العائدون إلى الرقة ينفضون الغبار عن مدينتهم... الغريبة

«الشرق الأوسط» ترافق عائلات «رقاوية» في رحلة العودة بعد طرد «داعش»

ساحة النعيم التي سميت بعد سيطرة «داعش» بـ«دوار الجحيم» لكثرة تعليق الرؤوس («الشرق الأوسط»)
ساحة النعيم التي سميت بعد سيطرة «داعش» بـ«دوار الجحيم» لكثرة تعليق الرؤوس («الشرق الأوسط»)
TT

العائدون إلى الرقة ينفضون الغبار عن مدينتهم... الغريبة

ساحة النعيم التي سميت بعد سيطرة «داعش» بـ«دوار الجحيم» لكثرة تعليق الرؤوس («الشرق الأوسط»)
ساحة النعيم التي سميت بعد سيطرة «داعش» بـ«دوار الجحيم» لكثرة تعليق الرؤوس («الشرق الأوسط»)

يجهز علي الحمد (42 سنة) وزوجته أميرة أغراضهما القليلة المتناثرة في خيمتهما بمخيم عين عيسى الواقع على بعد 50 كيلومتراً، شمال غربي مدينة الرقة. العائلة الصغيرة المؤلفة من أب وأم وثلاث بنات قررت أخيراً العودة إلى منزلها في حي المشلب، بعد سماعهم نبأ السماح بعودة المدنيين بُعيد تنظيفه من الألغام.
رافقت صحيفة «الشرق الأوسط» رحلة عائلة علي. وأثناء نقل الحقائب إلى السيارة الخاصة التي أقلتهم إلى الرقة، كانت دقات قلوبهم تسبقهم إلى طريق العودة، تاركين وراءهم ذكريات النزوح القاسية في المخيم الذي قضوا فيه قرابة ستة أشهر بانتظار هذه اللحظة، وينقل علي مشاعره المختلطة بالقول: «شعور فرح ممزوج بالخوف، قطعنا رحلنا طويلة حتى هربنا من نيران الحرب، أما اليوم أخشى أن تكون تلك النيران طالت منزلي».
في الطريق، وعندما وصلوا إلى مدخل الرقة الشرقي، أوقفتهم نقطة تفتيش تابعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، ودققت في الأسماء والهويات ليسمح لهم بعدها بالعبور إلى حي المشلب الذي يُعتبر علي واحداً من سكانه، ويضيف: «سمعنا أن سكان الأحياء المسموح لهم بالعودة هم المشلب والطيار والجزرة، أما باقي المناطق يُمنع دخولها لأن فرق نزع الألغام لم تنتهِ بعدُ من عملها».
في الطريق بدت أطراف الرقة أقل تضرراً. المعارك التي استمرت نحو أربعة أشهر بين يونيو (حزيران) وأكتوبر (تشرين الأول) العام الحالي، تركزت في مركز المدينة، أما حي المشلب الواقع في الجهة الشرقية للرقة كان من بين أول الأحياء التي تحررت من قبضة تنظيم «داعش»، على يد «قوات سوريا الديمقراطية»، بدعم وغطاء جوي من طيران التحالف الدولي بقيادة أميركا، الأمر الذي بعث تفاؤلاً عند علي وزوجته.
في مدخل الحي ارتسمت علامات الراحة على وجوههم، بعد مشاهدة كثير من المنازل والمحال التجارية التي سلمت من القصف ولم تتعرض للدمار، وكان عدد صغير من الأطفال يتراكضون في ساحة الحي، يمشي بجوارهم عدد من المدنيين الذين انشغلوا بتفقد ممتلكاتهم.
وصلت العائلة إلى المنزل وعند إدخال المفتاح في قفل الباب لم تصدق المشهد، فقد نجا المنزل من القصف، والشارع لم يتضرر كثيراً، ويصف علي لحظات فرحه قائلاً: «الحمد لله البيت على حاله، زجاج الشباك والأبواب تعرض للكسر جراء ضغط الانفجارات، لكن كل شيء على ما يرام»، فيما نقلت زوجته أميرة أنها لا تعطي فرحتها لأحد، وقالت ودموع الفرح تنهمر من عينيها: «كان حلماً أن نرجع للبيت، وإنّ شاء الله كل أهالي الرقة يرجعون بسلام وأمان».

