مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر

الحركة الصهيونية تلاعبت بالسرديات التاريخية والأساطير الدينية

مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر
TT

مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر

مسألة القدس بوصفها مفارقة حاسمة لكل يهودي معاصر

وفق توني غرينستاين، فإن آخر كلمات المؤرخ اليهودي سيمون دبنو لرفاقه قبل إعدامه على أيدي النازيين في غيتو العاصمة اللاتيفية ريغا يوم الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 1941 كانت «اكتبوا وسجلّوا». ربما كان على الرجل أن يضيف لوصيته تلك قبل رحيله الحزين، «وقارنوا أيضاً».
لقد عملت الحركة الصهيونية العالمية باجتهاد بالغ على تجريم مقارنة سلوكيات الكيان العنصري في إسرائيل بممارسات النازية، وألقت بتهم جاهزة عن العداء للسامية على كل من يحاول أن يواجه إجرام سلطات الاحتلال الإسرائيلي أو المستوطنين، ونجحت في دفع حكومات 31 دولة للتوقيع على تفاهم يمنع المقيمين فيها من الإشارة إلى أي نقاط تشابه بين السياسات الإسرائيلية الحالية وسياسات دولة الرايخ الرابع. وقد لحقت بتلك الحكومات دول أخرى، مثل بريطانيا التي قررت تبني هذا التفاهم طوعيّاً دون اعتباره ملزماً قانونياً.
لكن المراقب المنصف لابد وسيُدفع حتماً إلى عقد مقارنات تكشف عن الطبيعة الإجرامية والعنصرية للحركة الصهيونية، التي من خلال تسويقها مرحلة الهولوكوست على يد النازيين الألمان (1941 - 1945)، بوصفها نموذج المذبحة الأبشع في تاريخ البشر، نجحت في احتكار تمثيل الهوية اليهودية عبر أصقاع العالم، بدلاً من صورتها الحقيقية كابنة مدللة للاستعمار الغربي تحولت إلى سلطة احتلال تقوم على أساس رجعي عنصري شديد التداخل مع المشاريع الإمبريالية العالمية، وتورطت في أعمال تطهير عرقي يندى لها الجبين ضد الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين. بل إن مصادر تاريخية متقاطعة تشير إلى تعاون فعلي أبعد من مجرد التحالف الموضوعي بين النازية والصهيونية منذ وقت مبكر، إذ منع الصهاينة سقوط نظام هتلر في بداياته الأولى من خلال توقيع اتفاقات تعاون تجاري، وكذلك بذل الجهد لمنع مقاطعة اقتصادية شاملة يقودها اليهود من التسبب بانهيار الاقتصاد الألماني، إذ كان ذلك سيؤدي في الوقت ذاته إلى تضاؤل ثروة اليهود الألمان الهائلة. كما ولا ينكر عاقل أن مأساة الهولوكوست تحديداً هي التي مكنت الحركة الصهيونية من إقامة دولتها على الأراضي الفلسطينية، وهي الحركة التي كانت قبل ذلك مجرد أقلية بين الشعب اليهودي - إذا جاز وصف اليهود بالشعب -.
لقد حاول يهود أوروبيون كثر الانخراط في منظومة العرق الأبيض المتفوق من خلال ادعاء الانتماء إلى مجموعة قيم مشتركة وثقافة واحدة لكن دون نجاح يذكر، وبحد أقصى كانوا يُستخدمون لخدمة تلك المنظومة في مرحلة سياسية معينة قبل أن يُلفظوا من جديد.
