عبد الحليم خدام: إيران أحضرت «داعش» إلى سوريا.. وبشار الأسد شخص فاقد الاتزان

قال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن توحيد المعارضة ودعمها سيسقطان نظام دمشق خلال شهر

عبد الحليم خدام: إيران أحضرت «داعش» إلى سوريا.. وبشار الأسد شخص فاقد الاتزان
TT

عبد الحليم خدام: إيران أحضرت «داعش» إلى سوريا.. وبشار الأسد شخص فاقد الاتزان

عبد الحليم خدام: إيران أحضرت «داعش» إلى سوريا.. وبشار الأسد شخص فاقد الاتزان

من مقر إقامته في العاصمة الفرنسية باريس، وعلى مقربة من «قوس النصر»، أحد أشهر معالمها، استرجع نائب الرئيس السوري المنشق عبد الحليم خدام (82 سنة) ذكريات بداياته في حزب البعث، وسقوط الجولان، وحقيقة ما يسمى بـ«المقاومة».
الرجل الذي شغل مناصب نائب الرئيس ووزير الخارجية وعضو قيادة حزب البعث ومحافظ القنيطرة ومحافظ حماه، وغيرها من المناصب القيادية المؤثرة، من الشخصيات السورية التي لعبت أدوارا لافتة عبر عقود من الزمن، وكل هذه الخبرة أكسبته أناة وهدوءا يُلاحظان في دقة سرده التفاصيل. مع هذا تحدث خدام بألم عما يعانيه الشعب السوري الآن، قائلا إن «أي صلح خليجي مع إيران ستنقضه طهران بعد انتهاء الأزمة السورية».
وذكر خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» كيف لبى الرئيس السوري بشار الأسد مطالب الأميركيين بإغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية، وتأمين الحدود مع العراق، والانسحاب من لبنان.
وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار:

* هل سيصوت السوريون لبشار الأسد من جديد في الانتخابات المقبلة؟

- كله أكوام ورق، لا قيمة للورق الذي سيذهب للصناديق ومن سيختار بشار أو غيره سيفعل مجبرا أو خائفا. هذه ليست انتخابات والكل يعرف، لكن بشار الأسد حريص على إقامتها نكاية بالعالم.

* مَن المسؤول عما يحدث الآن في سوريا من دمار؟

- هناك جانبان أساسيان مسؤولان: روسيا وإيران والنظام من جهة، وفي المقابل المجتمع العربي من جانب آخر. وهناك فارق أساسي بين من يقتل أو يشارك في القتل، ومن كان بإمكانه إيقاف القتل أو التخفيف منه، وهذا ما فعلته جامعة الدول العربية، حين فكرت بعد ستة أشهر من الانتفاضة في إرسال نبيل العربي للقاء بشار الأسد. وللأمانة أقول: ما يحدث الآن في سوريا يعيد إلى ذهني بدايات نكبة فلسطين، ثم إن هناك نقطة مهمة.. سوريا ما كان فيها متطرفون، والشعب السوري بطبيعته ليس متطرفا، لكن هناك نوعا من القهر وشعورا بأن العالم تخلى عنه، وهو ما دفع كثيرين من السوريين للهروب نحو التطرف.. في تعريفه الذي هو فقدان التوازن في التصرف.

* صحيح، التطرف لم يبدأ فجأة في سوريا، وكان «الجيش الحر» يقاتل بمعزل عن الجماعات الإرهابية.. ما حدث لاحقا؟

- التطرف مثلما قلت لك.. حين ازداد الضغط على الشعب السوري، وبدأ التراخي الدولي تجاهه أصبح الكل يقاتل. وبالتأكيد، هناك من يحاول استغلال هذه الحماسة غير المنضبطة.

* تقصد «داعش» و«النصرة» مثلا؟

- نعم، وغيرهما من الجماعات المسلحة. لكن «جبهة النصرة» تختلف عن «داعش» في أن أكثرية مسلحيها من السوريين، وأستطيع أن أجزم بأن هؤلاء متى رحل بشار، فسيتخلون عن السلاح مباشرة.

* بما أن الحديث عن «داعش» و«النصرة»، مَن جاء بـ«داعش» إلى سوريا؟

- إيران هي التي أحضرت «داعش» إلى سوريا، ولا أحد يشك في ذلك، وأنا أعرف ما أقول. إيران جزء رئيس من القتال في سوريا.. هناك التنظيمات الإسلامية الشيعية والحرس الثوري وحزب الله، كل هؤلاء يقاتلون إلى جانب نظام الأسد، وسقوط النظام سيكون ضربة موجعة للنظام الإيراني بأكمله. تسألني لماذا؟ سأجيبك: إذا سقط نظام بشار انتهت إيران في العراق، وسيضعف دور «حزب الله» في لبنان، إذا لم يكن سيتلاشى، وبالتالي، سيتقلص وجود ميليشيات إيران وأذرعتها. صدقني في حال حدث هذا سترى تراجع نفوذ إيران في المنطقة، ولهذا تجد الإيرانيين يمدون نظام الأسد بالأسلحة والحماية والمقاتلين. ولا أريد أن أزيد من الجزم والتأكيد إذا ما قلت لك إن «داعش» تدار من إيران مباشرة.

* هل قتال إيران إلى جانب الأسد ضمن علاقة آل الأسد وإيران التاريخية؟

- تقريبا، لكن ليس بهذه الدقة وسأتحدث عن هذه النقطة. إيران لعبت على الوتر الطائفي كثيرا، ومن هذا النكتة الغريبة عن أنهم يريدون حماية قبر السيدة زينب والدفاع عنه في سوريا؛ هل فعلا السيدة زينب بحاجة إلى الفصائل الإرهابية الشيعية ليأتوا إلى سوريا ويقتلوا باسم الدفاع عنها وحمايتها؟

* ما السيناريو الذي يمكن من خلاله أن تتخلى إيران عن الأسد؛ مصالحة مع دول الخليج، صفقة دولية، أم ماذا؟

- من قال إن إيران أساسا تبحث عن مصالحة مع الخليج؟ إنها تبحث عن تهدئة مؤقتة فقط حتى تنتهي من الأزمة السورية، ثم ستلتفت بعدها إلى دول أخرى تشعل الصراع فيهاعلى رأسها البحرين وستدعم الحوثيين في اليمن لإحداث قلاقل على الحدود السعودية. ستشهد المنطقة العربية في السنوات المقبلة نزاعا طائفيا لم يسبق له مثيل.

* ما الذي يجعلك واثقا من انعدام جدية إيران في المصالحة؟

- سأخبرك قصة للتاريخ، في يونيو (حزيران) 1985 جاء علي أكبر هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس برلمان الثورة الإيرانية، واستقبلته في المطار، ثم أخذته إلى الرئيس السابق حافظ الأسد. يومها طلب الإيرانيون أسلحة لحرب صدام، لكن هذا الطلب فاجأ حافظ، ولهذا قام يحدث الإيرانيين عن الاقتصاد والسياسة والجغرافيا، ويحاول ممازحتهم وإبعادهم عن هذا الموضوع. لكن الإيرانيين قالوا بلهجة شديدة: «أتعبناك سيادة الرئيس.. أين الجواب على ما طلبنا؟». فقال الرئيس الأسد لرئيس الوفد: «عبد الحليم سيبلغك قرار القيادة، وليس قراري الشخصي. وحين خرج الإيرانيون بقيت مع الأسد وفكرنا لو أعطيناهم السلاح فسنصبح في أزمة مع العراق، وإذا لم نعطهم فسيكون هناك إشكال كذلك. وفي اليوم التالي قلنا لرفسنجاني إن هناك صراعا سوريا - إسرائيليا وسوريا - تركيا وسوريا - عراقيا، وبالتالي لا نستطيع القيام بهذه الخطوة، لكن هناك حلا، هو أن نحاول مع ليبيا لمدكم بالسلاح. وهنا تجهم وجهه وغضب، وقال: «كنت أتمنى منكم دعمنا في حربنا ضد العراق، وسأقولها لك: إذا انتصرت إيران فستصبح المنطقة كلها أرضا واحدة ودولة واحدة من أفغانستان، وحتى البحر المتوسط». كرر هذا الكلام أكثر من مرة. بعدها خرجت ولم أكن أتوقع أن أسمع هذه العبارة إطلاقا. ومن تلك الفترة، لم نصعد العلاقة سلبا مع إيران، لأن حافظ الأسد كان يرى أن العلاقة مع إيران تشكل له سندا، سواء بالنسبة لإسرائيل، أو في حال وجود خلاف بين دولة عربية.

* ماذا حدث بعد ذلك؟

- اجتمعنا في قيادة حزب البعث، وتحدثنا عن هذا الموضوع بجدية. إيران لها أطماع، ولهذا أقول لدول الخليج إن المصالحة مع إيران غير مجدية.

* نعود إلى الأزمة السورية، بصراحة لو كنت في منصبك السابق وحدث ما حدث في سوريا الآن، ما الذي كان يمكن أن تطرحه لحل الأزمة؟

- بكل صدق، بعد رحيل حافظ الأسد لم تعد لديّ رغبة في ممارسة العمل السياسي المباشر، لكنني كنت في حرج إزاء كيف يمكن أن أخرج بسلام من العمل الحزبي والسياسي، لأن من يترك فجأة، أمامه التصفية أو السجن. سؤالك لا أستطيع الإجابة عنه لأنه توقع، لكنه يعيدني إلى حادثة في عام 1998، حين حدث خلاف بيني وبين حافظ بعد التجديد لإميل لحود. حافظ الأسد كان يريد التجديد لأن ابنه بشار كان «طالع نازل» عند لحود، وهناك من أشار وأقنع حافظ بأنه عبر لحود يمكنه السيطرة على لبنان. وحين قام بالتجديد للحود تركت أنا الملف اللبناني، وفجأة قام حافظ بتسليم ملف لبنان كاملا لبشار. هنا بدأت المشاكل تزداد، والسبب الرئيس تصرفات بشار الأسد و«هيجانه». ولا أبالغ إذا ما قلت إن رفيق الحريري كان يتصل من فترة لأخرى ليشتكي من ممارسات بشار وتصرفاته في الشأن اللبناني. في كل مرة كان حافظ الأسد يوبخ بشار أو يتحدث مع غازي كنعان.

* هذه القصة المختصرة تجعلني أسأل السؤال الذي وُجّه لكم أكثر من مرة.. مَن اغتال الحريري ومَن قتل غازي كنعان؟

- بالنسبة للحريري، لقد ذكرت أكثر من مرة أن بشار الأسد كان يظن أن رفيق يتآمر على سوريا مع الفرنسيين والأميركيين، وهو وحده كان يفكر بهذه الصورة. وأنا شخصيا نصحت رفيق الحريري أكثر من مرة بأن يترك لبنان ويرحل. وأتذكر أنه قبل اغتيال الحريري كان هناك اجتماع في قيادة حزب البعث، وفجأة تدخل بشار الأسد، وقال: دعونا نتحدث عن السياسة. ثم أردف مداخلته بقوله: «رفيق الحريري يكتل طائفته ضدنا، ويتآمر مع الفرنسيين والأميركان ضدنا»، ولا أخفيك القول: إن كثيرين في قيادة الحزب فوجئوا بهذا الحديث العشوائي وغير المسؤول. انتهت الجلسة واتصلت ببشار، وقلت له إن هذا الحديث قد يخرج من الحزب لأن وجود 20 من القادة يعني أن عشرة منهم يحتمل أن يسربوا الحديث. بعدها بيومين جاء إلى محسن دلول (وزير الدفاع اللبناني السابق)، وقلت له: «اذهب لرفيق الحريري، وأبلغه أن يرحل من لبنان لأن الوضع هو كذا وكذا». وبعدها بأسبوع تقريبا وقعت محاولة اغتيال مروان حمادة، وزرته، وزرت وليد جنبلاط الذي أعدّه الآن أهم اللبنانيين في السياسة، وأهمهم في إسقاط «اتفاق 17 آذار» الذي عمله أمين الجميل مع إسرائيل. المهم أنني أبلغت رفيق شفهيا بوجوب مغادرته للبنان، فرد عليّ: «لكن ماهر الأسد اتصل بي وأبلغني أنهم يريدوننا أن نعمل معا»، فرددت عليه: «هذا تمويه، صدقني.. ارحل عن لبنان، حياتك أهم». وبعدها بأسبوع اغتيل.

* عبارة «التكتل الطائفي» التي قالها بشار تعيد إلى الأذهان أوضاع العلويين في سوريا، وشعورهم بالاضطهاد، هل هذا هو ما يدفع ببشار (مثلا) والعلويين إلى رفع الشعار الطائفي أو التشدد في الانتقام؟

- نعود إلى البداية ومرحلة مرحلة.. مرحلة الوجود الفرنسي كان قسم من العلويين يتعاون مع الفرنسيين، وكذلك بعض السنّة وبعض المسيحيين. وفي المقابل، كان هناك قسم من العلويين من الكتلة الوطنية. إلا أنه كان هناك ما يشبه الطائفية العلنية في البدايات. تخيل أن جزءا كبيرا من العلويين كانوا يعملون فلاحين لدى الآخرين، وكان لديهم شعور بالظلم والإجحاف، وكانت بعدها «حركة 8 آذار» في سوريا التي قام بها ضباط بعثيون وناصريون، ثم أقدم البعثيون على إخراج الناصريين من الجيش. صلاح جديد كان علويا وفي السلطة، ومن عائلة «أغوات» (أعيان) له وزنه، ولم ينجر للطائفية، ولكن تشكلت حكومة يسار في سوريا (يسار شيوعي)، وهذا ما أحدث ردود فعل داخلية، ومن يدخل في دائرة حزب البعث، لا يستطيع الخروج عنه، وإلا كان مصيره القتل.
وتنتقل المراحل حتى أصبح حافظ الأسد وزير دفاع، ثم بدأ حافظ يجمع الضباط حوله، وأخذ يسحب الأضواء والنفوذ من صلاح جديد. ثم عقد اجتماع في قيادة حزب البعث، ووقف عدد كبير منهم مع حافظ الأسد ضد صلاح جديد، وكنت أنا منهم، وشكلت حكومة بقيادة نور الدين الأتاسي. ثم جاءت «الحركة التصحيحية» التي بعدها وصل الأسد للزعامة. هنا لعب الأسد لعبة طائفية، فقام بفتح المجال لدخول الكليات العسكرية، لكن 80 في المائة من خريجي الكليات العسكرية سنويا كانوا من العلويين. وهذا أمر مخطط له، قام الأسد بتنصيب ضباط سنّة في مناصب قيادية عسكرية لتغطية المسألة الطائفية، لكن هؤلاء لم يكن لهم أي نفوذ أو قرار، وإنما القرار هو قرار الأسد فقط، وهو المتصرف بكل شيء. كل سنتين كان يتخرج 4000 ضابط 80 في المائة منهم علويون.

* على ذكر القومية وحزب البعث، ماذا بقي من حزب البعث؟ هل لا يزال خدام مؤمنا بأفكار البعث؟

- انتسبتُ للحزب عام 1947م، ويومذاك كانت في صميم أفكاره القومية العربية والوحدة العربية، وهي الأفكار التي كان يؤمن بها جيل عربي معين. وللأمانة، كان الحزب بأفكار سامية حتى وصل إلى السلطة، فتغير المسار. مثلا يقول لك الحزب: «شرط نهوض الأمة حرية الفرد»، وفجأة يأتي الحزب ويتخذ قرارات آخر ما يمكن أن يحترم فيها حرية الفرد واستقلاليته. حزب البعث كانت له شعارات قومية عامة، آمن بها كثيرون. لكنها انتهت بعد وصوله للسلطة، بل أصبح الحزب في فترة مجرد وسيلة وليس غاية. تخيل من 4000 عضو في حزب البعث ارتفع العدد إلى أكثر من ربع مليون فقط خوفا من السلطة والقمع لا أكثر. ولذا دعني أقل: إن أفكار حزب البعث لم تعد موجودة، بل إن جيلا كبيرا من السوريين إنما انتموا إلى حزب البعث للحصول على وظيفة.

* نعود إلى الأزمة الحالية مرة أخرى؛ هل ترى أي سيناريو يمكن أن تتخلى به طهران عن سوريا بشار الأسد؟

- لا، لا يمكن.. سوريا بالنسبة لإيران مسألة حياة أو موت.

* هناك حديث عن احتمال قيام دولة طائفية في الساحل، وفي حال حدث ذلك ماذا تتوقع أن يحدث لسكان الساحل من السنّة؟

- لن يحدث ذلك.. في الساحل أكثر من 40 في المائة من السكان سنّة. وفي حال ذهب الساحل، ستصبح سوريا دولة مغلقة لا منفذ لها على البحر. ولهذا أستبعد.. أستبعد جدا أن تتكون دويلة داخل الدولة. قد تصل إلى مرحلة في النزاع الحالي يكون فيها جزء أقوى من آخر، لكن ليس بشكل مستقل أو منفصل. ودعني لأعود لما بدأنا به؛ لو أعطت الدول العربية السوريين، وليس لأحمد الجربا، أسلحة نوعية، صدقني سيسقط بشار مع نظامه في غضون شهر.

* ما إشكاليتك مع أحمد الجربا؟

- الجربا لا علاقة له مباشرة بالسوريين.. أقصد لا وجود له في الداخل السوري، ولهذا لن يستطيع أن يصنع فارقا.

* هل أنت مستعد للعب دور للمّ الشمل السوري؟ أو تسمية أشخاص قادرين على إخراج سوريا من أزمتها الحالية؟

- أنا حاولت، وما زلت أحاول، ولي اتصالاتي مع كثير من السوريين الفاعلين. وهناك تجاوب، لكن أعود لسؤالك السابق عن الجربا، فتخيل أنني بعثت مثلا رسائل لعشرات من زعماء الفصائل والسوريين المؤثرين.. وجميعهم تقريبا ردوا على ما أرسلته ما عدا أحمد الجربا، الذي قال حين سأله أحدهم: «فات الوقت». لا أعرف ما الوقت الذي فات؛ هل يضمن الجربا أنه سينزل غدا إلى دمشق؟ من يريد أن يصبح قائدا يجب عليه أن يتسع صدره للجميع ويتقبل الجميع، والجربا.

* ماذا تعني؟

- أعني أن هناك دولة عربية قامت بتأسيس «المجلس الوطني» وأتت بالإخوان المسلمين وجماعات أخرى فقط لتثبت وجودها.

* ما الدولة؟

- قطر جاءت بالإخوان المسلمين وكم شخص من المعارضة وأسست ما سمي بـ«المجلس الوطني»، ثم فشل «المجلس». من يريد أن يساعد السوريين، عليه عقد مؤتمر وطني للسوريين وأن يختار قيادة عسكرية ذات كفاءة ومدنية بالتوازي. من يحكم سوريا الآن هو «الجيش الحر». الثوار والمعارضون بحاجة إلى قيادة مركزية عسكرية ومدنية. تخيل (مثلا) لو جرى التركيز على حمص والساحل، عندها سيسقط نظام الأسد بلا شك.

* ولماذا لم يجرِ التركيز على حمص والساحل؟

- من قال إنه لم يجر التركيز عليهما؟ سأعطيك مثالا على ما حدث من خذلان للثوار في الساحل، حين طلبوا الدعم وجهوا لـ«الائتلاف»، الذي دعمهم حتى وصل الثوار إلى كسب، وقاموا بشق مسافة 50 كلم، ثم نفدت الذخيرة، لم يتبقَّ على إسقاط هذه الجبهة إلا القليل، ووقف عنهم الدعم. و«الائتلاف» وقف موقفا غريبا من هذا. لهذا يجب إقامة مؤتمر وطني شامل حتى لا يصبح القرار مزاجيا.

* كيف يمكن إذن تحقيق انتصار للثوار؟

- إذا جرى توحيد الدعم. بشار الأسد الآن يحارب بالصواريخ والطيران والدبابات، المعارضة لا تطلب طائرات أو دبابات.. بل صواريخ مضادة للدبابات والطائرات، وصواريخ متوسطة المدى أو قريبة المدى.

* نعود مرة أخرى لحزب البعث وسقوط الجولان.. سقطت هضبة الجولان، وحزب البعث كان يأمل في استرجاعها، والآن فقد تم سوريا بأكملها.. كيف؟

- ما يحدث في سوريا الآن يعيدنا إلى وقت سقوط الجولان ونكبة فلسطين. الأزمة كانت في الشعارات، أما سقوط الجولان فلم يكن خطأ حزب البعث أو القيادة، بل تراكمات أخطاء في مصر والأردن وسوريا. في سوريا، طرحت قيادة حزب البعث شعارات أكبر منها.. ولم يكن من المنطقي رفع هذه الشعارات من دون بنية أساسية جاهزة.

* إضافة إلى اللامنطق في شعارات الحزب، ألا ترى أن أيدي الحزب ملطخة بالدماء.. ولا علاقة بين سلوك أفراده والشعارات المرفوعة؟

- لا نستطيع أن نقول إن أيدي الحزب ملطخة بالدماء.. لكننا نستطيع القول إنه بعد وصول الحزب إلى السلطة حاد بعض أفراده عن أهداف الحزب.

* طائفية الجيش.. ألا يمكن تحميلها جزءا كبيرا من المشاكل في سوريا؟

- لا يوجد بيت علوي في سوريا إلا وفيه ضابط أو صف ضابط. وهذه أساس المشكلة؛ الجيش كان طائفيا وممنوع الحديث عن الطائفية. وكان هذا أساس الفساد، الدائرة المحيطة بحافظ الأسد كانت تمارس الفساد.

* ماذا بقي من البعث؛ من يمثله؟

- لم يعد هناك شيء.. لم يبق شيء.

* لماذا تخلى عنك بشار الأسد، أو لماذا تركته أنت؟

- أنا من عزمت الرحيل، وحضرت اجتماعا لقيادة الحزب لمدة ساعة ونصف الساعة... تحدثت مع القيادة عما يجب فعله مستقبلا. وبالمناسبة، أنا لم أعمل معه كثيرا، والرحلة الخارجية الوحيدة مع بشار هي إلى طهران قبل دخول الجيش الأميركي للعراق. يومذاك ذهبنا إلى طهران والتقينا بالإيرانيين، وفجأة طرح بشار عليهم تدريب فصائل شيعية مقاتلة، لقتال الأميركيين في العراق في حال دخولهم. الإيرانيون أبدوا تحفظا. كان لدى الإيرانيين ارتباط واتصال بالفصائل العراقية، ولا حاجة لتشكيل وحدات مقاتلة.

* كيف يقوم بشار بهذا الطرح في الوقت الذي كانت فيه الحدود السورية - العراقية شبه مفتوحة للإرهابيين لدخول العراق؟

لم تكن الحدود مفتوحة بهذه الطريقة، لكن فعلا كان هناك ما يشبه التساهل في مرور من يريد الذهاب إلى العراق. بل هناك قصة غريبة؛ كان هناك قرابة 1800 معتقل من جنسيات مختلفة في السجون السورية في بداية الأزمة العراقية، وقام الأمن العام السوري بإيعاز من بشار بإطلاق سراح كل هؤلاء وتوجيههم بشكل غير مباشر للعراق، حسب حديث بعض الضباط المقربين من أجهزة الأمن.

* كيف كان الموقف الأميركي من هذا التصرف؟

- الأميركان كانوا غاضبين، السفير الأميركي التقى ببشار، وطلب منه ثلاثة أمور، أولها إغلاق الحدود بشكل كامل وتأمينها، والانسحاب السوري من لبنان، وإغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية في سوريا، وقام بشار الأسد بتنفيذ هذه الطلبات الثلاثة بشكل كامل.

* متى كان هذا؟

- لا أتذكر تحديدا، لكن بعد أشهر قليلة جدا من دخول الأميركان للعراق.

* ونفذ جميع طلباتهم؟

- نعم، نفذ جميع طلباتهم بلا تردد.

* ماذا فعل الإيرانيون لاحقا باقتراح بشار؟

- الإيرانيون كانوا أذكياء في استخدام الجماعات المسلحة في العراق. بل حتى استخدموا الجماعات الموالية لصدام حسين لقتال الأميركان ثم وجهوا نيران تلك الجماعات ضد بعضها بعضا.

* بعيدا عن هذا، دعني أسألك سؤالا مباشرا.. من الذي اغتال غازي كنعان؟

- هناك نظريتان؛ الانتحار أو الاغتيال. آخر مكالمة له مع صحافية لبنانية، قال لها: «هذه آخر مرة تسمعين فيها كلامي». وهناك نقطة أن المنتحر يموت برصاصة، وكان في رأسه رصاصتان. وأهله هم من رجحوا نظرية الاغتيال، إذا كان هناك قتل فهو من الأمن بتوجيه من بشار الأسد. وبشار الأسد طلب غازي كنعان صباحا يوم اغتياله، وقال له بالنص: «روح رتب حالك، أو حنا نرتبك»، وغازي كنعان ذهب، وأخذ مسدسه، وتحدث إلى الصحافية اللبنانية، وبعدها قتل. والسبب كما قيل إن غازي كنعان اعترف بعض الاعترافات ضد نظام بشار، وتورطه بكثير من القضايا الأمنية.

* ملف الاغتيالات في لبنان.. هناك من يقول إنك كنت على رأس المهندسين؟

- لا يمكن أن أقبل بهذا الاتهام، ولا أريد تحميل النظام السوري مسؤولية مباشرة في حال غياب معلومات دقيقة.

* رشيد كرامي مثلا؟

- ميليشيات الموارنة هي من اغتالته.

* المفتي حسن خالد وكمال جنبلاط؟

- اغتياله جاء بعد آراء له ضد السياسة السورية، لكن لم يكن واضحا من اغتاله. وكمال جنبلاط كذلك كانت به خلافات ومشاكل مع حافظ الأسد. هل الأمن السوري متورط في اغتيالهما؟ قد يكون، وقد لا يكون.

* في ذكر الاغتيالات، من حاول اغتيال الآخر أكثر من مرة؟ صدام حسين أم حافظ الأسد؟

- صدام حسين حاول وخطط لاغتيال حافظ الأسد أكثر من مرة، وأنا خطط لاغتيالي ثلاث مرات، آخرها أصبت بطلق ناري.

* ما السبب؟

- السبب هو مواقف الحكومة السورية أو خطاباتها في اجتماعات جامعة الدول العربية، وصدام حسين كان يريد أن يكون رأيه الأقوى والمتفرد بكل شيء.

* هل من شواهد؟

- كثيرة، لكن هناك قصة عبد الفتاح بومدين؛ زار العراق والتقى بصدام حسين، وسأله: «لماذا خططتم لاغتيال خدام أربع مرات؟». ورد عليه صدام حسين: «تقصد ثلاث مرات»! وصدام حسين لا يوجد عنده ميزان في عقله؛ مرة تجده هادئا متزنا، ومرة فاقدا لأعصابه.

* جمعية المرتضى، التي كانت تشرف على نشر الثقافة العلوية والشيعية في سوريا، أين هي الآن؟

- انتهت، من أقام الجمعية هو جميل الأسد أخو حافظ، وهو انتهازي حاول تأسيس الجمعية للحصول على المال فقط، لكن الجمعية انتهت تقريبا.

* آخر سؤال، الأزمة السورية هل ستبقى عشر سنوات مقبلة كما قالت مؤسسات استخباراتية عالمية؟

- إذا أرادوا هم كذلك، فستبقى أكثر من 20 سنة، وإذا أرادوا فسينتهي بشار الأسد في شهر واحد. ويجب عليهم أن لا يقلقوا من الجماعات المسلحة، لأنها ستنتهي بعد سقوط بشار.



مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
TT

مسؤول أممي: الحوثيون صادروا أصول مكاتبنا ومنعوا الرحلات الجوية

نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)
نحو 70 موظفاً أممياً لا يزالون في معتقلات الجماعة الحوثية بتهمة مزعومة عن التجسس (أ.ف.ب)

في تصعيد يهدد عمل المنظمات الدولية والتدخلات الإنسانية، أعلنت الأمم المتحدة عن قيام الجماعة الحوثية في صنعاء باتخاذ إجراءات أحادية تمس بشكل مباشر قدرتها على تنفيذ مهامها الإنسانية، وذلك عبر مصادرة معدات وأصول تابعة لها ومنع تسيير الرحلات الجوية الإنسانية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية لملايين اليمنيين.

وجاء ذلك في بيان رسمي، الجمعة، صادر عن المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، جوليان هارنيس، أوضح فيه أن سلطات الأمر الواقع الحوثية اقتحمت، يوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني) 2026، ما لا يقل عن ستة مكاتب أممية في صنعاء، جميعها كانت غير مأهولة بالموظفين، وقامت بنقل معظم معدات الاتصالات وعدد من مركبات الأمم المتحدة إلى موقع غير معلوم، دون أي تنسيق أو إخطار مسبق.

وأكد البيان أن الأمم المتحدة لم تصرح بنقل هذه الأصول، ولم تتلق أي تبرير رسمي يوضح أسباب هذه الخطوة، مشدداً على أن جميع المعدات المصادرة تم إدخالها إلى اليمن وفق الإجراءات القانونية المعتمدة وبالحصول على التصاريح اللازمة من الجهات المختصة، وتشكل جزءاً من الحد الأدنى للبنية التحتية الضرورية لضمان استمرار الوجود الأممي وتنفيذ برامجه الإنسانية.

ولم تقتصر الإجراءات على مصادرة الأصول، إذ أشار البيان إلى أن سلطات الأمر الواقع منعت، منذ أكثر من شهر، تسيير رحلات خدمة الأمم المتحدة الجوية الإنسانية (UNHAS) إلى صنعاء، كما منعت الرحلات إلى محافظة مأرب الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً منذ أكثر من أربعة أشهر، دون تقديم أي توضيحات رسمية.

إحدى طائرات الأمم المتحدة في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إعلام محلي)

وتُعد رحلات «UNHAS» الوسيلة الوحيدة التي تتيح لموظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية الدخول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين والخروج منها. ومن ثمّ، فإن هذا التعطيل يفرض قيوداً إضافية على إيصال المساعدات الإنسانية، ويقوض قدرة المنظمات الدولية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في تلك المناطق.

وحذّر منسق الشؤون الإنسانية من أن هذه الإجراءات تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يشهد اليمن تدهوراً إنسانياً غير مسبوق، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن استمرار هذه الممارسات سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية ويزيد من معاناة المدنيين.

بيئة عمل منهارة

يتزامن هذا التصعيد الحوثي مع أزمة متفاقمة تتعلق باحتجاز موظفي الأمم المتحدة لدى الجماعة المتحالفة مع إيران، إذ ارتفع عدد المحتجزين تعسفياً إلى 69 موظفاً على الأقل حتى ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في واحدة من أخطر موجات الاستهداف التي تطول العاملين في المجال الإنساني.

وشملت الاعتقالات موظفين يمنيين يعملون في وكالات أممية رئيسية، من بينها برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة اليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى طاقم عيادة الأمم المتحدة في صنعاء.

وتتم هذه الاعتقالات غالباً عبر اقتحام المنازل وترويع العائلات، واقتياد الموظفين إلى جهات مجهولة دون السماح لهم بالتواصل مع أسرهم أو محاميهم.

عناصر حوثيون خلال حشد للجماعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (أ.ف.ب)

وتروج الجماعة الحوثية لاتهامات تتعلق بـ«التجسس» لصالح أطراف خارجية، وهي مزاعم رفضتها الأمم المتحدة بشكل قاطع، مؤكدة أن الموظفين يُستهدفون بسبب قيامهم بمهام إنسانية بحتة.

وفي هذا السياق، ذكّر المنسق الأممي المقيم في اليمن بقراري مجلس الأمن 2801 (2025) و2813 (2026)، اللذين يدعوان الحوثيين إلى توفير بيئة عمل آمنة ومأمونة، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الموظفين المحتجزين.

وأمام هذا الواقع، أعلنت الأمم المتحدة مطلع عام 2025 تعليق أنشطتها غير المنقذة للحياة في مناطق سيطرة الحوثيين، فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي، في يناير 2026، تسريح عدد من موظفيه اليمنيين نتيجة تجميد العمليات الإغاثية، ما يعكس خطورة استمرار هذه الممارسات وتداعياتها المباشرة على الوضع الإنساني في اليمن.


بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
TT

بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)
المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)

سلّط قرار رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بتشكيل لجنة لـ«ضبط الإنفاق العام وإغلاق منافذ الهدر»، الضوء مجدداً على نهج اعتمده المجلس خلال السنوات الأخيرة في ملاحقة الأزمات المتراكمة، عبر تشكيل لجان اقتصادية وأمنية وعسكرية.

وعلى الرغم من تعدّد اللجان التي شكّلها المنفي لمواجهة أزمات الاقتصاد والأمن، يرى مراقبون أن نتائجها بقيت محدودة على الأرض، في ظل الانقسام العسكري والأمني وتنازع الصلاحيات، مما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول جدوى هذه اللجان، وقدرة المجلس الرئاسي على إلزام الأطراف المختلفة بمخرجاتها.

وخلال كلمة ألقاها، الخميس، في مدينة الزاوية بغرب البلاد، بحضور قيادات أمنية وعسكرية وميدانية، تعهد المنفي بإعلان نتائج عمل اللجنة الجديدة «خلال فترة قريبة»، مؤكداً أنها «لن تكون لجنة للاستهلاك الإعلامي». وسوّق قراره بالحديث عن «إنفاق هائل مقابل نتائج ضعيفة، واقتصاد مستنزف، وقطاع مالي مختل، وهدر يفتح أبواب الفساد».

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي (المجلس الرئاسي)

وقفزت نفقات الدولة الليبية بنحو 13 مليار دينار خلال العام الماضي مقارنة بالعام السابق، إذ ارتفعت إلى 136.8 مليار دينار في 2025 مقابل 123.2 مليار في 2024، وفق بيانات المصرف المركزي، مع بلوغ سعر الدولار 6.28 دينار في السوق الرسمية، و8.95 دينار في السوق الموازية.

غير أن النائب السابق لرئيس «المصرف الليبي الخارجي»، الدكتور خالد الزنتوتي، شكك في جدوى هذه المقاربة، لافتاً إلى أنها «مجرد لجان على الورق لن يلتفت إلى توصياتها، حتى وإن كانت ممهورة بتوقيع رئيس المجلس الرئاسي». وتساءل في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هل يستطيع رئيس المجلس الرئاسي، بتشكيله الحالي، إلزام أي من الأطراف بتنفيذ ما تصل إليه هذه اللجان، حتى وإن امتلكت الإمكانيات الفنية؟ وهل يمكنه إلزام تلك الأطراف بتقديم ميزانية موحدة تضبط الإنفاق العام؟».

وسبق للمنفي أن شكّل في يوليو (تموز) 2023 «اللجنة المالية العليا»، بعضوية 17 ممثلاً عن أطراف الانقسام، بهدف التوصل إلى آلية وطنية لإدارة موارد الدولة وترشيد الإنفاق. غير أن هذه اللجنة، وبعد أكثر من عامين، لم تحقق، حسب متابعين، الهدف المرجو منها، خصوصاً في ضبط الإنفاق العام، بل تزايد ما يُعرف بـ«الإنفاق الموازي».

بعد ذلك عاد المنفي ليشكّل لجنة أخرى في أغسطس (آب) الماضي لمراجعة عقود النفط والكهرباء والسياسات التعاقدية للمؤسسات العامة العاملة في قطاع الطاقة، بما في ذلك التعاقدات مع الشركات الأجنبية والمحلية.

ورغم محاولة تجاوز الانقسام عبر الاستعانة بتكنوقراط، فإن هذه اللجنة لم تفضِ حتى الآن إلى نتائج ملموسة، وفق ما أفاد به مصدر سابق لـ«الشرق الأوسط»، مشيراً إلى عراقيل تعترض عملها.

محافظ «المركزي الليبي» ناجي عيسى ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في اجتماع بطرابلس ديسمبر الماضي (المركزي)

في هذا السياق، يرى الدبلوماسي الليبي السابق، فرج الزروق، أن «المشكلة في الحالة الليبية هي أن هذه اللجان أصبحت بديلاً عن بناء المؤسسات»، وفق ما تحدث به لـ«الشرق الأوسط».

لكن الزروق لا يستبعد جدوى هذه اللجان «بشروط صارمة»، محدداً إياها في أن تكون اللجان مؤقتة بجدول زمني معلن، وخاضعة لرقابة جهة مستقلة، مثل ديوان المحاسبة أو النيابة العامة، وأن تعلن مخرجاتها للرأي العام لضمان الشفافية، وألا تحل محل المؤسسات الدستورية الدائمة، بل تكون جسراً مؤقتاً لتفعيلها.

ولا يقتصر توجه المجلس الرئاسي على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى الملفات الأمنية والعسكرية. ففي يونيو (حزيران) الماضي، شكّل المنفي لجنة مؤقتة للترتيبات الأمنية والعسكرية في طرابلس، عقب اشتباكات دامية بين قوات موالية لحكومة طرابلس وميليشيات مسلحة، قُتل خلالها رئيس «جهاز الدعم والاستقرار» عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، وكادت المواجهات تتسع مع ميليشيا «الردع». كما أتبع ذلك بقرار لتشكيل لجنة حقوقية مؤقتة لمتابعة أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز.

ويرى الأكاديمي والباحث السياسي الليبي، الدكتور علام الفلاح، أن «قرارات (الرئاسي) يغلب عليها الطابع المالي والاقتصادي والأمني لملاحقة أزمات بعينها»، مشيراً إلى الحاجة لمقاربة أوسع تعالج ملفات محورية، مثل أمن الحدود، والهجرة غير النظامية، والسلاح المنفلت، والميليشيات والمرتزقة الأجانب، والخلايا الإرهابية النائمة، لافتاً إلى أن هذه القضايا تمثّل «اختباراً حاسماً لقدرات المجلس الرئاسي».

وتأسس المجلس الرئاسي بعد خمس سنوات من انهيار نظام الرئيس السابق معمر القذافي في عام 2011، بموجب «اتفاق الصخيرات»، وأُعيد تشكيله في فبراير (شباط) 2021 وفق «اتفاق جنيف»، برئاسة الدبلوماسي السابق محمد المنفي، ونائبَين يمثّلان إقليمَي طرابلس وفزان.

وأعاد قرار المنفي الأخير بتشكيل لجنة «ضبط الإنفاق» طرح النقاش حول حدود صلاحيات المجلس التي تتركز في تمثيل ليبيا خارجياً، وقيادة المؤسسة العسكرية وتوحيدها، وتيسير الانتخابات، وإدارة ملف المصالحة الوطنية، وتعيين بعض المناصب السيادية.

غير أن الفلاح يشير إلى أن «ليبيا تعيش مرحلة انتقالية معقّدة تتسم بتنازع الاختصاصات وغياب الشرعية»، موضحاً أن المجلس الرئاسي «يتخذ قرارات بوصفه أحد الأطراف الفاعلة، مستنداً إلى اتفاقَي جنيف والصخيرات، وربما متجاوزاً ذلك في ظل الصراع على القوانين».

وتعيش ليبيا منذ سنوات على وقع صراع بين حكومتَين: الأولى حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس وتدير غرب البلاد، والأخرى حكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب في بنغازي، وتدير شرق البلاد ومناطق في الجنوب.

وبينما يرى البعض في لجان المنفي حلولاً مؤقتة في ظرف استثنائي، يتمسك الزنتوتي برؤية أكثر جذرية، قائلاً: «لا بديل عن قيام دولة واحدة برئيس منتخب، ومجلس تشريعي منتخب، وفي إطار دستور يقره الشعب الليبي الواحد».

يأتي ذلك في بلد يعاني انقساماً سياسياً ومؤسسياً حاداً منذ سنوات، ويفتقر إلى ميزانية موحدة، وسط ضغوط اقتصادية متصاعدة وتساؤلات حول فاعلية هذه الأدوات.


ترحيب يمني بقرار أوروبا تصنيف «الحرس الإيراني» منظمة إرهابية

«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

ترحيب يمني بقرار أوروبا تصنيف «الحرس الإيراني» منظمة إرهابية

«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)
«الحرس الثوري الإيراني» يتحكم في الأنشطة العسكرية لكل تشكيلات الحوثيين (إ.ب.أ)

رحّبت الحكومة اليمنية بالقرار الصادر عن الاتحاد الأوروبي القاضي بتصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظمةً إرهابية، وعدّت القرار خطوة مهمة وفي الاتجاه الصحيح لمواجهة أحد أخطر مصادر زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وللحد من التهديدات المباشرة التي يُمثلها هذا الكيان للسلم والأمن الإقليميين والدوليين.

وأكدت الحكومة اليمنية، في بيان رسمي، أن هذا القرار يعكس إدراكاً أوروبياً متقدماً لطبيعة الدور التخريبي الذي اضطلع به «الحرس الثوري الإيراني» على مدى سنوات، من خلال تغذية النزاعات المسلحة، ودعمه المنهجي للجماعات والميليشيات الخارجة عن مؤسسات الدولة الوطنية، وتهديده المتكرر للممرات المائية الدولية، وتقويضه المستمر لأسس الاستقرار والأمن العالميين.

وشدد البيان على أن تصنيف «الحرس الثوري» منظمة إرهابية يُمثل تحولاً نوعياً في مقاربة المجتمع الدولي لسلوكيات إيران، وينهي مرحلة طويلة من التساهل السياسي مع أنشطة باتت تُشكل تهديداً مباشراً للأمن الجماعي، سواء في الشرق الأوسط أو خارجه.

