مبارك المهدي: زيارة البشير لروسيا للتخلص من أجندة «الإسلاميين»

نائب رئيس الوزراء السوداني قال لـ «الشرق الأوسط» إن الخرطوم ملتزمة عاصفة الحزم والذود عن المملكة أمام أي تهديد

مبارك الفاضل
مبارك الفاضل
TT

مبارك المهدي: زيارة البشير لروسيا للتخلص من أجندة «الإسلاميين»

مبارك الفاضل
مبارك الفاضل

أجمل نائب رئيس الوزراء السوداني مبارك الفاضل المهدي وزير الاستثمار، نتائج زيارة الرئيس عمر البشير إلى روسيا، وتصريحاته المثيرة للجدل هناك، في «إصلاح الدبلوماسية السودانية وتخليصها من أثر الآيديولوجيا الإسلامية، وبرامج الحركة الإسلامية ونفوذها»، و«خدمة مصالح السودان السياسية والاقتصادية، والاستفادة من الخبرات الروسية في استخراج الغاز الطبيعي الذي يملك منه السودان احتياطياً كبيراً».
ووصف المهدي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، موقف البشير من أزمة سوريا بـ«العقلاني والعملي»، والنابع عن خوف من تجربة انهيار الدولة في ليبيا وما خلقه من فوضى، لذا يتمسك بأهمية الوصول لتسوية، تحافظ على الدولة، وتخلق التغيير في الوقت ذاته، ورأى أن هذا الموقف لن يؤثر على تحالف السودان في عاصفة الحزم، وأكد استمرار موقف الخرطوم الداعم لقوات التحالف العربي لاسترداد الشرعية في اليمن إلى حين الوصول إلى تسوية. كما أشار إلى أن مصالح السودان لا تتعارض مع «التطبيع مع إسرائيل» وتؤيد في الوقت نفسه الحقوق الفلسطينية.
- بصفتكم نائباً لرئيس الوزراء السوداني، كيف تصف ما تمخّض عن زيارة الرئيس البشير لروسيا، باعتبارها توجهاً جديداً لسياسة السودان الخارجية؟
- الزيارة كانت ضمن جهود إصلاح الدبلوماسية السودانية، وتخليصها من أثر الآيديولوجيا للحركة الإسلامية، وبرامجها ونفوذها، التي أدت لقصر علاقات البلاد على الصين ودول آسيا وحدها. لأن الحركة الإسلامية قد اختارت الدخول في مواجهة آيديولوجية مع الغرب وأميركا، واعتبرت روسيا وشرق أوروبا امتداداً لهما، ولأن روسيا تتفق مع الغرب في مواجهة التطرف الديني، وذلك يتناقض مبدئياً مع أجندة الحركة الإسلامية، لذا ابتعد السودان عن روسيا.
دار الرئيس البشير بسياسة السودان الخارجية (360) درجة، وأعاد علاقات السودان مع الخليج، والمملكة العربية السعودية، وأوروبا والولايات المتحدة، إلى طبيعتها، فزيارة روسيا الغرض منها الانفتاح على المعسكر الشرقي. تاريخاً، احتفظ السودان بعلاقات متوازنة بين الغرب والشرق، وكان من أوائل دول المنطقة التي تسلحت من روسيا، رغم علاقته القوية مع أميركا والغرب. والجيش السوداني استخدم البندقية الأميركية (GM3)، والبندقية الروسية «كلاشنيكوف» معاً.
- وهل خلقت الزيارة التوازن وحده؟
- بجانب التوازن، فإنها هدفت لخدمة مصالح السودان السياسية والاقتصادية، والاستفادة من الخبرات الروسية في استخراج الغاز الطبيعي الذي يملك منه السودان احتياطياً كبيراً، يضيع منه الكثير مع تكرير البترول، لكون روسيا من الدول القلائل التي تملك تكنولوجيا لاستثمار الغاز الذي كان يُهدر سدى.
كذلك يملك الروس خبرات وتقنيات متقدمة في التنقيب عن المعادن، لا سيما الذهب، ويملكون - بحكم معاملاتهم السابقة - خريطة جيولوجية للسودان. ويصدّرون إلى السودان قرابة مليون طن من القمح سنوياً، بما يوازي أكثر من ثلث وارداته من القمح البالغة 2,7 مليون طن سنوياً.
