نساء إدلب يُطالبن بـ«انتفاضة»... و«أرامل» اللاذقية مرتبكات

«الشرق الأوسط» تنشر تحقيقين عن وضع الإناث في مناطق المعارضة والنظام

TT

نساء إدلب يُطالبن بـ«انتفاضة»... و«أرامل» اللاذقية مرتبكات

تنشر «الشرق الأوسط» تحقيقين صحافيين فازا في مسابقة حملة «ت متحررة» للمواد الصحافية المكتوبة. و«ت متحررة» حملة سورية انطلقت قبل أشهر على وسائل التواصل الاجتماعي لكسر النماذج النمطية المرتبطة بالنوع الاجتماعي (الجندر)، والتنميط المفروض على النساء بشكل أساسي، كما تقوم الحملة بالتركيز على نجاحات السوريات وإنجازاتهن في مختلف المجالات، وتسليط الضوء على الانتهاكات «الجندرية» التي يتعرضن لها.
المسابقة الصحافية من نشاطات الحملة، وأُطلقت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لتشجيع الإعلاميين والإعلاميات على إنتاج مواد تتناول أهداف الحملة، وتعرض قضايا السوريات بشكل مختلف عن النمطي. تلقت الحملة 50 مادة وفيديو، وتم اختيار أفضل مادتين مكتوبتين ومصورتين من قبل لجنة تحكيم تضم 6 صحافيات سوريات يعملن مع مؤسسات غربية وعربية بمجال الصحافة المكتوبة والفيديو.
فاز في المسابقة 3 إعلاميين تعشن داخل سوريا في اللاذقية والحسكة وريف إدلب، وصانع أفلام يعيش في تركيا. وهنا تحقيق عن وضع النساء في إدلب الخاضعة لسيطرة فصائل معارضة وإسلامية، وآخر عن أرامل قتلى قوات النظام في الساحل:
التحقيق «1»: جرح مفتوح لأرامل قتلى النظام
في طريق عودتها إلى قريتها في ريف جبلة، تئن «مرام» تحت وطأة حمل ثقيل من أكياس الأرز والسكر التي حصلت عليها بعد جلسة الدعم النفسي، في مقر «منظمة الهلال الأحمر السوري» في مدينة اللاذقية.
تندم حين تتذكر الخوف الذي تملكها عندما طلب منها أحد المتطوعين ملاقاته خارج المقر. أفكار شريرة داهمتها وسيطرت عليها، وبدأت فعلا في تجهيز نفسها لتنهال عليه بكيل من الشتائم في حال تحرش بها، لتتفاجأ به وهو يضع في أيدي طفليها قطعاً من البسكويت الذي توزعه منظمة الأمم المتحدة كمعونة مجانية لتلاميذ المدارس، طالبا منها ألا تحضرهما إلى المقر مرة أخرى، نظرا إلى الضجة التي أحدثاها في هذه الجلسة.
ابنة الثانية والعشرين عاما، ذات الملامح الناعمة والجسد الضئيل، استيقظت في إحدى صباحات شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2013، على أصوات نحيب وصراخ عال. وصل خبر مقتل زوجها «مهيار» على «جبهة قتال» في ريف دمشق، فمنحت بذلك رسميا لقب «أرملة الشهيد». مهيار الذي تزوجها قبل ثلاثة أعوام بعد قصة حب عاصفة، وعدها خلالها أنه لن يتخلى عنها أبدا، وسيبقى سندها وحاميها وأمانها؛ لكنه أخلف وعده سريعا، وفضل التطوع في ميليشيا «قوات الدفاع الوطني» لقتال «الإرهابيين» عن رعاية أسرته، رغم توسلاتها الكثيرة له للبقاء بجانبها وحمايتها كما وعد. وعاد إليها بعد أقل من عام قتيلا مقطع الأوصال، ملفوفا بعلم أحمر، ودفن من دون السماح لها برؤيته للمرة الأخيرة، نظرا لتشوه جثمانه.