وأكّد البيان أن الجماعة الحوثية ليست سوى إحدى الأذرع العسكرية المباشرة لـ«الحرس الثوري الإيراني»، وأن مشروعها القائم على العنف والانقلاب وفرض الأمر الواقع بالقوة يُمثل امتداداً صريحاً للدور التخريبي الذي يقوده هذا الجهاز العسكري خارج حدود إيران.

حريق على متن سفينة شحن بريطانية جراء هجوم حوثي في خليج عدن (إ.ب.أ)

وأوضحت الحكومة أن سجل الحوثيين الحافل باستهداف المدنيين، وقصف الأعيان المدنية، وشن الهجمات العابرة للحدود، وتهديد سفن الشحن والملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، يعكس بوضوح طبيعة الارتباط العضوي والعملياتي بين الجماعة و«الحرس الثوري»، سواء على مستوى العقيدة أو التمويل أو التسليح أو التخطيط العسكري.

وأضاف البيان أن تعطيل جهود السلام الإقليمية والدولية في اليمن، وعرقلة المسارات السياسية، واستخدام العنف المنظم بوصفه أداة تفاوض، كلها ممارسات تتسق مع النموذج الذي اعتمده «الحرس الثوري» في إدارة وكلائه في المنطقة، وتحويلهم إلى أدوات ضغط وابتزاز للمجتمع الدولي.

ودعت الحكومة اليمنية الاتحاد الأوروبي إلى استكمال هذه الخطوة المهمة باتخاذ قرار مماثل وحاسم بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، انسجاماً مع القوانين والتشريعات الأوروبية، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبما يُسهم في تجفيف مصادر تمويل هذه المليشيات، وردع سلوكها العدواني، وتعزيز فرص السلام العادل والمستدام في اليمن والمنطقة.

إجراءات عملية

في سياق هذا الترحيب اليمني، قال وزير الإعلام والثقافة والسياحة في حكومة تصريف الأعمال، معمر الإرياني، إن قرار الاتحاد الأوروبي تصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظمة إرهابية يُمثل «خطوة في الاتجاه الصحيح، ورسالة واضحة بأن المجتمع الدولي بدأ يتعامل بجدية مع أحد أخطر مصادر زعزعة الاستقرار في المنطقة، بعد سنوات من التغاضي عن أدواره العسكرية والأمنية العابرة للحدود».

وأضاف الإرياني، في تصريح رسمي، أن أهمية القرار لا تكمن في رمزيته السياسية فحسب، بل فيما يجب أن يتبعه من إجراءات تنفيذية عملية، تشمل تجفيف منابع التمويل، وتجميد الأصول، وملاحقة الشبكات والواجهات المرتبطة بـ«الحرس الثوري»، وقطع قنوات الدعم والتهريب والتسليح التي يديرها عبر دول ومناطق متعددة.

تعنت الحوثيين أدى إلى تعطيل مسار السلام في اليمن (أ.ب)

وأشار الوزير اليمني إلى أن «الحرس الثوري» لعب في الملف اليمني دوراً مباشراً ومنظماً في إدارة مشروع الانقلاب الحوثي، ولم يقتصر تدخله على إمداد الميليشيات بالأسلحة والخبراء والتقنيات والتمويل، بل امتد إلى الإشراف العملياتي وإدارة الشبكات العسكرية والأمنية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن ذلك تثبته الأدلة الميدانية والأدوار التي اضطلع بها عناصره، ومنهم حسن إيرلو وعبد الرضا شهلائي، بوصفها أدوات تشغيل ميداني للمشروع الإيراني.

ولفت الإرياني إلى أن ما جرى في اليمن لا يُمثل حالة استثنائية، بل يندرج ضمن نمط إقليمي ثابت يعتمد على بناء ميليشيات مسلحة موازية للدولة، وتغذية الصراعات، ونشر الفوضى والإرهاب، واستخدام الوكلاء فرض وقائع بالقوة وابتزاز المجتمع الدولي.

قرار تاريخي

يأتي هذا الموقف اليمني في أعقاب القرار التاريخي الذي اتخذه وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 29 يناير (كانون الثاني) 2026، بإدراج «الحرس الثوري الإيراني» على قائمة التكتل للمنظمات الإرهابية، في تحول وُصف بأنه نهاية مرحلة «الحذر الدبلوماسي»، وبداية عهد جديد من المواجهة الاقتصادية والقانونية مع العمود الفقري للنظام الإيراني.

وجاء القرار استجابةً مباشرة للقمع العنيف الذي مارسته السلطات الإيرانية ضد موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد أواخر 2025 ومطلع 2026، وأسفرت عن مقتل آلاف المدنيين وفق تقديرات منظمات حقوقية، إضافة إلى الدور الإقليمي المتصاعد لـ«الحرس الثوري»، بما في ذلك تزويد روسيا بالطائرات المسيّرة، وتهديد أمن الطاقة والملاحة الدولية.

عناصر حوثيون في صنعاء خلال تجمع حاشد دعا له زعيمهم (أ.ف.ب)

ويترتب على هذا التصنيف حزمة من التداعيات القانونية والسياسية الصارمة، تشمل تجميد الأصول، وحظر السفر، وتجريم أي شكل من أشكال التعاون أو الدعم، إلى جانب تشديد العزلة الدبلوماسية، بما يحد من قدرة «الحرس الثوري» على العمل تحت أغطية سياسية أو اقتصادية داخل أوروبا.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الطريق إلى أمن المنطقة واستقرارها يبدأ بإنهاء سياسة الإفلات من العقاب بحق الجهات التي ترعى وتدير الميليشيات المسلحة العابرة للحدود، ودعم الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية، واحترام وحدة وسيادة الدول وسلامة أراضيها.

وجددت الحكومة اليمنية التزامها الكامل بالعمل الوثيق مع المجتمع الدولي، وفي مقدمته الاتحاد الأوروبي، من أجل إحلال السلام، ومكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة الدولية، وبناء مستقبل آمن ومستقر لشعوب المنطقة.