«حركة النجباء العراقية»... تنظيم غامض في ساحة الإرهاب

تعتبر «حزب الله» اللبناني قدوتها ومثالها الأعلى

تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
TT

«حركة النجباء العراقية»... تنظيم غامض في ساحة الإرهاب

تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})

سلط مشروع القرار المعروض على الكونغرس الأميركي، الذي يقضي بإدراج «حركة النجباء» العراقية بزعامة أكرم الكعبي في قائمة الجماعات الإرهابية، الضوء على الدور الخطر الذي تلعبه الميليشيات الطائفية في الأزمتين السورية والعراقية. ذلك أن الصراع الإقليمي والدولي الدائر في منطقة الشرق الأوسط منحته السياسة الإيرانية بالمنطقة أبعادا دينية مذهبية وعسكرية؛ مما جعل من الميليشيات المسلحة جزءا من أدوات السياسة الخارجية والحروب بالوكالة. وربما هذا ما يفسر كون مشروع القانون الذي سُلم لمجلسي النواب والشيوخ الأميركيين يتضمن كذلك وضع حركة «عصائب أهل الحق» و«كتائب (حزب الله) - العراق» على لائحة الإرهاب مطالبين إدارة الرئيس دونالد ترامب بحظر هذه التنظيمات وكذا معاقبة مسؤوليها والمرتبطين بها، مع اعتماد هذا القانون في أجل لا يتجاوز 90 يوماً.
كما سبقت الإشارة «حركة النجباء» ميليشيا طائفية تأسست على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي. وهي تنظيم مذهبي مسلح مختلف عن تنظيم «حزب الله» اللبناني وفروعه القديمة بالعراق وبعض الدول العربية؛ رغم الخلط الذي يقع لبعض المتابعين، بسبب التداخل المرجعي بين التنظيمين. وهما يرتبطان بعلاقات جيدة، حيث جمعت بين قيادة التنظيمين اجتماعات عدة، وأكد الكعبي أنه اجتمع بحسن نصر الله منذ سنة 2004 «بحضور الحاج القائد عماد مغنيّة الذي تشرّفت بإشرافه على أولى دوراتي العسكريّة». وسبق للكعبي أن صرح في إحدى زياراته لطهران أن هناك مستشارين عسكريين من تنظيم «حزب الله» دخلوا للعراق قبل الانسحاب الأميركي 2011 «ينقلون خبرتهم في مقاومتهم ضد إسرائيل إلى العراق»؛ وبالتالي تعتبر «حركة النجباء» تنظيم «حزب الله» اللبناني قدوتها ومثالها الأعلى. أما عن علاقة زعيم «النجباء» بقاسم سليماني، فيقول عنها الكعبي: «نتشرف بكوننا من نفس المدرسة العسكرية - الآيديولوجيّة».
من جهة أخرى، فإن حركة «النجباء» لا يجب أن تفهم باعتبارها فصيلا من داخل الحشد الشعبي، بل هي أكبر من ذلك، من حيث الوظيفة والغاية الاستراتيجية من تكوينها. فهي مستقلة عن فصائل الحشد ولا تتبع بأي شكل من الأشكال للحكومة العراقية؛ بينما ترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني بعلاقات مباشرة من حيث التمويل والتدريب والتجهيز. وفي ذلك يقول زعيم هذه الميلشيات: «دعم الحرس الثوري لحركة النجباء جيّد عبر كل المستويات ويتمّ بصورة مباشرة لنا. أما نحن كحركة النجباء فلا نتبع تنظيميّا للحشد الشّعبي إنّما نشرف على إدارة لواءين في الحشد، أفرادهم مرشّحون ومدرّبون ومجهّزون من قبل الحركة التي تشارك ميدانياً عبر الإشراف وإدارة تلك القوّات عبر كوادرنا».
ويبدو أن مسار حياة زعيم التنظيم، يفسر طبيعة تطور التنظيم أيضا؛ إذ ولد أكرم الكعبي في سنة 1977. ويعتبر الرجل من تلاميذة الإمام الصّدر الثّاني، وعمل إمام جمعة بمدينة المسيب. عهدت إليه قيادة جيش المهدي في معركة النّجف الثّانية 2004؛ بعد ذلك خضع لدورات في العلوم العسكريّة والإدارة الاستراتيجيّة بإيران. كان من مؤسّسي ميليشيا «عصائب أهل الحقّ»، وأصبح أميناً عامّاً لها بعد أن اعتقل البريطانيون الأمين العام للتنظيم قيس الخزعليّ. ولكن بشكل مفاجئ ترك الكعبي العمل العسكري وتفرغ للعلوم الدينية بإيران، ليعود للساحة بداية الحرب السورية متزعما ميليشيا عراقية للدفاع عن النظام السوري.
يمكن القول إن الكعبي لم يكن مشهورا لا من الناحية الدينية ولا العسكرية، إلا بعد سنة 2007. فقد ساعد خلاف داخلي للتيار الشيعي الذي يتزعمه المرجع مقتدى الصدر، وما صاحب ذلك من مواجهات عنيفة بين الميليشيات الشيعية والحكومة، على ظهور الرجل في الساحة العسكرية الشيعية العراقية. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الكعبي كان ضمن رجال جيش المهدي؛ وعهد إليه تنظيم إدارة العمل الثقافي لمركز الشهيدين الصدريين في النجف الأشرف.
ونظرا لتقلبات المشهد السياسي الشيعي الذي عكس نتائج المواجهات العسكرية، بين مقتدى الصدر وطيف واسع من المرجعيات السياسية والدينية والعسكرية الشيعية، جمد مقتدى الصدر جيش المهدي سنة 2007، كما أن الهزيمة التي تلقاها هذا التيار، أدت إلى مغادرة قياديين بارزين لجيش المهدي، حيث أسس أكرم الكعبي وقيس الخزعلي ميليشيا طائفية جديدة سميت «عصائب أهل الحق». وكان الكعبي هو نائب الأمين العام للتنظيم الوليد، والمسؤول العسكري لـ«عصائب أهل الحق» العراقي، فيما شغل قيس الخزعلي الناطق الرسمي للتيار الصدري؛ غير أنه انشق عنه، احتجاجا على وقف العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية في النجف وبغداد، من طرف مقتدى الصدر سنة 2004.
وبعد عملية اختطاف البريطانيين قاد الكعبي المفاوضات، لإطلاق سراح الخزعلي وسجناء من جيش «المهدي» و«العصائب»؛ وأدى نجاحه في التفاوض لمنح الرجل دفعة جديدة، خاصة بعد الدعم الكبير الذي تلقاه الكعبي من القيادة الإيرانية. وربما هذا ما دفع الولايات المتحدة إلى اعتبار مؤسس «النجباء» مقاتلا من مقاتلي إيران بالعراق، واعتبرته وزارة الخزانة الأميركية منذ سنة 2008 فردا يهدد استقرار وسلام العراق؛ وجمدت واشنطن أصوله المالية ومنعت التعامل معه.
يتميز زعيم «النجباء» بخلطه بين الشخصية الدينية والقيادة العسكرية، مع التسليم بالمرجعية العليا للولي الفقيه بإيران. وهذا التحول الديني المرجعي الذي حدث له بعد الخروج من التيار الصدري، هو من الأسباب الجوهرية التي دفعت بالكعبي، للانتقال من مجرد قائد في «جيش المهدي»؛ إلى مؤسس لميليشيا «عصائب أهل الحق» رفقة صديقه، قيس الخزعلي.
ويبدو أن التحول المرجعي الذي تحدثنا عنه أعلاه، سيكون وراء ظهور تنظيم يلعب دورا دقيقا، وغامضا وخطرا. حيث تحدث بعض الخبراء العسكريين والباحثين في الشأن العراقي، أن الحرس الثوري كلف ميليشيا النجباء بمساعدة طهران في إنشاء طريق إمداد يصل إلى دمشق عبر العراق. ويبدو أن هذه الوظيفة الاستراتيجية تحتكرها جماعة الكعبي رغم كثرة فصائل الحشد الشعبي المتعددة والمتنوعة؛ سواء المتعلقة بمرجعية الولي الفقيه أو بمرجعية السيستاني بالعراق. وفي هذا الصدد، تشير أحدث الإحصاءات، أن نحو 65 في المائة من فصائل «الحشد» إلى حدود منتصف 2017، تابعة لمرجعية الولي الفقيه بطهران، فيما 25 في المائة فقط، تتبع مرجعيا السيستاني.
