«المرأة أولاً»... شعار القمة الثامنة لرواد الأعمال في الهند

إيفانكا ترمب ترأست الوفد الأميركي ونسبة مساهمة تاريخية للسيدات

مستشارة الرئيس الأميركي إيفانكا ترمب خلال كلمتها بالقمة الثامنة لرواد الأعمال في حيدر آباد الهندية (أ.ب)
مستشارة الرئيس الأميركي إيفانكا ترمب خلال كلمتها بالقمة الثامنة لرواد الأعمال في حيدر آباد الهندية (أ.ب)
TT

«المرأة أولاً»... شعار القمة الثامنة لرواد الأعمال في الهند

مستشارة الرئيس الأميركي إيفانكا ترمب خلال كلمتها بالقمة الثامنة لرواد الأعمال في حيدر آباد الهندية (أ.ب)
مستشارة الرئيس الأميركي إيفانكا ترمب خلال كلمتها بالقمة الثامنة لرواد الأعمال في حيدر آباد الهندية (أ.ب)

في حضور كوكبة من رائدات المال والأعمال الهنديات، اختتمت قمة رواد الأعمال العالمية فعالياتها التي عقدت الأسبوع الماضي في مدينة حيدر آباد الهندية.
كانت القمة الهندية الثامنة من قمم رواد الأعمال العالمية التي بدأت أول الأمر في العاصمة الأميركية واشنطن بعام 2010، وانطلقت في مختلف العواصم الكبرى في كل من أفريقيا والشرق الأقصى والشرق الأوسط، ثم في طريقها نحو جنوب آسيا، وأخيرا الهند للمرة الأولى. وتمكنت القمة من احتلال مكانة بارزة في عالم المال والأعمال منذ تركيزها الحصري على رائدات الأعمال من النساء.
وجمعت القمة رجال ورواد الأعمال، والمستثمرين، وأنصار النظام البيئي من 150 دولة من أجل التواصل، والتوجيه، والاستثمار في قمة رواد الأعمال العالمية.
وبلغت نسبة مساهمة النساء في القمة الثامنة نحو 53 في المائة، وهي أكبر نسبة مسجلة من مشاركة السيدات في القمة التي كانت معروفة بتحيزها الظاهر لرواد الأعمال من الرجال ونظرتها الرجعية تجاه السيدات وتنمية المرأة، ولم لا، وقد رفعت القمة الأخيرة شعارا مؤثرا يقول: «المرأة أولا، والرخاء للجميع».
وكانت كريمة الرئيس الأميركي، إيفانكا ترمب، من أبرز عوامل القوة وإضفاء البهجة على هذا التجمع العالمي من المبتكرين ورواد الأعمال، وهي تشغل حاليا منصب المستشارة الخاصة للرئيس الأميركي.
ولقد تنحت السيدة إيفانكا عن إدارة شركتها الخاصة في الولايات المتحدة منذ أن تولت مهام منصبها الجديد في البيت الأبيض. وتأتي أغلب منتجات علامتها التجارية الخاصة من مصانع متعددة في الصين، حيث تهيمن العاملات من السيدات على الصناعات ذات الأجور المنخفضة والمتدنية.
وكانت السيدة إيفانكا على رأس وفد بلادها في أعمال قمة رواد الأعمال العالمية السنوية الثامنة، وهي مبادرة من جانب الحكومتين الأميركية والهندية تهدف إلى تشجيع الاستثمارات الجديدة في كلا البلدين ومساعدة الأشخاص الموهوبين في الحصول على التمويل اللازم لمواصلة رحلتهم على طريق ريادة المال والأعمال.
واستمع المشاركون إلى كثير من قصص النجاح التي حققها الآخرون، إلى جانب المتحدثين الملهمين وذلك خلال فعاليات القمة التي استمرت لمدة ثلاثة أيام وكانت تركز بشكل أساسي على رائدات الأعمال من النساء.

