اليانسون عشبة لا مفر منها

تاريخ حافل بالأحلام الجميلة

اليانسون عشبة لا مفر منها
TT

اليانسون عشبة لا مفر منها

اليانسون عشبة لا مفر منها

لطالما استخدم الناس اليانسون مغلياً مع الشاي ليلاً، ولطالما وضعوه مع الخبز والكعك لأنه يساعد على تهدئة الأعصاب والنوم، ويساعد على الهضم. كما دخل اليانسون في الكثير من الوصفات المطبخية والطبية منذ قديم الزمان. وجاء في الكثير من خلطات البهارات المعروفة، وخصوصاً خلطة الزعتر الحلبي الشهيرة والتي تضم القضامة والزعتر والسماق والفستق الحلبي وجوز الهند والكمون وغيره.
وعادة ما تلجأ بعض المطابخ الآسيوية وخصوصا المطبخين الصيني والهندي إلى استخدام اليانسون النجمي أو الليسوم كبديل عن اليانسون العادي للتشابه الكبير في الطعم. ويدخل اليانسون النجمي في الآلاف من وصفات الطعام في هذين المطبخين، وبالتحديد في خلطات بهارات الغارام ماسالا.
اليانسون واحد من أقدم أنواع البذور والأدوية والبهارات في العالم وحوض البحر الأبيض المتوسط، وهو من البهارات المحببة لدى الناس، ومن الفصيلة الخيمية كما ذكرنا، والتي يطلق عليها باللاتينية اسم Apiaceae - ابياكيا، والتي تضم أنواعا كثيرة لا تقل عن 3700 نوع من النباتات، على رأسها الكرفس والبقدونس والكمون والكزبرة والشبت والكراويا والفزع والجزر. وهو من النباتات أو الأعشاب الحلوة المذاق والعطرية الرائحة كالبقونس الأفرجي - cicely. وفي مجال التعريف بمعنى اليانسون يقول معجم المعاني الجامع: «إنسون، انيسون، نبات حولي من فصيلة الخيميات، زهره صغير أبيض، وثمره حب جاف طيب الرائحة، يحتوي على زيت عطري طيار......».
الاسم العلمي أو اللاتيني لليانسون هو بيمبينيلا آنسيوم - Pimpinella anisum، أما الاسم الإنجليزي انيس - Anise فهو يأتي من الاسم العربي يانسون - yaansoun وعلى الأرجح من اليونانية القديمة ἄνηθον. ومع ذلك، يعتقد بعض العلماء أن الكلمة التي ترجمة إلى «اليانسون» في الفصل الثالث والعشرين في العهد الجديد في إنجيل متى كانت في الواقع تشير إلى «الشبت» في اليونانية الأصلية. وقد أعطي اليانسون لقب سولامن إنتستينوروم - Solamen intestinorum الذي يعني معزي أو «مريح الأمعاء». وهو يعرف بالعربية أيضا بعدة أسماء مثل الانيسون والرازيانج والينكون والكمون الحلو والتقدة والحبة الحلوة في المغرب.
حسب الموسوعة الحرة، فإن موطن اليانسون الأصلي غير معروف، لكنه «يزرع على نطاق واسع في جنوب أوروبا ولبنان وتركيا وسوريا وإيران والصين والهند واليابان وجنوب وشرق الولايات المتحدة الأميركية». لكن بعض المصادر الأخرى، وهي أكثر صحة على الأرجح، تؤكد أن مواطن اليانسون هي مصر القديمة واليونان وتركيا وعلى الأرجح حوض المتوسط بشكل عام. ولا بد من الذكر هنا أنه مضى على استخدام اليانسون أكثر من 2000 عام، رغم أنه لم يحصل أي تطور جذري أو ذات أهمية على أصنافه.
الفراعنة
وقد عثر علماء الآثار على بقايا اليانسون في المقابر الفرعونية وخصوصا في مدينة طيبة التاريخية المعروفة، وجاء اسمه وذكره في المخطوطات الفرعونية القديمة أو أوراق البردي (برديات ايبرز وهيرست) ضمن عدة وصفات علاجية، فاستعملوه شرابا مغليا للمعاونة على إدرار البول واضطرابات المعدة وأوجاع اللثة والأسنان. وبشكل عام فإن اليانسون «احتل مكانا علاجيا هاما عند الفراعنة وما زال يزرع بكثرة حتى اليوم في محافظة الصعيد».
الزمن التوراتي
كان اليانسون في الزمن التوراتي وبعد ظهور المسيحية في فلسطين، ذات قيمة عالية جدا، حيث كان يستخدم في العادة في الأضحية ودفع الضرائب ومنها العشر التي تشبه ضريبة الجمارك. ذكر في كل من إنجيل لوقا ومارك ومتى.

