سونيا زنيتر تمارس الكتابة كرياضة قتالية

«فن الفقدان» الرواية الحاصلة على «غونكور» طلبة الثانويات

سونيا زنيتر
سونيا زنيتر
TT

سونيا زنيتر تمارس الكتابة كرياضة قتالية

سونيا زنيتر
سونيا زنيتر

ليست «فن الفقدان» الرواية الأولى التي تلفت نظر القارئ الفرنسي إلى قضية أبناء الحركيين وبناتهم. فمنذ صدور رواية «أبي هذا الحركي»، للصحافية الجزائرية الأصل دليلة كرشوش، ونحن نتابع سلسلة من الأفلام والشهادات والنصوص الأدبية التي تتوقف عند مأساة أولئك الآلاف من المجندين الجزائريين الذين قاتلوا، مرغمين أو عن قناعة، في صفوف الجيش الفرنسي في أثناء الحرب لطرد الاستعمار ضد جبهة التحرير الوطني. إن بلدهم يعتبرهم، حتى اليوم، خونة لا يستحقون العفو، رغم مرور أكثر من 40 عاماً على استقلال الجزائر عن فرنسا.
ومن المعروف أن الحركيين لقوا جزاء سنمار، فلا فرنسا كافأتهم على وقوفهم معها، وبذل دمائهم في سبيلها، ولا وطنهم الأم ترك لهم خط الرجعة؛ عاشوا منبوذين في معسكرات مقفلة، وكبر أبناؤهم فيها. واليوم، جاء دور الأحفاد الذين نالوا حصة طيبة من التعليم لكي ينبشوا الماضي القريب، ويطالبوا بحقهم في الاحترام والاعتبار، ما دام أنه لا ذنب لهم في مفارقات التاريخ.
صدرت «فن الفقدان» في الموسم الأدبي الأخير، ولقيت رواجاً طيباً بعد حصول مؤلفتها أليس زنيتر (31 عاماً) على جائزة «غونكور» التي يمنحها طلبة الثانويات. وقد كان مقدراً للكاتبة أن تبقى بعيدة عن هذه القضية، فوالدتها فرنسية ووالدها من أصل جزائري، وليس هناك ما يغريها بالخوض في أسرار العائلة، لولا أن عبارات طرقت سمعها بأن جدها كان حركياً. ماذا يعني ذلك؟ سألت أباها، فلم تجد لديه سوى القليل مما يروي فضولها. لقد وجدت نفسها تصطدم بجدار الهوية وهي في الثلاثين؛ السن التي يخرج فيها المرء من فورة الصبا، ويبدأ بطرح الأسئلة الساخنة ومواجهة ما يحيط به.
تبدأ الرواية بشرح حالة نعيمة، الشخصية الرئيسية التي تعاني منذ بضع سنوات نوعاً جديداً من المحنة. تلك التي تترافق بشكل منهجي مع الاستيقاظ بمزاج عكر بعد ليلة شراب؛ إنها لا تشبه صداعاً في الرأس، أو حلقاً مريراً، أو معدة ملتوية. فهي عندما تفتح عينيها، تتبادر إلى ذهنها - على الفور - فكرة أنها لن تفلح في ما تريد. فما الذي تريده نعيمة، الشابة صاحبة صالة العرض الفني المولودة في أسرة حركية؟ كانت ذاهبة لتسلم صوراً لأحد مغني الاستقلال، حين اكتشفت أنها لا تعرف شيئاً عن الجزائر، ولا عن أبيها الذي وصل طفلاً، إلى مرسيليا، عام 1962. بل وجدت أنها، بالتبعية، لا تعرف الكثير عن نفسها، ولا عن ماضيها الذي اختطفه جدها وأبوها، حين قررا إسدال ستار من النسيان على حقيقة ما جرى. كأن الجد كان يهرب من صور أولئك الريفيين من رفاقه وأقاربه الذين جرى ذبحهم غداة حرب التحرير، بينما نجا هو ووصل إلى الضفة الشمالية من البحر.
ليس في لغة الرواية ما يعيق المضي في المطالعة. ولعل بساطتها في التعبير عن العنف هي سر وصولها إلى عقول طلبة الثانويات الذين صوتوا لمنحها الجائزة ذات القيمة المعنوية العالية. وبتلك اللغة الواضحة، تحاول سونيا زنيتر، الروائية المخرجة الشابة، أن تحفر في التربة المتراكمة فوق من تسميهم «منسيي التاريخ»، دون أن تحاول إطلاق صفات البطولة أو الخيانة أو الوفاء أو الجحود عليهم. كما أنها لا تتبنى الوقوف مع أو ضد. لقد كانوا هناك في لحظة مفصلية متأججة، قرويين بسطاء أميين يكسبون قوتهم من المهنة الوحيدة المتاحة لهم: التجنيد في الجيش الفرنسي، ذلك الجيش الذي خدم فيه قادة جبهة التحرير الوطني قبل أن يسلكوا طريق المقاومة المسلحة. ولعل هذه الصورة الشائعة تبقى قاصرة حين يفكر المرء بأن الانتماء للوطن لا يتطلب ثقافة عليا. فأن تكون حراً على أرضك، غير خاضع لمستعمر غريب يسلبك إياها ويهينك ويتركك خادماً لديه، حاجة غريزية.
لا تتهيب سونيا زنيتر الكتابة عن القضايا الإنسانية التي ما زالت موضع تعتيم والتباس. وسبق لها أن رفعت الصوت ضد العنصرية في روايتها «حتى في أحضاننا»، الرواية التي ترجمت إلى الإنجليزية، وصدرت بعنوان «Take This Man». وكانت قد بدأت النشر منذ أن كانت في السادسة عشرة، مع روايتها الأولى «اثنان ناقصاً واحد يساوي صفراً». وبعد تخرجها بشهادة مرموقة في التعليم، أقامت سنوات في هنغاريا كمدرسّة للغة الفرنسية، وكتبت عن التقلبات المؤلمة التي عرفها شعب تلك البلاد، قبل الشيوعية وبعدها، في رواية عنوانها «أحد قاتم». وبعد عودتها، عملت مؤلفة مع فرق مسرحية، وقامت بالتدريس في جامعة السوربون، قبل أن تصدر «فن الفقدان»، روايتها الرابعة التي تشكل إضافة قوية لمسيرة كاتبة توصف بالملتزمة. صفة تستعاد في المشهد الروائي الفرنسي، بعد سنوات من التجريب والحداثة والتركيز على الأنا العاشقة أو المتأزمة، والانصراف عن الهموم العامة. ولعل ما يمنح هذه الرواية أصالتها وقوتها هو أنها مستمدة من سيرة شبه ذاتية للمؤلفة التي استجوبت أباها وأقرباءها، واستمعت إلى حكايات كثير من الحركيين الذين صورتهم في فيلم أيضاً. لقد حارب جدها في الحرب العالمية الثانية ضمن صفوف الجيش الفرنسي، وشارك في معركة «مونتي كاسينو» على الأرض الإيطالية، ونال وساماً لشجاعته، لكن ذلك لا يشفع له بقاءه في الجيش بعد أن تحررت فرنسا، وبدأت حرب تحرير الجزائر، وهو يشاهد بعينيه تعذيب الجنرالات لنساء القرى التي هو منها.
ليس من السهل المضي عميقاً في حوارات مع أناس يتملكهم الشعور بالخزي مما فعله آباءهم وأجدادهم. إن التبريرات تتراجع أمام الوقائع. لذلك يعتصم الجميع بالصمت لكي يتجنبوا الفضيحة. ولا بد أن الأمر كان شاقاً على كاتبة متخصصة في تدريس الأدب الفرنسي، قرأت عن عشرات المثقفين الفرنسيين الذين عارضوا سياسة بلدهم، ووقفوا مع حرية الجزائر، ثم تفتح عينيها على حقائق تعاون جدها مع جيش الاستعمار، ورفعه السلاح في وجه بني جلدته. إن سعي نعيمة، بطلة الرواية، لفهم السبب هو ذاته سعي سونيا، مؤلفة الكتاب الذي يتابع سيرة علي، الجد المتحدر من منطقة القبائل، ثم الابن حميد، وأخيراً الحفيدة نعيمة. ثلاث شخصيات عاشت كل منها عصراً مختلفاً وظروفاً متباينة، وتحمل نظرتها الخاصة للعالم. وثلاث مفارق تمر تحت عيني القارئ وهي تتلون بثقافة خليط من العربية والفرنسية، للرجل وللمرأة في كل منها موقعاً لا يشبه الآخر. ولأن الجد قد توفي، والأب لا يملك الكثير مما يساعدها به، فقد حاولت تقمص شخصية كل منهما والدخول إلى أعماقه. وكان الضوء الذي استهدت به عبارة لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، الذي وجد نفسه ذات يوم محاصراً بمجموعة من شباب الضواحي الذين اتهموه بأنه يصادر منهم الكلام، ويعبر في مقابلاته التلفزيونية بالنيابة عنهم؛ لقد كتب يقول: «إن علم الاجتماع هو من الرياضات القتالية». لهذا فإن الكتابة بالنسبة لسونيا زنيتر هي نوع من المصارعة أو الملاكمة في مواجهة الحقائق.
هل تبدو أليس زنيتر طوباوية متطرفة وهي تبشر، على امتداد 500 صفحة، بنبذ الكراهية، والتغاضي عن جراح الماضي؟ ألا تأتي روايتها وكأنها واحدة من المناهج التربوية المقررة في زمن فرنسي يسعى للتصالح مع خطايا الأمس؟ سؤالان ليسا أكثر من وجهة نظر حول قناعات كاتبة جزائرية الأصل، ولدت لأب مسلم وأم كاثوليكية، تركا لها حرية التصرف، واعتناق ما تشاء من قناعات. إنها لا تخفي ابتعادها عن الدين، وتقول في أحد حواراتها الصحافية إن عقيدتها في الحياة تتركز على مبدأ العدالة، وإن ما يمنحها الرغبة في النضال هو تلك المتوازيات التي تحيط بنا: غني وفقير، أسود وأبيض، رجل وامرأة، عربي وفرنسي، وهي متوازيات تدفعها إلى خندق اليسار، رغم إدراكها لحقيقة أن هذا الانتماء بات يبعث على السخرية. أما نعيمة، بطلتها وقرينتها، فإن خاتمة الرواية تنبئنا بأنها لم تصل إلى أي مكان في اللحظة التي قررت فيها المؤلفة إنهاء نصها الطويل؛ إنها تتحرك، وما زالت تتقدم.



ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)
جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)
TT

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)
جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

في الماضي القريب، كانت أدوار الشرّ حكراً على مجموعة محدَّدة من الممثلين اللبنانيين، من بينهم علي دياب وجوزيف نانو وميشال ثابت؛ إذ كان حضورهم في أيّ عمل كفيلاً بالإشارة إلى حضور الشرّ بأشكاله المختلفة، ممّا رسّخ صورتهم في ذاكرة الجمهور.

اليوم، تغيَّرت هذه المعادلة، ولم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

وفي هذا السياق، لفت الممثل ميشال حوراني الأنظار أخيراً من خلال تجسيده أدواراً شريرة، لا سيما في برنامج «عاطل عن الحرّية»، وفيه قدَّم شخصية «أنور» الذي يخطف امرأة لبنانية إلى بلد معادٍ لمدّة 23 عاماً.

وفي مسلسل «المحافظة 15» الرمضاني، عاد حوراني ليجسّد شخصية شريرة بأسلوب مختلف، قدَّمها بطبقات درامية متدرِّجة تقودها تصاعدياً نحو الشرّ، ممّا يدفع المشاهد إلى كرهها، وهي نتيجة يسعى إليها أي ممثل لإقناع الجمهور.

ويؤكد حوراني أنه لا يُحبّذ التصنيفات التي تحصر بعض الممثلين في أدوار الشر، موضحاً: «تقييد الممثل بشخصيات محدّدة يُضعفه ويقصّر عمره المهني، خصوصاً إذا كان يمتلك القدرة على أداء متنوِّع». ويضيف: «منذ بداياتي، حرصتُ على تنويع أدواري ورفضت تنميطها ضمن قالب واحد، فتنقّلتُ بين الرومانسي والثوري والشرير».

ميشال حوراني بدور مركّب في مسلسل «المحافظة 15» (بوستر الشخصية)

في «المحافظة 15»، يُجسّد حوراني شخصية «طلال»، زوج بطلة العمل كارين رزق الله، الذي يظهر في البداية رجلاً عاشقاً، قبل أن يكشف تدريجياً عن وجهه الآخر المليء بالحقد والرغبة في الانتقام. وعلى امتداد الحلقات، تتكشَّف طبقات الشخصية، ليتحوَّل من رجل حنون إلى شخصية مُظلمة تنسج المؤامرات.

ويشير إلى أنه يغوص في تفاصيل الشخصيات التي يؤدّيها، لافتاً إلى أنّ أدوار الشرّ تُشكّل تحدّياً خاصاً؛ لأنها غالباً ما تكون مُركّبة. ويقول: «عندما تأخذني الشخصية إلى مكان لا يُشبهني، أشعر بمتعة أكبر. اهتمامي بعلم النفس يساعدني على فهم دوافع الشخصيات، خصوصاً الشريرة».

ويرى حوراني أن على الممثّل تبنّي الشخصية من دون إصدار أحكام مُسبقة، حفاظاً على صدقيتها، مضيفاً: «أبني خلفية للشخصية وأبرّر تصرفاتها، ممّا يساعدني على التماهي معها».

ويصف شخصية «طلال» بأنها قريبة إلى قلبه بجميع تناقضاتها، مشيراً إلى أن حبّه لزوجته كان حقيقياً، لكن خيباته دفعته إلى الانتقام، مؤكداً: «أتعاطف مع كلّ شخصية أؤديها».

ويعترف بأن أدوار الشر سلاح ذو حدين؛ إذ قد تُثير ردود فعل سلبية، لكنه يعدُّ ذلك دليلاً على النجاح: «عندما يكرهني الناس، أدركُ أنني أقنعتهم».

ويتابع أنه تعمَّد تقديم الشخصية بشكل غير تقليدي، مركّزاً على أناقتها وجاذبيتها في البداية، قبل انحدارها نحو الشرّ، قائلاً: «لو بدا مؤذياً منذ البداية، لكانت الشخصية نمطية».

يرفض ميشال حوراني حصر الممثلين في أدوار نمطية (حسابه الشخصي)

وشكَّل «المحافظة 15» محطة جديدة في تعاونه مع كارين رزق الله ويورغو شلهوب، بعد نحو 10 سنوات على مسلسل «قلبي دقّ». ويقول: «شعرنا وكأننا افترقنا بالأمس، وهناك انسجام كبير ونضج فنّي انعكس على العمل».

وتدور أحداث المسلسل حول لبناني اختُطف وسُجِن نحو 30 عاماً، قبل أن يخرج بعد سقوط النظام، في قصة إنسانية مؤلمة. ويُعلّق حوراني: «هي حكاية تحمل جروحاً عميقة، والمشاركة فيها كانت تحية للمفقودين»، مضيفاً أنه يفضّل تناول هذه القضايا بعد مرور وقت كافٍ؛ لأنّ الدراما تحتاج إلى مسافة زمنية لقراءة أكثر نضجاً.

وختم بالتأكيد، بصفته مواطناً يعيش تداعيات الحرب في لبنان، أن ما يجري يؤلمه بشدة، قائلاً: «أنا من بلدة دير ميماس الجنوبية، ويوجعني ما يعانيه أهلي. على الفنان مسؤولية في التقريب بين الناس، لا تعميق الانقسام».


«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
TT

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث «غزة في القلب» الذي افتُتح، الخميس، في مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية، بحضور عدد كبير من الكُتَّاب والفنانين المصريِّين والعرب، خصوصاً من فلسطين.

الجدارية الأولى، وهي عبارة عن 30 متراً متصلة، تشغل مساحة حائطين بمركز الهناجر، أما الجدارية الثانية فتصل مساحتها إلى 16 متراً وتضم 8 قطع، طول كل قطعة متران، وفق الفنان عبد الرازق عكاشة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «الجدارية الصغيرة تعبِّر عن يوميات منفصلة، كل لوحة تحكي عن حدث أو حالة معينة. هناك مشهد لشاب وشابة يتزوجان، وفي النشرة التالية وجدتهما قد استُشهدا، وهي لوحة مؤثرة جداً؛ لذلك اخترتها لغلاف كتاب المعرض».

«جدارية غزة» تضمنت مشاهد إنسانية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «اللوحة الثانية مشهد لجنازة الشهيد التي تتكرَّر كل يوم، وفي هذه الجنازة هناك نور يخرج من داخل اللوحة، وهناك كثير من المشاهد التي تؤكد أنَّ غزة قضية إنسانية مهمة جداً في ضمير العالم اليوم».

أمام لوحة «على باب مستشفى المعمدان» وقف الروائي المصري الكبير إبراهيم عبد المجيد يتأمل العمل، وكتب معلقاً عليه: «هل تتذكر ما يوحي به اسم المعمدان، هو الملاك المُرسَل قبل المسيح ليمهِّد له الأرض، هو رمز الطهارة والنقاء، مهما نزل به من كوارث»، مضيفاً على صفحته بـ«فيسبوك»: «لوحة تجسِّد جلوس الحزانى، بألوان بين الأسود والأزرق والأحمر، والمزج بين الأزرق والأحمر في لون البنفسج، ونظرات الأعين الصغيرة البارزة وسط الظلام، مؤكدة الأمل».