طمأنينة وأمان!
عاد المئات من المدنيين إلى أحياء الرقة بعد الانتهاء من عمليات نزع الألغام وتمشيط المنازل والمحال التجارية، ليكونوا أول دفعة من السكان العائدين إلى المدينة، وبحسب مجلس الرقة المدني يُقدر عدد العائدين بنحو 4 آلاف شخص غالبيتهم من المشلب.
وعلى غرار علي، ينتظر النازحون في مخيم عين عيسى أن يتمكنوا من العودة إلى مدينتهم في أقرب وقت ممكن، وأكد جلال العياف مدير مخيم عين عيسى، أنّ «عشرات من نازحي الرقة يعودون يومياً إلى مناطقهم، بالأخص المناطق الواقعة في محيط الرقة والمزارع المجاورة».
وتمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» التي تضم قوات عربية وكردية ومسيحية في 17 أكتوبر، من طرد عناصر تنظيم «داعش» المتشدد من الرقة إلى بادية الفرات والمناطق الحدودية مع العراق.
وعبر كثير من أبناء حي المشلب عن فرحة مشوبة بالحذر، لأن إعادة الاستقرار والأمن إلى المناطق التي تخرج عن سيطرة «داعش» ونشر الطمأنينة والسلام بين الأهالي، تتوقف إلى حد بعيد على انضباط قوات الأمن الداخلي من جهة، ومدى قدرتها على الدفاع عن هذه المناطق من جهة ثانية، إلى جانب وجود إدارة مدنية تحظى بقبول أبنائها.
وتسلم مجلس الرقة المدني وجهاز الأمن الداخلي، في 20 من الشهر الحالي، إدارة المشلب إلى جانب حي الجزرة والطيار رسمياً من «قوات سوريا الديمقراطية»، ولدى لقائها مع صحيفة «الشرق الأوسط»، قالت المهندسة ليلى مصطفى رئيسة المجلس، إنّ «القوات ومنذ إعلان تحرير الرقة الشهر الماضي من التنظيم الإرهابي، تعهدت بتسليمها لمجلس الرقة المدني، وسوف تتحمل قوات الأمن الداخلي مسؤولية الحفاظ على الأمن العام وإعادة الطمأنينة بين الأهالي».
وبحسب رئيسة المجلس، «قامت لجنة الخدمات بأولى أعمالها في حي المشلب والجزرة والطيار، من خلال تنظيف وإزالة السواتر الترابية ورفع الأنقاض والقمامة المتراكمة في الشوارع ليتم نقلها إلى خارج المدينة في مكان مخصص لها».
وتتوقع ليلى مصطفى أن يتطلب تنظيف الرقة وإعادة إعمارها جهوداً ضخمة، وشهوراً عدة قبل أن تعود الحياة الطبيعية إلى شوارعها.
بدوره، أشار عمر علوش رئيس لجنة العلاقات في مجلس الرقة المدني، إلى أن المجلس يعمل خلال الفترة المقبلة على إعادة هيكليته من خلال تشكيل مجلسين: مجلس تشريعي وثانٍ تنفيذي لإدارة الرقة، وأوضح: «منذ بداية تشكيل المجلس بشهر أبريل (نيسان) الماضي، ورد في البيان التأسيسي أنه ستتم إعادة هيكلة المجلس بعد تحرير الرقة، لأن القسم الأكبر من أهالي المدينة لم يشاركوا في التأسيس كونها كانت محتلة من قبل تنظيم داعش المتطرف».

