«الأميرة وبنت الريح».. حكاية ألم وأمل.. وكثير من الشغف

رواية نيوزيلندية مستوحاة من حياة الأميرة هيا بنت الحسين

الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب)  -  الروائية ستايسي غريغ
الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب) - الروائية ستايسي غريغ
TT

«الأميرة وبنت الريح».. حكاية ألم وأمل.. وكثير من الشغف

الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب)  -  الروائية ستايسي غريغ
الأميرة هيا في طفولتها مع والدها الراحل الملك حسين (من صور الكتاب) - الروائية ستايسي غريغ

كانت طفولة الأميرة هيا ثورة صامتة على معتقدات ترسخ التفرقة بين الجنسين. لم تحتج إلى مظاهرات وإقرار قوانين لتدافع عن حقها. كان تصميمها وعزمها ووفاؤها لأمها بوصلتها للوصول إلى ما أرادت.
هي قصة أميرة تخلت عن تاجها وقصرها وكل ما أوتيت من جاه الملكية. أميرة أرادت أن تفخر بها «ماما»، تلك الملكة التي ما عرفتها إلا القليل من السنين، لا يتعدى عددها أصابع اليد الواحدة.
رواية «الأميرة وبنت الريح» للكاتبة النيوزيلندية ستايسي غريغ، التي صدرت أخيرا عن دار «نوفل» التابعة لمجموعة «هاشيت أنطوان»، وبتوقيع المترجمة رنا حايك، تحكي فصولا من طفولة الأميرة هيا بنت الحسين، بنت الملكة علياء وشقيقة الملك عبد الله لأبيه! في الرواية، الموجهة للكبار كما الناشئة، تتوقف غريغ مطولا عند وصف هذه الأميرة التي هي غير كثير من الأميرات... لم تستهوها الفساتين، ولا المجوهرات ولا التيجان، ولا أي من تلك المظاهر المترفة.
كل ما عناها من ذلك القصر الملكي كانت عائلتها. أسرتها مصدر سعادتها. من كانت للآخرين جلالة الملكة كانت لها «ماما»، ومن كان بيمينه يهز عرش مملكته كان يمشط لها شعرها قبل أن تنام... ومن كان أميرا، وضعته في مصعد خدمة الغرف.
لقد علمتها أمها منذ نعومة أظافرها أن كل الأردنيين هم إخوتها وأخواتها وأن عليها أن تحبهم. لكن لم يكن مكتوبا لسعادتها أن تطول... هبت عاصفة «مشؤومة ووقعت المأساة»... وأخذت معها أحب الناس إلى قلب هيا: ماما لم تعد هنا! «لا على الفطور... لا لتمشط شعرها... قصرها الكبير أضحى موحشا وفارغا من دون ضحكة ماما...». كان ذلك في 9 فبراير (شباط) 1977.
كبرت هيا قبل أوانها. باكرا، وهي الطفلة، هدهدت أخاها علي ليتوقف عن البكاء، فهو «يبكي لأنه لا يفهم لماذا لا تأتي إليه ماما». وهي أيضا لا تفهم. ظنت أنها إذا ما أنهت طعامها، ستأتي ماما!
حفر الحزن في داخلها أخاديد عميقة لم تظهر للعلن إلا من خلال انزوائها، فما كان من والدها الملك إلا أن أهداها - لمناسبة عامها السادس - مهرة يتيمة الأم. أوكل الملك إلى ابنته حديثة اليتم مهمة تربية مهرة يتيمة هي أيضا. «من الآن، أنت أمها»، قالها والدها كما لو أنه أراد من هيا أن تسقط من خلال اهتمامها بمهرتها ما ينقصها من اهتمام تعانيه من جراء غياب ماما. فهمت هيا حينها صعوبة مهمة الأم... «أطعميها، اعتني بها ونظفيها، ربيها ودربيها، علميها حسن التصرف. علميها كيف تصبح فرسا». كيف تسأل هيا عن مهرة وهي لا تزال تستطيع الزحف تحت سريرها للقاء أمها؟ وهي احتفظت بكل أشيائها في علبة خبأتها تحت سريرها، فالعاصفة لن تجد لها مكانا تحت السرير، ولن تأخذ منها ما بقي من ماما.
هديتها هذه فتحت لها الباب على مصراعيه لمستقبل يختلف كل الاختلاف عن واقع كل أميرة. عادت الضحكة إلى وجهها وبات لحياتها معنى... «بنت الريح» أو «بري» كما سمت هيا مهرتها اليتيمة، هي سبب وجودها... عاطفة الأم التي حرمت منها، أغدقت بها على «بنت الريح». تفتحت غريزة هيا الأمومية باكرا، وكأن الحرمان العاطفي الذي عانته خط طريقه إلى فيض من العاطفة والاهتمام تجاه مخلوق صغير شكلت له هيا طوق النجاة... نموها العاطفي كان شأنه شأن النمو العاطفي لأي طفل فقد عزيزا... أصبح غياب ماما المحرك الأساسي لمهمة هيا الجديدة: أم بديلة لمهرة يتيمة.
اختبرت هيا اليتم قبل «بنت الريح» فأرادت أن تجنبها كل ما في ذلك من ألم ووجع. أدركت أنه عليها أن تسيطر على أحاسيسها ومشاعرها الحزينة لغياب أمها، فالوقت الآن ليس لها؛ فهي ليست طفلة وعلى الآخرين أن يواسوها... قلبت الأدوار الآن، هي المسؤولة وعليها أن تواسي يتيمة أخرى... ورغم صغر سنها، أدركت أن المواساة ليست بتشبيه مأساة الآخرين بمآسينا. أدركت أن المواساة هي بتخفيف وقع الغياب. كيف لا تدرك ذلك وهي التي فقدت كل ما كانت تقدمه ماما.
لم ترد لبنت الريح أن تحس بغياب أمها... لم ترد لها أن تعيش مأساتها، فبقيت بجانبها، أطعمتها، رافقتها في كل اكتشافاتها، سهرت جانبها ليلا فإذا ما صحت رأتها جنبها واطمأنت.
ولكن هذا الاهتمام بقي ضمن حدود المعقول. اهتمامها بـ«بنت الريح» أو «بري» كان إضافة إلى حياتها الاعتيادية. أصرت مربيتها على تلقينها كل الفنون الملكية: فنون المائدة، العزف والغناء... دون نسيان مهامها المدرسية... لكن هيا لم تكترث لكل هذه الأمور، إلا لكونها طريقا يمهد لها قضاء ساعات مع مهرتها... فالسماح لها بزيارة مهرتها أو منعها من إتمام هذه الزيارة كانا منوطين باجتهادها في فروضها المدرسية.
رافقها حبها للفروسية إلى «المدرسة الداخلية» إلى بادمينتون في بريطانيا. كانت تلميذة مجتهدة تبرع في مهامها المدرسية وكانت رياضية ماهرة - شأنها شأن أمها. حتى في بادمينتون، لاقى شغفها بالفروسية مكانا يتفجر به. شهد «شبرلاند كوبس» على فطرة هيا واكتسبت في ميدانه خبرة واسعة مكنتها من حصد أكثر من ميدالية في أكثر من سباق. لم تكن لترتاد هذا المكان لولا تدخل بابا الذي طلب إلى مدرسة هيا إعطاءها الإذن بذلك.
ولكن كل هذه النجاحات لم تكن لتضمد جراح انسلاخها عن عائلتها ولا لتوقف الحنين الذي ما انفك يكبر يوما بعد يوم رغم المراسلات الدائمة بينها وبين عائلتها. حتى بنت الريح كان لها حصة في هذه المراسلات. فقد كان زين - من أوكلت إليه هيا مهمة الاهتمام ببري - يخبرها بكل شاردة وواردة، طبعا بعد أن دربته على الاعتناء بها وشرحت له معاني كل حركة تقوم بها مهرتها.
مرت الأيام وعلي يعد أيام عودة أخته إلى القصر الملكي، أي عند انتهاء العام الدراسي. ولكنه لم يكن يعلم أن مصير أخته ارتبط ارتباطا وثيقا بالسماء والكواكب.
فكما كان لعاصفة ذلك العام المشؤوم وقع مدو في حياة الأميرة هيا، كذلك كان إطلاق المكوك تشالنجر. شاهدت هيا على التلفزيون حدث إطلاقه، وكان آخر ما رأته صورة لانفجاره... وجه أمها... مروحية هليكوبتر تسقط... وأصوات صراخ ونحيب!
كل هذه السنين التي حاولت فيها هيا كتم مشاعرها وإخفاء حزنها عادت وألقت بكل ثقلها، فأغمي عليها... وأعيدت إلى قصرها الأردني. هناك لاقت أخاها وأباها ومربيتها... عادت إلى تلك الحياة الرخامية التي لم ترد منها سوى إسطبلاتها.
رغم ضعفها ووهنها، أصرت هيا على زيارة المهرة التي باتت الآن فرسا. هنا، تعلمت أن الغياب لا يوقف الزمن. عادت لتلاقي زملاء لها يشاطرونها شغفها بالخيول.
عادت أميرة عربية تمتطي فرسا وتدربها على ما لم تعد من أجله، حسب العادات. بري، كما فارستها، كسرت القيود. فكما تمردت هيا على مصيرها وخلعت فساتينها وارتدت بنطالا، كذلك فرسها التي كانت معدة للجري دربتها هيا على تخطي الحواجز.
ثارت هيا على تقاليد مجتمعها، فما انفكت تمارس هوايتها وتصادق «السياس»، وأبدت اهتماما بالمشاركة في بطولة الكأس الملوكية للفروسية. تخطت هيا كل الحواجز. ورفضت فكرة أن كونها فتاة (أولا) وأميرة (ثانيا) سيمنعها من تحقيق حلمها.
لطالما حلمت هيا بتلك اللحظات، حين تتحد فيها مع فرسها، وتقودها لتكون غير كل الخيول. وثقت بها ثقة عمياء - ثقة أم بطفلها، فهي الأدرى بها وبكل ردود فعلها. علمت هيا أن «بنت الريح» لن تخذلها لعلمها أنها هي بنفسها لن تخذل الملكة علياء وستجعلها تفخر بها.
رغم كل هفواتها، ساندها الملك في قرارها المشاركة في البطولة. وكان لها خير معلم في أصول الشهامة واحترام الوعود حين عفا عن معاقبتها لتلتحق بالتمارين النهائية. كان يمرر لها بجرعات متفاوتة دروسا في الشهامة والعنفوان والعزم في كل قرار اتخذه بحقها. شاركت هيا في البطولة وهي بنت في الثانية عشرة من عمرها، كانت الأنثى الوحيدة والأصغر سنا بين جميع المشتركين.
بيد أنها كانت الأعلى رتبة بينهم، إلا أن ذلك لم يكن جواز عبورها لهذه المسابقة. استحقت المشاركة بجدارة؛ فهي فارسة ماهرة ومتمكنة. نجحت حينا وسقطت حينا آخر. ولكنها، بعزمها وبثقتها ببري وبنفسها، ووفاء لوالدتها، وطمعا منها بضحكة جديدة تعبق بالفخر على وجه أبيها الملك، قادت هيا فريقها إلى نصر أمام خصم عنيد. طفولة هيا كانت ثورة صامتة على معتقدات صماء ترسخ التفرقة الجنسية. لم تحتج هيا إلى مظاهرات وإقرار قوانين لتدافع عن حقها. كان تصميمها وعزمها ووفاؤها لأمها بوصلتها للوصول إلى ما أرادت.

* نبذة عن المؤلفة ستايسي غريغ
* في طفولتها، شغفت ستايسي غريغ بالخيول، حتى إنها حاولت تدريب كلبها على قفز الحواجز في حديقة المنزل، إلى حين سمح لها والداها باقتناء مهرة.
غريغ لم تصبح فارسة، لكنها برعت في الكتابة عن الفروسية، إذ بيع أكثر من نصف مليون نسخة من السلسلتين اللتين أصدرتهما عن الخيول، Pony Club Secrets وPony Club Rivals، والموجهتين إلى الفتيات الصغيرات.
لتأليف «الأميرة وبنت الريح»، نزلت الكاتبة النيوزيلندية ضيفة على الأميرة هيا بنت الحسين في الأردن. زارت قصور العائلة المالكة، وجالت في الإسطبلات الملكية، وأدارت حوارات مطولة مع الأميرة ومحيطها، متتبعة ومتقصية، لنسج خيوط هذه القصة عن الأميرة ومهرتها، و«بمباركة» منها.



أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين
TT

أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين

يضعنا التلقي النقدي لمسار الرواية العربية في تحولاتها أمام تجربة روائية متميزة أبانت عن كفاءة واقتدار على مستوى منجزها السردي الموازي بين الكتابة السردية الروائية والقصصية، وإن انتصرت في المراحل الأخيرة لجنس الرواية من منطلق انفتاحه على أكثر من جنس، إلى تعدد الشخوص واللغات والقضايا التي تنزع إنتاج معنى.

إن الروائي اليمني أحمد زين (1968)، منذ تجربته البكر «تصحيح وضع» (دار الانتشار العربي - 2004)، إلى «رماية ليلية» (دار المتوسط - 2024)، وغيرهما، رسخ تقاليد كتابة روائية تنبني على الجدة، وتنطبع بروح التجريب المناهض للمتداول والمألوف على مستوى الشكل الروائي، إذا ما ألمحت لكونه يتفرد - في تصوري - بخصوص الإنجاز الروائي بوضع مسافة زمنية تمتد من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات بين رواية وثانية، الشيء الذي يوضح أن ثمة تفكيراً روائياً قبلياً قبل الإقدام على التحقق والاكتمال. يلاحظ هذا أيضاً على سبيل التمثيل لدى الروائي اللبناني الراحل إلياس خوري، والتونسي الحبيب السالمي، واليمنيين علي المقري ووجدي الأهدل، وأيضاً لدى الروائيات هدى بركات، ونجوى بركات، وأنيسة عبود، ومنصورة عز الدين، ونادية الكوكباني.

بيد أن التفكير الروائي يؤجل التمرين على فعل القص دون أن يلغيه. فبعض الروائيين يؤسسون عالمهم الروائي انطلاقاً من وحدات حكائية صغرى هي في الجوهر قصص قصيرة تحتكم لرابط يجسد حبكة النص الروائي، نحو ما نقف عليه في «وردية الليل» لإبراهيم أصلان، كما في ثلاثية «زهرة الآس» لمحمد عز الدين التازي. على أن مما يستلزم التأكيد ما أحبذ دعوته بـ«الموازاة الأجناسية»، وفق ما عكسته تجربة الروائي الراحل محمد زفزاف، الذي حافظ على إيقاع إصدار مجموعة قصصية في سنة، ورواية في سنة ثانية، إلى حين رحيله. والحالة ذاتها جسدها محمد صوف، في حين نجد من الروائيين من لم يصدر مجموعة قصصية على امتداد تجربته السردية، نحو ما يطالعنا لدى الروائيين جبرا إبراهيم جبرا، ورشيد الضعيف، وعبد الله العروي، وشعيب حليفي.

خصائص إبداعية

يقود المعبر عنه إلى محاولة تشكيل تصور حول منجز أحمد زين الروائي. وهو في الجوهر ما يؤلف مشتركاً بين أكثر من روائي عربي، وإن كانت الخصوصية تفرض ذاتها، وهو المسعى الذي ندرسه هنا، ومنه الاستمرارية الإبداعية التي تتجسد على مستوى جنس الرواية، وتبرز في مواصلة الكتابة والإضافة، وهذا ما سبقت الإشارة إليه بالمسافة الزمنية التي يرسمها الروائي بين رواية وثانية في نوع من التفكير الذي يهجس بأفق التلقي، وما يترتب من تفسير وتأويل. أقول بمعنى آخر، إن الروائي أحمد زين وهو في وضعية الإنجاز يتمثل إبداعه وحالة قارئه. فمن خلال الآثار السابقة تتولد قناعة القيمة والرغبة في الإضافة - كما سلف - وهو ما يحقق التكامل بين أفقين: أفق الروائي المبدع، وأفق القارئ المتلقي. على أن ما تعكسه الاستمرارية الإبداعية يتمثل في المرجعية الروائية التي تتجلى في كون المكتوب صورة دقيقة عن وجود مقروء. فكفاءة الإنجاز الروائي لا يمكن أن تتخلق عبثاً، وإنما انطلاقاً من الانفتاح على تجارب روائية عربية وعالمية بالأخص، تفسح إمكان القول إن أي تميز روائي وليد قراءة. فأحمد زين في تفرده روائياً بمنزلة قارئ تأسيساً من أن لا كتابة دون قراءة، ثم القدرة على التصريف، وهي ترتبط بالسابق؛ إذ الروائي الكفء يجيد تصريف وتذويب مقروئه في تعبيره الروائي، بحيث يصعب الوصول إلى استجلاء الأثر والتأثير. يحدث هذا على مستوى النصوص المقروءة، إلى تداخل الأجناس وفق ما سنقف عليه في العملين الأخيرين: «فاكهة للغربان» و«رماية ليلية».

وبذلك، فإن الاستمرارية الإبداعية قناعة بما للكتابة الروائية من بلاغة التأثير، عكس التوقف الذي يطول بعض التجارب الروائية بمبررات لا يمكن التكهن بخلفياتها. يقول أحمد زين في حوار مع الشاعرة اللبنانية الراحلة عناية جابر: «الروائيون الذين أصدروا روايات في الستينيات والسبعينيات وربما الثمانينيات كفوا عن الكتابة، ولم يعد أحد من أولئك، أقصد الأحياء منهم، يكتب الرواية».

في دور الذاكرة

تظل الذاكرة حاضرة على امتداد الآثار الروائية لأحمد زين. ويمثل حضورها وظيفة غايتها الامتياح من الذاتي في معايشته وقائع سياسية واجتماعية وثقافية عرفها اليمن، وتبقى في أمسّ الحاجة للتوثيق والتأريخ من منظور الرؤية الروائية المغايرة، بما هي بمنزلة إبدال لما يثبته المؤرخ وعالم الاجتماع.

بيد أن ما لا يجب أن يُفهم، كون الروائي أحمد زين يسهم في تدوين سيرته الذاتية، علماً بأن لا كتابة في منجاة من البعد الذاتي، وخاصة أن ميثاق التعاقد الذي يربط الروائي بقارئه يتحدد منذ البداية في دقة التجنيس؛ أي رواية وليست سيرة ذاتية. على أن من النقاد الذين تناولوا التجربة تحديداً من يجنح إلى القول إن شذرات الذات تتوزع بين الروايات المنجزة. هذا التصور يبدو صحيحاً. وهو ما عبر عنه الروائي جبرا إبراهيم جبرا قبل كتابته «البئر الأولى» و«شارع الأميرات»، في حين اختار محمد زفزاف القول إنه يفضل إملاء سيرته الذاتية على طرفٍ ما دون كتابتها. يرد في الحوار نفسه: «أرى أن الذهاب إلى هموم خاصة أو ذاتية، في المعنى الضيق للذاتية، بعيداً عن القضايا المفصلية التي يعانيها المجتمع في لحظته الراهنة، وتمس عصب الحياة، وتربك أحوال الناس؛ سيبدو ليس صعباً فحسب، إنما أيضاً نوع من الترف، في حال حصل».

الفضاء اليمني

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد السداسية الروائية من 2004 إلى 2024؛ بمعنى أن زمن المنجز السردي يتأطر في عشرين سنة من دون أن يتوقف أو ينتهي. والأصل أن الامتداد دعوة ليقظة الذاكرة كي تحكي سيرة الفضاء بما يتفاعل فيه من أحداث ترتبط بأمكنة وأزمنة تمتلك هدف إنتاج المعنى السياسي والاجتماعي والثقافي. ومن ثم، فالذاكرة تعد ذاكرة فضاء في دينامياته التي عاشها، وما انطبع بها من إخفاقات وحروب لم تفتأ تنتهي إلا لتوقد من جديد. من هنا، فإن زين يحكي في منجزه واقع اليمن ومأساته سواء كما عيشت في حينها، أو كما تخلقت بعيداً عنه في رحلة الاغتراب وقلق الوجود. يقول زين: «في اليمن، يتقدم العام دوماً، يسحق ما هو خاص أو في هيئته، فلا مجال لمقاربة أحوال الفرد، والتفتيش عن فردية؛ لأن عوامل كثيرة تغيبها».

وتقود الاستمرارية الإبداعية المتحدث عنها إلى التأكيد على قناعة الإضافة الفاعلة والمنتجة... وهو وعي الروائي أحمد زين بقيمة وأهمية جنس الرواية في وعلى ملامسة القضايا، والتعبير عن تنوع الأحداث في رصد ومتابعة تعمل الذاكرة على استصفائها والامتياح منها.