الرومان والإغريق
كالكثير من أنواع البهارات والأعشاب، استخدم الرومان اليانسون وزرعوه على نطاق واسع لعطره ونكهته الطيبة وفوائده واستخداماته الطبية الجمة. وقد بجل أو وقر ونصح عالم الرياضيات والفيلسوف اليوناني فيثاغورس من عمليات استخدام جذور اليانسون وأوراقه وبذوره وحث على استهلاكها سواء نية أم مطبوخة. وحسب موقع «تاريخ الطعام» فإن فيثاغورس كان يعتقد أن امتلاك اليانسون يمكن أن يمنع نوبات الصرع، ويقال إنه كان يوصي بوضع اليانسون قرب السرير ليلا للتمتع بأحلام «جميلة بفضل عطره العذب».
ويضيف الموقع أن «أبو الطب أبقراط» اكتشف عدة استخدامات مهمة لليانسون منها علاج السعال، وأوصى بتناوله لتخليص الجهاز التنفسي من المواد المخاطية. وجاء ذكره لدى الكثير من الكتاب والمؤرخين والأطباء الرومان واليونانيين، وعلى رأسهم الكاتب بالادوس والعالم اليوناني ثاوفرسطس الذي كان أول من حاول تصنيف النباتات وأشهر المؤرخين الرومان في العصور القديمة بليني الأكبر والطبيب اليوناني صاحب كتاب الحشائش ديسقوريديس فيدانيوس.
وذكر ديسقوريدس فائدة اليانسون لعلاج السعال في كتبه، بالإضافة إلى فائدته في علاج التهابات الشعب الهوائية والربو.
وذكر المؤلف الروماني ماركوس أبيشيوس في القرن الأول للميلاد، اليانسون في مجموعة من وصفات الطبخ التي حملت اسمه (أول الكتب الذي عرف مصطلح المطبخ في التاريخ) وبالتحديد وصفة لذيذة للحم مع اليانسون. وربما كان أبيشيوس من بين أولئك الذين قالوا إن اليانسون «عشبة لا مفر منها».
وبالإضافة إلى استخدامه للمساعدة على الهضم، كان الرومان يعطونه للمرأة للتخفيف الفوري من آلام الولادة، وتعطى بذوره المطبوخة مع الحليب والشعير لاستعادة الأم قواها الجسدية بعد الولادة أيضا. أي لتحمل الألم والتعافي بعد ذلك.
وتأتي عادة استخدام الكعك مع اليانسون الحالية من العادات الرومانية القديمة أثناء الأعراس في روما القديمة، إذ كانت تنتهي هذه الأعراس بتقديم هذا النوع من الكعك للزوار. وكما سبق وذكرنا سابقا كان بإمكان سكان روما ومواطني الإمبراطورية الرومانية دفع ضرائبهم ببذور اليانسون التي كانت تستخدمها السلطات الحاكمة كعملة دولية آنذاك.
أما ملك الفرنجة شارلمان أو كارل الكبير الذي أطلق عليه العرب اسم قارلة، فقد أمر في القرن التاسع بزرع اليانسون في المزارع الإمبراطورية. كما أثنى الكاهن والمؤلف ألبيرتوس ماغنوس الذي كان الأكثر قراءة على نطاق واسع في القرنين الثاني والثالث عشر على اليانسون ومنافعه واستخداماته.
ولا عجب أن عرفت أوروبا وخصوصا بريطانيا اليانسون بكثرة في القرون الوسطى، ويقال إن الملك الإنجليزي «إدوارد الأول فرض عليه ضريبة بغية استخدام العائدات في إصلاح جسر لندن» الشهير.
ونصح عالم الأعشاب البريطاني المعروف قديما جون جيرارد، مؤلف كتاب «تاريخ النباتات» عام 1597، الذي أخذ الكثير من معلوماته من أعمال الدكتور بريست السابقة وخصوصا «بيمبتادس - Pemptades) «1583)، بإعطاء الأطفال الصغار اليانسون وذكر عددا من استخداماته العلاجية.
ولأنهم كانوا يؤمنون بقوة في القيمة الطبية لليانسون، طيب الألمان خبزهم خلال القرن التاسع عشر باليانسون.