الروائي إبراهيم عبد المجيد أمام لوحة «مستشفى المعمدان» (صفحته على «فيسبوك»)

وحول الدفقة الشعورية في الأعمال التي اتسمت بالتلقائية الشديدة والحرية والانطلاقة، يؤكد الفنان أنَّ هذه الأعمال جاءت متأثرة بشكل مباشر بالأحداث التي وقعت في غزة وتابعها بحزن شديد، موضحاً: «كنت أشاهد الأخبار المحزنة والمأساوية في غزة وأنا أرسم، ولا أستطيع منع دموعي من النزول على علب الألوان التي أعمل بها».

حالة من المشاعر المتدفقة التي ترصد مأساة غزة، وآثار الحرب، وقصص الناجين من هذه الحرب بطريقة فنية مفعمة بالشجن تُجسِّدها لوحات المعرض، التي تنتقل بين التفاصيل المختلفة للبيوت والوجوه، وحتى الصور الشخصية الخاصة بحياة البسطاء في غزة.

جانب من افتتاح المعرض (صفحة الفنان على «فيسبوك»)

ويلفت الفنان إلى أنَّ غزة بالنسبة له حالة إنسانية، مطالباً بتصحيح المفاهيم والخطاب الذي يُروِّجه البعض عن غزة بوصفها قضيةً لها علاقة بالدين، قائلاً: «أتعامل مع قضية غزة بوصفها قضيةً إنسانيةً، خصوصاً وأنا أوجِّه خطابي للغرب، فمنذ 1993 وأنا أعيش في فرنسا، وأكرس جزءاً كبيراً من أعمالي للتعبير عن القضية الفلسطينية».

جنازة الشهيد مشهد متكرِّر في غزة رصده الفنان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «غزة قطعة صغيرة من فلسطين العظيمة بما تمثله من عمق حضاري آشوري وكنعاني تشبه الحضارة المصرية العريقة بالضبط، ففلسطين أرض الحضارة ومهد للديانات، ولكنها أيضاً وطن للإنسانية. الحضور الإنساني في فلسطين هو الجانب الأهم الذي أحب التركيز عليه دوماً».

اللوحات حملت كثيراً من المعاني المُعبِّرة عن مأساة غزة (فيسبوك)

وأشار الفنان إلى ردود فعل كثيرة لمسها من زائرين أجانب من أميركا وفرنسا، وأفراد من البعثة الدبلوماسية اليابانية بمصر، عبَّروا له عن شعورهم بمعنى اللوحات، وما تمثله من تعبير عن مأساة مفجعة للإنسانية، مؤكداً أنَّ الفنَّ قادرٌ على توصيل المعنى والشعور الحقيقي لما حدث ويحدث في غزة، وما يعانيه أهلها من آلام وأوجاع، في مقابل ما تقدمه وسائل الإعلام بشكل غير حقيقي أحياناً.

وهنا يشير الفنان إلى إشكالية مهمة مفادها بأن «الفن ليس قوى ناعمة كما يقولون عنه، ولكنه قوى موازية قادرة على التعبير عن الواقع ورصده، مُحمَّلاً بالمشاعر والأحاسيس الصادقة».


مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
TT

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

أكّد المخرج السويسري مارسيل فايس أنّ فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج، عبر متابعة المعالجين والمرضى من مسافة آمنة، لكن صعوبة العثور على أشخاص مستعدّين للظهور في لحظات ضعف شديدة دفعته إلى إعادة صياغة الفكرة بالكامل.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ التحوّل الحقيقي جاء بالتوازي مع أزمة شخصية عميقة عاشها بعد وفاة شقيقه، حيث سيطر عليه خوف شديد من الموت وشعور مستمرّ بعدم الاستقرار النفسي، مؤكداً أنه بعد أكثر من 20 عاماً من العمل في الأفلام الوثائقية المليئة بمشاعر البوح، شعر أنّ الوقت حان ليضع نفسه في قلب التجربة.

يرصد فيلم «أفتح عقلي» رحلة شخصية عميقة يخوضها فايس بعد وفاة شقيقه، إذ يجد نفسه غارقاً في دائرة من الخوف والقلق، لا سيما الخوف من الموت، إلى جانب ضغوط متزايدة في حياته العائلية.

وتدفعه هذه الأزمة إلى البحث عن طرق غير تقليدية للعلاج، فيقرّر خوض تجربة العلاج باستخدام مواد مؤثّرة على الوعي في إطار علمي وروحي، ويوجّه الكاميرا نحو نفسه لتوثيق هذه الرحلة بكلّ ما تحمله من هشاشة وصدق.

