مزوار لـ{الشرق الأوسط}: زيارة الملك لتونس متفق عليها مسبقا.. ولا نتعامل برد الفعل

وزير الخارجية المغربي أكد أن الرباط انخرطت في المبادرة التونسية بشأن ليبيا

صلاح الدين مزوار
صلاح الدين مزوار
TT

مزوار لـ{الشرق الأوسط}: زيارة الملك لتونس متفق عليها مسبقا.. ولا نتعامل برد الفعل

صلاح الدين مزوار
صلاح الدين مزوار

عدّ صلاح الدين مزوار، وزير خارجية المغرب، القول إن زيارة الملك محمد السادس لتونس هي رد فعل على تقارب جزائري - تونسي بأنه «يدخل في خانة الخرافات التي لا يصدقها أحد، ذلك أن الملك محمد السادس لا يتعامل من منطلق رد الفعل، بل يتعامل من منطلق التعامل مع دول صديقة، لنا معها علاقات قوية»، وقال إن زيارة الملك محمد السادس «جاءت بدعوة من رئيس الجمهورية التونسية محمد المنصف المرزوقي، وكانت مبرمجة، لذا لا يمكننا القول إنها تدخل في منطق رد الفعل، وكأن المغرب لا يعيش إلا لرد الفعل لما تقوم به هذه الجارة أو تلك، هذا ليس منطق المغرب، وليس المنطق الذي يتعامل به جلالة الملك».
وذكر مزوار، في حديث صحافي أدلى به لـ«الشرق الأوسط»، في ختام الزيارة الرسمية التي قام بها ملك المغرب قبل أيام لتونس، أن إبرام 22 اتفاقية تعاون في مختلف المجالات، تعد إشارة قوية لثقة الرباط في قدرة تونس ومؤسساتها على الاستمرار والتطور.
على صعيد آخر، قال مزوار إن الرباط انخرطت في المبادرة التونسية بشأن المصالحة في ليبيا «باتفاق مع إخواننا التونسيين، ودعمناها وقلنا إننا مستعدون للمساهمة إلى جانب إخواننا التونسيين في بلورتها وتطويرها»، مشيرا إلى أن هناك تنسيقا مشتركا، وأن المبادرة طرحت، وجرى الاتفاق على أن تكون تونس، بحكم قربها من ليبيا، الوعاء الذي سيسمح لهذه المقاربة بأن تتطور.
ورأى وزير خارجية المغرب أنه ما زالت هناك صعوبات «مرتبطة بالوضع الحالي في ليبيا، تتمثل في وجود حكومتين، وانعدام الاستقرار، وهو ما أدى إلى تأجيل لقاء وزراء خارجية الدول المغاربية في تونس (كان مقررا الأحد الماضي)، لكن الفكرة ما زالت قائمة».
وأشار مزوار إلى أن مسؤولية الدول المغاربية في مواكبة التحول الذي تعيشه ليبيا بتعقيداته وصعوباته يفرض عليها أن تعمل في اتجاه مشترك من أجل مواكبة تلك التحولات ودعمها.
وشدد مزوار على القول إن المغرب لا يتعامل في إطار ثقافة منافسة الآخر بل يعمل من منطلق التكامل والتعاون مع الآخر «خدمة لإخواننا في ليبيا وخدمة لاستقرار المنطقة برمتها». وفيما يلي نص الحوار.
* ما دلالة زيارة العاهل المغربي الملك محمد السادس لتونس، خاصة في هذه الظرفية التي يعيشها البلد، فهنالك عمليات إرهابية بتواز مع استمرار عملية الانتقال السياسي؟
- هذه الزيارة هي تأكيد على اهتمام جلالة الملك بالتحول الإيجابي الذي تعيشه تونس، وتهدف أيضا إلى تقديم الدعم المعنوي لها في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها، خاصة أنها في طور الخروج من المرحلة الانتقالية والدخول في المراحل الطبيعية. إن تونس اليوم تعيش تحولا إيجابيا، وتمضي قدما في بناء مؤسساتها القائمة على التوافق الذي وصلت إليه القوى الحية في البلاد. وأعتقد أن هذه الزيارة تأتي في سياق دعم هذا المسار، وتأتي أيضا لتؤكد على الاهتمام المستمر لجلالة الملك، والاهتمام المستمر للمغرب بهذا التحول الديمقراطي الإيجابي. إن هذه الزيارة تحمل في طياتها أيضا إشارات قوية تؤكد الدعم المغربي، وتتمثل في حضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن، في أول زيارة رسمية له خارج المغرب، وكذلك حضور الأمير مولاي رشيد، إلى جانب الوفد الرفيع المستوى الذي رافق جلالة الملك، سواء الوفد الوزاري أو وفد رجال الأعمال. فهذه كلها إشارات تؤكد على هذا البعد الداعم، وهذا الاهتمام.
* هنالك من يقول إن زيارة الملك محمد السادس لتونس هي رد فعل على تقارب جزائري - تونسي لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب، بماذا تردون على ذلك؟
- أعتقد أن القول بذلك يدخل في خانة الخرافات التي لا يصدقها أحد، ذلك أن جلالة الملك محمد السادس لا يتعامل من منطلق رد الفعل، بل يتعامل من منطلق التعامل مع دول صديقة، لنا معها علاقات قوية. دول يجب أن تلمس بأن الحضور والتفاعل والتعامل هو دائما حاضر ومستمر.
إن زيارة الملك محمد السادس جاءت بدعوة من رئيس الجمهورية التونسية، وكانت مبرمجة، لذا لا يمكننا القول إنها تدخل في منطق رد الفعل، وكأن المغرب لا يعيش إلا لرد الفعل إزاء ما تقوم به هذه الجارة أو تلك، هذا ليس منطق المغرب، وليس المنطق الذي يتعامل به جلالة الملك.
* من خلال الاتفاقيات الكثيرة والمهمة التي أبرمت تحت إشراف ملك المغرب والرئيس التونسي نلاحظ أن الرباط تريد إقامة شراكة غير مسبوقة مع تونس، لكن كما تعلمون البلد الآن يعيش مرحلة العبور من نهاية الانتقال إلى المرحلة الطبيعية. لكن ألا ترون أن المشهد السياسي في تونس لم يتبلور بعد حتى تكون الشراكة المرجوة قائمة على أسس صلبة خاصة أن البلد مقبل على الانتخابات، ألا ترون أن في ذلك مجازفة، وربما تأتي رياح الانتخابات التونسية بما لا تشتهيه سفن المغرب؟
- هذه إشارة إلى الثقة المغربية في المؤسسات التونسية، وفي قدرة الفاعلين السياسيين التونسيين على السير بالبلاد في الاتجاه الإيجابي. فتونس حسمت شيئا أساسيا هو خيارها القائم على ترسيخ الديمقراطية, وترجمة ذلك على مستوى الدستور، في إطار التوافق.
وفي إطار التوافق ذاته، جرى الاتفاق على آخر مرحلة انتقالية للدخول في المرحلة الطبيعية والعادية. فهذه مؤشرات بلد ودولة ناضجة، قادرة على أن تبني مستقبلها في إطار واضح ومستمر. ومن ثم فإن إبرام 22 اتفاقية تعاون في مختلف المجالات إشارة قوية لثقتنا في قدرة تونس ومؤسساتها على أن تستمر وتتطور في الاتجاه الذي اختاره الشعب التونسي، واختارته قواه الحية.
إن الاتفاقيات التي أبرمناها هي اتفاقيات تسير في اتجاه النموذج الذي نرغب ونطمح في بنائه، وإقامة شراكة جديدة متجددة تنظر إلى المستقبل، وتشكل ذلك النموذج الذي عبر عنه جلالة الملك في خطابه في المجلس التأسيسي (البرلمان)، والمرتبط برؤيته للاتحاد المغاربي الجديد.