مخاوف «مرام» من الجنس الآخر وارتيابها منه، تولّدت بعد أول حادثة تحرش حصلت معها منذ عامين. كان ذلك في مقر «الدفاع الوطني» في مدينة اللاذقية، عندما طلب منها أحد المتطوعين أن ترافقه إلى الغرفة الداخلية لأخذ الحصة الغذائية التي وعدها بها منذ شهرين، وجعلها تتردد إلى المقر أكثر من مرة بحجة تسلمها، كان يعلم جيدا أنها تحتاجها، وأنها ستقطع مسافات طويلة للحصول عليها. ولم تر بدورها مانعا من عقد صداقة معه، عله يساعدها في تأمين معونة صعبة المنال لأطفالها؛ لكنه مضى قدما في التحرش.
كان زوجها يقول عن رفاقه المتطوعين إنهم «إخوته في الدم»، مرددا أمامها دائما جملته الشهيرة كلما طلبت منه ترك القتال والبقاء بجانبها: «شو بدك ياهن يجوا ويدبحونا»: «هاهم يذبحوننا فعلا يا زوجي العزيز، ليس الإرهابيون كما ظننت، بل إخوتك في الدم»، تردد «مرام» في سرها كلما تذكرت هذه الحادثة.
لن تنسى «مرام» تلك الصفعة التي تلقتها من والد زوجها، عندما علم بتقدم «عريس» لطلب يدها. صراخه وهو يهددها بحرمانها من رؤية طفليها في حال وافقت على الزواج ما زال يرن في أذنها. كلماته عندما قال لها: «هل تريدين أن تبيعي دم ابني؟»، كانت بمثابة طعنة اخترقت صدرها، وزاد الأمر سوءا امتناع ذويها عن الدفاع عنها، مما جعلها تنسى موضوع الزواج تماما. و«التقاليد الجديدة» كما تصفها «مرام»، تحرم على «أرملة الشهيد» الزواج بآخر، وإلا ستعتبر خائنة وناسية لتضحيات زوجها وبطولاته، وسيحل العار على أطفالها حتى يكبروا، فتراها تقول ساخرة: «كلما سمعت أن أرامل المسلحين يتم تزويجهن على الفور لأول عريس يطرق بابهن للتخلص من وزرهن، أتمنى لو كان زوجي إرهابيا، كنت حصلت على حقي في الزواج على الأقل».
تضحك «مرام» عند سؤالها عن سبب ارتدائها المستمر للملابس السوداء، وعدم وضعها مساحيق التجميل. تقول: «ارتداء الأرملة للملابس الملونة وإظهارها أي بادرة فرح أو ضحك، يعتبر عيبا في التقاليد الجديدة التي ولدتها الحرب السورية»، نافية أن يكون قد شجعها أحد مسبقا على تغيير هذه الهيئة والعودة لحياتها الطبيعية، وإن كان في الحد الأدنى. تردد على الدوام أن هذا الطرح مستبعد تماما، فهي «أرملة الشهيد»، عليها أن تحافظ على حزنها، وأن تبقى جاهزة للشكوى واستدرار عطف الآخرين لمنح النقود لأطفالها والشفقة عليهم. وضع حاولت «مرام» التمرد عليه بالتسجيل في دورة مهنية لتعليم الخياطة مجانا لشريحة «الأرامل» التي تنتمي إليها، علها تجد فرصة عمل تدر عليها بعض الأموال، على اعتبار أن العمل ما زال خارج قائمة المحظورات المفروضة عليها كأرملة.
لا توجد إحصائيات أو دراسات دقيقة تدل على مقدار تعرض النساء للعنف «الجسدي أو اللفظي» في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، ولا يتم تناول هذا الموضوع بأريحية حتى الآن لاعتبارات اجتماعية، أو لتضييق النظام على تحركات الناشطين في هذا المجال. تؤكد ريم رجب التي أسست قبل سفرها إلى فرنسا أواخر عام 2015 جمعية «نون» لضحايا العنف من نساء وأطفال في اللاذقية، أن «غالبية هذه الشريحة من أرامل الجيش النظامي والقوى المساندة له، تتراوح أعمارهن بين العشرينات وأوائل الثلاثينات، أغلبهن لم يعشن فترة طويلة مع أزواجهن، ويعانين بعد وفاته من وصاية أهله على أولادها، كما يشاطرونها جميع التعويضات في حال كان زوجها عسكريا، وبحكم أن أغلب المقاتلين والمتطوعين من أبناء القرى فستكون الأرملة مقيمة في منزل الأسرة، أو في البناء ذاته في أحسن الأحوال، أي أن تحركاتها محسوبة ومراقبة، وفي حال كانت مستقلة عنهم، فإن المجتمع سيمارس عليها هذه الوصاية، ليمنعها حتى من مجرد الابتسام، وإلا ستتهم على الفور بأنها نسيت تضحيات زوجها وباعت دماءه».
