مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر

الحركة الصهيونية تلاعبت بالسرديات التاريخية والأساطير الدينية

مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر
TT

مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر

مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر

وفق توني غرينستاين، فإن آخر كلمات المؤرخ اليهودي سيمون دبنو لرفاقه قبل إعدامه على أيدي النازيين في غيتو العاصمة اللاتيفية ريغا يوم الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 1941 كانت «اكتبوا وسجلّوا». ربما كان على الرجل أن يضيف لوصيته تلك قبل رحيله الحزين، «وقارنوا أيضاً».
لقد عملت الحركة الصهيونية العالمية باجتهاد بالغ على تجريم مقارنة سلوكيات الكيان العنصري في إسرائيل بممارسات النازية، وألقت بتهم جاهزة عن العداء للسامية على كل من يحاول أن يواجه إجرام سلطات الاحتلال الإسرائيلي أو المستوطنين، ونجحت في دفع حكومات 31 دولة للتوقيع على تفاهم يمنع المقيمين فيها من الإشارة إلى أي نقاط تشابه بين السياسات الإسرائيلية الحالية وسياسات دولة الرايخ الرابع. وقد لحقت بتلك الحكومات دول أخرى، مثل بريطانيا التي قررت تبني هذا التفاهم طوعيّاً دون اعتباره ملزماً قانونياً.
لكن المراقب المنصف لابد وسيُدفع حتماً إلى عقد مقارنات تكشف عن الطبيعة الإجرامية والعنصرية للحركة الصهيونية، التي من خلال تسويقها مرحلة الهولوكوست على يد النازيين الألمان (1941 - 1945)، بوصفها نموذج المذبحة الأبشع في تاريخ البشر، نجحت في احتكار تمثيل الهوية اليهودية عبر أصقاع العالم، بدلاً من صورتها الحقيقية كابنة مدللة للاستعمار الغربي تحولت إلى سلطة احتلال تقوم على أساس رجعي عنصري شديد التداخل مع المشاريع الإمبريالية العالمية، وتورطت في أعمال تطهير عرقي يندى لها الجبين ضد الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين. بل إن مصادر تاريخية متقاطعة تشير إلى تعاون فعلي أبعد من مجرد التحالف الموضوعي بين النازية والصهيونية منذ وقت مبكر، إذ منع الصهاينة سقوط نظام هتلر في بداياته الأولى من خلال توقيع اتفاقات تعاون تجاري، وكذلك بذل الجهد لمنع مقاطعة اقتصادية شاملة يقودها اليهود من التسبب بانهيار الاقتصاد الألماني، إذ كان ذلك سيؤدي في الوقت ذاته إلى تضاؤل ثروة اليهود الألمان الهائلة. كما ولا ينكر عاقل أن مأساة الهولوكوست تحديداً هي التي مكنت الحركة الصهيونية من إقامة دولتها على الأراضي الفلسطينية، وهي الحركة التي كانت قبل ذلك مجرد أقلية بين الشعب اليهودي - إذا جاز وصف اليهود بالشعب -.
لقد حاول يهود أوروبيون كثر الانخراط في منظومة العرق الأبيض المتفوق من خلال ادعاء الانتماء إلى مجموعة قيم مشتركة وثقافة واحدة لكن دون نجاح يذكر، وبحد أقصى كانوا يُستخدمون لخدمة تلك المنظومة في مرحلة سياسية معينة قبل أن يُلفظوا من جديد.