* الملاحظ أن الملك محمد السادس وجه في خطابه الذي ألقاه في المجلس التأسيسي رسائل كثيرة إلى من يهمه الأمر بالنسبة لمستقبل اتحاد المغرب العربي، لماذا توجيه هذه الرسائل من تونس بالضبط؟
- أعتقد أن ثمة رمزية في إلقاء جلالة الملك محمد السادس لخطاب في المجلس التأسيسي يترجم نظرته ورؤيته للخروج من حالة العقم التي يعيش فيها الاتحاد المغاربي، وكيف يجب البناء بالنظر إلى الدينامية التي تعرفها المنطقة، وأهمية بناء الشراكات الذكية التي تسير في اتجاه منطق رابح - رابح، وتجاوز حالتي العقم والجمود، لأن العالم يتغير ويتطور، وبالتالي فإن مسألة الاندماج الإقليمي أصبحت من الأشياء الثابتة في النظام الاقتصادي العالمي الجديد وفي تنافسيته، هذا إلى جانب تحقيق مصلحة الشعوب، وأهمية الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات التي تحيط بنا.
هذه كلها أشياء تسير في اتجاه ضرورة الانخراط في ثقافة جديدة تتجاوز العقبات الفكرية والثقافية التي تعتقد بأن تعذر العمل في اتجاه مشترك سيقوي طرفا على حساب طرف آخر. نحن في منطقة تحتاج إلى بناء شراكات قوية، وبناء علاقات الثقة والتعاون لرفع التحديات، تحديات الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية. وهذه كلها تحديات تفرض علينا اليوم أن نرشد مسارنا بثقافة جديدة، ونبني اتحادنا المغاربي على أسس جديدة أيضا، وأن ننسلخ من ثقافة الماضي وعقده، وأن نكون كقادة وكمسؤولين في مستوى تحديات المرحلة وما تنتظره شعوبنا.
* في ظل تعذر تبلور مغرب عربي جديد، خاصة بعد الحراك العربي، إذ تعيش ليبيا حالة انفلات أمني، والجزائر تعيش انتظارية ما بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة. هل يمكننا الحديث عن رهان بشأن تقوية محور الرباط - تونس في ظل هذا السياق المغاربي المضطرب؟
- إن مقاربة جلالة الملك تقوم على أساس أن دينامية العلاقات الثنائية، بمفهومها الجديد وثقافتها الجديدة، يمكنها أن تسير في اتجاه دعم هذا التصور المرتبط ببناء الاتحاد المغاربي، وخلق نماذج في العلاقات الثنائية تساهم في بلورة الرؤية وتكاملها فيما يخص هذا البناء. بالطبع هناك تحدي أمن واستقرار ليبيا وبناء مؤسساتها، وهو مسؤولية مشتركة عبرنا عنها في الكثير من المناسبات، ذلك أن مسؤولية الدول المغاربية في مواكبة التحول الذي تعيشه ليبيا بتعقيداته وصعوباته، يفرض علينا أن نعمل في اتجاه مشترك من أجل مواكبة تلك التحولات ودعمها. نحن لا نتعامل في إطار ثقافة منافسة الآخر، بل نعمل من منطلق التكامل والتعاون مع الآخر، خدمة لإخواننا في ليبيا، وخدمة لاستقرار المنطقة برمتها، ولهذا أعتقد أن هذه الثقافة تبقى أساسية كفلسفة عمل وكتوجه لدى جلالة الملك والمغرب في تدبير قضايا من هذا المستوى، ومن هذا الحجم، خصوصا إذا كانت مرتبطة بالأمن والاستقرار، ومواجهة الإرهاب والعنف، ومرتبطة بتجارة البشر والأسلحة، وكذلك مرتبطة بضرورة مواكبة ودعم الحوارات الوطنية والاستقرار وبناء المؤسسات. فهذه هي ثقافة المغرب، وهذه هي المنظومة الثقافية التي يعمل في سياقها جلالة الملك.
* لقد أطلقت تونس أخيرا مبادرة للمصالحة الداخلية في ليبيا، هل من دور مغربي أو تنسيق مغربي - تونسي في هذا المجال؟
- هناك تنسيق مشترك، فهذه المبادرة طرحت، وجرى الاتفاق على أن تكون تونس، بحكم قربها من ليبيا، الوعاء الذي سيسمح لهذه المقاربة بأن تتطور. وأعتقد أنه ما زالت هناك صعوبات مرتبطة بالوضع الحالي في ليبيا، تتمثل في وجود حكومتين، وانعدام الاستقرار، وهو ما أدى إلى تأجيل لقاء وزراء خارجية الدول المغاربية في تونس. لكن الفكرة ما زالت قائمة. فباتفاق مع إخواننا في تونس انخرطنا في هذه المبادرة ودعمناها، وقلنا إننا مستعدون للمساهمة إلى جانبهم في بلورتها وتطويرها.