- لماذا أثارت الزيارة كل هذه الضجة إذن؟
- كان الناس يركّزون على التطبيع مع أميركا، فاعتقدوا أن الزيارة ليست إلّا تحولاً لتحالف محوري مع روسيا. هي مثلها وزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا، وتوقيعه اتفاقيات كثيرة معها، تتضمن اتفاقية تسليح بثلاثة مليارات دولار، وتوقيع دولة الإمارات العربية المتحدة الأسبوع الماضي لاتفاقية استراتيجية لتخزين القمح الروسي في الإمارات، فمصالح الدول لا تقتصر على معسكر واحد.
- لكن طلب الحماية الروسية من أميركا، أربك المحللين؟
- أوضح وزير الخارجية إبراهيم غندور، أن الرئيس البشير كان يعني حماية السودان في مجلس الأمن، بالاستناد على الموقف الروسي من قرار حظر تصدير الذهب السوداني، وقرارات أخرى بعضها متعلّقة بدارفور. استخدمت فيها روسيا «الفيتو» لوقفها، لكن الصين لم تستخدمه، بيد أن روسيا امتلكت الجرأة اللازمة لاستخدامه لصالحنا.
نحن نسعى لتوظيف العلاقة لخلق توازن، يمكننا - على الأقل - من تحجيم الضغوط الأميركية، التي إذا واجهناها من دون سند دولي، سيكون موقفنا ضعيفاً، أما حين تسندنا روسيا في المحافل الدولية ومجلس الأمن، فستكون المطالب الأميركية معقولة بما يسرع التطبيع، بالاستفادة من تنافس هذه الدول.
- لكن الرئيس طلب حماية روسيا من سعي أميركي لتفتيت السودان إلى دويلات؟
- يمكن قراءة هذا في السياق التاريخي، فإدارات الرؤساء: (كلينتون، بوش الابن وأوباما)، دعمت انفصال جنوب السودان، والحرب في جنوب جبال النوبة والنيل الأزرق. واتخذت قرارات كثيرة ضد النظام في السودان، مستفيدة من الصراع بين السودانيين.
ضمن هذا السياق التاريخي، تواصل إدارة الرئيس ترمب عملية التطبيع من حيث انتهت إدارة أوباما، بسبب متغيرات «جيوبوليتيكية» في المنطقة، ونتيجة لتحولات في السياسة السودانية الداخلية والخارجية، وارتباطها باحتياجات الأمن القومي الدولي والأميركي.
قاد الرئيس الحوار الوطني لتفكيك سيطرة الحركة الإسلامية، والتخلي عن أجندة الإسلاميين في السياسة الخارجية والداخلية، ما أدى للتغيير في الموقف الأميركي نهاية عهد باراك أوباما، ويسير الرئيس دونالد ترمب في هذا الاتجاه.
هذه السياسات كانت موجّهة لحكومة السودان حين كانت تستند على أجندة الحركة الإسلامية، والرئيس البشير بدّل هذه السياسة فانفتح الوضع أمامه. كما شهدت المنطقة تحولات كبيرة، من بينها تفجّر قضايا مثل الإرهاب، الهجرة غير الشرعية، وحالة عدم الاستقرار بعد الربيع العربي في اليمن ومصر وليبيا، وتجربة العراق. هذه التحولات جعلت من السودان لاعباً مهما في حماية الاستقرار الإقليمي والدولي. وتأهل له بسبب التحولات في سياسته الخارجية والداخلية، لأن الرئيس نقلها من أجندة حزبية ضيقة تخص الحركة الإسلامية، إلى أجندة وطنية سودانية.
- يربط البعض طلب الرئيس للحماية الروسية، بزيارة نائب وزير الخارجية الأميركي (جون سوليفان) للسودان، والتي وضعت شروطاً لتطبيع العلاقات، من بينها التخلي عن القوانين الإسلامية؟
- من التنوير الذي قدمه لي وزير الخارجية إبراهيم غندور، يمكنني القول بأنّ اجتماعات (جون سوليفان) كانت ناجحة. توصل الطرفان خلالها لتفاهمات وبرنامج لتسريع التطبيع. مسنودة بدخول أوروبا بقوة لدفع التطبيع، وقد أرسلت أوروبا - خاصة بريطانيا والنرويج - مبعوثين إلى أميركا لدفع رفع العقوبات.
ما أثير من قضايا دينية أو إسلامية خلال زيارة سوليفان، صاحبه (سوء فهم)، لأن ما أثاره الرجل، هو قرارات مؤتمر الحوار الوطني ذاتها، التي نصت على إزالة المواد (151. 152، 153) من قانون النظام العام، وأهمها «اللبس الفاضح» و«الإزعاج العام»، لأنها وفرت مداخلا لاختراقات وانتهاكات لحقوق الإنسان وحقوق السودانيين وحرياتهم، وسببت إزعاجاً كبيراً للمجتمع.
وأكثر من ذلك، كانت هنالك مطالبات قوية لإلغاء قانون النظام العام، ووقفت بجانبها ممثلة حزب المؤتمر الوطني بدرية سليمان. ودفع وزير العدل بالتوصيات لولاية الخرطوم لتلغيها عبر مجلسها التشريعي، والتأخير يُسأل عنه مجلس الخرطوم التشريعي. فلو أنه نفذ المطلوب، لما وجد نائب وزير الخارجية الأميركي (سوليفان) موضوعاً يتكلم فيه، هذه المطالب أجندة سودانية قبل أن تكون أميركية.
- هل هذه التعديلات متفق عليها داخل حكومة الوفاق الوطني؟
- أقر مجلس الوزراء هذه التعديلات ضمن مصفوفة تنفيذ قرارات ومخرجات الحوار الوطني، وسلّمها لقطاع الحكم والإدارة ووزير العدل، لتعديل 108 تشريعات وقوانين، إضافة إلى 4 - 8 تعديلات دستورية. ويعقد النائب الأول رئيس الوزراء الفريق أول ركن بكري حسن صالح، اجتماعات دورية للجنة المتابعة، آخرها كان يوم 10 من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. فيما يعنينا في القطاع الاقتصادي، هناك بند راتب في اجتماعاتنا الأسبوعية، لسماع تقارير تنفيذ مقررات وتوصيات الحوار الوطني. ويراجع التنفيذ شهرياً على مستوى مجلس الوزراء، وأسبوعياً في القطاعات.
شخصياً، تكلمت مع وزير العدل قبل زيارة سوليفان للإسراع بإلغاء المواد المتعارضة مع الدستور، ومع أساسيات حقوق الإنسان الموجودة في (قانون النظام العام). فرد بأن هذه مسؤولية المجلس التشريعي لولاية الخرطوم، وأنه أوصل لها التوصيات عبر وزارة الحكم الاتحادي. النائب الأول يأخذ هذه المسألة بجدية شديدة، لدرجة أنه أصر على بقاء توصيات «مكررة»، كي يقطع القول بأن هناك توصية أو قرارا تم حذفه من السلطة التنفيذية.
- وماذا عن تعديل قانون الأمن الوطني، الذي يتعارض بوضوح مع الدستور؟
- قانون الأمن الوطني والقوانين المتعارضة مع الدستور وقضايا الحريات، تم التوافق عليها في آخر جلسات الحوار الوطني.
- هناك شكوك حول مدى الالتزام، سيما أن التجربة التاريخية في الوفاء بالعهود لا تطمئنها؟
- نعم هناك عدم ثقة، لكن في النهاية «البيان بالعمل»، علينا استعجال التنفيذ، فالسلطة العليا تؤيد السياسات، وعلى المستويات الدنيا التقيد بالتنفيذ. أما إذا كان هناك تعطيل، فمسؤوليته تقع على الأجهزة الأدنى، والمجلس التشريعي لولاية الخرطوم، إضافة إلى المجلس الوطني الاتحادي «البرلمان».
- ألا يمكن أن يُفهم هذا التأخير على أنه نوع من أنواع المماطلة؟
- يمكن أن تكون هناك مماطلة أو تمسك بالقديم، وأن يكون للبعض رأي في التغيير، أو أن يكون هناك من يعملون على تعطيله، لكنهم لن يستطيعوا. حاول المجلس التشريعي بولاية الجزيرة تعطيل التغيير، فأعلن الرئيس حالة الطوارئ وحله، فإذا عطلت الخرطوم أو عوقت انسياب الإصلاح، فسيتم التعامل بصورة حاسمة.
- هل تعتقد أن مستوى الالتزام وتنفيذ توصيات الحوار مطمئن؟
- الالتزام والتنفيذ جيد على مستوى السياسات المتعلقة بالحريات والقوانين، والمطلوب الالتزام بالجانب التشريعي، وإجازة التعديلات الدستورية والقانونية. لأن هذه القضايا تشغل الرأي العام، وتحدث دوياً كبيراً، ويربط الناس بينها وبين التنفيذ. وعلى القيادة السياسية الضغط لتنفيذ المُخرجات، خصوصاً المعلقة بالحريات والقضايا السياسية، فقضية مثل قضية «الصحافية لُبنى» التي حوكمت لأنها ارتدت «بنطالاً»، أخذت صيتاً عالمياً وشوهت صورة السودان.
- تواصلت مصادرات الصحف، وصودرت أخيراً 4 صحف لقرابة الأسبوع خارج القضاء، فكيف تقنع الناس بأن هناك توجهاً نحو الحريات؟
- لا يمكن الحكم بالحجر على الحريات، لمجرد إيقاف صحيفة أو صحيفتين، إذا قرأناه مع الحريات المتاحة وقارناه بالكثير من الدول في الإقليم. عملية التغيير لم تكتمل بعد، لكنها بدأت وتسير، وإلى أن تكتمل علينا التحمل والتعامل مع التجاوزات والانتكاسات.
لن تستطيع تغيير أوضاع نتجت عن صراع آيديولوجيات وأجندة مصالح ضيقة بين يوم ليلة، وأرى ألاّ نحكم بما يحدث بأن «المشروع كله سقط». نعم هناك مقاومة، وعناصر غير متحمسة للتغيير، لكن علينا أن نكون أكثر إصراراً على تنفيذ مخرجات الحوار. فالتغيير عملية لا تقل صعوبة عن النضال المسلح والسياسي المعارض، نحن نناضل لنصل.
- يقول مراقبون إن السودان بصدد إعادة ترتيب علاقاته الإقليمية مع إيران وسوريا والخليج، وقد يصل إلى مرحلة سحب قواته من اليمن؟
- هناك مبادرة بريطانية بمشاركة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، لإنهاء الصراع في اليمن، نتيجتها فتح ميناء الحُديدة ومطار صنعاء للإمدادات الإنسانية، وهي ضمن توجه عالمي وإقليمي للحوار. الحرب لن تنتهي بنصر عسكري، وإنما بحل سياسي يعيد بناء الدولة اليمنية، وإنهاء سيطرة الأقلية الحوثية. حرّرت الحرب حتى الآن جنوب اليمن ومعظم مناطق الشمال، وفتحت الطريق للتسوية. لأن كل الحروب تنتهي بتسويات في النهاية.
داخلياً تفجر الصراع بين حلفاء الأمس عبد الله صالح والحوثيين، وحدثت تحولات تمكننا من القول بوجود مفاوضات ومبادرات لإنهاء الحرب والوصول لاتفاق سياسي. ولا تنسَ أن أحمد عبد الله صالح المرشح للرئاسة، يعيش في «أبوظبي». وبالنسبة إلى السودان، فهو ملتزم بعاصفة الحزم، وأعلن ذلك وزير الخارجية. الموقف الذي عبر عنه الرئيس البشير في روسيا عقلاني وعملي، لكنه لن يؤثر على تحالف السودان في عاصفة الحزم، لوقف التمدد الشيعي الحوثي وتهديد المملكة، وإعادة الشرعية لليمن، والحيلولة دون انهيار الدولة اليمنية، إضافة إلى وقف التمدد المذهبي المدعوم إيرانياً في تهديد المملكة العربية وتغيير توازن القوى في المنطقة.
موقفنا من عاصفة الحزم منطقي، ولن يتغير إلاّ بالوصول لتسوية، فضعف من يريد تغيير المعادلة سيؤدي إلى التسوية، وعلي عبد الله صالح بدأ يرسل الآن إشارات أنه مستعد للتسوية.
- كيف ترى موقف السودان من بشار الأسد؟
- موقف السودان من سوريا نابع عن تجربة انهيار الدولة في ليبيا وما خلقه من فوضى، لذا يتمسك بأهمية الوصول لتسوية تحافظ على الدولة وتخلق التغيير في ذات الوقت.
الدول التي تقف ضد الأسد (السعودية، الخليج، قطر)، شاركت في مفاوضات جنيف، وانحصر الخلاف في أن يبقى الأسد أم يذهب. بعد تدخل روسيا العسكري، أصبح معسكر بقاء الأسد هو الأقوى، بينما لا تزال المعارضة السورية مختلفة وغير قادرة على الاتفاق.
