«دفاتر» غرامشي للمرة الأولى خارج إيطاليا

معرض لندني في ذكراه الثمانين

«دفاتر» غرامشي للمرة الأولى خارج إيطاليا
TT

«دفاتر» غرامشي للمرة الأولى خارج إيطاليا

«دفاتر» غرامشي للمرة الأولى خارج إيطاليا

لا تكمن أهمية المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 - 1937) فقط في أن مُجمل أعماله تتيح للمعنيين المعاصرين اليوم، وعبر مجالات متعددة من علوم السياسة إلى الفلسفة والنّقد الأدبي والتاريخ والمَسرح والصحافة وفلسفة اللغة والتعليم، الاستناد إلى نظرية متكاملة في تفسير وتحليل ظواهر معقدة في الاجتماع الإنساني، بل وأيضاً في تقديمه نموذجاً شخصياً نادراً من التجرد والالتزام وحس القيادة لأحد أهم زعماء التجربة اليسارية في أوروبا فترة ما بين الحربين العالميين.
وقد حازت كتابات غرامشي المبثوثة في نصوص عديدة متفرقة في الصحف والمجلات والرسائل الشخصية على اهتمام غير معهود في الأوساط الأكاديمية الغربية، بالنسبة لكاتب يساري، حتى قيل إنه أكثر المفكرين الإيطاليين على الإطلاق لناحية عدد المرات التي اقتُبس فيها عنه في الدراسات الاجتماعية النظرية. وهذا بالطبع إلى جانب النقاشات الواسعة التي أثارتها أفكاره في الأجواء اليسارية منذ السبعينات، والتي تُعد نقلة نوعية في تطوير الفكر الماركسي، لا سيما نظريته في «الهيمنة» السياسية والثقافية التي تفسر أسباب عدم قيام الثورات في المجتمعات المعاصرة.
كان غرامشي مثّل بشخصه أكبر تهديد لنظام بينيتو موسيلليني الفاشي الصاعد في عشرينات القرن الماضي بسبب من قدرته الهائلة على صياغة الأفكار، وقيادة العمل الثوري على الأرض في الوقت ذاته، ولذا فقد حكمت عليه محكمة فاسدة بالسجن عشرين عاماً - رغم تمتعه بالحصانة البرلمانية، إذ كان انتخب وقتها نائباً في البرلمان الإيطالي - قضى منها أكثر من نصفها قبل أن يلقى حتفه بعد إفراج متأخر عنه عام 1937 بسبب من تردي أوضاعه الصحية، لكن دون أن يقدّم أي تنازل لسجانيه.
أهم كتابات غرامشي وضعها خلال فترة اعتقاله الطويلة تلك في سجون موسيلليني من خلال 33 دفتراً كان يسجل فيها ملاحظاته الفكرية، وتعليقاته على الكتب والأحداث ونقده العميق لأهم نتاجات مثقفي عصره. ورغم أن تلك الملاحظات كانت شديدة التشتت في الموضوعات التي تناولتها، وغير نهائية، وتتسم بالمُراوغة اللغوية لتجنب مصادرتها من قبل إدارة السجن، إضافة إلى اللغة «الغرامشية» المتقدمة في صياغة المصطلحات ووصف الظواهر، فإنها تحولت بمرور الأيام إلى مجموعة من أهم ما كُتب في الفكر السياسي الإيطالي الحديث، وثروة فكرية نهلت منها أجيال من المفكرين المعاصرين في صياغتهم لنظرياتهم بشأن الثورات وبُنية السلطة وأدوار المثقفين، والثقافة الشعبية والنظرية الثقافية والنقدية والاستشراق والإمبريالية وتأثيرات الصناعة الرأسمالية على الاجتماع البشري.
وقد ضمّت الدفاتر - البسيطة كأنها أوراق تلميذ مدرسة - 2500 صفحة تقريباً مكتوبة بالإيطاليّة بخط أنيق ومرقمة من الخارج. ويبدو أن أخت زوجة غرامشي الروسية نقلتها عند وفاته إلى موسكو قبل أن يستعيدها الإيطاليون مع نهاية الحرب العالمية الثانية، لتنشر في لغتها الأصلية بطبعة غير محكمة لكنها كافية لاستعادة الاهتمام بالرجل وأفكاره، خصوصاً في أوساط يساريي جنوب أوروبا.
حلّقت أفكار غرامشي في فضاء العالمية من بوابة اللغة الإنجليزية، إذ نُقلت إليها في بداية السبعينات نصوص مختارة من «دفاتر السجن» - كما صارت تعرف بين المهتمين - مع تبويب وتصنيف سمح بقراءة النصوص في ضوء جديد، لتثير موجة واسعة من الاهتمام عبر الغرب الأنغلوفوني كلّه، ولتتبعها عشرات الكتب والنصوص التي اتخذت من أفكار غرامشي منطلقاً لها، إضافة إلى ترجمات للنصوص الأصلية أو مقتطفات منها في كل اللغات الحية تقريباً (بما فيها العربيّة). ويبدو أن تنظيرات غرامشي بشأن شكل السلطة ونُظم الهيمنة لقيت آذاناً صاغية بين الشبان الغربيين الذين كانوا يعيشون مرحلة ما بعد ربيع براغ وثورة طلاب باريس 1968 (وجدالات الحقوق المدنيّة والحرب الأميركيّة على فيتنام في الجانب الآخر من الأطلسي).
وقد ترافقت موجة العالمية هذي مع إعادة اكتشاف الإيطاليين أنفسهم لقيمة مفكرهم الذي عانى صنوف الظلم المتعدد، فبدأت قطاعات واسعة بتبنيه كرمز إيطالي عظيم بعيداً عن المواقف الحزبية الضيقة التي أملتها أيام الحرب الباردة، وتأسست في البلاد عدة لجان وطنية وجمعيات تعنى بحفظ تراث غرامشي ونشره وتوسيع نطاق الاهتمام به.
وقد اختارت الدولة الإيطالية ممثلة بمعهدها الثقافي في العاصمة البريطانيّة لندن أن تحيي الذكرى الثمانين لغياب غرامشي من خلال مجموعة أنشطة يُتوجها معرض لدفاتر السجن الـ33، بحيث يمكن للجمهور، ولأول مرة خارج إيطاليا، الاطلاع مباشرة على النصوص الأصلية بيد المفكر الراحل. كما نظمت عدة محاضرات لمؤرخين ومفكرين نجوم عالميين يتناولون فيها تاريخية غرامشي وراهنيته (البروفسور سيلفيو بونز)، والمكانة الخاصة لفكره في بريطانيا تحديداً (البروفسورات جوسييبي فاكّا وكلوديا مانسينا)، إضافة إلى غرامشي معاصرنا (البروفسيور دونالد ساسون). ويتضمن معرض الدفاتر شاشات إلكترونية تسمح للزائرين بالتنقل بين صفحات نسخة مصورة من الدفاتر الـ33 عبر اللمس.
افتَتَح المعرض 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي باسكال تيراسيانو السفير الإيطالي في لندن الذي تفاجأ بجمهور غفير، لا سيما من الشباب، ملأ أروقة المعهد الثقافي الإيطالي الذي شهد طوابير طويلة من المنتظرين للدخول إلى قاعة عرض «الدفاتر»، وهو لذلك اضطر للتخلي عن كلمته المكتوبة التي تتحدث عن أن البريطانيين ربما لا يعلمون الكثير عن هذا المفكر العظيم، ليرتجل كلمة عبّر فيها عن افتخار كل إيطاليا بسجينها الشهيد، ومعيداً الاعتبار له بوصفه واحداً من أهم مفكري إيطاليا عبر العصور، ومعبراً عن فرحِه بالحشود التي حضرت للاطلاع على ما خطته يد غرامشي خلال سنوات سجنه الطويلة.
بالفعل فإن لغرامشي مكانة استثنائية عند المثقفين البريطانيين، لا سيما يسارهم، تعود بداياتها إلى علاقة الصداقة الخاصة التي كانت تربط غرامشي ببيرو سرافا أستاذ الاقتصاد بجامعة كامبردج البريطانيّة، الذي كان على تواصل دائم معه أثناء فترة سجنه، وكان يزوده بالكتب والمجلات، وفتح له حساباً لدى إحدى المكتبات الإيطالية كي يطلب منها ما يريد من المطبوعات. ومن المؤكد أن البروفسور سرافا كان وراء الحوار - عبر البحار - بين غرامشي والفيلسوف النمساوي اللامع لوديغ ويتجينشتاين أثناء سنوات الأخير في كامبردج، لا سيما أنهما كانا مهتمين بتأثير اللغة على الفكر. وبعد نشر المختارات من دفاتر السجن بالإنجليزية عام 1971 (ترجمها كوينتن هواري وجيوفري نويل - سميث) تأثر أكاديميون كثر بآرائه منهم ستيوارت هول وزملاؤه في مركز الدراسات الثقافية بجامعة بيرمنغهام الذين قدموا أفضل مساهمة في تطوير النظرية الثقافية ودراسة الثقافة الشعبية بالغرب، بينما وصفه إريك هوبزبوم أهم مؤرخ بريطاني في القرن العشرين بـ«غرامشي العظيم»، ونشر نصاً هائلاً في تثمين أفكاره كأدوات لا بد منها لفهم عالمنا المعاصر.
بالطبع فإن لـ«دفاتر السّجن» قيمة تاريخية وفكرية وعاطفية لا تقدر بأثمان، ليس لأننا نحتاج لأن نقرأ غرامشي من خلالها، فتلك الدفاتر صوّرت وترجمت وحفظت نصوصها إلكترونياً، ولم نعد نخشى عليها من الضياع. لكنّها تبقى على مستوى آخر رمزاً إنسانياً شامخاً لانتصار الفكر على القضبان، ولمواجهة يقودها بالكلمات والأفكار رجل واحد محاصر ضد ظلام الفاشية والهيمنة وكراهية الآخر.
القاضي الإيطالي الذي حكم على غرامشي بالسجن قال له «هذا العقل الذي لديك سنمنعه من التفكير لعشرين عاماً». لم يعد أحد يذكر اسم القاضي، وغاب جسد مفكرنا المنهك، لكن ذلك لم يمنع أفكار عقله المشتعل من المُضي في إلهام المثقفين والمفكرين والثوريين بعد عشرات الأعوام، الذين يعرفون تاريخ العالم ويتأملون في حكمته، يعلمون جيداً، أن للأفكار أجنحة وهي لا تُسجن ولا تموت.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended