زيادة أسعار النفط كابوس لاقتصاد الهند

ارتفاع 10 دولارات للبرميل يرفع عجز حسابها الحالي 0.3 %

ارتفاع أسعار النفط يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأسعار الإجمالية نظرا لارتفاع أسعار النقل والمواصلات (رويترز)
ارتفاع أسعار النفط يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأسعار الإجمالية نظرا لارتفاع أسعار النقل والمواصلات (رويترز)
TT

زيادة أسعار النفط كابوس لاقتصاد الهند

ارتفاع أسعار النفط يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأسعار الإجمالية نظرا لارتفاع أسعار النقل والمواصلات (رويترز)
ارتفاع أسعار النفط يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأسعار الإجمالية نظرا لارتفاع أسعار النقل والمواصلات (رويترز)

تواصل أسعار النفط الخام ارتفاعها على الصعيد العالمي، إذ حققت ارتفاعا كبيرا بنحو 25 في المائة خلال الشهرين الماضيين فحسب، مما يشكل علامات مثيرة للمزيد من القلق بالنسبة للهند.
وعلى مدار الشهر الماضي فقط، سجلت أسعار خام برنت، وهو المؤشر القياسي المعتمد لدى الهند، ارتفاعا بنسبة 14 في المائة، وصولا إلى 64 دولارا للبرميل. ومنذ يوليو (تموز) من العام الحالي، سجلت أسعار النفط الخام القياسي العالمية ارتفاعا بواقع 33 نقطة مئوية كاملة.
وتعتمد الهند بشكل رئيسي وكبير على الواردات في جزء كبير من النفط الخام الذي تستهلكه. وبين عامي 2016 و2017، كانت نسبة 82.1 في المائة تقريبا من إجمالي استهلاك الهند من النفط الخام مستوردة من الخارج، وبلغ صافي واردات النفط الهندية نحو 56 مليار دولار؛ أو ما يساوي 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد اعتبارا من السنة المالية لعام 2017 الحالي.
> متى وكيف بدأ الأمر في إيلام الهند؟
مع اعتبار أن الهند هي مستورد صاف للنفط الخام مع الطلب المستمر غير المرن، فإن التحركات في أسعار النفط الخام العالمية تميل إلى أن تضفي المزيد من التأثير على مخاطر الاستقرار الكلي في البلاد (أي التضخم، وعجز الحساب الحالي، والعجز المالي)، وبالتالي توقعات النمو الاقتصادي بأسرها. ووفقاً إلى خلية التخطيط والتحليل النفطي، فإن ارتفاع أسعار النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل يضاعف من فاتورة الواردات الهندية، ويؤدي إلى ارتفاع عجز الحساب الحالي بمقدار 8 مليارات دولار (أو ما يساوي 0.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد).
ووفقاً لتقديرات بنك الاحتياطي الهندي، إذا ما ارتفعت أسعار النفط الخام أو حتى استقرت عن المستوى الحالي طوال العام وحتى مارس (آذار) من عام 2018، فمن شأن التضخم أن يرتفع بنسبة 30 نقطة أساس، وقد ينخفض مقياس النمو الرئيسي بمقدار 15 نقطة أساس.
وقال آجاي بودك، الرئيس التنفيذي ومدير الحافظات الرئيسية لدى شركة «برابهوداس ليلادهر» للوساطة المالية: «تحتاج الهند إلى توخي الحذر حيال الارتفاع المطرد في أسعار النفط الخام، حيث إن ارتفاع أسعار النفط بمقدار دولار أميركي للبرميل يؤدي إلى ارتفاع فاتورة الواردات الهندية بمقدار 1.33 مليار دولار».
كذلك، من شأن ارتفاع فاتورة الواردات أن تضفي المزيد من الضغوط على الروبية الهندية. وارتفاع فاتورة الواردات الهندية بمقدار 1.03 مليار دولار لكل روبية يؤدي إلى إضعاف قيمة الروبية مقابل الدولار، كما أضاف السيد بودك.
وعلى الصعيد العالمي، تواصل أسعار النفط العالمية ارتفاعها بما يكاد يصل نحو مستوى 70 دولارا للبرميل، الأمر الذي يشكل المزيد من التحديات في مواجهة صناع السياسات. والارتفاع الحاد في أسعار النفط سوف يُقابل بقلق بالغ داخل الهند التي تواجه في الآونة الأخيرة تحديات قائمة تتمثل في محاولات إحياء النمو الاقتصادي الذي تراجع إلى أدنى مستوياته منذ ثلاث سنوات خلال الربع الثاني من السنة المالية الحالية، مسجلا 5.7 نقطة مئوية.
وتعتبر أية حركة تصاعدية في أسعار النفط الخام العالمية من قبيل الأنباء السيئة بالنسبة إلى نيودلهي. حيث تؤثر أسعار النفط المرتفعة سلبيا على الاقتصاد والشعب الهندي من زاويتين. أولا، الارتفاع الكبير في فاتورة الواردات، مما يؤدي إلى اتساع العجز الحالي في الحساب الجاري.
ويظهر الأثر السلبي الثاني من ارتفاع أسعار النفط على صعيد التضخم. إذ يعني ارتفاع أسعار النفط ارتفاعا مطردا في أسعار البنزين والديزل داخل البلاد، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع الأسعار الإجمالية نظرا لارتفاع أسعار النقل والمواصلات. ونتيجة لما تقدم، سوف يرتفع التضخم، مما يضطر البنك المركزي الهندي إما إلى تثبيت أسعار الفائدة أو رفع أسعار الفائدة.
ويرى الكثيرون أن احتياطيات النقد الأجنبي في البلاد سوف تتعرض للمزيد من الضغوط، ويمكن للاقتصاد الهندي أن يدخل في منطقة الخطر إذا ما تجاوز سعر برميل النفط 65 دولارا في المرحلة المقبلة.
ومن المرجح لارتفاع أسعار النفط العالمية أن تؤثر أيضا على هوامش الشركات الهندية، مع ارتفاع تكاليف المدخلات. وتعتزم وزارة المالية، بالفعل، كبح جماح العجز المالي في البلاد، والذي تجاوز 90 في المائة من إجمالي الميزانية خلال ستة أشهر.
وفي واقع الأمر، فإن المستويات المرتفعة والمطردة من أسعار النفط من شأنها أن تشكل اختبارا عسيرا لعزم الحكومة على إجراء الإصلاحات في هذا القطاع.
> تحديات تواجه الحكومة الهندية:
يعتبر ناريندرا مودي أحد أكثر رؤساء الحكومات حظا، نظرا لأنه بعد فترة وجيزة من توليه المنصب انهارت أسواق النفط العالمية، من مستوى 114 دولارا للبرميل في صيف 2014، إلى نحو 40 دولارا فقط للبرميل في منتصف نفس عام 2016. الأمر الذي ساعد الحكومة الهندية بوجه خاص، نظراً لأن الهند هي واحدة من أسرع أسواق النفط نموا على مستوى العالم.
ويقول بعض خبراء الاقتصاد، مثل ساجيد شينوي من «جيه بي مورغان»، إن الركود النفطي كان أحد أبرز الأسباب التي أسفرت عن نمو الناتج المحلي الإجمالي الهندي إلى 8 نقاط مئوية كاملة خلال تلك الفترة الزمنية.
ولقد ألغت الحكومة الهندية الضوابط التنظيمية على أسعار البنزين في عام 2010، وتبعتها أسعار الديزل في عام 2014 للاتساق مع أسعار النفط العالمية. ولقد استفادت الهند، باعتبارها من كبار مستوردي النفط الخام، من انخفاض الأسعار العالمية كثيرا.
ومن المتوقع أن يشكل ارتفاع أسعار النفط الخام اختبارا قويا لرئيس الوزراء الهندي وهو يستعد لإعادة انتخابه في عام 2019... إذ لا تزال الحكومة تتصارع مع النمو الاقتصادي الضعيف في البلاد.
ويُقال إن الخطوات الحازمة التي اتخذتها الحكومة الهندية في العام الماضي، من إيقاف التعامل بالفئات النقدية الكبيرة من العملة المحلية، ثم في العام الحالي من فرض ضريبة السلع والخدمات الجديدة، هي من بين الأسباب التي أسفرت عن بطء النمو الاقتصادي في البلاد.
وكيفية تعامل السيد مودي مع ارتفاع أسعار النفط سيكون من بين محددات مصداقية الانتقادات الموجهة لحكومته بأنه كان محظوظا للغاية بانخفاض أسعار النفط العالمية، وهي المزاعم التي يرفضها الرجل دائما.