أما العرب، فقد عرفوا واستعملوا اليانسون منذ القدم وخصوصا للأغراض الطبية وبالتحديد في «المعاونة على التخلص من الماء الزائد عن حاجة الجسم في البول، وبالتالي انخفاض درجة الحرارة وتنشيط عمل الكلى».
وجاء ذكر اليانسون عند العلامة ابن سينا «كعلاج ناجع للأرق، وتهدئة النفس عند الغضب إذا ما شُرِب دافئا ممزوجا باللبن والعسل».
ويقول في كتاب القانون: «إذا سحق اليانسون وخلط بدهن الورد وقطّر في الأذن أبرأ ما يعرض في باطنها من صدع عن صدمه أو ضربه، ولأوجاعهما أيضا كما ينفع اليانسون شرابا ساخنا مع الحليب لعلاج الأرق وهدوء الأعصاب».
أما داود الأنطاكي فيؤكد ما جاء على ذكره ابن سينا فيقول في «تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب والإعجاب»، إن «اليانسون يطرد الرياح، ويزيل الصداع، وآلام الصدر، وضيق التنفس والسعال المزمن، ويدر البول ويزيد العمم، وإذا طبخ بدهن الورد قطورا ودخانه يسقط الأجنة والمشيمة، ومضغه يذهب الخفقان، والاستياك به يطيب الفم ويجلو الأسنان ويقوي اللثة».
ولأنه غني بالنحاس وبالتالي الإنزيمات الحيوية بما فيها السيتوكروم C - أوكسيديز، فإنه يساعد في إنتاج خلايا الدم الحمراء.
وفي دراسة نشرت في عام 2010، وجد الباحثون في تايوان أن «4 مركبات مضادة للميكروبات المستمدة من اليانسون كانت فعالة جدا ضد ما يقرب من 70 سلالة من البكتيريا المقاومة للأدوية». لكن من مضار اليانسون المعروفة أنه يقلل من القدرة الجنسية عند الرجل.
ومن الاستخدامات الأخرى المعروفة لليانسون، يقال إن زيت اليانسون يزيل القمل، ويخلص من بعض أنواع العضات والحكة التي تسببها بعض الحشرات. وكان يخلط مع الشحم أو زيت الحوت ويستخدم كمرهم لعلاج تهيج الجلد كما يؤكد موقع «أورهيرب غاردين».
وحسب الموقع، يعتبر زيت اليانسون مع الجبن واحداً من أهم المواد التي تستخدم كطعم للفئران.


مقالات ذات صلة

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مذاقات مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر.

مذاقات «لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه»

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات «خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

«خوفو» الأول في الشرق الأوسط... و«كورو» الأفضل في السعودية

فاز «خوفو»، الواقع بمنطقة الجيزة في مصر، بجائزة أفضل مطعم في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

جوسلين إيليا (لندن)
مذاقات سارة كنج تحضّر أطيب منقوشة في ستراسبورغ (إنستغرام)

سارة كنج: زعتر جدتي كان رفيقي في غربتي

تسجّل اللبنانية سارة كنج في مدينة ستراسبورغ الفرنسية إنجازاً. فهي استطاعت أن تصنع أطيب منقوشة زعتر فيها. وبالتالي تحوّلت إلى عنوان يقصده أهالي هذه المدينة.

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات البيض بالشيري توميتو

الطماطم الكرزية... كيف تستخدم في الطهي؟

تتميز الطماطم الكرزية بقشرة رقيقة، ونكهة غنية بالعصارة وحلوة المذاق، سواء تناولتها طازجة أو مطبوخة، هي مكون مرن يرحب بإضافته لعدد كبير من الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».