تلفت ريم إلى أن عدد الإناث في هذه القرى الساحلية بات يفوق عدد الذكور بكثير. وتشير إلى أن «ثلثي الشباب القادر على الزواج من أبناء القرى قد قتلوا على مختلف الجبهات». لذلك يمكن أن تتعرض الأرملة أحيانا للحصار من قبل السيدات أكثر من الرجال الكبار في السن، بحجة أنهن يحمين الأرملة ويصنّ سمعتها، كما أن سهولة إطلاق الأحكام والتقييمات في هذه المجتمعات الريفية وغير الريفية أيضا، يضع الأرملة تحت ضغط أكبر، فتضطر للرضوخ والاستسلام كي تعيش بسلام بعيدا عن الأقاويل.
وتتابع رجب: «عندما أسست الجمعية عام 2015، صدمت بالعدد الهائل من النساء الأرامل والمطلقات اللواتي يحتجن مساعدات كبيرة وضخمة في عدة محاور، من تأهيل وتوعية ودعم مادي وقانوني وصحي، صحيح أن هناك أشخاصا يعملون ما بوسعهم؛ لكن بإمكانات ضعيفة ومحدودة، يمكن القول إن الجمعيات لا تتعامل بجدية مع قضايا هؤلاء النسوة، فالعمل الصحيح المثمر يحتاج كوادر مؤهلة ومدعومة ماديا، مع هامش للتحرك، وهي شروط لا تتوفر على شكل واسع في مناطق النظام».
في مقر «رابطة أبناء وبنات الشهداء» في اللاذقية في ضاحية تشرين، المكان الوحيد في اللاذقية الذي تكفل بتقديم خدماته التعليمية والمهنية لمختلف ذوي القتلى مهما كان تصنيفهم، تجلس «مرام» في غرفة الخياطة، الورشة التي اختارت الانخراط فيها لتعلم حرفة تقيها شر السؤال. فقر حال أسرتها منعها من الحصول على تعليم عال يؤمن لها وظيفة في مكان ما، حالها كحال كثيرات من متدربات الورشة التي يطغى عليها العنصر النسائي. نحو أربعين سيدة يشاركنها الصفوف، نصفهن أرامل، وأخريات توزعن ما بين أم وأخت لقتيل أو جريح؛ لكن اللافت أن أغلبهن من ذوي قتلى الدفاع الوطني، الذي لا يدرج قتلاه في قوائم القتلى «العسكريين»؛ بل يعتبرون مدنيي التصنيف، مما يخفض بشكل كبير المزايا الممنوحة لذويهم؛ لا سيما الزوجة والأطفال، فتقتصر التعويضات على آلاف قليلة من الليرات، وبعض المساعدات العينية التي تمنح لمرة سنويا، مع غياب تام للراتب الشهري.
يعتبر الدكتور مازن زوان، رئيس الرابطة، في تصاريح صحافية، أن «فئة السيدات هي الأكثر تضررا من الأزمة الحاصلة في البلاد، رغم المزاعم بأن الرجال هم الخاسر الأكبر»، فمعظم السيدات اللواتي يترددن على دورات الرابطة هن من الريف البعيد، فقيرات الحال ولا يملكن أي تعليم عال، على حد قوله، كما أن النظام السوري لم يمنحهن التعويضات بالتساوي بين قتلى القوى الرديفة والعسكريين النظاميين، مما زاد من الظلم الواقع عليهن، لا سيما أن قسما كبيرا منهن أصبح فجأة معيلا ومسؤولا عن أسرة، دون أن يملكن مهنة تقيهن شر السؤال، وهو الأمر الذي تحاول الرابطة تعويضه بإمكانات قليلة ودون دعم يذكر.
جلسة التدريب المهني لا بد أن تتبعها جلسة للدعم النفسي الاجتماعي، ضمن مقر «الهلال الأحمر العربي السوري» في حي الأميركان وسط مدينة اللاذقية. لا تعلم «مرام» فائدة هذه الجلسات في حقيقة الأمر؛ لكن صديقة لها أخبرتها أن المنظمة توزع معونة للأرامل عقب كل جلسة، وهو أقصى أحلام «مرام» هذه الأيام، يشرد ذهن الشابة أثناء تمارين عملية تطبقها المتطوعة رباب غازي التي أكدت في حديثها أن «هذه الجلسات مفيدة جدا لحالة (مرام) وغيرها من الأرامل اللواتي يتعرضن بطبيعة الحال لتعنيف شبه يومي، فالمجتمع غير جاهز بعد لاحتواء هذه الشريحة وتأهيلها كما يجب».