* كاتب من المغرب

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد سداسية أحمد زين الروائية من 2004 إلى 2024


«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة
TT

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

تنتمي رواية «أشباح الأمومة»، للكاتبة الإسبانية كاشا أجيري، إلى نوعية النصوص غير التقليدية من حيث الموضوع، والجريئة من حيث الأفكار التي تطرحها، حيث تعيد تفكيك مفهوم الأمومة، بعيداً عن التصورات المثالية، وتكشف عن مساحة من القلق والتوتر، أحياناً الغضب والرفض، في علاقة الأم بالعالم وبطفلها الوليد.

تتداخل في العمل، الصادر أخيراً عن «دار العربي» بالقاهرة، ترجمة أحمد عويضة، تجربة الأمومة وفعل الكتابة الإبداعية عندما تكتشف البطلة، وهي روائية في شهرها التاسع من الحمل وعلى وشك الولادة، جريمة مروعة تهز الرأي العام، حيث قامت امرأة تُدعى «أليس» بإغراق طفليها التوأم الرضيعين في حوض الاستحمام.

تزداد الصدمة حين تكتشف البطلة أنها كانت تعرف هذه الأم القاتلة شخصياً في الماضي، رغم انقطاع أخبارها لفترة طويلة، وبدلاً من أن تستغل إجازة الأمومة المرتقبة للعناية بطفلها الرضيع وتتفرغ لتربيته، تقرر استغلال هذه الفترة كغطاء وفرصة للبحث والتقصي والكتابة.

تبدأ البطلة رحلة تتبع وبحث جنائي وأدبي لمعرفة الحقيقة المظلمة والدوافع النفسية والاجتماعية التي تقف وراء إقدام أم على إنهاء حياة طفليها، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع أسئلتها الداخلية حول معنى أن تكون أماً وأن تكون مبدعة في آن واحد.

الأمومة والإبداع

تمزج حبكة الرواية بين البناء الكلاسيكي لقصص التشويق والإثارة وأسلوب التحقيق الصحافي والجرائم الواقعية، مع طرح الأفكار الفلسفية والتأملات الفكرية، على خلفية كسر واحد من أكبر المحرمات أو «التابوهات» الاجتماعية والثقافية، وهو الاعتقاد السائد بأن الأمومة تحمل دائماً حباً مطلقاً وغريزة تضحية لا تشوبها شائبة.

وتوازن الكاتبة بين نوعين من «الخلق»: الولادة البيولوجية للطفل، والولادة الفنية للعمل الإبداعي، من خلال استلهام تجارب وسير ذاتية لكاتبات وشاعرات عانين من المعضلة ذاتها، واختبرن أشباح الأمومة واكتئابها وتأثيرها على مسيرتهن، مثل الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث، والروائية البريطانية دوريس ليسينغ.

عالمان متناقضان

جاءت الأجواء العامة للرواية مشحونة بالتوتر والترقب والنقد الذاتي الحاد، حيث تعيش البطلة في منطقة رمادية تفصل بين عالمين متناقضين: عالم الأمومة المليء بالمتطلبات الجسدية والنفسية وعزلة رعاية الرضيع، وعالم الكتابة الذي يتطلب الانفصال والتركيز والبحث.

تضع تلك الأجواء القارئ أمام تساؤلات تكاد تكون غير مسبوقة دون أن تقدم بالضرورة إجابات جاهزة: هل الأمومة يمكن أن تتحول أحياناً إلى سجن أو زنزانة؟ وكيف يتعامل القانون والمجتمع مع حماية الأطفال وفي الوقت نفسه مع الاضطرابات النفسية للأمهات؟ هل يمكن فصل غريزة الأمومة عن الأنوثة؟ أين يقع الحد بين الإبداع والتدمير؟ ولماذا ينظر دائماً إلى الأمومة على أنها قدر بيولوجي، لا خيار إرادي؟ وكاتشا أجيري كاتبة ومخرجة من إقليم الباسك، وواحدة من الأصوات الأدبية الأكثر إثارة للجدل والاهتمام في المشهد الثقافي الإسباني المعاصر. تميزت مسيرتها الأكاديمية والعملية بتنوع إبداعي لافت، حيث جمعت بين البحث المتخصص في السرديات السينمائية والإبداع الأدبي الجريء. بدأت حياتها المهنية كاتبة سيناريو قبل أن تتجه للرواية، مما أضاف بعداً بصرياً متميزاً لأسلوبها السردي.

اشتُهرت أجيري بروايتها هذه التي نُشرت في الأصل تحت عنوان «الأمهات لا يفعلن»، وقد أحدثت ضجة كبيرة بسب جرأتها في نقد الأمومة وربطها بين الإبداع والعنف. تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات وحصلت على تكريمات مهمة منها «جائزة أكاديمية اللغة الباسكية»، كما تعد من أهم الأصوات النسوية في أوروبا اليوم، حيث تقدم رؤية فريدة تدمج بين الحساسية الأدبية والتفكيك النقدي للأنماط الاجتماعية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«الأدب هو الخيمياء، معرفة ما قبل معرفة علمية وبربرية وعقلانية وعاطفية وطوباوية وسياسية وباردة وحارقة ومجنونة وجميلة ورهيبة وإيقاعية ومرهقة وقبيحة ومنعشة.

الأدب لغز لا يحتاج إلى إجابات هنا والآن؛ لأنه لا يطرح عليَّ أسئلة. أكتب وكل شيء يعود إلى مكانه أخيراً، كل حرف، كل نفس، كل همسة.

تقول أمي كل صباح وإيريك مربوط إلى مقعده بالسيارة: «قل وداعاً لماما»، فيقول الصغير: «وداعاً، وداعاً» وهو يلوّح بكفه الصغيرة. بدا سعيداً مع تلك الجدة التي التقاها للتو وبدت والدتي سعيدة أيضاً. ومن المؤكد أن نيكولاس أيضاً سعيد بلوح التزلج الخاص به واستعجاله ركوب الأمواج، تعجل إلى درجة أنه لم يمنحني حتى قُبلة وداع. وفوق كل ذلك فأنا أيضاً سعيدة، سعيدة وأنا وحدي في منزل أمي.

أهرب أنا أيضاً خلف الأبواب المغلقة، كل شيء مثالي: درجة الحرارة والرائحة وصوت المحيط وهذا الإيقاع المحموم والجذاب لأزرار لوحة المفاتيح. سيعود الجميع إلى الداخل خلال ساعتين أو ثلاث. سيعود إيريك نائماً ومجهداً بعد اللعب بين الصخور البركانية وأمي مفتونة كمن ينظر لأول مرة داخل محارة طفل من ذوات الصدفتين، ثم يعود نيكولاس بأنفه متقشر الجلد ورائحته البرية بعدما صار أشقر أكثر من أي وقت مضى.

سينتهي هذا الكمال في غضون ستة أيام، سيعود العالم الحقيقي خلال ستة أيام ستقول لنا أمي: «وداعاً» وهي تشعر بارتياح حقيقي في حين تستعيد وحدتها. ستشعر بالفخر جراء الهدية التي أهدتها إلينا، وسوف تذّكر نفسها بألا تكرر التجربة لفترة طويلة.

سأعود لأراقب حسابي الجاري، وأستعد من جديد لمشقة العمل موظفة، وفوق كل هذا سيتعين عليّ قراءة كل تلك الصفحات التي تركتها خلفي. لقاء عنيف وغير سار هناك ينتظرني، الأموات والأحياء، «أليس» والتوأمان وشبح سيلفيا بلاث وشبح ابنها المنتحر».


«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات
TT

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

في لغة سلسة تجمع بين البساطة والعذوبة، ترصد رواية «سطوح طهران»، للكاتب مهبد سراجي، حقبة قلقة ومليئة بالتوتر السياسي والاجتماعي من تاريخ إيران في حقبة السبعينات، وتحديداً السنوات القليلة التي سبقت اندلاع الثورة على نظام الشاه، وإعلان ما سُمِّيت لاحقاً «الجمهورية الإسلامية».

ووصف النقاد الرواية الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بترجمة إيناس التركي، بأنها «من الروايات النادرة التي تبقى في ذاكراتك طويلاً بعد طي صفحتها الأخيرة؛ حيث تذكِّرنا بالخير والشر في الحياة، وبأن للفرح جانباً مؤلماً، وبأن الحب يأتي بأشكال متعددة».

كما اعتبرت مراجعات الصحف العالمية للعمل أننا إزاء نص مبهج، يثير التفكير عن الشجاعة والتضحية والصداقة والحب، كما يظهر دراما فقدان البراءة، ويكشف جانباً مجهولاً عن بلد بات غامضاً، ولا يفهمه إلا القليلون.

في هذه الرواية المؤثرة، يكشف المؤلف عن الجمال، والعنف أيضاً، مؤكداً في الوقت نفسه على المشاعر الإنسانية التي نتشاركها جميعاً.

تدور الأحداث في حي من أحياء الطبقة المتوسطة في طهران؛ حيث يقضي «باشا شاهد» البالغ من العمر سبعة عشر عاماً صيف 1973 على سطح منزله، مع صديقه المقرب «أحمد».

يتمازحان تارة، ويطرحان أسئلة ملحَّة عن الحياة تارة أخرى. يخفي «باشا» حباً سرياً لجارته الجميلة «زاري» المخطوبة منذ ولادتها لرجل آخر. وسرعان ما يتبدد نعيم الوقت المستباح الذي قضاه «باشا» و«زاري» معاً، عندما يساعد الأول من غير قصد شرطة الشاه السرية، فتصبح علاقته بحبيبته في مفترق طرق.

وُلد الكاتب الإيراني مَهبُد سِراجي عام 1956، وانتقل للعيش في الولايات المتحدة عام 1976 وهو في التاسعة عشرة من عمره. استكمل دراسته في جامعة أيوا؛ حيث نال درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية، ثم الماجستير في مجال الإذاعة والسينما، وصولاً إلى درجة الدكتوراه في تصميم وتكنولوجيا التعليم.

يتخذ سِراجي حالياً من منطقة خليج سان فرانسيسكو مقراً لإقامته؛ حيث يعمل مستشاراً في مجال الإدارة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سمعتُ صوت شخص ينشد، وتدفقت الأبيات المتكررة كالماء على حافة ما أمتلكه من وعي:

لو أن لدي كتاباً، لقرأته.

لو أن لدي نشيداً، لغنيته.

نظرتُ حولي حتى رأيت رجلاً عجوزاً يقف على بعد أمتار قليلة ينشد بنبرة ثابتة جوفاء. لم يبدُ المكان مألوفاً بالنسبة إليَّ، فالرداء الأزرق الذي يغطي جسدي، والكرسي المتحرك الذي أجلس عليه، وأشعة الشمس التي تتسلل بين الظلال وتدفئني، كل هذا بدا غريباً:

لو أنني أعرف رقصة، لرقصتها.

لو أنني أعرف قافية، لرددتها.

لو أن لي حياة، لخاطرتُ.

لو أن بوسعي الحرية، لغامرتُ.

في الفناء بالخارج، يجول رجال من جميع الأشكال والأعمار مرتدين أردية زرقاء. كان هناك شيء غريب في كل واحد منهم؛ حيث بدوا تائهين. فجأة امتلأ صدري بموجة من المشاعر، واندفعت إلى حلقي، هُرعت نحوي ممرضة صغيرة ذات وجه لطيف ممتلئ يشبه التفاحة، ووضعت يديها على كتفي وصرخت قائلة:

ساعدوني هنا، ساعدوني!

هرع رجل يرتدي زياً أبيض وحاول أن يثبِّتني. صاحت ذات الوجه الشبيه بالتفاحة:

ابقَ في مقعدك يا عزيزي، ابقَ في مقعدك!

وهو ما يعني على الأرجح أنني كنت أتحرك، ركزتُ على الجلوس بثبات، ونظرتُ نحو الرجل العجوز في الجانب البعيد من الغرفة. أخذ يحدق إليَّ وهو يكرر ترنيمته على نحو محموم:

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً...

اصطحبوني إلى غرفة بها فراش، وقالت لي صاحبة الوجه الشبيه بالتفاحة:

سأعطيك مهدئاً ليجعلك تشعر بالتحسن يا عزيزي.

شعرتُ بوخز في ذراعي، وفجأة أصبح رأسي وذراعي ثقيلين بشكل لا يطاق، وانغلقت عيناي».