* الملاحظ أن معظم الدول العربية ودول العالم سحبت سفراءها من ليبيا، المغرب أبقى على سفيره هناك، ألا تخشون مما يخشاه الآخرون؟
- نحن ننطلق من مبدأ أساسي هو أن وجود بعثتنا الدبلوماسية في أحلك الظروف واستمرارها إشارة لالتزام المغرب تجاه الدول المعنية. وهذا يعني أيضا توجها ينطلق من قناعتنا بأنه من مسؤوليتنا الاستمرار في الحفاظ على البعثات مفتوحة لأن إغلاقها هو إشارة إلى انعدام الثقة في الدولة المعنية. فبقاء البعثات مفتوحة دليل على وجود ثقة في البلد إلى جانب كونها التزام وتضامن.
هناك مراحل عصيبة تمر بها بعض الدول، وحضور البعثات الدبلوماسية واستمرارها رغم المخاطر مؤشر على أن هناك حضورا للحفاظ على أن لا يستمر الانفلات، وهذه إشارات أساسية، وهذا خيار يقوم به المغرب. بالطبع نأخذ كل الاحتياطات الضرورية لحماية الدبلوماسيين المغاربة، والحفاظ على أمنهم خاصة وأنهم يواصلون تحمل مسؤولياتهم هناك عن قناعة.
* جرى أخيرا التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار بين المسلحين في شمال مالي وحكومة باماكو تحت إشراف الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي. كيف نظرتم إلى المبادرة الموريتانية، خاصة أن المغرب بدوره أجرى اتصالات وحاول التقريب بين الأفرقاء في مالي؟
- نحن نعد أن أي مبادرة تؤدي إلى نتيجة إيجابية، مبادرة جيدة. ومقاربة المغرب هي أن يبقى الحوار مفتوحا، وأن يظل هناك دائما خط للتواصل. فالحوار هو مبدأ أساسي نعمل من أجله ونساهم فيه بقوة في مالي، فالمغرب لا يتعامل مع قضايا من هذا النوع من منطلق دعم طرف وترك الآخر لتعقيد الأمور. ومبادرة جلالة الملك ساهمت بقوة في حل المشاكل بشمال مالي.
إن ما يقوم به المغرب من مبادرات كثير منها غير مرئي، وهي مبادرات تساهم حقا في الحفاظ على هذا الانفتاح، وإمكانية استمرار الحوار ما بين الأطراف، فهذا هو الخيار الذي يسير فيه المغرب. نحن لا نعمل في اتجاه تعقيد الأمور، بل نبحث دائما عن الوسائل لتسهيلها، وذلك في إطار احترام الوحدة الترابية للدول، واحترام مؤسساتها، وهذا هو المنطق الذي نعمل بمقتضاه.
لذا فإن ما يقوم به المغرب كثير، وكلما كانت هناك مبادرة يدعمها خاصة إذا كانت تسير في اتجاه المساهمة في حل المشاكل. إن المغرب لا يلعب وراء الستار لخلق المشاكل، بل يساهم دائما في الاتجاه الإيجابي، وإيجاد الحلول في إطار الحوار، لأنه حوار بين إخوان ينتمون إلى نفس البلد في إطار الوحدة الوطنية، لكن يجب مواكبتهم ومساعدتهم على أن يبقى خط التواصل مستمر.
ومعلوم، في هذا السياق، أنني قمت أخيرا بزيارة لمالي لإبلاغ رسالة من جلالة الملك محمد السادس إلى الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا، وحملت نفس المضمون أي أن لا تكون هناك قطيعة ما بين الأطراف تؤدي للرجوع إلى الوراء بالنسبة للدينامية الإيجابية التي تعيشها الشقيقة مالي، ويجب علينا دعمها بكل قوة لكي تستقر وتستمر لأن استقرار مالي هو مساهمة في استقرار المنطقة ككل.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.