الثلاث الكبار

إحداهن هي السيدة ريحان من منطقة قوبا بجمهورية أذربيجان، وكانت عند بلوغها سن الـ15 من أصغر رائدات الأعمال. ولقد أسست شركة تعمل على توليد الطاقة من مياه الأمطار. وكانت الفكرة الرئيسية لشركتها الناشئة تدور حول جمع مياه الأمطار في البلدان ذات الأمطار الغزيرة واستخدامها في توجيه وإنتاج الطاقة.
وفي الأثناء ذاتها، تعتبر السيدة دارا دوتز من هايتي إحدى رائدات الأعمال في مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد في البيئات المتقشفة، وهي تجمع بين خبرتها في أساليب التصميم ومعرفتها بالتقييم الإثنوغرافي المتسارع وذلك بهدف تمكين الآخرين من خلال التكنولوجيا.
وبعد عامين من الزلزال الذي ضرب هايتي، أدركت السيدة دارا التحديات الكبيرة في سلاسل التوريد في بلادها، وكانت متحفزة بشدة للبدء في العمل، وأنشأت الطباعة ثلاثية الأبعاد كوسيلة من وسائل تلبية الاحتياجات العاجلة.
وفي وقت لاحق، شاركت في تأسيس «فيلد ريدي»، وهي منظمة غير حكومية تركز على صناعة الإمدادات الإنسانية. ولقد جلبت الشركة الطابعات ثلاثية الأبعاد إلى البلاد وشرعت في تعليم السكان المحليين كيفية صناعة الإمدادات الطبية الضرورية، وقطع الغيار للعيادات، ولوازم أنابيب المياه، وغير ذلك في مختلف البلدان.
وأخيرا وليس آخرا، ومن بين النساء اللاتي ذكرتهن السيدة إيفانكا خلال القمة، كانت السيدة راجلاكسيمي من إقليم بنغالور الهندي، التي بدأت تجربتها الرائدة بعدما أدركت أن نجلها يعاني من مرض الصرع، ولم تكن هناك من وسيلة متاحة لاكتشاف المرض مبكرا قبل فوات الأوان.
وعلى الرغم من افتقارها للخبرة المبدئية في الهندسة، فإن هذه الأزمة حفزت الأم للعثور على حل وظهور فكرة القفازات الذكية التي قد تتنبأ مبكرا بعلامات مرض الصرع قبل تمكنه من المريض. وأطلقت على القفازات اسم (تي - جاي) على اسم نجلها (تيجاس)، وتعمل تلك القفازات على متابعة معدل ضربات القلب، وضغط الدم، ودرجة حرارة الجسم، ونشاط موجات المخ، لكي تبعث بإشارة مبكرة حول توقعات ميعاد النوبة المقبلة من الصرع.

تمكين رائدات الأعمال

قالت إيفانكا ترمب، في معرض حديثها عن تحفيز رائدات الأعمال: «عندما تعمل المرأة، فإنها تعمل على إيجاد الأثر المضاعف، وتؤدي إلى المزيد من إعادة الاستثمار في الأسرة والمجتمع».
وحتى مع تشجيعها لرائدات الأعمال في المحافل الدولية، كانت السيدة إيفانكا على استعداد للاعتراف بالتحديات الهائلة التي تواجه رائدات الأعمال على الصعيد الدولي. وقالت إنه على الرغم من ارتفاع أعداد السيدات من أصحاب المشروعات، فإنهن ما زلن يواجهن العقبات الكبيرة في إنشاء وتنمية الشركات، معربة عن الحاجة إلى التعامل مع التحديات التي تواجهها رائدات الأعمال والملقاة على عاتق كل أصحاب المصلحة في المجتمع، من الحكومة، والقادة، والمعاهد التعليمية، والنظام الإيكولوجي بأسره.
ولقد أثار رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في خطابه إلى القمة، القصص الملهمة لنساء من التاريخ والمناطق الريفية في البلاد، وقال: «لا تزال المرأة الهندية تقود المسيرة في مختلف مناحي الحياة في بلادنا».