هذا الأمر دفع بالصهاينة إلى التشبيك مع المجتمعات الغربية من خلال التعاون العضوي في المصالح كوسيلة وحيدة للالتقاء داخل دائرة واحدة، ولذا فقد تحوّلت الصهيونية - التي هي نتاج عقل عنصري منحرف - إلى الارتباط بنزعات ثقافات الاستعلاء القومي والاستشراق التي سادت الغرب في مراحل هامة من القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي الثقافات التي بررت ونظَّرت ومررت كل مثالب العنصرية والانحياز الأعمى والاحتلالات العسكرية، كما تنفيذ أعمال القتل والقمع والطرد الممنهج. كان الغربيون وقتها يوظّفون أسطورة العرق الأبيض كأداة للتحكم بعواطف المواطنين وغضبهم، وتوجيهها نحو الآخر المختلف لإبقائهم بعيدين عن فهم أبعاد الهيمنة التي تمارسها الطبقات الحاكمة، وهو ما كان كارل ماركس قد حذّر منه في محاججاته في كتاب «المسألة اليهوديّة» حتى قبل عقد المؤتمر الصهيوني الأول. وبالفعل فإن الغرب العنصري استهدف اليهود تحديداً غير مرة في كل أوروبا من روسيا القيصرية إلى بريطانيا الفيكتورية بالقتل والعزل والتهجير، لكن حكماء الحركة الصهيونية أدركوا ذلك مبكراً، ولم يجدوا غضاضة مطلقاً في الالتحاق غير المشروط بالكولونيالية الرأسمالية الأوروبية - ولاحقاً بالإمبراطورية الأميركية - من خلال خدمة الدوائر الاستعمارية في تلك المجتمعات، ولو كان ذلك أحياناً على حساب مجموعات محددة من اليهود. فلم يتردد الصهيوني بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، في التعبير علناً عن استعداده للتضحية باليهود الأفراد إذا كان وجودهم يتسبب بالخطر للمشروع الصهيوني بالمجمل. كما تظهر الوثائق التاريخية أن العمل على تأسيس مشروع «هولوكوست» للضغط على يهود العالم، ودفعهم للمشاركة بالعمل الصهيوني بدأ مبكراً، بينما كان معظم اليهود الذين يُعتقد أنهم لقوا حتفهم في الهولوكوست فعلاً لا يزالون أحياء، ولم تكن الوكالة اليهودية لغايتها قد صرحت بما يفيد بحدوث انتهاكات جسيمة ضد اليهود في قلب أوروبا هتلر.
تلاعبت الصهيونية بالسرديات التاريخية والأساطير الدينية، وتاجرت بمعاناة اليهود في أوروبا، لتبني مشهداً يمكن فيه قيام دولة يهودية خالصة على الأرض التاريخية المزعومة في فلسطين يحقق حلم ثيودور هيرتزل في حل مسألة «العداء للسامية» للأبد، ولو جاء ذلك على حساب التغاضي عن سقوط ملايين اليهود ضحايا. وقد أُعيد توظيف حكايات المعازل اليهوديّة (الغيتوهات) والهولوكوست محض الأوروبيّة لتبرير الاستمرار اليومي لدولة غزاة مستوطنين، ذات نفس عنصري بغيض قائم على أساس العسكرة، ولعب دور القاعدة المتقدمة للمصالح الغربية في قلب الشرق، ودائماً على حساب سكان البلاد الأصليين. لا تزال الدولة العبرية إلى اليوم توظف المشهدية ذاتها التي تحتكر دور الضحية لاستقطاب يهود أوروبيين وأميركيين للبلاد، ولاستمرار ضمان تفوق عسكري نوعي حاسم عبر منطقة الشرق الأوسط، وكذلك تبرير جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب الآخرين.
ومع ذلك فإن يهوداً قلائل وجدوا، ومنذ البدايات الأولى للمشروع الصهيوني، تناقضات ومفارقات بين الأدوار السياسية الفعلية للحركة الصهيونيّة - ولاحقاً دولتها في فلسطين المحتلة - والغايات المعلنة التي تدّعي تحقيقها لضمان حماية الشعب اليهودي من الاضطهاد. مثلاً في نوفمبر (تشرين الثاني) 1948 وبعد أسابيع من إعلان قيام الدولة العبرية تسلم إيعازر بيري رئيس تحرير جريدة «عل - همشمار» اليسارية رسالة من بيني موريس كشف فيها عن مجزرة مروعة ارتكبها الإسرائيليون بحق عرب الدوايمة، وكتب عن ذلك أهارون كايسلنغ أول وزير للزراعة في إسرائيل يقول: «لم أستطع النوم طوال الليل. إن هذه المذابح تشكّل شخصية دولتنا الجديدة. اليهود بدورهم قادرون على ارتكاب جرائم نازية فظيعة». كما وصف ضابط كبير من ميليشيات «الهاغانا» مذبحة قرية الصفصاف التي قتل فيها ما يقارب السبعين من سكانها بدم بارد، رغم أنهم استسلموا ورفعوا الراية