وفي هذا السياق يمكن تفسير التوسع والنمو السريعين لتنظيم النجباء منذ سنة 2013. فهذا التنظيم يتطور بشكل غامض وغير طبيعي، كما أنه استطاع أن يلعب أدوارا أكبر من عمره الزمني وخبرته العسكرية والميدانية، في كل من العراق وسوريا. الشيء الذي يطرح تساؤلات عدة عن مكونات التنظيم البشرية، هل هي عراقية صرفة، أم فيها شخصيات من «حزب الله» اللبناني ومن «الباسيج» الإيراني؟، ففي الواقع لا يزال الغموض يلف طريقة عمل «اللواء عمار بن ياسر»، الذي تمركز منذ بداية دخول «النجباء» في حلب؛ والشيء نفسه يمكن قوله عن «لواء الحسن المجتبى» الموجود في دمشق.
في هذا الإطار تتحدث الأدبيات الدارسة لهذا التنظيم العراقي المنشأ والإيراني المرجعية؛ أن «النجباء»، أسست مطلع سنة 2013 «لواء عمار بن ياسر» بهدف القتال إلى جانب النظام السوري. غير أن حركة «النجباء» انفصلت عن «عصائب أهل الحق» بعد وقت قصير جدا. وهكذا ظهر أكرم الكعبي، على الساحة العراقية باعتباره شخصية مهمة مثل أبي يحيى المهندس، وهادي العمري زعيم ميليشيا بدر.
بل يمكن القول إن العلاقة الحقيقية بين الحرس الثوري، و«النجباء» لم يسلط عليها الضوء لحد الآن، وإن التجنيد الإيراني لهذه الميليشيات له بعد استراتيجي مستقبلي، يتجاوز الدور التقليدي لميليشيا بدر العراقية الموالية لطهران منذ الحرب العراقية الإيرانية إلى اليوم. ذلك أن طبيعة التنظيم، والاستقلالية التي تصر «النجباء» عليها ضمن «الحشد الشعبي»، تثير كثيرا من التساؤل. ومعلوم أن زعيم ميليشيا «النجباء» لا يخفي ارتباطه بالحرس الثوري، إذ يقول الكعبي: «نحن لا نخفي الدعم الفني واللوجيستي من قبل إيران لنا، وعلى كل المستويات من ناحية التدريب والتسليح، وتقديم المشورة من خلال وجود قادة ومستشارين ميدانيين من الإخوة في (قوة القدس) من الحرس الثوري. وقد أعلنا عن هذا الدعم وتقدمنا بالشكر الجزيل لإيران على مساعدتها لنا ولبقية فصائل المقاومة؛ من أجل تحرير العراق من الاحتلال وكذلك في حربنا ضد الإرهاب».
وفي هذا الإطار، يمكننا فهم تكليف «النجباء» في الأسابيع القليلة الماضية، بتأمين مناطق واسعة من الحدود العراقية السورية التي طردت منها «داعش»، وهو ما يجعل المنطقة عمليا منطقة نفوذ إيراني مباشرة ومفتوحة، لا تصل فقط العراق بدمشق، بل تمتد لتصل الدولتين بطهران وبيروت.
لا تزال الميليشيات الطائفية تلعب دورا متناميا ومتماهيا مع الدور الإيراني الهيمني في العراق وسوريا. فلقد استطاع الحرس الثوري ربط الكثير من الميليشيات المدرجة في قائمة «الحشد الشعبي» بولاية الفقيه. وهذا ما سمح لطهران ببسط نفوذها بالعراق وإعادة الانتشار في المؤسسات الأمنية والعسكرية للدولة. ويبدو أن تمتع «الحشد الشعبي» بالدعم المالي الحكومي، في ظل إدارة ينخرها الفساد، يجعل من الصعب تحديد بدقة الأهداف الحقيقية للحشد، ودوره في خلق عراق المستقبل؛ ويجعل من شبه المستحيل معرفة عدد مقاتلي الميليشيات، وكذا المبالغ التي يتقاضونها. ورغم أن تصريحات صحافية لرئيس الحكومة الحالي حيدر العبادي، تؤكد أن 120 ألف متطوع من الحشد يتقاضون رواتب من وزارة المالية العراقية، وأكثر من 30 ألف فرد آخرين تدفع رواتبهم من المرجعيات في كربلاء والنجف، ونحو 30 ألفاً يتسلمون رواتب من مؤسسات عسكرية ومخابراتية متنوعة ومرجعيات إيرانية؛ فإن الأدوار الحقيقية للميليشيات عامة، و«حركة النجباء» خاصة، لا تزال غامضة. وكل المؤشرات الحالية تقول بتفرد إيران من خلال الحرس الثوري بتحديد الدور الاستراتيجي لـ«حركة النجباء»، مما يجعل المنطقة معرضة لمزيد من عدم الاستقرار والإرهاب.
* أستاذ زائر للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس الرباط



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.