مخرج الفيلم وبطله (الشركة المنتجة)

ويؤكد المخرج أنّ علاقته بفكرة الموت كانت في البداية قائمة على تصور قاسٍ ومجرَّد، وهو ما خلق لديه حالة من الهلع تكاد تشبه الاختناق، مشيراً إلى أنه أدرك لاحقاً أنّ هذا الخوف لم يكن نابعاً فقط من الفقد، بل من الصمت الذي أحاط بموضوع الموت داخل عائلته، حيث لم يكن يُناقش أو يُواجه بشكل مباشر.

وأوضح: «إحدى التجارب التي خضتها في مدينة بازل شكّلت لحظة مفصلية، إذ شعرت خلالها أنّ كلّ الحواس تتجمَّع في نقطة واحدة، في إحساس يُشبه ضوءاً أبيض كثيفاً. ورغم صعوبة وصفه بالكلمات، فإنه منحني شعوراً بالاكتمال والهدوء، وجعلني أنظر إلى الموت بصورة مختلفة».

وقال مارسيل فايس إن «العلاج باستخدام هذه المواد ليس تجربة سهلة أو خالية من المخاطر، إذ يتطلَّب تقييماً دقيقاً قبل الدخول فيه، خصوصاً فيما يتعلّق بالتاريخ النفسي للفرد، مثل وجود حالات ذهان أو فصام، سواء لدى الشخص نفسه أو في العائلة».

ولفت إلى أنّ «الخطّ الفاصل بين الشفاء والخطر يظلُّ هشاً للغاية، وهذه المواد لا تُقدّم حلولاً مباشرة، بل تفتح أبواباً، وما يُفتَح ليس دائماً مريحاً، فقد يكون مخيفاً ومربكاً»، مؤكداً أنّ العامل الحاسم يكمن في السياق، لجهة الإعداد المسبق، وطبيعة البيئة، والدعم المقدَّم، وما يحدث بعد التجربة من عملية استيعاب ودمج.

وأشار إلى أنّ شقيقه الراحل كان حاضراً في كلّ تفاصيل الفيلم، ليس فقط على شكل ذكرى، بل جزء من رؤيته للعالم، وفي مخاوفه وتساؤلاته، موضحاً أنّ هذه المواد كانت بالنسبة إليه مرتبطة بالفقد والدمار، خصوصاً بعد تجربته السابقة في تصوير فيلم عن إدمان شقيقه خلال دراستهما، وهو ما ترك أثراً عميقاً داخله.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح المخرج السويسري أنه واجه خلال رحلته لحظات شعر فيها بأنه قد يفقد السيطرة تماماً، خصوصاً خلال تجربة العلاج في الأمازون، إذ عَلِقَ في دائرة من الأفكار المتكرّرة التي لم يستطع الخروج منها، وهو ما بدأ بشكل عابر ثم تحوَّل إلى شعور بالتهديد والذعر، حتى راوده خوف حقيقي من ألا يعود كما كان، أو أن يفقد قدرته على رعاية أطفاله، لافتاً إلى أنّ التجربة الداخلية كانت شديدة القسوة.

وأكد أن استخدام الرسوم المتحرّكة في الفيلم جاء من الحاجة إلى التعبير عن حالات داخلية لا يمكن تصويرها بالكاميرا التقليدية، موضحاً أنه لم يكن يرغب في تصوير التجربة بشكل مباشر، بل في نقل الإحساس بها، ولذلك عمل مع فريق الرسوم على تحويل مشاعر مثل الخوف والقلق والتوتّر إلى أشكال بصرية محسوسة، بحيث يصبح ما هو غير مرئي قابلاً للإدراك.

وأشار إلى أن «الكاميرا كانت في بعض الأحيان عنصراً مزعجاً، خصوصاً في التجارب الأولى، حيث كنت أشعر بأنها تعوق اندماجي الكامل في التجربة، لكنها في مراحل لاحقة أصبحت أقل حضوراً، بل وأحياناً مصدراً للإحساس بالثبات».

وختم المخرج السويسري بالتأكيد أنه واجه تساؤلات أخلاقية عميقة خلال صناعة الفيلم، لا سيما بما يتعلق بحدود الكشف عن الحياة الشخصية، موضحاً أنه صوَّر كثيراً من المواد التي لم تُستخدم لاحقاً، مثل تلك المتعلّقة بأطفاله، في محاولة لإيجاد توازن بين الصدق والحماية.