هذا الأمر دفع بالصهاينة إلى التشبيك مع المجتمعات الغربية من خلال التعاون العضوي في المصالح كوسيلة وحيدة للالتقاء داخل دائرة واحدة، ولذا فقد تحوّلت الصهيونية - التي هي نتاج عقل عنصري منحرف - إلى الارتباط بنزعات ثقافات الاستعلاء القومي والاستشراق التي سادت الغرب في مراحل هامة من القرنين التاسع عشر والعشرين، وهي الثقافات التي بررت ونظَّرت ومررت كل مثالب العنصرية والانحياز الأعمى والاحتلالات العسكرية، كما تنفيذ أعمال القتل والقمع والطرد الممنهج. كان الغربيون وقتها يوظّفون أسطورة العرق الأبيض كأداة للتحكم بعواطف المواطنين وغضبهم، وتوجيهها نحو الآخر المختلف لإبقائهم بعيدين عن فهم أبعاد الهيمنة التي تمارسها الطبقات الحاكمة، وهو ما كان كارل ماركس قد حذّر منه في محاججاته في كتاب «المسألة اليهوديّة» حتى قبل عقد المؤتمر الصهيوني الأول. وبالفعل فإن الغرب العنصري استهدف اليهود تحديداً غير مرة في كل أوروبا من روسيا القيصرية إلى بريطانيا الفيكتورية بالقتل والعزل والتهجير، لكن حكماء الحركة الصهيونية أدركوا ذلك مبكراً، ولم يجدوا غضاضة مطلقاً في الالتحاق غير المشروط بالكولونيالية الرأسمالية الأوروبية - ولاحقاً بالإمبراطورية الأميركية - من خلال خدمة الدوائر الاستعمارية في تلك المجتمعات، ولو كان ذلك أحياناً على حساب مجموعات محددة من اليهود. فلم يتردد الصهيوني بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، في التعبير علناً عن استعداده للتضحية باليهود الأفراد إذا كان وجودهم يتسبب بالخطر للمشروع الصهيوني بالمجمل. كما تظهر الوثائق التاريخية أن العمل على تأسيس مشروع «هولوكوست» للضغط على يهود العالم، ودفعهم للمشاركة بالعمل الصهيوني بدأ مبكراً، بينما كان معظم اليهود الذين يُعتقد أنهم لقوا حتفهم في الهولوكوست فعلاً لا يزالون أحياء، ولم تكن الوكالة اليهودية لغايتها قد صرحت بما يفيد بحدوث انتهاكات جسيمة ضد اليهود في قلب أوروبا هتلر.
تلاعبت الصهيونية بالسرديات التاريخية والأساطير الدينية، وتاجرت بمعاناة اليهود في أوروبا، لتبني مشهداً يمكن فيه قيام دولة يهودية خالصة على الأرض التاريخية المزعومة في فلسطين يحقق حلم ثيودور هيرتزل في حل مسألة «العداء للسامية» للأبد، ولو جاء ذلك على حساب التغاضي عن سقوط ملايين اليهود ضحايا. وقد أُعيد توظيف حكايات المعازل اليهوديّة (الغيتوهات) والهولوكوست محض الأوروبيّة لتبرير الاستمرار اليومي لدولة غزاة مستوطنين، ذات نفس عنصري بغيض قائم على أساس العسكرة، ولعب دور القاعدة المتقدمة للمصالح الغربية في قلب الشرق، ودائماً على حساب سكان البلاد الأصليين. لا تزال الدولة العبرية إلى اليوم توظف المشهدية ذاتها التي تحتكر دور الضحية لاستقطاب يهود أوروبيين وأميركيين للبلاد، ولاستمرار ضمان تفوق عسكري نوعي حاسم عبر منطقة الشرق الأوسط، وكذلك تبرير جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب الآخرين.
ومع ذلك فإن يهوداً قلائل وجدوا، ومنذ البدايات الأولى للمشروع الصهيوني، تناقضات ومفارقات بين الأدوار السياسية الفعلية للحركة الصهيونيّة - ولاحقاً دولتها في فلسطين المحتلة - والغايات المعلنة التي تدّعي تحقيقها لضمان حماية الشعب اليهودي من الاضطهاد. مثلاً في نوفمبر (تشرين الثاني) 1948 وبعد أسابيع من إعلان قيام الدولة العبرية تسلم إيعازر بيري رئيس تحرير جريدة «عل - همشمار» اليسارية رسالة من بيني موريس كشف فيها عن مجزرة مروعة ارتكبها الإسرائيليون بحق عرب الدوايمة، وكتب عن ذلك أهارون كايسلنغ أول وزير للزراعة في إسرائيل يقول: «لم أستطع النوم طوال الليل. إن هذه المذابح تشكّل شخصية دولتنا الجديدة. اليهود بدورهم قادرون على ارتكاب جرائم نازية فظيعة». كما وصف ضابط كبير من ميليشيات «الهاغانا» مذبحة قرية الصفصاف التي قتل فيها ما يقارب السبعين من سكانها بدم بارد، رغم أنهم استسلموا ورفعوا الراية البيضاء. فكتب يقول عن رفاقه «يا إلهي أين تعلم هؤلاء القدرة على تنفيذ كل ذلك القتل البشع كما كان يفعل النازيّون؟». ومن المعروف الآن أن 750 ألفاً من يهود أوروبا الذين نجوا من الهولوكوست، وهاجروا إلى إسرائيل، حُرموا من الحصول على أي تعويضات في الوقت الذي كانت مليارات الدولارات تتساقط على إسرائيل من كل مكان - بما فيها ألمانيا نفسها - كتعويضات. وحتى في أوقاتنا الراهنة، فعندما حوكم جندي إسرائيلي لقتله عام 2016 وبدم بارد فلسطينياً مصاباً خرجت مظاهرات حاشدة للدفاع عن القاتل، وأعرب 57 في المائة من الإسرائيليين عن تأييد ما قام به، بينما عارضه 20 في المائة فقط. اللافت أن الهتافات واللافتات التي حملها الإسرائيليون وقتها كانت تقول بـ«الموت للعرب»، تماماً على نسق الصرخة النازية «الموت لليهود».
استمر الصهاينة المتطرفون في السيطرة على مفاصل الدولة العبرية منذ التأسيس، ولم يسمحوا لأي من هذي الأصوات المغردة خارج السرب بالتحول إلى تيار عام، وانتهى جميعهم إلى التخوين والعزل. وتحوّل الصهاينة منذ العام 1956 عن أولوية خدمة المصالح الاستعمارية الأوروبية في الشرق إلى الانخراط الكلّي في المشروع الإمبراطوري الأميركي دون كبير التفات لمصالح اليهود الفعلية خارج الكيان العبري، أو حتى مجرد التفكير في خطورة الاستمرار بقمع الفلسطينيين ومعاداة الإطار العربي لمستقبل الأجيال اليهودية القادمة، ناهيك عن النظرة الفوقية لليهود الغربيين (الإشكناز) تجاه يهود الشرق (السفارديم)، وتبني المؤسسة الإسرائيلية لهوية بيضاء عنصرية تجاه كل الآخرين، بما فيهم يهودها ذوو الأصول العربية.
استمر الصهاينة دهراً في سياساتهم هذي حصل خلالها اليهود عموماً، والإسرائيليون منهم تحديداً على فرص وصدمات تاريخية عدة، كان أي منها كافياً لدفع عقلاء اليهود لإعادة النظر في خطف الصهيونية للدين اليهودي، ومراجعة اصطفافاتها الدائمة مع القوى الإمبرياليّة الغربية، لا سيما في وجه الصعود الثاني للموجة الفاشية الأخيرة على جانبي الأطلسي. فمن مذابح 1948 وتهجير الفلسطينيين من بلادهم إلى احتلال القدس وأراضٍ عربية أخرى عام 1967، ومن اجتياح لبنان عام 1982 إلى سياسات إسرائيل القمعية اليومية بحق السكان المحليين في الأراضي العربية المحتلة. وتأتي موضوعة الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل ونقل مقر سفارتها إلى هناك بدلاً من تل أبيب، لتصبح ربما آخر الصدمات الحاسمة للعقل اليهودي المعاصر، الذي بات وبشكل متزايد تحت ضغط مفارقة أن يحسم أمره فيما إذا كان يريد إبقاء يهوديته (وقضيته المزعومة) في خدمة قوى الإمبريالية العالمية من خلال التسليم التام لهيمنة النخبة الصهيونية الحاكمة في البلاد، أو يتخذ قراراً بالاستغناء عن الأداة السياسية لمصلحة هوية دينية لا قومية تسمح ليهود العالم، بما فيهم يهود إسرائيل تحديداً، بممارسة دينهم وتقاليدهم الثقافية، وتمنحهم فرصة الانخراط في المجتمعات الحديثة على نسق ما سماه إسحق دويتشر بـ«اليهودي اللايهودي» دون معاداة قطاعات عديدة من مواطنيهم وجيرانهم، وبالتأكيد ليس على حساب الفلسطينيين، خصوصاً وأن طبيعة المجتمعات المعاصرة تغيّرت بشكل كبير خلال المائة سنة الأخيرة منذ إطلاق المشروع العبري في الشرق العربي تحت رعاية المستعمرين، وأن ثياب الديمقراطية والليبرالية المزيفة قد سقطت عن السلطات الإسرائيلية إلى الأبد.
ربما تكون القدس فرصتهم الأخيرة.



«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
TT

«الخلود المسروق»... وثائقي يرصد كيفية نهب آثار مصر

بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)
بعض الآثار المصرية تم استردادها وفق اتفاقات دولية (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الخلود المسروق» جاء الفيلم الوثائقي المصري الذي شارك فيه عدد من خبراء الآثار والمسؤولين السابقين، ليرصد تاريخ تهريب الآثار المصرية، والقوانين التي نظَّمت هذه التجارة في السابق، حتى صدور قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983.

الفيلم الذي أصدرته مؤسسة «الدستور»، ويتناول قصة نهب الآثار المصرية، أعدَّته هايدي حمدي، وشارك فيه خبراء ومتخصصون بشهادات متعددة أشارت إلى العدد الكبير من القطع الأثرية التي خرجت من مصر عبر العصور، ربما منذ عصر الرومان، والاتفاقات والقوانين التي كانت تنظِّم عملية تقاسم الآثار بين الحكومة المصرية والبعثات الاستكشافية.

وشارك في الفيلم الدكتور محمد عبد المقصود الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، والدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتور أحمد مصطفى عثمان مدير إدارة الآثار المستردة سابقاً، والخبير الآثاري أحمد عامر مفتش آثار في المجلس الأعلى للآثار.

ويؤكد مشاركون في الفيلم، ومن بينهم أحمد عامر، أن عدد القطع الأثرية التي خرجت من مصر يصل إلى مليون قطعة أثرية، خصوصاً أن هذه المسألة كانت مقننة، وكان مَن يشتري قطعةً أثريةً يذهب للمتحف المصري ويحصل على صك ملكية للقطعة ويسافر بها للخارج، وفق القانون الذي صدر في عهد الملك فاروق عام 1951. ومن أشهر القطع الأثرية التي أشار لها الفيلم والموجودة في المتاحف الخارجية، تمثال رأس نفرتيتي الموجود في ألمانيا، وحجر رشيد الموجود في المتحف البريطاني، ولوحة زودياك معبد دندرة الموجودة في متحف اللوفر بباريس.

ويلفت المشاركون في الفيلم إلى التاريخ الطويل الذي تعرَّضت فيه الآثار المصرية للسرقة والنهب والتهريب، بطرق قانونية وأخرى غير قانونية مع التركيز على الحقب الاستعمارية، خصوصاً الحملة الفرنسية التي أخرجت كثيراً من القطع الأثرية من مصر، سواء إلى باريس أو إلى لندن بعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين في الإسكندرية في بدايات القرن الـ19.

رأس نفرتيتي من الآثار المصرية في الخارج (أ.ف.ب)

وخلال عام 2007 تمَّ تشكيل «اللجنة القومية لاسترداد القطع الأثرية»، وأعلن مسؤولون مصريون استرداد نحو 30 ألف قطعة أثرية من الخارج منذ عام 2014 وحتى العام الماضي، ومن بين القطع التي تم استردادها في أغسطس (آب) عام 2025 عدد 13 قطعة أثرية كانت قد وصلت من المملكة المتحدة وألمانيا، بالتنسيق مع وزارة الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج.

من جانبه، لفت خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، وأحد المشاركين في الفيلم، إلى أسباب نهب الآثار المصرية عبر العصور، ومنها غياب الوعي بأهمية ما تحمله مصر من تاريخ وحضارة يتمثلان في الآثار المصرية بكل حقبها، وهوس الغرب بالآثار المصرية.

وأوضح ريحان أن المسؤولين عن حماية الآثار المصرية كانوا من الأجانب، خصوصاً الفرنسيين، فقد ظلت مصلحة الآثار لنحو 100 عام تقريباً تحت رئاسة علماء فرنسيين، وأصبحت مصلحة الآثار هيئةً حكوميةً مصريةً خالصةً في عام 1956، بعد جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائياً.

