سيرجيو راميريز: الحب والموت والجنون والسلطة موضوعات خالدة في الأدب

الروائي النيكاراغوي الفائز بجائزة ثيرفانتس للآداب قال لـ«الشرق الأوسط» إنه فقد رغبة الانخراط في السياسة

سيرجيو راميريز
سيرجيو راميريز
TT

سيرجيو راميريز: الحب والموت والجنون والسلطة موضوعات خالدة في الأدب

سيرجيو راميريز
سيرجيو راميريز

من المفارقة أن يقول الكاتب النيكاراغوي الشهير سيرجيو راميريز إنه «فقد الرغبة في الانخراط في السياسة»، في الوقت نفسه التي تظل فيه السياسة واحدة من بواعث شغفه كروائي، بل لقد اشتهر على مستوى العالم بتخصيصه جزءاً كبيراً من أعماله الغزيرة لتناول مسألة السلطة ومن يمتلكونها وببراعة وبشكل تفصيلي من خلال شخصيات تشبه بوجه عام القادة التقليديين لأميركا اللاتينية.
وقد يصلح تاريخ راميريز أن يكون قالباً لشخصية من شخصيات رواياته، فقد كان في عام 1979 من الشخصيات الرئيسية المشاركة في ثورة الجبهة الساندينية للتحرير الوطني التي انتهت بإنتاج واحد من أسوأ الأنظمة الديكتاتورية الاستبدادية في تاريخ أميركا اللاتينية. وتم انتخابه في عام 1984 كنائب لرئيس البلاد، لكن بعد بضع سنوات ترك رفاقه، ومن بينهم دانييل أورتيغا، الذي شغل منصب رئيس نيكاراغوا لفترة طويلة، احتجاجاً على هوسهم بالسلطة. ولم يكن راميريز مخطئاً في النأي بنفسه، حيث تعد نيكاراغوا اليوم دولة يحكمها نظام استبدادي، ويعد هذا الكاتب واحداً من أهم وأبرز منتقدي هذا النظام.
وقد تم تكريم راميريز مؤخراً وهو في الخامسة والسبعين من العمر بمنحه جائزة «ثيرفانتس» للآداب، والتي تعادل في مكانتها جائزة نوبل ولكن في الأدب الإسباني، وذلك عن مجمل أعماله التي تزيد على إحدى عشرة رواية، ومجموعة متنوعة من القصص القصيرة، والمقالات، التي كتبها من أعماق روحه.
وتعد أحدث رواياته هذا العام، التي تحمل اسم «لا أحد يصرخ منادياً علي»، تحليلا لوضع السلطة في نيكاراغوا. تحدث راميريز من الاستوديو الخاص به في نيكاراغوا إلى صحيفة «الشرق الأوسط» في إطار حوار «أدخل على نفسه السعادة لأنه يقربه من الشرق الأوسط» كما قال.

> تم ترجمة بعض أعمالك إلى اللغة العربية، هل سنحت لك فرصة للتفاعل مع قراء العالم العربي؟
- للأسف لم يحدث هذا حقاً، فعلاقتي الأدبية بالشرق الأوسط محدودة من وجهة نظري، وأنا أرى حالياً أعمالا لي مترجمة إلى اللغة الفارسية دون علمي. إنه لعار علي لأنني معجب حقاً بهذه المنطقة من العالم ليس فقط بسبب تاريخها أو ناسها، بل بسبب معاناتها. لقد كنت قريباً جداً معنوياً من دول الشرق الأوسط، لكنني لم أسافر يوماً إلى المنطقة.
> هل استخدمت أية إحالات إلى الأدب العربي في أعمالك؟
- لقد قرأت لبعض الكتّاب؛ وهناك رواية أعجبتني للغاية من تأليف كاتب جزائري من منظور شقيق الضحية، وتم نشرها في فرنسا. إن تقنية توظيف الأدب داخل الأدب شيء يذهلني، حيث تروي شخصية في الرواية، وهو شقيق الجزائري القتيل، قصة شقيقه من منظورها. إنها رواية رائعة، وهي آخر عمل أتذكره من الأعمال التي قرأتها.
> إنك أول كاتب من نيكاراغوا يحصل على جائزة «ثيرفانتس». ما الانطباعات الأولى التي شعرت بها في لحظة الفوز؟
- عند معرفتي بفوزي بجائزة بهذه الأهمية مررت بلحظة نور، وبحالة من عدم التصديق، حيث أخذت أتساءل عما إذا كان هذا الأمر حقيقياً أم لا؛ وكان التساؤل الشهير الذي يخطر ببالي هو هل أنا أحلم أم لا، وهذا ما أسميه الشعور بالنور. لا أشعر بالحرج بسبب كبر سني، فأنا كاتب في الخامسة والسبعين من العمر، ومسيرتي المهنية ورائي. هل فوجئت حين منحوني جائزة؟ بالتأكيد فغير ذلك ادعاء. لم يفاجئني هذا فحسب، بل وضعني في حالة من الذهول وعدم التصديق.
> ما الذي تمثله لك هذه الجائزة ككاتب؟
- لقد كانت بمثابة حافز لي، لا نهاية الطريق كما قد تظنين. قد تعتقدين أن بحصولي على جائزة «ثيرفانتس» والعائد المالي سوف أتوقف عن الكتابة وأتمتع بالمال، لكن على العكس من ذلك أشعر بالدافع والرغبة في الاستمرار ومواصلة العمل. لطالما رأيت أن حياة الكاتب لن تنتهي أبداً إلا بموته، وأن المرء يستطيع الكتابة حتى آخر يوم في حياته إذا ظلت رأسه على كتفيه، وهذا ما آمل أن أظل أتمتع به. لذلك دائماً لدي مشروعات أدبية كثيرة. بمجرد مرور هذه العاصفة، التي أربكت إيقاع حياتي المعتاد، آمل أن أعود إلى الاستوديو الخاص بي، وأعمل كل صباح بكل انضباط ودأب كما كنت أفعل حتى أواصل الكتابة والإبداع.
> ما أهمية الجوائز الأدبية في رأيك؟
- أعتقد أن الجوائز تمثل حافزاً بالنسبة إلى الكاتب. أحب وجود الجوائز؛ فأنا أعتقد أنها مهمة بالنسبة للشباب بوجه خاص، لأن فوز كاتب شاب غير مشهور فجأة بجائزة أدبية يفتح أمامه الباب لدخول عالم الجمهور؛ وهذا هو أهم شيء لأنه لا توجد كتابة من دون وجود جمهور.
> تعد السلطة من الموضوعات الأساسية التي تظهر في أعمالك الأدبية، ما السبب وراء ذلك؟
- عندما تحدثت عن تلك الأمور مع غابرييل غارسيا ماركيز، قال لي إن هناك موضوعين أبديين في الأدب هما الحب والموت، وأنا أضيف إليهما الجنون والسلطة؛ لأنها أمور لا تفنى أو تختفي. تتغير الحضارات، وننتقل من عصر الصناعة إلى العصر الرقمي، ومن العصور الوسطى إلى أول كتاب يتم تأليفه في منطقة الرافدين، ومع ذلك الشغف نفسه لا يتغير. تحتوي السلطة في قلبها على الجنون، وهذا ما أقرأه في أعمال سوفوكليس وشكسبير، فجنون السلطة، والتوق إليها هو ما كان يسيطر على ليدي ماكبث، وهذا أيضاً واضح طوال تاريخ أميركا اللاتينية.
لا يزال التقليد الخاص بالقائد القوي هو أكثر أشكال السلطة زيفاً المتجذرة في الطبيعة الريفية لمجتمعاتنا. أشعر بشغف تجاه النظر إلى السلطة بوصفها تعبيراً عما نعايشه من شذوذ؛ فالسلطة بشكلها الحالي أمر غير طبيعي، والسلطة الطبيعية هي تلك التي ترتكز على مؤسسات قوية راسخة شفافة.
ندرك في أميركا اللاتينية أن العكس هو الصحيح؛ فأنا أرى ممارسة السلطة بشكل غير طبيعي، وهذا ما يثير اهتمامي للأسف بصفتي روائياً؛ فأنا كمواطن أشعر بالقلق، وكروائي أشهر بالذهول لأنه إذا لم يكن لهذا الشكل من السلطة وجود، لكننا اضطررنا إلى البحث عن موضوعات أخرى في كتاباتنا، فقد كنا سنصبح حينها دولاً مختلفة تماماً.
> لقد كنت أحد المشاركين الأساسيين في ثورة الجبهة الساندينية، ثم أصبحت نائب رئيس نيكاراغوا، هل تشعر أنك تحررت من السياسة، أو حكومة الرئيس دانييل أورتيغا؟
- لقد ابتعدت عن هذا الطريق الذي اتخذته الثورة بمجرد خسارتنا للسلطة عام 1990، بسبب الطريقة البدائية التي أرادوا اتباعها للعودة إلى السلطة مقوضين بذلك الديمقراطية التي صنعناها بأنفسنا، اقتنعت أنه ليست السياسة هي ما تحررت من أوهامها، فقد كان ينبغي أن تظل السياسة وظيفة نبيلة غير أساسية في جمهورية أفلاطون، لكن حالياً في القرن الواحد والعشرين لا توجد ثقة في السياسة، خاصة بين صفوف الشباب الذين لا يصدقون السياسيين، ويرون أنهم منفصلون تماماً عنهم. إنهم لا يريدون أن تكون لهم أي صلة بالسياسة. أرى أن هذا أمر فظيع ويؤثر سلباً على الديمقراطية لأنه يلغي إمكانية حدوث أي تغير من خلال الأجيال الجديدة وهو أمر ضروري في كل مناحي الحياة خاصة في مجال السياسة.
> إلى جانب كونك كاتبا عميقا، لقد كنت سعيد الحظ لمصادقتك شخصيات أدبية عظيمة في أميركا اللاتينية. ما الذي تعلمته منهم؟
- لقد كنت محظوظاً بقربي من آبائي الروحيين في مجال الأدب. يقول بعض الكتّاب الشباب إنني الجسر الذي يربط بين العظماء وبينهم، وأنا أحب القيام بهذا الدور. لقد كنت قريباً جداً من غابو (غابرييل غارسيا ماركيز)، وكارلوس فوينتس، وخوليو كورتاثر، وما زلت مقرباً جداً من ماريو فارغاس يوسا. لقد كان من حسن حظي أن أتعرف بهم، لكن الأهم من ذلك أن أقرأ لهم قبل معرفتي الشخصية بهم، وأعرف الكثير عن أسرارهم في عالم الأدب. الجدير بالذكر أنهم لا ينتمون إلى مدرسة أدبية واحدة، بل يستخدم كل واحد منهم آليات وأساليب متنوعة ومختلفة عن الآخر.
لقد تأثرت بالعمق الذي يوظف به كارلوس فوينتس تاريخ المكسيك في أعماله الأدبية، وبآليات السرد الخاصة بفارغاس يوسا، التي كانت جديدة ومبدعة تماماً بالنسبة لي، وبالجرأة الأدبية لخوليو كورتاثر، التي كانت تجعله يسخر من كل شيء، ويروج لعالم فوضوي في روايته «الحجلة»، التي كانت من أبرز الأعمال الأدبية بالنسبة لجيلي، وأخيرا بالعالم الرائع المختزل الذي يرسمه غابرييل ماركيز، الذي كان بالنسبة لي الأكثر إبهاراً مقارنة بهم جميعاً، وكان من المستحيل التأثر بغارسيا ماركيز دون تقليده ومحاكاته، فقد كان أسلوبه فريداً متميزاً.
> كيف كان شكل علاقة الصداقة بينك وبين غارسيا ماركيز؟
- لقد كانت علاقة مسلية فقد كنا نستطيع التحدث معاً عن أي موضوع. لقد كان يحفظ غابو كل الأغاني والقصص الشعبية في العالم، وكل قصائد روبين دارييو، عن ظهر قلب. لقد كان متابعاً للأدب، وقارئا نهما لا يكلّ ولا يمل.
> لديك إنتاج غزير مبهر من الأعمال الأدبية، فقد بدأت الكتابة وأنت في الرابعة عشرة من العمر. إذا أردت ترشيح كتاب من كتبك لقراءته فما هو ذلك الكتاب؟
- سوف أبدأ بترشيح رواية «العقاب الإلهي»، التي كتبتها عام 1988، إذ يمكنني القول إنها العمل الذي مثل بداية نضجي الأدبي لأنني في تلك اللحظة كنت أشعر أني قد أصبحت متمكنا من أدواتي؛ إنها تروي قصة قاتل متسلسل.
> ما العمل الذي تشعر بالندم لتأليفه؟
- أندم على الأعمال الأولى التي كتبتها، فقد كنت آنذاك كاتباً مرتبكاً، لكن سيكون ذلك مثل الندم على ولادتي وخروجي إلى الحياة؛ فالمرء ينضج ويخوض تجارب من خلال تلك الأعمال، لذا على العكس من ذلك ينبغي أن تكون تلك الأعمال هي المحببة إلى نفسي حقاً.
> ما مصدر إلهامك؟
- أجد الإلهام في العالم المحيط بي، وفيما أراه وأتذكره. أعتقد أن فترة الطفولة هي نبع الإلهام الأول بالنسبة للكاتب، حيث تكون الطفولة مفيدة حين تكون منسية، فتظهر بشكل آخر، ولا يعد من الممكن التمييز بين ما إذا كانت من وحي الخيال أم من الواقع. المنطقة الساحرة لا تكون واقعية. المناخ الاجتماعي والسياسي، الذي نشأت فيه، ساعدني على رؤية العالم، وأميركا اللاتينية واكتشفت فيه قدرتي على الملاحظة التي لولاها لما كان الأدب موجوداً. الفضول والاهتمام بالتفاصيل من الأمور الضرورية؛ فالأدب لا يتشكل من الأمور العامة بل من التفاصيل والأمور الخاصة؛ فكل ذلك يشكل العالم الموجود داخل عقل الكاتب.
> ما الذي تعكف على كتابته في الوقت الحالي؟
- لدي عدد من الخيارات المتعلقة بكتابة رواية، وربما أبدأ العمل على بلورة بعض أفكار القصص. لا أحب أن أترك القصة لأن تلك هي الطريقة التي تعلمت الكتابة بها؛ ففي البداية أردت أن أكون مجرد راوٍ، لكن من المؤكد أني سأنشر كتاباً جديداً.
> ما الكلمة الإسبانية المفضلة لك؟
- إنها كلمة مستخدمة فقط في نيكاراغوا وهي «كابانغا»، أي الحنين إلى الحب، فمثلا عندما يعاني رجل من هجر امرأة له، ويستسلم للحزن، يقال إن تلك الكلمة هي أدق وصف لحالته. إنها كلمة من أصل أفريقي، فقد بحثت في الأمر، لكنها تستخدم أيضاً للإشارة إلى الحنين إلى كل شيء. كذلك هناك كلمة أخرى أحبها، وهي كلمة «إنغريمو»، وهي تنتمي إلى اللغة الإسبانية في العصر الذهبي، وتعني الوحدة المطلقة أي أن عثور المرء على ذاته في العالم مرتبط بالبقاء وحيداً في العالم.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.