البيضاء. فكتب يقول عن رفاقه «يا إلهي أين تعلم هؤلاء القدرة على تنفيذ كل ذلك القتل البشع كما كان يفعل النازيّون؟». ومن المعروف الآن أن 750 ألفاً من يهود أوروبا الذين نجوا من الهولوكوست، وهاجروا إلى إسرائيل، حُرموا من الحصول على أي تعويضات في الوقت الذي كانت مليارات الدولارات تتساقط على إسرائيل من كل مكان - بما فيها ألمانيا نفسها - كتعويضات. وحتى في أوقاتنا الراهنة، فعندما حوكم جندي إسرائيلي لقتله عام 2016 وبدم بارد فلسطينياً مصاباً خرجت مظاهرات حاشدة للدفاع عن القاتل، وأعرب 57 في المائة من الإسرائيليين عن تأييد ما قام به، بينما عارضه 20 في المائة فقط. اللافت أن الهتافات واللافتات التي حملها الإسرائيليون وقتها كانت تقول بـ«الموت للعرب»، تماماً على نسق الصرخة النازية «الموت لليهود».
استمر الصهاينة المتطرفون في السيطرة على مفاصل الدولة العبرية منذ التأسيس، ولم يسمحوا لأي من هذي الأصوات المغردة خارج السرب بالتحول إلى تيار عام، وانتهى جميعهم إلى التخوين والعزل. وتحوّل الصهاينة منذ العام 1956 عن أولوية خدمة المصالح الاستعمارية الأوروبية في الشرق إلى الانخراط الكلّي في المشروع الإمبراطوري الأميركي دون كبير التفات لمصالح اليهود الفعلية خارج الكيان العبري، أو حتى مجرد التفكير في خطورة الاستمرار بقمع الفلسطينيين ومعاداة الإطار العربي لمستقبل الأجيال اليهودية القادمة، ناهيك عن النظرة الفوقية لليهود الغربيين (الإشكناز) تجاه يهود الشرق (السفارديم)، وتبني المؤسسة الإسرائيلية لهوية بيضاء عنصرية تجاه كل الآخرين، بما فيهم يهودها ذوو الأصول العربية.
استمر الصهاينة دهراً في سياساتهم هذي حصل خلالها اليهود عموماً، والإسرائيليون منهم تحديداً على فرص وصدمات تاريخية عدة، كان أي منها كافياً لدفع عقلاء اليهود لإعادة النظر في خطف الصهيونية للدين اليهودي، ومراجعة اصطفافاتها الدائمة مع القوى الإمبرياليّة الغربية، لا سيما في وجه الصعود الثاني للموجة الفاشية الأخيرة على جانبي الأطلسي. فمن مذابح 1948 وتهجير الفلسطينيين من بلادهم إلى احتلال القدس وأراضٍ عربية أخرى عام 1967، ومن اجتياح لبنان عام 1982 إلى سياسات إسرائيل القمعية اليومية بحق السكان المحليين في الأراضي العربية المحتلة. وتأتي موضوعة الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل ونقل مقر سفارتها إلى هناك بدلاً من تل أبيب، لتصبح ربما آخر الصدمات الحاسمة للعقل اليهودي المعاصر، الذي بات وبشكل متزايد تحت ضغط مفارقة أن يحسم أمره فيما إذا كان يريد إبقاء يهوديته (وقضيته المزعومة) في خدمة قوى الإمبريالية العالمية من خلال التسليم التام لهيمنة النخبة الصهيونية الحاكمة في البلاد، أو يتخذ قراراً بالاستغناء عن الأداة السياسية لمصلحة هوية دينية لا قومية تسمح ليهود العالم، بما فيهم يهود إسرائيل تحديداً، بممارسة دينهم وتقاليدهم الثقافية، وتمنحهم فرصة الانخراط في المجتمعات الحديثة على نسق ما سماه إسحق دويتشر بـ«اليهودي اللايهودي» دون معاداة قطاعات عديدة من مواطنيهم وجيرانهم، وبالتأكيد ليس على حساب الفلسطينيين، خصوصاً وأن طبيعة المجتمعات المعاصرة تغيّرت بشكل كبير خلال المائة سنة الأخيرة منذ إطلاق المشروع العبري في الشرق العربي تحت رعاية المستعمرين، وأن ثياب الديمقراطية والليبرالية المزيفة قد سقطت عن السلطات الإسرائيلية إلى الأبد.
ربما تكون القدس فرصتهم الأخيرة.



كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
TT

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)

أثار تطبيق مواعيد «الإغلاق المبكر» على التصوير الليلي موجة انتقادات من صُنّاع الأفلام، في حين رحّب سينمائيون بقرار رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مدّ مواعيد إغلاق المحال التجارية ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً بدلاً من التاسعة. وفق قرار سابق بدأ تطبيقه في 28 مارس (آذار) الماضي.

وكان قرار «الإغلاق المبكر» قد تسبب في تعطّل تصوير كثير من الأعمال، في وقت تتسابق فيه شركات الإنتاج لحجز أماكن عرض ضمن موسمي عيد الأضحى والصيف، إضافة إلى مسلسلات «الأوف سيزون» للدراما التلفزيونية.

وأصدرت الحكومة المصرية، الخميس، قراراً جديداً بمدّ مواعيد عمل المحال التجارية والمطاعم ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً، وذلك حتى يوم 27 أبريل (نيسان) الحالي، تزامناً مع الاحتفال بعيد القيامة المجيد، وفي إطار التيسير على المواطنين خلال فترة الأعياد. وأوضح رئيس الوزراء أن القرار يتماشى مع التطورات الأخيرة في «حرب إيران» والمفاوضات التي أسهمت في انخفاض نسبي في أسعار الوقود عالمياً.

ورأى سينمائيون أن قرار مدّ مواعيد فتح دور السينما حتى 11 مساءً يتيح إقامة عرض الساعة 9 مساءً، الذي يشهد إقبالاً جماهيرياً لافتاً، مؤكدين أن المنتجين تكبدوا خسائر بسبب قرارات الإغلاق خلال الأسبوعين الماضيين. وسارعت دور العرض إلى الإعلان عن تعديل مواعيد عروضها وإضافة عرض التاسعة مساءً.

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وأثار تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير الليلي جدلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كتب المخرج أمير رمسيس عبر حسابه على «فيسبوك»، مندداً بمنع التصوير السينمائي بعد الساعة 9 مساءً، ومطالباً المؤلفين بعدم كتابة مشاهد ليلية. ولفت إلى أنه حتى مع تدخل الدولة لتنظيم عدد ساعات العمل، فإن استهلاك الكهرباء يظل واحداً، لاعتماده على مولدات كهربائية خاصة بالتصوير، متسائلاً: «بأي منطق يُلغى التصوير الليلي من الدراما والسينما؟».

وقال رمسيس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «قرار تأجيل موعد الإغلاق حتى 11 مساءً، ومنح ساعتين إضافيتين، لا يمثل حلاً فعلياً لمشكلة التصوير، لأن المشاهد الليلية تمتد لساعات حتى الفجر. فهل يُعقل أن أُصوّر مشهداً واحداً يومياً داخل الاستوديو؟ هذا يضاعف التكاليف والخسائر».

وطالب رمسيس باستثناء تصوير المسلسلات والأفلام من مواعيد الإغلاق، مؤكداً أن منع التصوير ليلاً ستكون له تداعيات سلبية على صناعة السينما، وقد يؤدي إلى توقف مشروعات عدة، وعدم خروج بعض الأفلام إلى النور خلال هذه الفترة.

وكان مسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، قد أصدر بيانين، الخميس؛ أعلن في الأول أن منع التصوير بعد التاسعة مساءً، وغلق دور العرض، لهما آثار كارثية على اقتصاديات السينما والفن في مصر، مناشداً رئيس الوزراء استثناء القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الدراما والاستوديوهات ودور العرض. وفي البيان الثاني، وجّه رسالة شكر لرئيس مجلس الوزراء على قرارات مدّ العمل والتصوير وعروض الأفلام حتى 11 مساءً.

ويرى المخرج سعد هنداوي أن «تحديد موعد لإنهاء التصوير يمثل صعوبة كبيرة للسينما عموماً، نظراً لوجود برنامج عمل يومي يجب تنفيذه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ظروف عالمية مرتبطة بالحرب وتأثيراتها، لكن يجب التعامل معها بتوازن»، مطالباً بفتح نقاش مع رئاسة الوزراء لاستثناء التصوير السينمائي والأعمال التلفزيونية، إضافة إلى دور العرض والمسارح، من مواعيد الإغلاق، نظراً لارتباطها بصناعة كبيرة ومصدر دخل لآلاف العاملين.