وتضيف رباب: «انتفاء ثقافة الدعم النفسي، وإدراجه ضمن دائرة المحظورات، يعيق مهام الفرق العاملة في هذا المجال، التي لا تصل بدورها إلى الريف البعيد لقلة الدعم»؛ لكن رباب تؤكد في الوقت نفسه تسجيل حالات إيجابية لسيدات تجاوزن مرحلة الصدمة التي تعرضن لها إثر فقدان أزواجهن خلال «الحرب»؛ لكن يبقى العمل الرئيسي كامنا في تأهيل المجتمع المحيط بهن، حول كيفية التعاطي معهن، الأمر الذي ما زالت مؤشرات نجاحه شبه معدومة حتى الآن.
في كل مرة، وأثناء عودة «مرام» إلى قريتها من تدريباتها وجلساتها، تتفقد حقيبتها على عجل. تتأكد من وجود مال يكفيها لدفع أجرة «السرفيس» الذي يقلها إلى قريتها، لا تريد أن يتكرر معها الموقف الذي نسيت فيه نقودها أثناء رحلتها إلى اللاذقية منذ شهرين، غلطة كلفتها عرضا مهينا من سائق يعتبر أحد أقاربها الذين يعلمون أنها «أرملة شهيد». تنهر طفليها عن صراخهما الممل، وتعيد تموضع كنزها الثمين المتمثل بكيسين من الأرز وبعض السكر.
التحقيق «2»: دعوات في إدلب للخروج من «الجحيم»
أم محمد (25 عاماً) امرأة تعيش في ريف إدلب، لم يمنعها حبها لطفليها من الإصرار على الطلاق بعد سنتين من الزواج تصفهما بـ«الجحيم»، وتصف زوجها بـ«المتوحش الذي لا يقبل أن تناقشه امرأة».
تحبس الدموع في عينيها... تستحضر الذكريات الحزينة، وتقول: «كان يضربني لأتفه الأسباب. يضربني بأي شيء يقع في يده، خصوصا القشاط (الحزام). كان يجعل لحمي أزرق. لم أعد أثق بالرجال».
تعاني النساء في محافظة إدلب السورية من العنف القائم على النوع. ويطالب بعضهن بإصلاحات اجتماعية ودينية، بينما يدعو بعضهن إلى انتفاضة نسائية هادفة لتحرر المرأة، وسط اعتراض البعض، خصوصا المشايخ.
ويعيش في محافظة إدلب نحو مليوني نسمة، وتخضع لسيطرة المعارضة الإسلامية المسلحة، ولا توجد فيها إحصاءات عن العنف ضد النساء، لكن المحامية عبير الحشاش، وهي محاضرة حول حقوق الإنسان في محافظة إدلب ضمن برنامج «تجمع المحامين السوريين الأحرار»، تؤكد أن «الظاهرة موجودة في معظم البيوت؛ إن لم نقل في كل البيوت».
وتشير التقديرات العالمية التي نشرت من قبل منظمة الصحة العالمية إلى أن 35 في المائة من النساء في أنحاء العالم يتعرضن للعنف على يد شركائهن الحميمين، أو للعنف الجنسي على يد غير الشركاء.
وتعرف المادة الأولى من «إعلان القضاء على العنف ضد المرأة»، المعتمد من قبل الأمم المتحدة منذ عام 1993، العنف ضد المرأة بأنه أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس (النوع الاجتماعي) ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، وسواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة.
ويميز باحثون بين أشكال متعددة من العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد المرأة؛ منها: العنف الجسدي، كضرب الزوجة أو الأخت. والعنف الاجتماعي، كمنع المرأة من زيارة الأصدقاء والسفر. والعنف اللفظي، كشتم المرأة ووصفها بصفات غير لائقة. والعنف الجنسي، كالتحرش بالمرأة وزواج القاصرات. والعنف السياسي، كمنع المرأة من ممارسة حقها في الانتخاب والترشح للوظائف والمناصب السياسية. وتنادي المحامية عبير الحشاش بالقضاء على جميع هذه الأشكال، وترد ظاهرة العنف هذه إلى الجهل وقلة الوعي وتخلف المجتمع أخلاقياً وثقافياً، وتصف المجتمع السوري بأنه «مجتمع ذكوري ينظر إلى المرأة نظرة دونية، ويعتبرها ملكاً أو متاعاً للرجل لا أكثر».
