشاهدة الفيديو على مواقعها وتطبيقاتها». وفي رأي الصحافي المصري معتز نادي، المتخصص في الإعلام الرقمي، فإن «تصاعد استهلاك الأخبار عبر الفيديو سيؤثر في طريقة عمل الإعلام تأثيراً عميقاً، لأن الفيديو أصبح بوابة رئيسة يصل منها الجمهور إلى الخبر، خصوصاً عبر المنصات الاجتماعية التي أصبحت المصدر الأكثر استخداماً للأخبار عالمياً بنسبة 54 في المائة».

وقال نادي لـ«الشرق الأوسط» إن «غرف الأخبار ستتوجه بكل جدية إلى التفكير بالصورة والصوت والإيقاع منذ بداية التغطية التي تقدمها لمتابعيها... وأن نشر خبر مكتوب فقط لم يعد كافياً، فالفيديو سيصبح هو بطل الحكاية لغرف الأخبار، والتحدي في طريقة تقديمه لجمهور المتابعين بشكل واضح وسريع يناسب إيقاع الخوارزميات وعالم الريلز».

أيضاً ذكر نادي أن الفترة المقبلة «ستشهد زيادة في أهمية الفيديو التفسيري القصير، والمراسل القادر على الشرح أمام الكاميرا، والبث المباشر، والرسوم البصرية التي تبسّط الملفات المعقدة، وأن ثمة تجارب لمنصات حديثة تدخل المشهد حالياً يُترك تقييمها للزمن والجمهور لقياس مدى نجاحها».

في الوقت نفسه أكد الصحافي المصري أن تغير نمط الاستهلاك «لا يعني التخلي عن الأشكال التقليدية». وأضاف: «المقال والتحقيق والتقرير التلفزيوني الطويل وغيرها ستظل ضرورية لتقديم السياق، والكشف عن التفاصيل، وتوثيق المعلومات... وبينما سيصبح الفيديو مدخل القصة، تبقى المادة الأصلية مرجعاً للفهم الأعمق، فالتوثيق المكتوب لا غنى عنه وسط فوران المحتوى الرقمي في (زحام) المنصات بما لها أو عليها». واختتم مشدداً على ضرورة «ألا تعمد المؤسسة الإعلامية إلى مطاردة الفيديو من أجل المشاهدات فقط، دون اهتمام بجودة المحتوى... إذ لا بد من تقديم محتوى مهني دون التذرع بحجة الجمهور ونوعياته الجديدة من (زد) و(ألفا). فالنجاح المهني هو تقديم فيديو سريع وجذاب، من دون اختزال الوقائع أو خلط الخبر بالرأي أو التضحية بالدقة من أجل الانتشار ودغدغة مشاعر المتابعين».


مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد