علي الوردي.. شقاء الفكر وسيرة ذاتية ضائعة

كاتب عراقي رافقه في السنوات الأخيرة من حياته يكتب عنه

علي الوردي.. شقاء الفكر وسيرة ذاتية ضائعة
TT

علي الوردي.. شقاء الفكر وسيرة ذاتية ضائعة

علي الوردي.. شقاء الفكر وسيرة ذاتية ضائعة

صدر عن «دار الحكمة» بلندن كتاب «مائة عام مع الوردي» للباحث محمد الخاقاني. تضمن الكتاب مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، إضافة إلى ملف بالوثائق والصور. ويشير المؤلف في مقدمته الوافية إلى «سانحة الحظ التي أتاحت له مرافقة عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في سنواته العشر الأخيرة من حياته». وقد اطلع الخاقاني خلال هذه السنوات العشر على غالبية المنجز الفكري للدكتور الوردي.
يضع المؤلف عشرة أسباب رئيسة دفعته لإنجاز هذا الكتاب، نذكر منها أن الوردي نفسه قد حصد ثمار جهوده الفكرية التي بذلها طوال حياته، كما أعاد قراءتها وتقييمها في مرحلة الشيخوخة من دون خشية من أحد أو ضغط من هذا الطرف أو ذاك. وقد ساعد هذا التقييم الأخير على تنقية الاختلاط، وفرز التداخل بين الفكرة والنظرية. ثمة أسباب أخرى تتعلق بخشية الخاقاني من تحوير آراء الوردي وتزوير أفكاره، خصوصا آراءه المثيرة للجدل في الأحداث والشخصيات التي روي بعضها بطريقة غير دقيقة مما دفع الباحث لتصحيح بعض الروايات التي حرفت أو شوهت كليا، وكان الخاقاني نفسه قد تجاوز مرحلة المراهقة آنذاك ودخل في مرحلة الشباب التي تؤهله للفحص والتدقيق واستخلاص النتائج.

* صورة قلمية
يركز الفصل الأول من الكتاب على ولادة الوردي وطفولته وصباه، ثم دراسته في بيروت حيث درس التجارة والاقتصاد. وحينما عاد درس في الإعدادية المركزية وثانوية التجارة في بغداد قبل أن يذهب في بعثة دراسية إلى جامعة أوستن الأميركية ويمارس البحث الاستقرائي والاستقصائي. حصل الوردي على شهادة الدكتوراه بتقدير امتياز عن أطروحته الموسومة بـ«التحليل الاجتماعي لنظرية ابن خلدون». وحينما عاد بهذه الشهادة العليا درس مادة «علم النفس الاجتماعي». ثم تدرج الوردي حتى نال لقب الأستاذية، وأسندت إليه رئاسة قسم الاجتماع عام 1963، وبدأت شهرته تتسع وتتخذ منحى عربيا وعالميا بعد أن كتب الكثير عن شخصية الفرد العراقي، وطبيعة المجتمع العراقي. ونتيجة لأفكاره المعروفة التي لم يحد عنها، أقدمت جامعة بغداد على سابقة غير مألوفة حين سحبت منه لقب الأستاذ المتمرس عام 1989، لتبدأ سلسلة جديدة من معاناته إذ منع من السفر، وضيق عليه الخناق في الندوات والمحاضرات فالتجأ إلى المجالس الثقافية وعلى رأسها مجلس الخاقاني، لكن المرض استشرى في جسمه حتى تغلب عليه.

* «سينما بغداد»
كتب الوردي سيرة حياته في كتاب «سينما بغداد»، لكن هذه المخطوطة ضاعت في ظروف غامضة رغم أن الخاقاني قد رآها بأم عينيه. وربما يقول هذا الكتاب إلى جملة الوردي ذائعة الصيت «سوف أدخلك التاريخ» التي يعني بها سوف أدخلك كتاب «سينما بغداد». وقد تحتمل هذه الجملة المدح أو القدح في آن معا، ولكنها قد تنطوي على احتمال آخر مفاده أنه سيقول رأيه الصريح بهذا الشخص. ويتضمن هذا الكتاب المخطوط كل الذين ناقشوا الوردي من السياسيين والأثرياء والأدعياء الذين يمتلكون السلطة والجاه والمال.
ويذكر الخاقاني أن أجهزة النظام السابق قد منعت الوردي من إلقاء بعض محاضراته لأنه قال بأن «الشعب العراقي لم يعلن ولاءه للحاكم»، لذلك كلفوا بعض الشخصيات بمتابعة محاضرات الوردي وندواته. ثم بدأ البعض بالتشهير به كعميل ماسوني تارة، وشعوبي تارة أخرى، بل إن أحدهم اتهمه بأنه جاسوس للحكومة فرد عليه الوردي: «الخطأ ليس منك لكن من الحكومة التي تفضح جواسيسها أمام شخص مثلك».
ويشير الخاقاني إلى أن أهم كتابين أنجزهما الوردي هما «طبيعة المجتمع العراقي» و«لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» بستة أجزاء، إضافة إلى كراس «دراسة في شخصية الفرد العراقي»، و«وعاظ السلاطين»، و«مهزلة العقل البشري»، و«خوارق اللاشعور»، و«الأحلام بين العقيدة والعلم». ومن المعروف أن الوردي، وخاصة في كتابه الأول، استنتج أن الشخصية العراقية مزدوجة المعايير والقيم. فهي من ناحية تنادي بقيم الصحراء من غلبة وانتصار وفخر بالقبيلة والعشيرة والأصل والمحتد، ومن ناحية تتوق إلى التمدن والحضارة وحب للاستقرار والمدنية. وقد لخص هذه الفكرة بمقولة دالة مفادها «أن الشخص العراقي يعشق مثل روميو ويتزوج مثل الملا عليوي»!
وفيما يتعلق بخوارق اللاشعور يحض الوردي على أن ننظر إلى جوهر الإنسان لا إلى مظهره، وهو يصف الشخصية الإنسانية بأنها مثل الجليد العائم الذي نرى عشره ولا نرى التسعة أعشار الغاطسة منه في الماء، كما يعد الوردي العقل البشري متحيزا بطبيعته بسبب العوامل اللاشعورية التي تقوده، وهي الإيحاء الاجتماعي والمصلحة الخاصة والعاطفة. وهو يصف العقل الباطن بأنه منجم من الذهب وكومة من الأقذار. وربما تكون الجملة الأكثر إثارة في «وعاظ السلاطين» أن الخليفة يعبد الله وينهب عباد الله، وأن احتراف مهنة الوعظ تنسب إلى كل من فشل في الحصول على مهنة! وربما يكون المحور المهم الذي طرحه الوردي في كتاب «منطق ابن خلدون» هو «أن العلماء والفقهاء لا يصلحون لإدارة الدولة لأنهم مثاليون بشكل مبالغ فيه وبعيدون عن الواقعية التي يجب أن يتحلى بها الحاكم مراعاة للمصالح الآنية والوقائع المباشرة». ويؤكد الوردي أن ابن خلدون «ابتدع علم العمران وقام بدراسة المجتمعات وطبائع البشر بطريقة لم يألفها مجتمعه من قبل».
ثم ينطلق الكتاب بشكل تفصيلي إلى الشخصيات التي تأثر بها الوردي قبل التخصص وهم العالم اللغوي مصطفى جواد وهبة الدين الشهرستاني والسيد محسن الأمين العاملي، والملك فيصل الأول، وسلامة موسى. أما الشخصيات التي تأثر بها في الدراسات الاجتماعية فهي ابن خلدون وويليام سمنر وأرنولد توينبي ودايل كارينجي ووليم أوغبرن. وفي مجال الدراسات الاجتماعية السياسية فيمكن الإشارة إلى مكيافيللي وجون ستيوارت مل، كما تمركزت منهجية الوردي وآليات بحثه، كما يضيف المؤلف، على ثلاث شخصيات وهي تالكوت بارسونز، أميل دوركايم وكارل مانهايم.

* الوردي والسياسة
يتمحور الفصل الرابع على رأي الوردي بالساسة العراقيين الذين تناوبوا حكم العراق منذ عام 1921 وحتى عام 2003؛ فالوردي يصف الملك فيصل الأول بأنه شخصية كاريزمية عركتها السياسة. أما الملك غازي فهو ضعيف الشخصية ومتردد على الدوام. فيما يصف الملك فيصل الثاني بأنه لم يمارس الحكم فعليا في العراق لأن الحاكم الفعلي كان الوصي عبد الإله. أما بالنسبة للجمهوريات التي جاءت فيما بعد، فللوردي آراء محددة بكل رئيس. فعبد الكريم قاسم كان زعيما شعبيا لا ينفع رئيسا للعراق، وعبد السلام عارف هو أول من مزق العراق طائفيا، وعبد الرحمن عارف هو أول من أتاح متسعا من الحرية في وقت ضيق. بينما وصف الوردي حقبة البكر بحكم القبيلة، وحقبة صدام حسين بحكم القرية. ويخلص الوردي إلى القول بأن حل مشكلة العراق تكمن في الديمقراطية والمواطنة وحكم القانون.



تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ
TT

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

تفاحةُ «أبل» بعد نصف قرن... سيرة عصرٍ كاملٍ

بعد نصف قرنٍ على ولادة «أبل» في مرآبٍ صغيرٍ بوادي السيليكون، يبدو الاحتفاء بها أقرب إلى تأملٍ في سيرة عصرٍ كاملٍ تشكّل على وقع الشاشة، واللمس، والصورة، والسرعة، والرغبة الدائمة في امتلاك الأحدث. الحكاية التي بدأت تجربة تقنية محدودة، اتسعت لتغدو إحدى أكثر العلامات حضوراً في الوعي اليومي للإنسان المعاصر. عبر خمسة عقود تحولت «أبل» من مشروعٍ صغيرٍ إلى كيانٍ ينسج صلته بتفاصيل حياة مئات الملايين من البشر: في العمل، والتواصل، والذاكرة، والذائقة، وتمثيل الذات أمام الآخرين. تبدو هذه الرحلة أبعد من قصة صعودٍ مالي، وأعمق من سجل ابتكاراتٍ ناجحة؛ إنها درسٌ في قدرة التكنولوجيا على التحول إلى ثقافة، وقدرة المنتج على اكتساب معنى رمزيّ يتجاوز وظيفته المباشرة. لذلك يمنح اليوبيل الذهبي لـ«أبل» مناسبةً لتفكيك الشيفرة التي جعلت «التفاحة المقضومة» علامةً على الحداثة، والتميز، والانتماء إلى زمنٍ يرى العالم فيه نفسه من خلال شاشات مضيئة.

قبل أن تبلغ «أبل» منزلة الأيقونة الثقافية المعولمة، وجب عليها استيعاب درسٍ تأسيسيٍ: الجودة ثقافة قبل أن تكون تقنية. درس تمتد جذوره إلى اليابان الخارجة من الحرب العالمية الثانية، حين أرسل الجنرال دوغلاس ماك آرثر الفيزيائي هومر ساراسون للمساهمة في إعادة بناء قطاع الاتصالات الياباني، حيث وجد أن جوهر الأزمة يتصل بالعقلية المؤسسية: خوفٌ من مساءلة السلطة، وترددٌ في اتخاذ القرار، وانعدام المبادرة. كان الخلل في تصور العمل ذاته: العلاقة بين العامل والنظام، والفرد والمسؤولية، والمنتج ومعناه الأخلاقي.

علّم ساراسون اليابانيين أن الجودة تبدأ من طريقة التفكير، والثقافة التي تحيط بالإنتاج، والقدرة على تحويل كل تفصيلٍ صغيرٍ إلى جزءٍ من منظومةٍ واعية. غادر اليابان عام 1950، وبقيت أفكاره طازجة في فضاء الصناعة اليابانية حتى صارت فلسفةً شاملةً تحكم أداء كبرى الشركات. وبحلول أواخر السبعينات، كانت المنتجات اليابانية قد رسخت سمعةً عالميةً في الدقة والإتقان. أما «أبل»، التي تأسست عام 1976، فاحتاجت زمناً أطول كي تجعل هذا الدرس جزءاً من بنيتها الداخلية.

عندما أسس ستيف جوبز شركة «نيكست» بعد خروجه من «أبل»، تصوّر أن جمع العقول اللامعة تحت ضغطٍ عالٍ يكفي لإنتاج أشياء عظيمة. لكن تجربته كشفت سريعاً أن العبقرية الفردية تحتاج إلى هندسةٍ ثقافيةٍ تنظّمها، والطاقة الخلاقة تبلغ أثرها حين تتحول إلى عمليةٍ قابلةٍ للتكرار والتحسين. وقد أيقن أن الموهبة الخام تحتاج إلى نظام، والإلهام يحتاج إلى بنية، والمنتج العظيم يولد من عقلٍ جمعي يقيس، ويصحح، ويعيد البناء.

في تلك المرحلة استنار جوبز بأفكار الثمانيني جوزيف غوران، أحد كبار مهندسي الجودة في الولايات المتحدة، الذي دعا إلى النظر في كل شيء بوصفه عملية متكررة، وأن القياس طريق السيطرة على الجودة. انجذب جوبز إلى هذه الرؤية، التي منحت الحدس الإبداعي جسداً قابلاً للإدارة. لكن التحول جاء متأخراً بالنسبة إلى «نيكست»، التي توقفت عن التصنيع عام 1993. انتقل هذا الإدراك مع جوبز إلى تجاربه التالية، وتحول إلى ذخيرةٍ فكريةٍ ستظهر آثارها لاحقاً.

ولدى شرائه شركة «بيكسار»، واجه معضلة ثقافية مغايرة، إذ ضم الاستوديو نخبةً مبدعةً قادرةً على إنتاج فيلمٍ ناجح، ثم تخرج منهكةً عقب كل مشروع، وكأن النجاح يستنزف شروط استمراره. طبق جوبز فلسفة العملية المنظمة: بناء نظامٍ يسمح بانتقال العمل، وتراكم المعرفة، واستكمال المشروع من أي نقطة. وبهذا المعنى، تحولت «بيكسار» من ورشةٍ إبداعيةٍ عميقة الموهبة إلى مؤسسةٍ قادرةٍ على الاستدامة، ومن حالةٍ فنيةٍ استثنائيةٍ إلى بنيةٍ تنتج الخيال بانتظام.

عاد جوبز إلى «أبل» في 1997، وكانت الشركة على حافة الانهيار وجلب معه خبراء تشربوا دروس الجودة من «هيوليت باكارد» و«موتورولا»، ومزج خبراتهم بما تعلمه في «بيكسار» و«نيكست» ليقدم بهم منجزه الأكثر تأثيراً: المنتج الأيقوني ثمرة منظومةٍ كاملة، والجمال الصناعي نتاج ثقافةٍ مصنعية تجعل الجودة قابلةً للتوسع على نطاقٍ هائل. ومع جهاز «iPod nano» عام 2005، بدأت العناصر المتفرقة تتجمع في صيغةٍ واحدة: تصميمٌ رشيق، تصنيعٌ دقيق، تجربة مستخدمٍ سلسة، ورغبةٌ قادرةٌ على تحويل الجهاز الصغير إلى علامةٍ على زمنٍ جديد.

تجاوز مشروع «أبل» مسألة التصنيع إلى طرح ثقافيٍّ أعمق: تحويل الحرفة إلى خوارزمية، واللمسة الإنسانية إلى إجراءٍ قابلٍ للتكرار. لقد تعاونت الشركة مع حرفيين في اليابان لتطوير عملياتٍ دقيقة، من بينها صناعة الهيكل الفولاذي العاكس. سُجلت أدق التفاصيل: زاوية المعصم، ومقدار الضغط، والسرعة، وإيقاع الحركة، وحتى صوت التلميع. تحولت الحرفة، التي كانت تنتقل بالتوارث والخبرة اليدوية، إلى كودٍ رياضي، ثم نُقلت إلى الصين كي تُعاد على نطاقٍ صناعيٍّ شاسع. عند تلك اللحظة أبرق نجم «أبل»: الجمع بين روح الفن ومنطق المصنع، وبين أثر اليد وصرامة الآلة، وبين الهالة الجمالية ومتطلبات الإنتاج الضخم.

خارج المصانع، بنت «أبل» لنفسها موضعاً خاصاً في المخيلة العالمية. فمنذ ظهوره، تجاوز الآيفون وظيفة الاتصال، وصار حاملاً لمعانٍ اجتماعيةٍ وثقافية، ومرآةً لطريقة حضور الفرد في العالم. الهاتف هنا وسيلةٌ للحديث، وكاميرا للذاكرة، ومحفظة للهوية، ومسرحٌ صغيرٌ يمارس عليه الإنسان صورته اليومية. هكذا غدا اقتناء الجهاز إشارةً إلى موقعٍ رمزي، وانضماماً إلى جماعةٍ متخيلةٍ ترى نفسها أقرب إلى الإبداع، والأناقة، والتميز.

روّجت «أبل» لنفسها عبر فكرة «التفكير بشكل مختلف»، فشيدت حول منتجاتها وعداً ثقافياً: من يختارها يقترب من عالمٍ أكثر صفاءً وجرأةً وقدرةً على تحويل العمل إلى أسلوب حياة. بهذا الوعد تشكل ولاءٌ استثنائيٌّ، حيث ارتبطت الأجهزة بصورة الذات الحديثة: ذات أنيقة، خفيفة، خلاقة، واثقة من أدواتها. وتظهر إعلانات «أبل»، في معظمها، كدعوةٍ إلى نمط عيشٍ مرغوب، أكثر من كونها شرحاً لمواصفاتٍ تقنية. الشاشة اللامعة نافذةٌ على هوية، والجهاز امتدادٌ للجسد، والواجهة البيضاء لغةٌ بصريةٌ توحي بالنقاء والسيطرة والانسجام.

تشير القراءات السيميائية إلى أن «أبل» بنت علامتها عبر ثلاثية: الاسم، والمنتج، والمزاج. الاسم/ الشعار «تفاحة»، يحمل خفةً ومرحاً وسهولةً في التحول إلى أيقونةٍ عابرةٍ للغات والثقافات. والمنتجات تمنح العلامة أرضيتها العملية عبر الأداء والجودة والتكامل. أما المزاج فقد تحرك عبر مراحل متوالية: روح التمرد في الثمانينات، طموح الريادة في التسعينات، ثم الراحة الواثقة في الألفية الجديدة. ومن هذا التداخل بين الاسم والشيء والإحساس، صارت «أبل» ظاهرةً تتجاوز حدود الشركة، ورمزاً ثقافياً معولماً لعصر الإنترنت بأكمله.

بحلول عام 2011، اعتلت «أبل» قمة القيمة السوقية العالمية. وبعد رحيل جوبز المبكر، قاد تيم كوك الشركة إلى طورٍ جديدٍ تضاعفت فيه أرباحها، واتسع فيه مفهومها لذاتها، إذ تحولت تدريجياً من شركةٍ تتمحور حول دورة الأجهزة الكبرى إلى منظومةٍ رقميةٍ واسعة، يشكل قطاع الخدمات فيها رافداً مركزياً من روافد الربح: عمولات متجر التطبيقات، واشتراكات التخزين، وصفقات البحث، ومجمل البنية التي تجعل المستخدم يعيش داخل فضاءٍ مغلقٍ ومريحٍ في آنٍ واحد. تجاوزت قاعدة المستخدمين ملياراً ونصف المليار إنسان، وتحولت هذه الكتلة إلى مجتمعٍ رقميٍّ هائل، وسوقٍ ثقافيةٍ يحرص صانعو التطبيقات والمحتوى والمنافسون على الوجود داخلها.

هذا التحول يعيد تعريف معنى شركة التكنولوجيا. صارت «أبل» صانعة أجهزة، وحارسة بوابة، ومنسقة نظامٍ بيئيٍّ كامل. المستخدمون داخل هذا العالم يصنعون المحتوى، ويستهلكونه، ويشترون التطبيقات، ويدفعون الاشتراكات، ويعيدون إنتاج الولاء نفسه عبر عاداتٍ يوميةٍ صغيرة. في هذا الكون، تبيع «أبل» الجهاز والتجربة، الراحة والانتماء، الأداء والإحساس، وتحوّل علاقة المستهلك بالمنتج إلى علاقةٍ طويلةٍ مع بيئةٍ كاملةٍ من الخدمات والرموز والإيماءات.

قصة «أبل»، بهذا المعنى، قصة انتقال معرفةٍ عبر القارات، وخطوط التجميع، وأنظمة الإدارة، وأشكال الخيال. إنها قصة تعلمت فيها الصناعة الأميركية من اليابان، ثم أعادت صياغة الدرس بين مختبرات كاليفورنيا ومصانع آسيا. وهي أيضاً قصة الصين التي راكمت خبرةً صناعيةً هائلةً من خلال إنتاج أجهزة صُممت لتبدو كأنها قادمةٌ من عالمٍ أملس، خفيف، ومثالي. وفي العمق، إنها قصة شركةٍ استطاعت أن تجعل من شعارٍ بسيطٍ حاملاً لمعاني التمرد، والإبداع، والتميز، والانتماء.

اليوم، تدخل «أبل» مرحلةً جديدةً مع صعود جيلٍ قياديٍّ وسط تحديات الذكاء الاصطناعي، والتحولات الجيوسياسية، وأسئلة سلسلة التوريد، والبحث عن الموجة التالية من الابتكار. لكن جوهر الحكاية يبقى في قدرة هذه الشركة على عكس تحولات عصرها وصناعتها في آنٍ واحد. «أبل» مرآةٌ للحداثة الرقمية: تصنع المنتجات، وتصوغ الرغبات، وتؤثر في الذائقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأدواته. وبعد 50 عاماً، تبدو «التفاحة المقضومة» أكثر بكثير من علامةٍ تجارية؛ إنها استعارةٌ كبرى لعصرٍ كامل، وحلمٌ صناعيٌّ تحول إلى أسطورةٍ ثقافية، وتذكيرٌ بأن تفاحة المعرفة، منذ بدء التكوين، كانت دائماً بوابةً إلى عالمٍ آخر.


صراع الهجرة وهشاشة الحدود

صراع الهجرة وهشاشة الحدود
TT

صراع الهجرة وهشاشة الحدود

صراع الهجرة وهشاشة الحدود

في روايتها «ليالي سان دوني» الصادرة أخيراً عن دار «العين» بالقاهرة، لا تراهن الروائية اللبنانية لنا عبد الرحمن على الإيقاعات الباريسية الصاخبة، بقدر ما تنحاز إلى ظلالها الخفية؛ حيث يتحول قصر «لو شاتو» القابع في ضاحية «سان دوني» إلى مقصد للغرباء والنازحين، والهاربين، وفي هذا الفضاء الهامشي الذي «تختلط فيه الأوراق بالأرواح، والفنون بالطبقات والهويات»، تتشابك الحكايات التي تتقاطع مع سؤال «الوطن» كسؤال حتمي لا مهرب منه.

يقود سؤال الهُوية والوطن في الرواية إلى تأمل طويل عن ماهية «البيت»، فهل هو المكان الذي نعود إليه؟ أم الفضاء الذي تُشبهنا جدرانه؟

عبر هذا الأفق، تبني الكاتبة مُعادلاً رمزياً يتمثَّل في قصر «لو شاتو»، الذي لا يبدو مجرَّد فضاءٍ مكاني؛ إذ تُضفي عليه الكاتبة معالم مؤنسنة، ليغدو كائناً حياً يتنفس بأنفاس قاطنيه من فنانين عرب مهاجرين يمارسون الفن باختلاف أطيافه؛ ما بين الموسيقى والغناء والرسم، وحتى صناعة المحتوى وألعاب السيرك.

فمنذ المشهد الافتتاحي يُبصره السرد بلسان سارِد مجهول، له عينٌ متلصصة تلتقط القصر من مسافة سينمائية بانورامية: «في الداخل يتنفس (لو شاتو) عبر حياة قاطنيه، فنانين، مشرَّدين، غرباء، لاجئين، يملؤون فوضاه الأزلية بأصوات الضحك والغناء»، قبل أن يكشف السارِد العليم عن تاريخه القديم؛ إذ كان يوماً ملكاً لكونت فرنسي إسباني قيل إنه فقد عقله، ثم رحل إلى برشلونة؛ حيث انتهت حياته، تاركاً القصر للنسيان، غير أن السرد الروائي لا ينشغل بتتبع سيرة القصر، أو تقصِّي تاريخ الكونت، بقدر ما يحوِّله إلى فضاءٍ تخييلي يؤسس لعالم أبطاله، ليغدو ملاذاً هشاً، وبيتاً حنوناً مؤقتاً، يتشكَّل عبر حيواتهم، بقدر ما يتداعى بتداعيهم، وبما يحوِّل المكان من خلفية للأحداث إلى مركز لتقاطع الأفكار والمصائر.

ملعب خلفي

في سرد يتنقَّل بين لسان سارِد عليم وضمير المتكلم، تبني الكاتبة عالمها «متعدد الأصوات» مستثمرة تنوُّع أطياف شخصياتها وخلفياتهم، ومن خلال نحو عشرة أصوات لمهاجرين ولاجئين وهاربين، تتشكَّل خريطة إنسانية مُصغَّرة، تُدار في زخم سردي يؤجِّل اكتمال ملامح كل شخصية، فلا تتكشف إلا عبر انعكاسها في مرآة الآخر، أو عبر مونولوجها الداخلي.