وتأسف الحشاش لمساهمة المرأة في ذكورية المجتمع: «فهي أول من يفرح بولادة الذكر أكثر من ولادة الأنثى، وهي أول من يميز في التربية بين الولد والبنت لصالح الولد، وهي أول من يسمح للأخ بقمع أخته أو حرمانها من الميراث، وهي أول من يهدد كنتها بالطلاق إذا كانت عقيمة أو لم تلد ذكراً».
الحشاش تطالب بإصلاحات اجتماعية ودينية تنقل المجتمع السوري إلى مجتمع متنور حر، وتصف تجربتها التي بدأت منذ شهور محاضرة حول حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق المرأة بشكل خاص في محافظة إدلب، بأنها «تحدٍ رائع»، وتشعر بأنها «صاحبة رسالة سامية، هي رسالة تثقيف المرأة وتبصيرها بحقوقها»، وتقول: «الأسبوع المقبل لدي محاضرة في قرية الغدفة عن زواج القاصرات وخطورته. أنا متحمسة لذلك».
وتؤمن الحشاش بأن المجتمع سينهض «عندما تنهض المرأة»، وتعتقد أن المحاضرات والندوات التي تقتصر على الحضور النسائي غير كافية لتحقيق النهضة المنشودة، وإنما «لا بد كذلك من حملات إعلامية، ولا بد من تثقيف الرجل وتوعيته بحقوق المرأة».
فرضت المعارضة المسلحة رؤيتها المتشددة للدين على الحياة السياسية والاجتماعية والحقوقية في محافظة إدلب، وعطلت القوانين. وأوجدت محاكم جديدة .
وتدعو المحامية الحشاش إلى «تفعيل القوانين السورية التي لا علاقة لها بقمع الحريات أو بتثبيت حكم النظام، وسن قوانين جديدة تحارب اضطهاد المرأة وتساوي بين الجنسين، مستوحاة من أحدث ما توصلت إليه البشرية في هذا المجال».
وهو ما يثير غضب منهل الملقب «أبو القعقاع»، والمقيم في ريف إدلب، عادّا أن القوانين «وضعية علمانية كافر من يعمل بها، كافر من يدعو إليها».
ويرى أبو القعقاع أنه لا يمكن المساواة بين الجنسين، معللاً ذلك بأن «لكل من الذكر والأنثى دوراً مختلفاً عن دور الآخر، وحقوق كل منهما وواجباته ليست بالضرورة هي حقوق وواجبات الآخر نفسها».
وتتحفظ على ذلك الناشطة خديجة الزيدان قائلة: «الإسلام مع الحرية. حريتنا ليس لها قيود ما دمنا لم نعتدِ على حريات الآخرين». الزيدان تصف الرجال الذين يعنفون النساء بـ«المغرورين»، وتقول مبتسمة: «يعتبرون المرأة بربع عقل. يقولون مكانها بيتها، يقولون إنها كائن ضعيف يحتاج للحماية. يجهلون ويتجاهلون أنها نصف المجتمع وأنها شريك الرجل، وليست (عبدا) أو متاعاً له».
وتحدثت الزيدان عن تجربتها وعملها مع المنظمات، خصوصا منظمة «تمكين» في قرية حاس بريف إدلب، وقالت: «خالطت الرجال، عملت معهم جنباً إلى جنب، لم يتقبلوا الأمر في البداية، لكنني فرضت عليهم احترامي، وغيرت نظرة كثير منهم إلى المرأة».
تؤمن الزيدان بقدرة المرأة على التفوق في كل المجالات، ولكنها لا تؤمن بأن الرجال «سيعترفون بحقوق النساء ما دمن خانعات». وهي تدعو النساء إلى التكاتف والتضامن والخروج إلى ميادين العمل، وتحثهن على «انتفاضة نسائية عارمة ضد العادات والتقاليد البالية... ضد ذكورية المجتمع».



كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.