تسبب الإغلاق المبكر في خفوت الحركة وإظلام شوارع القاهرة (رويترز)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله أن «صناعة السينما تضررت كثيراً خلال الأسبوعين الماضيين مع تطبيق قرار الإغلاق المبكر في دور العرض»، مشيرة إلى أن «إتاحة عرض التاسعة مساءً خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى استكمال بعودة كافة العروض». وشددت على أن تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير السينمائي «أمر معطّل ومؤذٍ، يسبب خسائر يصعب تعويضها في صناعة تعاني بالفعل»، كما يؤثر على حجم الضرائب التي تتحصل عليها الدولة من صناعة الأفلام، ويخلّف آثاراً سلبية تفوق وفورات الطاقة المتوقعة.

ورحّب هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، بقرار مدّ العروض السينمائية حتى 11 مساءً، عاداً إياه انفراجة نسبية مع عودة عرض التاسعة مساءً، الذي يُعوَّل عليه كثيراً في إيرادات الأفلام. وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الأفلام التي كانت تحقق نحو 8 ملايين جنيه يومياً قبل الإغلاق (الدولار يعادل نحو 53 جنيهاً مصرياً)، مثل فيلم (برشامة)، تراجعت إيراداتها إلى نحو مليونين يومياً، لكن مع عودة عرض التاسعة يمكن أن تصل إلى 5 ملايين يومياً، ما يزيد من حصيلة الضرائب». وأكد أن «الحكومة تبدي تفهماً عند توضيح أبعاد الأزمة وتقديم مطالب منطقية في ظل الظروف العالمية الراهنة».

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وكانت غرفة صناعة السينما قد وضعت تصوراً لحل مشكلة العروض السينمائية، يقوم على إلغاء الحفلات الصباحية ضعيفة الإقبال، التي تتحمل دور العرض تكلفتها دون عائد كافٍ، واقترحت أن يبدأ التشغيل من الساعة 4 عصراً حتى 12 ليلاً. وقال عبد الخالق: «أرسلنا خطاباً بذلك إلى رئيس الوزراء ووزيرة الثقافة مدعماً بالأرقام، وقد وعد الدكتور مصطفى مدبولي بدرس المقترح، وهو أمر مُرضٍ بالنسبة لنا. كما نعتزم لقاء وزيرة الثقافة لعرض رؤيتنا ومطالبنا، أملاً في استثناء التصوير الليلي من مواعيد الإغلاق، حتى لا تتعطل الأعمال وتتراجع الصناعة».


حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
TT

حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)

جدّدت تصريحات المطرب المصري حمادة هلال الجدل حول توجّه بعض مؤدي المهرجانات والمطربين الشعبيين إلى التوصية بحذف أغنياتهم من المنصات الغنائية بعد رحيلهم، انطلاقاً من اعتقادهم بأن «الغناء حرام»، وأن حذفها يُعد نوعاً من التوبة وتصحيح المسار.

وقال هلال، في حديث لبرنامج «ميرور» على «يوتيوب»، إنه فكّر في الاعتزال سابقاً بعد مروره بضغوط نفسية وظروف صعبة، إثر تكبّده خسائر مادية في مشروعات خارج الوسط الفني، ما دفعه إلى إعادة التفكير في استمراره، غير أنه انتهى إلى أن العمل في هذا المجال هو الأنسب له والأقرب إلى طبيعته.

وفي الوقت نفسه، تطرَّق هلال إلى ظاهرة توصية بعض المطربين بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، مؤكداً أنه لن يفكر في حذف أعماله، مشيراً إلى أن هذه الأغنيات أصبحت ملكاً للجمهور ومرتبطة بذكرياته، ولا يرغب في حذف أي منها، فضلاً عن أنه لا يملك حقوقها بالكامل ليصدر قراراً بمنعها من الأساس.

وكان عدد من المطربين قد أعلنوا توصيتهم بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، استناداً إلى وصف بعضهم «الغناء بالحرام». وتصاعد الجدل حول هذه القضية عقب وفاة المطرب الشعبي ومؤدي المهرجانات أحمد عامر عام 2025، وإعلان حمو بيكا وآخرين حذف أغنياته، مع مناشدة شركات الإنتاج بذلك. وردّ بعض الجمهور على تصريحات بيكا آنذاك متسائلين: إذا كان يرى أن «الغناء حرام»، فلماذا لا يعتزل؟

الفنان حمادة هلال (فيسبوك)

ويرى الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «المطربين الذين يُحرِّمون الغناء بعد أن حققوا منه ثروات هائلة يفتقرون إلى الوعي والثقافة، ولا يدركون أهمية الفن»، مضيفاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الجدل المتكرر يعكس حالة من التذبذب وغياب الإيمان برسالة الفن، مقابل السعي إلى تحقيق المكاسب المادية».

وأشار السماحي إلى أن هذه الظاهرة أكثر انتشاراً بين مطربي «الراب» ومؤدي المهرجانات، ورأى أن هذا التفكير يعيدنا إلى عصور التراجع الحضاري، والثقافي، والفكري، داعياً من يرون الفن حراماً إلى التبرع بما كسبوه منه لأعمال الخير.

كما لفت إلى أن الفتاوى الدينية لم تُحرِّم الفن بشكل مطلق، مشيراً إلى كتاب صدر عام 1980 عن مفتي مصر آنذاك، تضمّن فتاوى تؤكد أن الموسيقى التي تُهذِّب النفس وترتقى بالوجدان ليست محرّمة، في حين يرى بعض العلماء أن المحرَّم هو الفن الذي يلهي عن العبادة. وأوضح أن «من لا يفهم رسالة الفن ودوره في تهذيب النفس وإمتاعها ويسعى إلى الربح فقط، عليه أن يبتعد عنه».

وكان المطرب المصري تامر حسني من بين من أثاروا هذا الجدل، ليس من خلال توصية بحذف أغنياته، وإنما عبر تصريحات سابقة أعرب فيها عن أمله في ألا يموت وهو مطرب. وقد لاقت هذه التصريحات تعاطفاً من بعض الجمهور، في حين رأى آخرون أنها تعكس «ازدواجية»، معتبرين أن من يرى الفن حراماً لا ينبغي أن يمارسه.

من جانبه، أيَّد الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد موقف حمادة هلال الرافض لحذف أغنياته، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن العمل الفني، بمجرد طرحه، يصبح ملكاً للجمهور، وهو أمر طبيعي.

وأضاف: «إن مسألة حذف الأغنيات بعد الوفاة ظهرت بشكل خاص بين المطربين الشعبيين ومؤدي المهرجانات، وفي رأيي أن الأولى بمن يرى هذا الفن مسيئاً له أن يمتنع عن تقديمه من الأساس».

وقد قدّم حمادة هلال كثيراً من الألبومات والأغنيات التي تتميَّز بخفة الظل والطابع الشبابي القريب من الشعبي، من بينها «دموع»، و«دار الزمان»، و«بخاف»، و«بحبك آخر حاجة»، و«ما تقولهاش»، كما شارك في أعمال سينمائية ودرامية، منها فيلم «عيال حبِّيبة» ومسلسل «المداح».


«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
TT

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«لديَّ اعتقادٌ شخصي بأنني عشتُ في عصر الملك أخناتون طالبَ فن، وكنتُ أعمل على رسم الجداريات في مقابر بني حسن، وحين انقلب كهنة آمون على أخناتون هربتُ من تل العمارنة وتوجَّهتُ إلى مقابر بني حسن، وأديتُ صلاة الخوف، لأجد نفسي في نقلة زمنية سحرية أتحول فيها إلى طالبٍ في كلية الفنون الجميلة بالمنيا (جنوب مصر) عام 1983».

بهذه الكلمات بدأ الفنان التشكيلي المصري حسن غانم حديثه عن معرضه الحديث «الهارب من بني حسن»، الذي يستضيفه غاليري «ضي» في الزمالك وسط القاهرة حتى 23 أبريل (نيسان) الحالي، ويضم أكثر من 50 لوحة من التصوير والحفر، تشير إلى مراحل متنوعة من مسيرة الفنان.

الفنان حسن غانم مع إحدى لوحاته (بوستر المعرض)

يُعدّ غانم واحداً من الفنانين المصريين البارزين في فن الحفر (الغرافيك)، وقد تخصَّص في هذا الفن منذ عام 1988 بوصفه فناناً محترفاً، ويُصنَّف ضمن أبرز فناني الحفر في مصر، إلى جانب فتحي أحمد، وحسين الجبالي، وعبد الوهاب عبد المحسن، وهو ما يتجلّى في أعماله التي تنتمي إلى مراحل زمنية متعددة.

يتحدث غانم عن رحلته عبر الزمن من الحياة في عصر أخناتون، وتجربة الرسم في مقابر بني حسن، التي تُعدّ من أهم الآثار المصرية القديمة في محافظة المنيا، إلى العصر الحالي الذي يزخر بآليات ووسائل حديثة للفن والإبداع؛ لكنه يصل الماضي بالحاضر، والحاضر بالماضي، ليقدم عبر هذا الوصل أعمالاً فنية تستدعي روح الفن المصري القديم وتتماس مع الواقع المعاش.

لوحات المعرض ربطت بين الماضي والحاضر (الشرق الأوسط)

ويقول غانم لـ«الشرق الأوسط»: «تأثرتُ كثيراً بحياة المصريين القدماء، ورموزهم، واحتفالاتهم الشعبية، وقد ظهر هذا التأثر في أعمال المعرض وفي لوحات قدمتها خلال مسيرتي الفنية. فجميع الموتيفات الموجودة في لوحات المعرض لها امتداد لدى المصريين القدماء، لكن انعكاساتها على سطح اللوحة تقدم معنى جديداً».

ويتابع: «لقد توارثنا كثيراً من الألعاب والعادات والتقاليد من المصري القديم، وقد اندمجت في بنية الفكر والوجدان المصري الحديث، ولذلك يمكن أن نجد تيمات شعبية في أعيادنا ومناسباتنا المختلفة حالياً، كانت موجودة في السابق بشكل أو بآخر، وبالدلالات نفسها لدى المصري القديم».

المعرض تضمن بانوراما لمشوار الفنان (الشرق الأوسط)

التجربة «الغرافيكية» في هذا المعرض لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره؛ فالخطوط المحفورة، والخدوش المتقاطعة، وتوتر الأبيض والأسود، كلها تُشكّل بنية بصرية أقرب إلى خريطة الوعي. يأتي ذلك في سياق ثقافي وتاريخي يُحدد لغته البصرية من خلال العودة إلى رمزية المقابر القديمة، والأشكال، والقصص، والأساطير، حسب كلمة للناقد والفنان التشكيلي الدكتور حكيم جماعين.

الحضور الطاغي للمرأة في اللوحات يشير أيضاً إلى أفكار مرتبطة برمزيتها في الحضارة المصرية القديمة ودورها المحوري فيها. فوفق الفنان: «المصري القديم أبدى احترامه وتقديره للمرأة التي تبني وتمثّل سنداً للأسرة، والمجتمعات الحديثة تؤكد أن المجتمع لا يمكن أن يتقدم من دون المرأة ودورها المحوري، خصوصاً حين تكون على درجة عالية من الوعي بقيمتها وتأثيرها في المجتمع، وهو ما انعكس في بعض اللوحات».

لوحات المعرض تنوعت بين التصوير والغرافيك (الشرق الأوسط)

وما بين فن التصوير، الذي استخدمه الفنان عبر تكوينات لونية ومواقف وأشكال تحمل فلسفة وفكراً معيناً، وفن «الغرافيك» الذي يحمل دلالات عالية في التكثيف والاختزال، يميّز الفنان بين الموضوعات التي تشغل لوحاته في كل منهما، مؤكداً الدور البارز للألوان في لوحات التصوير، على عكس الحفر (الغرافيك) الذي يميل إلى التكثيف والاختزال.

وبتقنياته الخاصة في الحفر على الخشب، ينتج الفنان لغة بصرية قائمة على التباين الحاد بين الأبيض والأسود، إلى جانب الإيقاع الخطي المتوتر، والكثافة التعبيرية الناتجة عن «التهشير» والتقاطع، وهي خصائص تجعل العمل الفني أقرب إلى حالة نفسية مكثفة منه إلى مشهد وصفي مباشر، وفق وصف الدكتور محمد عبد المنعم، أستاذ التصوير في كلية الفنون الجميلة بالمنيا.

الثيمات المصرية القديمة في أعمال الفنان (الشرق الأوسط)

تمثل بعض اللوحات بانوراما أو إطلالة واسعة على مسيرة الفنان؛ من بينها لوحة شارك بها في ترينالي بولندا الدولي للغرافيك عام 1991، وحصل فيها على جائزة البينالي. كما تضم المعروضات أعمالاً تعود إلى الثمانينات، تمثل أساطير وقصصاً شعبية وتاريخية، مثل سيرة عنترة بن شداد.

وتحضر الحيوانات والحشرات والطيور بكثافة في أعمال الفنان، وهو ما يفسّره بأنها شريك أساسي للإنسان في الحياة، فضلاً عن دلالاتها الرمزية في التصورات الشعبية وفي الحضارة المصرية القديمة.

Your Premium trial has ended