وبذلك لا يعود لكل شخصية مسار مستقل مُكتمل؛ بل يغدو الوصول إلى سرديتها الخاصة رحلة تصاعدية لا تنفصل عن تداخلها المستمر مع سرديات الآخرين، بما يعكس حالة التشظي واللايقين التي تحكم هذا العالم.

وإذا كانت ضاحية «سان دوني» الباريسية تمثِّل الفضاء المكاني الرئيسي للسرد، فإن الحمولة الشخصية للذاكرة التي يحملها القادمون إلى القصر تظل حاضرة كملعبٍ خلفي للأحداث؛ حيث تتجاور آثار الحرب والقمع والهجرة، لتُنازع أصحابها في سعيهم للعثور على بيوتٍ بديلة آمنة داخل جدرانه، هرباً من تعقُّب الخارج لهم.

تضع الكاتبة، بين أطياف المغتربين من سكان القصر، بطليها الفرنسيين: «يوهانس» و«كامي» في مركز القصر الذي يديرونه، وفي الوقت نفسه على هامش «المؤسسة» الغربية التي تميل إلى تقويض الهجرة وزحف اللاجئين. فتبدو «كامي»، الناشِطة البيئية، التي تهجر باريس لتسكن في كوخٍ مبني بين شجرتين في محيط قصر «لو شاتو»، صوتاً ينحاز إلى الغرباء، تدعم بقاءهم وتسهِّل إقامتهم غير الشرعية، انطلاقاً من إيمانها بأن «الحدود والملكيات والقوانين تعزِّز الفروق بين البشر وتفرِّقهم. ومن هذا التصور، تربط كامي بين تهجير الإنسان والاعتداء على البيئة، معتبرة أن كليهما ينذر بـ«خراب كونيٍّ»، في رؤية تُوسِّع معنى الهجرة، من كونها أزمة إنسانية إلى سؤال أعمق يتعلق بهشاشة فكرة الحدود نفسها.

فوضى رائعةيبدو منطق الشخصيات المتضارب جزءاً أصيلاً من نسيج السرد القائم على خَلق توترٍ بين اختلافاتهم، يتجاور مع انسجامهم داخل غربة واحدة، فـ«أبو الطيب» السوري يُلخِّص موقفه العدمي باعتبار أن «الحياة ما هي إلا مزحة كبيرة»، بينما «نايا» اللبنانية، التي تنتقل من حياتها الصاخبة كراقصة إلى سيدة بساقٍ مكسورة عاجزة، تجد ضالتها في العزلة داخل هذا القصر البعيد، وكأنها تُعيد تأويل وجودها بمنطق أن «الحياة فوضى رائعة»، في مقابل ذلك، يتبنى «مازن»، المُلقَّب بـ«عمدة المهاجرين»، منطق «كل شيء قابل للتفاوض»، الذي يُقاوض به ماضيه وحاضره معاً، دون أن ينسى لحظة ركوبه قارب الموت بعد أن شهد احتراق حلب.

غير أن هذا التماسك الظاهري يتصدَّع في لحظة هشاشة كاشفة، مع وفاة والدته، بعد أن أخفق في تحقيق وعده لها باصطحابها لباريس وزيارة برج «إيفل»، رغم صورته التي كرَّسها لنفسه بوصفه «جنِّي القارورة»، الذي يلوذ به المهاجرون في أعصى مشكلاتهم.

لا تبدو الهُوية في الرواية معطى ثابتاً، بقدر ما تنكشف بوصفها بناءً متغيراً، يعاد تشكيله مراراً تحت ضغوط السياسة، والذاكرة وآلياتها الدفاعية، والتكيُّف ومراوغاته؛ كما يقول أحد الأبطال: «تعلمت في باريس أن المرونة هي المفتاح للبقاء».