وقالت سونال فارما، كبير خبراء الاقتصاد لدى مجموعة «نومورا» الهندية القابضة، في تقرير صادر الأسبوع الماضي: «بالنسبة لمستورد نفطي صاف مثل الهند، فإن الارتفاع المطرد في أسعار النفط الخام من شأنه أن يرجع بآثار سلبية واضحة على الاقتصاد الكلي في البلاد».
وفي حين أن الحكومة الهندية قد اتخذت بعض الخطوات الجادة لزيادة إنتاج النفطي محليا، ولا سيما في أعقاب تولي حكومة السيد مودي السلطة، فإن التوقعات تفيد بأن أي زيادة محلية في إنتاج النفط الخام سوف تكون هامشية ليس إلا.
وبينما تبذل الحكومة الجهود الكبيرة في تطوير مصادر الطاقة البديلة وغير التقليدية، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فإن آثار تنمية مصادر الطاقة غير التقليدية لن تحدث فارقا كبيرا في الاعتماد الهائل على الواردات النفطية الخارجية، مع اعتبار الحاجات الهائلة للطاقة في البلاد.
ومع ارتفاع أسعار النفط الخام، تحركت الحكومة الشهر الماضي لخفض الضرائب على البنزين والديزل معا، الأمر الذي أسفر عن خسائر كبيرة في الإيرادات.
ويقول خبراء السوق إن الكيفية التي تعالج بها حكومة السيد مودي الارتفاع العالمي في أسعار النفط سوف تحدد المسار المستقبلي للحكومة. وفي المستقبل، ونظرا للارتفاع المطرد في أسعار النفط، سوف تكون هناك آثار اقتصادية واسعة النطاق في الأيام المقبلة.
غير أن الدراسة الاقتصادية التي رُفعت إلى البرلمان الهندي في وقت سابق من العام الحالي قد رسمت صورة مغايرة بعض الشيء، إذ ذكرت أنه «حتى مع ارتفاع الأسعار فقط إلى مستوى 60 - 65 دولارا للبرميل، فإن الاقتصاد الهندي سوف يتأثر وفقاً لذلك، عن طريق انخفاض الاستهلاك، وتقلص مجال الاستثمار العام، وانخفاض هوامش الشركات، وزيادة استثمارات القطاع الخاص. ومن شأن نطاق التسهيلات النقدية أن يتضاءل أيضاً، إذا ما أسفر ارتفاع الأسعار النفطية عن زيادة الضغوط التضخمية».
ويتوقع المحللون استمرار ارتفاع أسعار النفط الخام. ويقول مارتن راتس وإيمي سيرجينت من «مورغان ستانلي» في مذكرة بحثية نشرت في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي: «يتزايد الطلب على النفط الخام ارتفاعا بمرور الوقت، ولا تزال هناك قيود على الإنتاج تفرضه مجوعة دول أوبك، كما أن النمو منخفض في أماكن أخرى. وإننا نرفع توقعاتنا إلى 63 دولارا للبرميل بحلول منتصف عام 2018».
ووفقاً للتقارير الصادرة عن «بلومبيرغ» و«رويترز»، فإن بعض المحللين الدوليين يتوقعون ارتفاع أسعار النفط الخام إلى 70 دولارا للبرميل بحلول عام 2018.
ومع ذلك، لا يزال هناك بصيص أمل في نهاية النفق. إذ يثير كثير من المحللين الدوليين بعض الشكوك حيال ما إذا كانت أسعار النفط الخام سوف تستمر عند مستويات تبلغ 65 - 70 دولارا للبرميل.
ونقلت وكالة بلومبيرغ الإخبارية عن المحلل المخضرم في أسواق النفط ورئيس مجلس إدارة مؤسسة «إف جي إي» الاستشارية، فيريدون فيشاراكي قوله: «أحسنت (أوبك) صنعا بتقييد خط إنتاجها مع انخفاض أسعار النفط، ولكن مع استعادة الأسعار عافيتها، فمن شأن الانضباط الصارم أن يتقلص داخل مجموعة (أوبك) وخارجها».
ونظراً لوضع الاقتصاد الكلي في الهند، فإن تأثير ارتفاع أسعار النفط على المؤشرات الفردية قد لا يبدو مثيراً للقلق حتى الآن، ولكن جنباً إلى جنب مع ارتفاع وتيرة عدم اليقين المتعلقة بالإيرادات والنشاط الاقتصادي نظراً للمشكلات العسيرة الناشئة عن فرض ضريبة السلع والخدمات، يمكن للأمر أن يسفر عن تردي التوقعات الهندية.


مقالات ذات صلة

النفط يرتفع مع استمرار التوترات الأميركية الإيرانية

الاقتصاد السفن ترسو في رصيف مصفاة نيكو لوبيز النفطية في خليج هافانا (رويترز)

النفط يرتفع مع استمرار التوترات الأميركية الإيرانية

ارتفعت أسعار النفط بشكل طفيف يوم الخميس مع ترقب المستثمرين لما إذا كانت المحادثات الأميركية الإيرانية ستُجنّب صراعاً عسكرياً يُهدد الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الولايات المتحدة​ ناقلة نفط في ميناء ماتانزاس... كوبا 17 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أميركا ستسمح بتصدير النفط الفنزويلي إلى كوبا لأغراض إنسانية

أعلنت الولايات المتحدة، الأربعاء، أنها ستخفف لأسباب إنسانية القيود على صادرات النفط الفنزويلية إلى القطاع الخاص في كوبا التي تعاني أزمة طاقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صهاريج تخزين في مصفاة بومونت لتكرير النفط في بومونت بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

ارتفاع مخزونات النفط الأميركية بأكثر من التوقعات وانخفاض البنزين

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام ونواتج التقطير في الولايات المتحدة، بينما انخفضت مخزونات البنزين خلال الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد خزانات نفط في خليج ناخودكا بالقرب من مدينة ناخودكا الروسية (رويترز)

روسيا لتحويل المزيد من عائدات النفط إلى الصندوق الاحتياطي

أعلن وزير المالية الروسي، أنطون سيلوانوف، الأربعاء، أن روسيا تعتزم تحويل المزيد من عائدات النفط إلى صندوق الاحتياطي الحكومي، لحمايته من النضوب.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد حفارات تعمل في حقل للنفط والغاز في كازاخستان (رويترز)

تباطؤ تعافي إنتاج النفط في حقل «تنغيز» الكازاخستاني

أفاد مصدران في قطاع النفط، بأن حقل «تنغيز» النفطي في كازاخستان يستأنف الإنتاج بوتيرة أبطأ من المخطط لها، بسبب تعطل عمليات الشحن في المحطة البحرية المجاورة له.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

رئيس «إنفيديا» يقلّل من تداعيات الخلاف بين البنتاغون و«أنثروبيك»: ليست نهاية العالم

شاشات تعرض صورة رئيس «إنفيديا» جينسين هوانغ وشعار الشركة في تولوز (أ.ف.ب)
شاشات تعرض صورة رئيس «إنفيديا» جينسين هوانغ وشعار الشركة في تولوز (أ.ف.ب)
TT

رئيس «إنفيديا» يقلّل من تداعيات الخلاف بين البنتاغون و«أنثروبيك»: ليست نهاية العالم

شاشات تعرض صورة رئيس «إنفيديا» جينسين هوانغ وشعار الشركة في تولوز (أ.ف.ب)
شاشات تعرض صورة رئيس «إنفيديا» جينسين هوانغ وشعار الشركة في تولوز (أ.ف.ب)

دخل الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، جينسين هوانغ، على خط المواجهة المحتدمة بين وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وشركة الذكاء الاصطناعي الناشئة «أنثروبيك». ووصف هوانغ الخلاف الدائر حول قيود استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في الأغراض العسكرية بأنه «ليس نهاية العالم»، داعياً إلى تفهم وجهات نظر الطرفين في أزمة قد تعيد تشكيل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والحكومة الأميركية.

تأتي تعليقات هوانغ لشبكة «سي إن بي سي»، في وقت حرج، بعد أن منح وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، شركة «أنثروبيك» مهلةً حتى يوم الجمعة لتخفيف قيودها الصارمة على استخدام البنتاغون لأدواتها للذكاء الاصطناعي، أو المخاطرة بفقدان عقودها الحكومية. وذهب التهديد إلى أبعد من ذلك؛ حيث لوّح هيغسيث بتصنيف الشركة بوصفها «خطراً على سلاسل الإمداد» أو تفعيل «قانون الإنتاج الدفاعي» لإجبارها على الامتثال، وهو ما يضع الشركة المُطوِّرة لنموذج «كلود» في مأزق أخلاقي وقانوني.

حق الدولة مقابل حرية المنتج

أشار هوانغ إلى أن كلا الطرفين يملك وجهة نظر منطقية في هذا النزاع؛ فمن جهة، تمتلك وزارة الدفاع الحق في استخدام التقنيات التي تشتريها بالطريقة التي تخدم المصالح الوطنية والأمنية. ومن جهة أخرى، تمتلك «أنثروبيك» الحق في تقرير كيفية تسويق منتجاتها وتحديد حالات الاستخدام التي تتوافق مع مبادئها. وأضاف هوانغ: «أعتقد أن لديهما منظوراً معقولاً، وآمل أن يتمكنا من التوصل إلى حل، ولكن إذا لم يحدث ذلك، فلن تتوقف الصناعة عند هذا الحد».

نقاط الخلاف

تعثرت المفاوضات بسبب إصرار «أنثروبيك» على الحصول على ضمانات بعدم استخدام نماذجها في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل بالكامل أو في عمليات المراقبة الجماعية للمواطنين الأميركيين. في المقابل، يطالب البنتاغون الشركة بالموافقة على «حالات الاستخدام القانونية كافة» دون أي قيود مسبقة، عادّاً أن تقييد التكنولوجيا يضعف القدرات الدفاعية للولايات المتحدة في السباق العالمي نحو التفوق في الذكاء الاصطناعي.

يُذكر أن «إنفيديا» ترتبط بشراكة استراتيجية وثيقة مع «أنثروبيك» منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث تعتمد الأخيرة على بنية «إنفيديا» التكنولوجية، كما تلقت التزاماً استثمارياً بقيمة 5 مليارات دولار من عملاق الرقائق. ورغم هذه العلاقة، فإن هوانغ يرى أن السوق تتمتع بالمرونة الكافية؛ فـ«أنثروبيك» ليست الشركة الوحيدة في هذا المجال، كما أن وزارة الدفاع ليست العميل الوحيد المتاح، مما يقلل من الآثار الكارثية المحتملة في حال انهيار العقد البالغ قيمته 200 مليون دولار.

وتتجه الأنظار الآن نحو يوم الجمعة، الموعد النهائي الذي حدده «البنتاغون». ويمثل هذا الصدام اختباراً حقيقياً لشركات وادي السيليكون التي تحاول الموازنة بين «أخلاقيات الذكاء الاصطناعي» والضغوط القومية المتزايدة. وسواء تم التوصُّل إلى حل وسط أو فُسخ العقد، فإن كلمات هوانغ تلخص واقع السوق الجديد: التكنولوجيا تتقدم، والبدائل دائماً موجودة، والصراع الحالي هو مجرد فصل في علاقة معقدة ومستمرة بين التكنولوجيا والقوة العسكرية.


«إنفيديا» تقود انتعاش الأسواق الآسيوية بدعم نتائج تفوق التوقعات

متداولون يعملون في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)
TT

«إنفيديا» تقود انتعاش الأسواق الآسيوية بدعم نتائج تفوق التوقعات

متداولون يعملون في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)

ارتفعت معظم الأسهم الآسيوية، الخميس، مدعومة بنتائج أعمال قوية لشركة «إنفيديا» فاقت توقعات الأسواق، ما أسهم في تهدئة مخاوف المستثمرين حيال استدامة طفرة الذكاء الاصطناعي، في حين تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية.

وفي اليابان، تجاوز مؤشر «نيكي 225» مستوى 59 ألف نقطة للمرة الأولى في تاريخه قبل أن يقلّص مكاسبه ويغلق مرتفعاً بنسبة 0.2 في المائة عند 58715.33 نقطة. وصعد سهم «سوفت بنك» بنسبة 3.5 في المائة بدعم من الزخم في أسهم الذكاء الاصطناعي، بينما تراجع سهم «طوكيو إلكترون» بنحو 2.8 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وجاء الدعم أيضاً عقب تعيين رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي اقتصاديين يُنظر إليهما على أنهما يميلان إلى الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة ضمن مجلس إدارة البنك المركزي، في خطوة عززت شهية المستثمرين للأصول عالية المخاطر.

وفي كوريا الجنوبية، قفز مؤشر كوسبي بنسبة 2.3 في المائة إلى 6222.29 نقطة، مواصلاً مكاسبه بعد تجاوزه مستوى 6000 نقطة للمرة الأولى في الجلسة السابقة، بدعم من أسهم التكنولوجيا. وارتفع سهم «سامسونغ إلكترونيكس» بنسبة 5.5 في المائة، بينما صعد سهم «إس كيه هاينكس» بنسبة 2.5 في المائة.

في المقابل، تراجع مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة 0.4 في المائة إلى 26656.29 نقطة، وانخفض مؤشر «شنغهاي» المركب بنسبة طفيفة بلغت 0.1 في المائة إلى 4144.08 نقطة. وفي أستراليا، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز/إيه إس إكس 200» بنسبة 0.5 في المائة إلى 9174.50 نقطة، كما زاد مؤشر «تايكس» في تايوان 0.2 في المائة، وصعد مؤشر «سينسيكس» الهندي 0.3 في المائة.

وتبقى نتائج «إنفيديا» محور اهتمام الأسواق العالمية، إذ تُعد الشركة الأعلى قيمة سوقية في العالم وأكبر مكوّن في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، كما أنها المستفيد الأبرز من الطفرة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأظهرت بيانات الشركة قفزة في الإيرادات الفصلية بنسبة 73 في المائة على أساس سنوي لتبلغ 68 مليار دولار، بينما توقعت تحقيق إيرادات قدرها 78 مليار دولار في الربع الحالي، متجاوزة تقديرات المحللين. وأكد رئيسها التنفيذي جنسن هوانغ أن الطلب على رقائق الشركة لا يزال «يتسارع بقوة»، مشدداً على أن «الذكاء الاصطناعي باقٍ ولن يتراجع».

وارتفع سهم «إنفيديا» بنسبة 0.2 في المائة في التداولات المسائية عقب إعلان النتائج بعد إغلاق «وول ستريت»، ما ساعد في تخفيف بعض القلق بشأن ما إذا كانت الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي ستترجم إلى أرباح مستدامة، رغم استمرار حالة الحذر لدى شريحة من المستثمرين.

وفي مذكرة بحثية، أشار توماس ماثيوز من «كابيتال إيكونوميكس» إلى أن النمو القوي في الأرباح، كما تعكسه نتائج «إنفيديا» وغيرها يعزز التوقعات بأداء قوي لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» خلال عام 2026، متوقعاً وصوله إلى مستوى 8000 نقطة بنهاية العام.

وكان المؤشر الأميركي قد أنهى جلسة الأربعاء مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة عند 6946.13 نقطة، بينما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 0.6 في المائة إلى 49482.15 نقطة، وقفز مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.3 في المائة إلى 23152.08 نقطة.

وفي سوق العملات، تراجع الدولار إلى 155.89 ين ياباني مقابل 156.39 ين في الجلسة السابقة، بينما ارتفع اليورو هامشياً إلى 1.1817 دولار.


قرار المحكمة العليا: 1800 شركة أميركية تقاضي واشنطن لاسترداد 130 مليار دولار

سفينة تحمل حاويات في ميناء أوكلاند (رويترز)
سفينة تحمل حاويات في ميناء أوكلاند (رويترز)
TT

قرار المحكمة العليا: 1800 شركة أميركية تقاضي واشنطن لاسترداد 130 مليار دولار

سفينة تحمل حاويات في ميناء أوكلاند (رويترز)
سفينة تحمل حاويات في ميناء أوكلاند (رويترز)

فتحت المحكمة العليا الأميركية الباب أمام واحدة من أكبر المعارك المالية والقانونية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، بعد قرارها الأسبوع الماضي إسقاط مجموعة واسعة من الرسوم الجمركية العالمية التي فرضتها إدارة ترمب. هذا الحكم لم يكن مجرد انتصار قانوني للشركات، بل تحوَّل إلى «سباق مع الزمن» لاستعادة ما لا يقل عن 130 مليار دولار دُفعت كرسوم جمركية خلال الأشهر العشرة الماضية. وبينما تنتظر الأسواق استجابة الحكومة، بدأت ملامح أزمة قضائية تلوح في الأفق مع تدفق آلاف الدعاوى المطالبة بالاسترداد.

فقد كشف تحليل لصحيفة «وول ستريت جورنال» أن ما لا يقل عن 1800 شركة سارعت بالفعل إلى رفع دعاوى قضائية للمطالبة باستعادة أموالها، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم في الأيام المقبلة. القائمة تضم أسماء عملاقة مثل «كوستكو»، و«غوديير» لخدمات الإطارات (Goodyear)، و«فيديكس».

ويشبه خبراء القانون هذا التدفق الهائل بموجات تقاضي «الأسبستوس» (Asbestos) التاريخية، لكن الفارق هنا أن جميع القضايا تنفجر في لحظة زمنية واحدة، مما يضع ضغطاً هائلاً على «محكمة التجارة الدولية» في نيويورك، وهي الجهة المختصة بالفصل في هذه النزاعات المعقدة.

في تاريخ القضاء الأميركي، تعتبر قضايا «الأسبستوس» الأضخم والأطول على الإطلاق، حيث رُفعت آلاف الدعاوى القضائية من عمال ومستهلكين أصيبوا بأمراض رئوية نتيجة استنشاق غباره. وكانت هذه القضايا معقدة جداً واستغرقت سنوات طويلة لتسويتها وصرف التعويضات.

سفينة شحن في ميناء أوكلاند (رويترز)

إدارة ترمب بين الرفض والامتثال

في وقت تسعى الشركات إلى «التعويض الكامل مع الفوائد»، جاءت ردود فعل الإدارة الأميركية متباينة ومثيرة للقلق. فمن جانبه، انتقد ترمب قرار المحكمة العليا، مشيراً بسخط إلى أن معركة استرداد الأموال قد تمتد في أروقة المحاكم لخمس سنوات قادمة. وفي المقابل، حاول وزير الخزانة، سكوت بيسنت، تبني نبرة أكثر هدوءاً، مؤكداً أن الإدارة ستتبع أوامر القضاء وتنتظر توجيهات المحاكم الأدنى. هذا التضارب يترك آلاف المستوردين، الذين يقدر عددهم بنحو 301 ألف مستورد، في حالة من عدم اليقين حول موعد وكيفية استرجاع سيولتهم المحتجزة.

صغار المستوردين في مهب الريح

تظهر الأزمة انقساماً حاداً في القدرة على المواجهة؛ فبينما شكلت الشركات الكبرى مثل «كيو إيمانويل» فرق عمل قانونية متخصصة لملاحقة حقوقها، يجد صغار المستوردين أنفسهم في موقف صعب. فتكاليف التقاضي الباهظة تمنع الكثير من الشركات المتوسطة والصغيرة من رفع دعاوى مستقلة، حيث يكتفي البعض بـ«الأمل» في أن تقوم مصلحة الجمارك وحماية الحدود برد الأموال تلقائياً. وتتراوح المبالغ المطالب بها بين 2200 دولار للمستوردين الأفراد وصولاً إلى 7 ملايين دولار وما فوق للشركات الكبرى، مما يجعل استرداد هذه المبالغ مسألة «حياة أو موت» لبعض قطاعات الأعمال.

تفاؤل المحامين مقابل تعقيدات الواقع

يسود تساؤل جوهري في أوساط قطاع الأعمال: متى تعود الأموال؟ تتراوح تقديرات المحامين المتفائلة بين سنة إلى سنتين لإتمام عمليات الاسترداد، بينما تذهب التقديرات التشاؤمية إلى مدى أبعد بكثير. وتعتمد سرعة العملية على ما إذا كانت محكمة التجارة الدولية ستنشئ آلية موحدة وشاملة للإشراف على المبالغ المستردة لجميع المستوردين، أم أنها ستتعامل مع كل قضية على حدة، وهو ما قد يؤدي إلى شلل إداري وقانوني يعطل التدفقات النقدية للشركات لفترات طويلة.

ضريبة الـ15 % والبديل القادم

بينما تنشغل الشركات باستعادة أموالها القديمة، تتجه الأنظار نحو خطة ترمب لفرض تعرفة عالمية جديدة بنسبة 15 في المائة تحل محل الرسوم التي أسقطها القضاء. هذا التحرك يهدف إلى الالتفاف على قرار المحكمة العليا وتأمين موارد مالية جديدة، مما يعني أن المعركة بين الإدارة الأميركية وقطاع الأعمال حول «عدالة التجارة» و«قانونية الضرائب» قد بدأت فصلاً جديداً، ولن تنتهي بمجرد صرف الشيكات المستردة.