صناع التغيير الاجتماعي المذهل

في حين أن العلاقات الهندية الأميركية كانت من أبرز ملامح قمة رواد الأعمال العالمية لعام 2017 في مدينة حيدر آباد، كان في قلب فعاليات القمة الآلاف من المبدعين والمبتكرين الذين يحاولون بناء المؤسسات التجارية مع قدر معتبر من الوعي الاجتماعي.
صممت ياميني لافانيان سيارة (أمبوباد)، وهي عبارة عن سيارة مصغرة للإسعاف يمكن سحبها بواسطة دراجة نارية، كما يمكن أيضا تحويلها إلى عيادة متحركة مصغرة، وكانت من المشروعات الناشئة التي لقيت ترحيبا كبيرا في القمة.
وتتسع سيارة (أمبوباد) لمريض واحد ومعالج واحد، وهي ملائمة للأحوال الجوية كافة، كما يمكن تشغيل جميع الأجهزة الطبية الملحقة بالسيارة عن طريق الطاقة الشمسية. وقالت السيدة لافانيان عن مشروعها: «لقد أصابنا الذهول من ردود الفعل الرائعة لمنتج شركتنا في القمة».
ونجح هاميش فينلايسون، ذو الـ13 عاما، وهو أصغر رائد للأعمال شهدته فعاليات القمة، في العثور على شريك لأجل تطبيق الواقع الافتراضي الذي يعمل على تصميمه. وكان الفتى الأسترالي قد عثر على شريك مع «ميلزو»، وهي من الشركات الإيطالية العاملة في مجال الواقع الافتراضي.
ويعاني الفتى الأسترالي فينلايسون من مرض التوحد، ولكنه نجح رغم ذلك في تطوير خمسة تطبيقات، بما في ذلك التطبيق المصمم لمساعدة المصابين بمرض طيف التوحد.
تعتبر المناديل الصحية القابلة للتحلل أكثر تكلفة من المنتجات العادية المتاحة في الأسواق. وقال تارون بوثرا، المؤسس المشارك لمناديل «ساتي»، التي يصنعها من ألياف الموز: «تظل المناديل الصحية العادية مستقرة في مدافن القمامة لأعوام طويلة لأن معظمها مصنوع من البلاستيك غير القابل للتحلل، في حين أن المنتج الجديد مصنوع من النفايات الزراعية القابلة للتحلل».

رواد الأعمال في الخارج

وجاء كثير من الحاضرين في القمة السنوية الثامنة من مختلف أنحاء العالم للتحدث عن أعمالهم ومشروعاتهم. حيث تدير سيها واريس، وهي إحدى رائدات الأعمال من باكستان، شركتها (رايز موم) الناشئة، التي تساعد النساء العاملات على التواصل المستمر مع أطفالهن عبر البث المرئي الحي. وأرادت السيدة واريس التعاون مع الشركات الناشئة الهندية نظرا لأن الثقافة المجتمعية في الهند مماثلة للثقافة نفسها في باكستان.
وهناك السيدة شيرين عويس المصرية، وهي الرئيسة التنفيذية لشركة ناشئة في مجال تنظيم الفعاليات تحت عنوان «ليد كيوب». وقالت إنها بدأت رحلتها في عالم المال والأعمال من مدينة الإسكندرية الساحلية مع كثير من الشركات الناشئة الأخرى هناك.
وتشعر السيدة شيرين بسرور بالغ للعثور على شركاء جدد لشركتها الناشئة فضلا عن التعرف على أحدث التقنيات في مجال تنظيم الفعاليات بحضورها قمة رواد الأعمال العالمية في الهند.
ولا توجد كلمات كافية لوصف العقبات التي تعترض طريق السيدة أفسانا رحيمي لممارسة الأعمال في أفغانستان. وتدير السيدة أفسانا شركة لإدارة وإنتاج المواد الإعلامية، وهي رئيسة غرفة التجارة والصناعة لسيدات أفغانستان. وقبل انطلاقها في عالم المال والأعمال، اكتسبت السيدة أفسانا المعرفة التجارية اللازمة أثناء عملها مديرة للتسويق في مجموعة «كيليد»، وهي من الشركات الإعلامية التي تتخذ من كابل مقرا لها.

السيدات المكرمات

وسنحت الفرصة كذلك للشركات للمشاركة في المنافسة الكبيرة وحصلت بعض منها على مكافآت معتبرة بلغت قيمتها الإجمالية نحو 400 ألف دولار.
ولقد حصلت السيدة أشيتا شاه من الهند على الجائزة الكبرى للابتكار العالمي في العلوم والتكنولوجيا لعام 2017 من خلال فعاليات القمة. وكانت شركتها الناشئة «فرونتير ماركتس»، تمنح السيدات الهنديات الأدوات اللازمة لتعليم المجتمعات فوائد ومنافع الطاقة الشمسية، ومبيعات منتجات الطاقة الشمسية.
وباعتبارها الفائزة الأولى، فسوف تحصل السيدة أشيتا على مبلغ 50 ألف دولار من أرصدة خدمات أمازون على الإنترنت، وحاسوب محمول من شركة ديل، وحق الالتحاق بالقمة الدورية لعام 2018 التابعة لمعهد أليس للتدريب، إلى جانب دورة توجيهية افتراضية حصرية مع أحد المديرين التنفيذيين من شركة أمازون.
كما حصلت موللي مورس، مؤسسة شركة «مانغو ماتيريالز» من الولايات المتحدة الأميركية على الجائزة الأولى من خدمات أمازون على الإنترنت. وتستخدم شركتها الناشئة غاز الميثان في تغذية البكتيريا التي تنتج مادة البوليمر الحيوية.



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.