وبينما تنشغل الشخصيات «العربية» بتدبير بقائها داخل القصر هروباً من تعقب السلطات لأوراقهم الرسمية، تسود خارجه سردية «فرنسية» تنظر لهم بوصفهم «كائنات وافِدة إلى عالمهم، تشاركهم في الأرض والماء ومكاسب الوطن، ثم رويداً رويداً، يتناسلون ويحتلون مكانهم في المجتمع، الغرباء القادمون من بعيد، من الأرض المحترقة»، غير أن الرواية لا تتتبَّع خيط هذه السردية ولا تنخرط فيها، بقدر ما تُعرِّي منطقها، كاشفة عن الكيفية التي يُعاد بها إنتاج صورة المهاجر، داخل خطاب يختزله في موقع «الوافِد» المهدِد.

تعتني لنا عبد الرحمن باختيار عوالم شديدة التباين لأبطالها، لا سيما بطلاتها، من «عبير» الليبية التي تدفعها تقلبات الحياة إلى أن تصبح «يوتيوبر» عبر قناتها «عبير في بلاد الله»؛ حيث تغدو نسب المشاهدة زادها المادي في الغربة، ووسيلتها لإعالة بناتها الثلاث، إلى «درصاف» الأفغانية، الهاربة من إرث «طالبان»، التي تسعى إلى تعلُّم الفرنسية وشقِّ طريقها في باريس، ولكنها تظل عالقة بين خيارين متنازعين: الانجراف وراء علاقة حب، أو القبول بزواج مصلحة يضمن لها قدراً من الاستقرار، في محاولة للإفلات من ماضيها الأفغاني.

تضع «ليالي سان دوني» سؤال «البيت» موضع شكٍّ؛ حيث يبدو الانتماءُ رهينَ لحظات عابرة، والفنُ ملاذاً لا يخذل أهل القصر الذين لم يكفُّوا عن الغناء بلهجاتهم حتى لحظة النهاية، التي ينصهر فيها مصيرهم مصحوباً بصوت كسير يُردد: «لا بيت يدوم».


«مواقع للتذكّر»... معنى الفن الأفريقي ومفهومه

«مواقع للتذكّر»... معنى الفن الأفريقي ومفهومه
TT

«مواقع للتذكّر»... معنى الفن الأفريقي ومفهومه

«مواقع للتذكّر»... معنى الفن الأفريقي ومفهومه

«مواقع للتذكّر»، لأبيبي زيغايي (Abebe zegeye)، كتاب غني بالرسوم التوضيحية، المثيرة للتفكير. وهدف الكتاب، كما يدل عنوانه، هو استكشاف معنى ومفهوم الفن من منظور أفريقي، وعبر ذاكرة أفريقية. ويدعونا المؤلف عبر محتويات الكتاب أن نختبر نقاط مراجعنا، وأن نتفكّر مرة أخرى ونحن في رحلة داخل مواقع للتذكّر، بدءاً بإثيوبيا حيث نصطحب مولاتو، كأول موسيقار جاز إثيوبي... وقد مزج هذا الفنان الموسيقى الغربية بالموسيقى الإثيوبية، لا أن يفعل العكس؛ وبذا حفظ للموسيقى الإثيوبية نكهتها. وفي إثيوبيا أيضاً يقودنا المؤلف لندخل العالم السحري للفنان ييت غيتا، الذي يعتبر فنه ذو الطراز الإثيوبي قمة في الإلهام.

وتأتي أهمية أي أرشيف يبتدعه إنسان أفريقي وهو يقوم بتصوير الأفارقة وفنهم مثل ترياق مضاد لهيمنة الرؤية الاستعمارية.

يقدم المؤلف زيغايي في هذا الكتاب تحليلاً نقدياً في الفصل الذي يتطرق للصور الفوتوغرافية لشيستر هيجينز ذات الصلة بغربة المكان، والتي تغطي أمور السياسة والفن والدين والمجتمع وغيرها. ويختم كتابه بفصل حول معرض مهم وفهرس (كتالوج) عن الفن والمقالات ذات الصلة، والمكان والعملات في الفن الأفريقي المعاصر.

كثيراً ما نطالع في التاريخ الحديث أنّ الأوروبيين هم من يقومون بمعالجة قضايا الفن الأفريقي والكتابة عنه. لكنّ هذا الكتاب يعتبر مساهمة قيمة في حصيلة الكتابة الأفريقية في الفن الأفريقي.

لقد أنجز أبيبي زيغايي (Abebe zegeye) بحثاً شاملاً في الهويات الأفريقية والاجتماعية، وهو يعمل حالياً مديراً لمركز البحوث والتنمية في التعلّم (CRADLE)، ومقرّه العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.