مصر رغم حلفها مع السعودية والخليج، تؤيد الأسد لاعتبارات استراتيجية في إطار المواجهة مع إسرائيل، بجانب أن معارضة الأسد ذات طابع إسلامي إخواني، وهذه من الأسباب التي جعلت الجيش المصري يتحرك ضد محمد مرسي الذي كان يريد تغيير أساسيات الأمن القومي المصري، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا.
الحفاظ على الدولة والعلاقة مع الحكم لاعتبارات المواجهة مع إسرائيل، مهم للوضع الداخلي في مصر، ورغم موقف مصر مع الأسد، لم تتأثر علاقتها بحلفائها.
السودان يفعل الشيء نفسه، فقبل سنتين، صوّت في الجامعة العربية لصالح سوريا، هذا ليس موقفاً مقصوراً على السودان، فحتى تركيا راجعت حساباتها، ببروز «الجيب الكردي» المدعوم أميركياً.
- أين إسرائيل من هذا المسرح؟
- ترى إسرائيل أن بديل الأسد هو الحركات الإسلامية، وهي تمثل بالنسبة إليها خطراً.
- ضمن ترتيب علاقات السودان الدولية، نُسب إليك حديث عن أهمية تطبيع السودان علاقاته مع إسرائيل؟
- قلت إنّ على السودان اتخاذ مواقفه وعلاقاته الخارجية وفقاً لمصالح شعبه، فإن كانت العلاقة مع إسرائيل تخدمها، مثلما خدمت مصر، فلماذا لا يطبّع علاقته مع إسرائيل؟
دول عربية عديدة طبّعت مع إسرائيل، وفتحت مكاتب اتصال ومكاتب اقتصادية وغيرها، لا يوجد ما يمنع السودان من تطبيع علاقته مع إسرائيل. لمَ لا نطبّع وملامح القضية الفلسطينية تغيّرت، وأصبح يحكمها «اتفاق أوسلو»، وعادت منظمة التحرير للأراضي الفلسطينية في رام الله وقطاع غزة، وتقيم علاقة مع إسرائيل؟
صحيح، هناك خلافات على إكمال الاتفاق وموضوع الدولة الفلسطينية، لكن المواجهة انتهت باتفاق سلام لحل النزاع بالحوار. دول المواجهة تخلت عن الحرب وهناك علاقات دبلوماسية واتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، والأردن طبّعت وأقامت تبادلاً دبلوماسياً، تبقى فقط سوريا ولم تصل لاتفاقية سلام في الجولان، لكنها جمّدت المواجهة. يقوم موقف السودان من دعم الحق الفلسطيني على ما اقترحه ملك السعودية الراحل عبد الله بن عبد العزيز باعتماد مبدأ الدولتين.
إذن، خدمة مصالح السودان لا تتعارض مع تأييده للحق الفلسطيني في إقامة دولته، ولن نكون «ملكيين أكثر من الملك» ونتطرف أكثر من أصحاب القضية.
من يتعصبون وينادون باستمرار المواجهة مع إسرائيل، أناس تحركهم أجندة حزبية، بينهم من هو مع حماس، لكن حتى حماس عادت واتفقت مع منظمة التحرير وسلمت الحكم في غزة لحكومة مشتركة، ولأن مصالحها مهددة، رجعت للاتفاق مع إسرائيل والتعاون معها. نحن لن نستمر في اتباع أجندة مذهبية حزبية، بل مصالحنا.
- هل وجد هذا الموقف قبولاً من دوائر شعبية ورسمية؟
- وجد قبولاً شعبياً كبيراً، بمن في ذلك البسطاء البعيدون عن الصراع، لأن تحولاً كبيراً حدث للرأي العام السوداني. ولم تعد تحكمه الطوباوية والعاطفية التي حكمت جيل الخمسينات، الأجيال الجديدة لم تشهد معارك حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ولم تنفعل بها، مثلما انفعلت بها تلك الأجيال، الأجيال الجديدة تنظر إلى مصالحها، وتدعو للانصراف إليها.
- إلى أي مدى وجد هذا الموقف قبولاً داخل مطبخ صناعة القرار؟
- هذا يُسألون فيه هم، لكن في نظري السكوت من علامات الرضا. الموضوع أثير في مؤتمر الحوار باعتباره بنداً أساسياً، وهناك تصريحات لوزير الخارجية إبراهيم غندور، تقول إن السودان ملتزم بالمبادرة السعودية وتطبيق مبدأ الدولتين، ولا اعتراض على التطبيع في إطار هذه المبادرة، وهذا رد فعل إيجابي وواقعي.



«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.


صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
TT

صراعات النفوذ تفجّر الداخل الحوثي المتصدّع

تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)
تجمع لقبائل قيفة اليمنية رفضاً لأحكام إعدام حوثية على 11 فرداً من أبنائها (إكس)

وسط العزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية، تتزايد أحداث العنف التي تعكس حدوث تحوّلات عميقة في علاقتها بالمكونات المجتمعية وقدرتها على فرض الهيمنة، وعجزها عن إدارة الخلافات الداخلية، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم على النفوذ والموارد، في ظل غياب آليات مستقرة لضبط هذا التنافس، مع اتساع رقعة الاستياء الشعبي وعدم الثقة في المؤسسات الخاضعة للجماعة.

وفي إحدى أحدث وقائع الفوضى الأمنية وأخطرها، تحوّل مقر إدارة أمن مديرية جبل رأس، جنوب محافظة الحديدة (غرب)، الثلاثاء الماضي، إلى ساحة اشتباك مفتوح بين قيادات من داخل الجماعة نفسها، في مواجهة استخدمت فيها الأسلحة الرشاشة وسط أحياء سكنية مكتظة.

وذكرت مصادر محلية أن توتراً متصاعداً بين القيادي محمد عباس القحيف المعين من قبل الجماعة مديراً لأمن المديرية، والقيادي الميداني أبو بشار حبيب مطلق، تحول إلى مواجهة مباشرة بالأسلحة الرشاشة داخل المقر الأمني، أسفرت عن إصابة عددٍ من العناصر من الجانبين، بالإضافة إلى إصابة مدني، حالته حرجة، بفعل انتقال الاشتباكات إلى الخارج.

وشهدت الأسابيع الماضية مقتل عددٍ من القادة الأمنيين والميدانيين الحوثيين في محافظات الجوف والمحويت وصنعاء والبيضاء.

الحوثيون يستغلون التصعيد الإقليمي للتغطية على سوء المعيشة وتردي الخدمات (رويترز)

ويرى صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن هذه الصراعات «ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً وتكراراً»، نتيجة تراكم شبكات نفوذ تشكّلت خلال سنوات الحرب، أعادت توزيع مراكز القوة داخل الجماعة، وأضعفت أدوار قوى قبلية واجتماعية كانت شريكة أو مستفيدة في مراحل سابقة.

ويشير صلاح في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المرحلة الراهنة تشهد تحولاً لافتاً، يتمثل في انتقال التوترات من أطراف المشهد إلى داخل بنية الجماعة نفسها، مع بروز خلافات بين القيادات والمشرفين، مدفوعة بالتنافس على النفوذ والموارد والصلاحيات، وهي خلافات لم تعد قابلة للاحتواء إلا عبر تدخلات مباشرة من القيادة العليا.

وتعددت خلال الأيام الماضية وقائع العنف المرتبطة بالخلافات الشخصية وانتشار السلاح بين قيادات حوثية وسكان في عدد من المحافظات، ففي صنعاء قُتِل الشيخ القبلي عبد الرزاق العذري، على يد شقيقه محمد، وهو مسلح تابع للجماعة، بعد خلاف على قطعة أرض في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة.

تجيير الأمن والقضاء

في سياق هذا الانفلات الأمني، قُتل شيخ قبلي آخر في منطقة قيفة في مديرية رداع التابعة لمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، وشخص آخر في مركز المديرية.

وحسب المصادر المحلية، فإن الشيخ محمد الربيحي قُتل في كمين مسلح نصبه مجهولون، بينما سقط رجل مسن ينتمي إلى محافظة إب، خلال وجوده في مدينة رداع، برصاص مسلحين قبليين، دون الكشف عن ملابسات الواقعة.

وتعدّ مديرية رداع في البيضاء مسرحاً مفتوحاً لانفلات أمني من جهة، ومواجهة بين السكان والجماعة الحوثية من جهة أخرى.

باحثون يرجحون أن انشغال الحوثيين بالتصعيد الإقليمي أدى إلى تراجع سيطرتهم الداخلية (غيتي)

وتعتزم قبائل قيفة اتخاذ مواقف تصعيدية رافضة لقرار قضائي من محكمة تابعة للجماعة بإعدام 11 شخصاً من أبنائها، على خلفية نزاع قبلي سابق مع قبائل سنحان في محافظة صنعاء.

ومنذ أشهر تطور نزاع على أرض بين أحد شيوخ المنطقة وقيادي حوثي في مديرية سنحان، إلى اشتباك مسلح أسفر عن مقتل شخصين من كل طرف، ورغم تدخل وساطة لتهدئة الموقف واحتجاز أشخاص من الجانبين رهائن لضمان التسوية، فوجئت قبائل قيفة بصدور قرارات إعدام جماعية دون علمها بحدوث أي إجراءات قضائية.

ووفقاً لما أوردته مصادر محلية فإن أبناء قيفة يتهمون القيادي الحوثي يحيى الرزامي، بالوقوف خلف القرار القضائي والانحياز لصالح قبائل سنحان، سعياً إلى إذلالهم بسبب مواقفهم المناهضة لنفوذ الجماعة وممارساتها.

وكانت المديرية شهدت، الشهر الماضي، مقتل ملاطف الجاكي، المكنى أبو حامد، أحد أبرز القيادات العقائدية للجماعة الحوثية التي اعترفت بالواقعة، دون أن تقدم أي تفاصيل عنها أو من يقف خلفها، مكتفية بتشييعه في صنعاء، بحضور عدد من القيادات المتوسطة والميدانية.

ويرجح المحلل في الشأن اليمني باسم منصور أن يكون للعزلة التي تعيشها الجماعة الحوثية دور في فقدانها القدرة على إدارة الخلافات الداخلية أو السيطرة على أحداث العنف، ففي حين تنشغل القيادات العليا بالتطورات العسكرية والأمنية المحلية والإقليمية، تلجأ القيادات الميدانية إلى التصرف برعونة في مواجهة الاستياء الشعبي أو في إدارة المشهد الأمني.

ويوضح منصور لـ«الشرق الأوسط» أن القيادات العليا مضطرة للاختفاء وتأمين نفسها خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، في حين يجد المشرفون والقادة الميدانيون أنفسهم في مواجهة غضب الشارع وسط مخاوفهم من انهيار سيطرة الجماعة.

غضب معكوس

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث العنف لحل الخلافات الشخصية، في مختلف مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط غياب الأجهزة الأمنية الحوثية وتدخلها المتأخر، في حين يشكو السكان من بطء إجراءات الأجهزة القضائية وفسادها وعدم قدرتها على حل النزاعات.

ويذهب باحث في الإعلام والسياسة، يقيم في صنعاء، إلى أن الظروف المعيشية المعقدة وتردي الخدمات في مناطق سيطرة الجماعة تسببت في وقوع السكان تحت ضغوط نفسية كبيرة تدفعهم إلى التهور في تصرفاتهم وحل خلافاتهم.

صعوبة العيش في مناطق سيطرة الحوثيين تدفع إلى مزيد من الفوضى الأمنية (غيتي)

ويبين الباحث، الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، أن غضب السكان يتزايد يومياً بفعل ممارسات الجماعة الحوثية وإجراءاتها التي أدت إلى مفاقمة معاناتهم، إلا أن هذا الغضب ينفجر في الخلافات الشخصية، ويتطور إلى عنف لا محدود.

ولم تعد الأجهزة الأمنية أداة لفرض النظام، بل أصبحت ساحة لتصفية الحسابات كما حدث في مديرية جبل رأس، بينما تفقد المؤسسات القضائية ثقة السكان، وتتحول إلى خصم لهم ما يتيح المزيد من الانفلات في بيئة يسودها انتشار السلاح وغياب الردع، وتآكل دور المؤسسات القضائية والأمنية.

وفي ظل استمرار هذا المشهد، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، عالقين بين صراعات الأجنحة الحوثية في الأعلى، وفوضى السلاح في الميدان، دون أفق واضح لاستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.