حجر رشيد في المتحف البريطاني (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

واقترح الخبير الآثاري بعض الحلول لوقف عمليات التهريب والعمل على إعادة الآثار المصرية التي تزيِّن متاحف وميادين أوروبا وأميركا، وهي تعديل بعض نصوص المواد التي تقف عقبةً أمام إعادة آثارنا من الخارج في قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 مثل المادة 8 ونصها «تعتبر جميع الآثار من الأموال العامة - عدا الأملاك الخاصة والأوقاف - حتى لو وُجدت خارج مصر وكان خروجها بطرق غير مشروعة»، والتي يجب تعديلها من خلال استبدال عبارة «وكان خروجها بطرق غير مشروعة » لتحل محلها «بصرف النظر عن طريقة خروجها» وبهذا تكون كل الآثار المصرية خارج مصر من الأموال العامة المصرية، وينطبق عليها ما ينطبق على الآثار المصرية.

وكانت أكثر من حملة أطلقها آثاريون من قبل لاسترداد الآثار المصرية المهربة، خصوصاً رأس نفرتيتي وحجر رشيد ولوحة زودياك، في حين تؤكد وزارة السياحة والآثار، في أكثر من بيان، على متابعة كثير من المزادات وقاعات العرض وتتبع القطع الأثرية في الخارج والعمل على استعادتها بالطرق القانونية والدبلوماسية.

ومن القطع المستردة في الفترة الأخيرة رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، وكان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، واستردته مصر من هولندا، بعد رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، كما استردت مصر 20 قطعة أثرية من أستراليا خلال الفترة الماضية.


«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
TT

«ليلة مع الأساطير» بكت خلالها عبير نعمة وأبكت الجمهور على بيروت

عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)
عبير نعمة في ألبرت هول (الشرق الأوسط)

ساعتان وربع الساعة غنت خلالها عبير نعمة في صالة «رويال ألبرت» بلندن، مساء الخميس الخامس من مارس (آذار)، فبكت مرات عدة على المسرح، وأبكت جمهورها معها، بينما كانت ضاحية بيروت تتعرض لواحدة من أقسى أشكال القصف المتواصل،

الحفل مخصص في الأصل للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، عبر تكريم كبيرات الغناء العربي بصوت عبير نعمة الملائكي، لليلة واحدة استثنائية، لكنه لم يأتِ كما خطط له. فهذه الليلة، وبسبب الظروف المأساوية التي تمر بها المنطقة العربية جاءت مؤثرة، وجمعت حشداً غفيراً أحب أن يتنفس شيئاً من الأمل والرجاء بالفن والموسيقى.

غنت عبير نعمة ترافقها «أوركسترا لندن العربية» بقيادة المايسترو باسل صالح، و«أوركسترا الحفلات الملكية الفيلهارمونية»، وجوقة نسائية رائدة تضم 70 مغنية. كانت في كل مرة تطل عارضة الأزياء الأسترالية اللبنانية جيسيكا قهواتي على الجمهور لتحكي قصة واحدة من النجمات الغائبات، وكأنها شهرزاد طالعة من حكايات «ألف ليلة وليلة»، تصحب الحاضرين إلى عالم من الحلم مع أسطورة جديدة. ثم تأتي عبير نعمة لتؤدي أغنيات مختارة لهذه العظيمة الراحلة وتعيد الجمهور إلى زمن جميل ولّى.

فيروز، أم كلثوم، أسمهان، صباح، وردة، ليلى مراد، وغيرهن، كن نجمات الأمسية وبطلاتها. ولم تكن من أغنية لفيروز أهم من «لبيروت» في تلك الليلة الحزينة اختارتها عبير لتؤدي تحيتها إلى مدينتها الجريحة. وقبل أن تغنيها توجهت إلى الجمهور بالإنجليزية قائلةً: «أنا آتية من لبنان. أنا آتية من بيروت. مدينة عانت كثيراً، وسقطت مرات عديدة، وهي تواجه الليلة واحدة من أصعب محطاتها لكنها في كل مرة تعود وتنهض»، ثم أدت الأغنية وكأنما من قلب محترق.

توجهت عبير نعمة لجمهورها بالقول: «أنا آتية من لبنان» (الشرق الأوسط)

توقفت عبير أكثر من مرة عن الغناء خلال الحفل، وكانت تدير ظهرها للجمهور لتمسح دمعة غدرت بها، أو تترك للجمهور أن يكمل. ليلة صعبة، لكن الحضور كان يقظاً ومتحمساً، ومتفهماً، ومواكباً، يستبق مغنيته إلى الكلمات ولا يترك مكاناً لفراغ.

«ليلة مع الأساطير» بدأت متأخرة عن الوقت المحدد، وكادت تنتهي قبل أن تشفي عبير نعمة عطش جمهورها إلى أغنياتها التي اختتمت بها الحفل، فكانت الأغنية الأثيرة «بصراحة»، ومن بعدها غنت نعمة من دون موسيقى «بلا ما نحس» وسط تصفيق عارم، لتنهي هذه الأمسية الدامعة بـ«تحية لمن رحلوا» وهي تصدح: «كل ما تقلي إنك جايه بصير بشوف الوقت مراية». تلك الأغنية التي أدتها سابقاً في «جوي أوردز» في السعودية.


«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
TT

«دبلوماسية رمضان»… سفراء يتسابقون للظهور في «إفطار المطرية» بمصر

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)
إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

على موائد ممتدة بطول 20 شارعاً في مصر، قدم أهالي منطقة المطرية (شرق القاهرة) وجبات دسمة لعشرات الآلاف من الحاضرين في «إفطار المطرية» في نسخته الـ12، ومن بين هذه الوجبات «المحشي»، الذي شاركت في إعداده في اليوم السابق للإفطار سكرتيرة السفير الألماني في مصر، في لقطة دبلوماسية ذكية.

ونظم أهالي المطرية، الخميس، الحدث الرمضاني الأكبر في مصر، الذي يقام منتصف الشهر، منذ عام 2013، في تقليد نجح الأهالي في الحفاظ عليه، حتى تجاوز طابعه الشعبي والتكافلي، إلى طابع أشمل حيث يجتذب مسؤولين وسياسيين ودبلوماسيين.

واجتهدت السفارة الألمانية في مصر في استغلال الحدث بشكل أعمق من مجرد الحضور، إلى كونهم فاعلين في الحدث، لا متفرجين مثل غيرهم من الدبلوماسيين، فذهب فريق منهم الأربعاء إلى «عزبة حمادة» حيث يقام الإفطار، وشاركوا في التجهيزات.

إفطار المطرية يمتد لعدة شوارع (صفحة الدكتور علاء فريد أحد المنظمين على «فيسبوك»)

وأظهر مقطع فيديو بثته السفارة الألمانية في القاهرة على صفحتها الرسمية، الخميس، سكرتيرة السفير الألماني وهي تقوم بإعداد المحشي مع سيدات المنطقة، ممن يعلمونها كيف تعده بينما يثنين على عمل السيدة الألمانية، وعلقوا عليه «تفتكروا السفارة الألمانية كانت فين إمبارح؟». وبعد ساعات شاركت السفارة صورة للدبلوماسية الألمانية نفسها وهي تتناول المحشي مع مثل مصري طريف «عمايل إيديا وحياة عينيه»، وحضر معها الاحتفالية نائب السفير الألماني أندرياس فيدلر.

وشارك في الإفطار دبلوماسيون آخرون في مقدمتهم السفير الدنماركي لدى مصر لارس بومان، ونائبة رئيس وفد الاتحاد الأوروبي آن شو، ممن صرحوا بأنهم سمعوا كثيراً عن هذا الحدث، ورغبوا في مشاهدته بأنفسهم والمشاركة فيه، مثنين على الأجواء المميزة للاحتفالية.

كما شارك سياح ومؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، من دول عدة في الفعالية، من السعودية والجزائر والسودان وماليزيا ودول أوروبية. ولأول مرة دوّن المنظمون عبارات ترحيبية بلغات روسية وإيطالية وفرنسية وإنجليزية وألمانية «حتى انتهت كل الحوائط في محيط الفعالية» حسب أحد شباب «15 رمضان»، علاء فريد، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنهم أرادوا أن يجد كل من يحضر الفعالية عبارات ترحب به بلغته.

سكرتيرة السفير الألماني لدى مصر خلال تناولها الإفطار في المطرية بعدما شاركت في إعداده (السفارة الألمانية في القاهرة)

وتضمن «إفطار المطرية» لأول مرة عروضاً فنية تابعة لوزارة الثقافة المصرية، من عروض أراجوز للأطفال، وإنشاد ديني وتنورة. وقالت وزارة الثقافة في بيان إن مشاركتها في الحدث لأول مرة يأتي «تنفيذاً لاستراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى التوسع في نطاق الفعاليات الثقافية والفنية والوصول بها إلى مختلف المناطق والتجمعات الجماهيرية، ومشاركة المواطنين احتفالاتهم ومناسباتهم المختلفة».

وعلق فريد بأنهم أرادوا أن يجعلوا اليوم ترفيهياً بالكامل ومتنوعاً لمن يقصده، وألا يكون مقتصراً فقط على الإفطار.

وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي، مايا مرسي، تفقدت الأربعاء التجهيزات لإعداد الإفطار السنوي، متوجة مجهودات أهالي المنطقة المتواصلة منذ سنوات في إخراج الحدث بإعلانها إشهار مؤسسة مجتمع مدني باسم «شباب 15 رمضان». واحتفى الأهالي بالوزيرة خلال زيارتها، والتف الأطفال حولها لالتقاط الصور التذكارية.

وشارك رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء طارق الهوبي، في إفطار المطرية، متفقداً التجهيزات ومشيداً بـ«روح التعاون والمشاركة المجتمعية التي تجسدها هذه المبادرة السنوية»، وفق بيان للهيئة، مؤكداً أن «ضمان سلامة الغذاء يمثل عنصراً أساسياً في نجاح مثل هذه المبادرات المجتمعية الكبرى».

وكان إفطار المطرية بدأ بتجمع للأصدقاء من أهالي المنطقة في أحد شوارع عزبة حمادة، وتطور سنوياً بالتمدد إلى شوارع محيطة، ثم بدأ يجتذب ضيوفاً من خارج المنطقة، ثم سياسيين ودبلوماسيين، حتى أصبح من العلامات المميزة لرمضان في مصر.

عرض الأراجوز من فعاليات وزارة الثقافة في إفطار المطرية (وزارة الثقافة المصرية)

وتتزين الشوارع بالغرافيتي والعبارات المُرحبة بالقادمين، والمعبرة عن روح رمضان في مصر، مثل «السر في التفاصيل» و«اللمة الحلوة» و«في قلوب هنا عمرانة»، ويمتد المطبخ في شوارع عدة، حيث تشوى اللحوم والدواجن، ويعد الأرز في أوانٍ ضخمة.

وضاعف أهالي المطرية هذا العام أعداد الوجبات، مع استمرار الحيز الجغرافي نفسه الممتد بطول 20 شارعاً ما مثل «تحدياً كبيراً لنا» حسب فريد، مشيراً إلى أن عدد الوجبات وصل إلى 120 ألف وجبة، مشيداً بالجهود الرسمية لمساعدتهم في إنجاح الفعالية، سواء في تقديم مواد عينية لهم من صندوق «تحيا مصر»، أو من خلال تأمين الفعالية من وزارة الداخلية، وتسهيل كافة الإجراءات والتصاريح من محافظة القاهرة.

وبخلاف المطابخ المفتوحة، يسخر كل مطبخ في منزل بالمنطقة جهوده لدعم الفعالية، التي لا تقتصر على الشارع، إذ يفتح الأهالي منازلهم للضيوف من الصحافيين والمؤثرين ممن يصطفون في الشرفات لالتقاط الصور وتسجيل الحدث.

وأشاد محافظ القاهرة إبراهيم صابر بـ«حالة الدفء والكرم والبهجة الموجودة بين أبناء الحى فى الإفطار الذى شارك به آلاف من الشيوخ والشباب والأطفال، وحرص على حضوره عدد من الوزراء والسفراء والمواطنين من خارج الحي، ليكون نموذجاً حياً للتلاحم الاجتماعي والمجتمعي، الذى يقدم صورة لمصر المترابطة والآمنة»، مؤكداً على أن إفطار المطرية يجسد روح المحبة ويظهر الترابط بين المواطنين بمصر فى رمضان»، وفق بيان للمحافظة.

وتصدرت صور وفيديوهات «إفطار المطرية» منصات «السوشيال ميديا»، وسط تركيز على عنصر «الأمن» في مصر، الذي مكن الفاعلين من إخراج هذا الحدث.