مهمات وتحديات
قدم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، إلى مجلس الرقة المدني آليات ثقيلة على أربع دفعات بلغ عددها حتى اليوم نحو 50 سيارة وصهريجاً لنقل مياه الشرب، بهدف بدء العمل داخل شوارع الرقة وإزالة أكوام الركام من جميع أحياء المدينة وتنظيفها، الأمر الذي سيُسهِم في تسريع عودة الأهالي إلى منازلهم.
ويشرح المحامي إبراهيم الحسن رئيس لجنة إعادة الإعمار في مجلس الرقة، عمل اللجنة، وأنها نقوم حالياً بتأهيل البنية التحتية من شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، ويقول: «عندما يتم الانتهاء من هذه الأحياء الثلاثة سيتم نقل جميع الآليات إلى مركز المدينة لتنظيف الشوارع التي انتهت فيها عمليات إزالة الألغام ليصار إلى عودة المدنيين إليها». وتقوم خطة المجلس المدني على فتح الشوارع الرئيسية وعددها 23 شارعاً، ثم الانتقال إلى المداخل الخارجية وعددها 10، ولقد حددت لجنة الخدامات مكبين لتجميع الركام والأنقاض، مكبّاً في المدخل الشرقي والثاني في الجهة الغربية، وكانت قبل الحرب مخصصة لرمي النفايات والقمامة، وحددت الخطة جدول زمنيي مدته 45 يوماً للانتهاء من فتح الشوارع، بينما أردف إبراهيم الحسن بالقول: «بتصوري الشخصي سنحتاج إلى 3 أشهر كحد أدنى حتى تفتح الشوارع والمداخل الرئيسية ليتمكن الأهالي من العودة إلى منازلهم».
ويعم الدمار مدينة الرقة بالكامل، ما يجعل من الصعب التعرف على معالمها، لكن من الممكن تحديد بعض الأماكن من خلال لافتة تشير إلى عيادة طبيب، أو بقايا قماش وآلات حياكة في متجر.
وتغيب المياه عن الرقة منذ أشهر عدة، ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الآبار للاستخدام قبل بدء الهجوم الأخير على المدينة في يونيو الماضي، ويشرح المهندس ياسر الخلف من لجنة المياه، أنّ الورش الفنية قامت بإصلاح المضخة الجنوبية لإعادة المياه إلى قرية الحمرات وحي المشلب، وقال: «حالياً ستعمل شبكة المياه في الأحياء الثلاثة من 5 إلى 6 ساعات يومياً، وخلال الأيام سنستمر في إصلاح الخطوط المكسورة»، منوهاً بوجود كثير من الخطوط المتضررة داخل المدينة.
أما لجنة الأفران والمطاحن التابعة لمجلس المدني قامت بتشغيل ثلاثة أفران آلية: فرن السباهية وفرن حاوي الهوى وفرن المشلب، وتنتج يومياً نحو عشرة آلاف ربطة خبز توزع مجاناً على الأحياء التي عاد إليها سكانها ومخيمات النازحين.
ولفت صبري محمد رئيس لجنة الأفران أنّ هذه الأفران تستهلك نحو 70 طناً من مادة الطحين. وقال: «تم اتخاذ عدة خطوات لتلبية حاجات الأهالي ريثما يتم تأهيل الأفران المركزية في المدينة»، وشدد على أنّ مجلس الرقة يدعم مادة الخبز ويتحمل جميع النفقات المالية، مشيراً: «يتم توزيعها عن طريق مندوبي الحي الذين تم اختيارهم من قبل المجالس المحلية التي تشكلت فور عودة المدنيين».

رعب وذكريات
في ساحة دوار النعيم وسط الرقة، علقت شاشة تلفاز سوداء اللون يقابلها مجموعة من المقاعد في مشهدٍ أشبه بدور السينما. بحسب أهالي المنطقة كانت هذه الشاشة تعرض نوعاً مختلفاً من الأفلام ليس كوميدية أو درامية، بل كانت تعرض مشاهد لقطع الرؤوس وجز الرقاب ومقاطع دعائية خاصة بتنظيم داعش المتطرف.
وعلى مسافة قريبة من الشاشة، يبدو أن التنظيم قد حول غرفة صغيرة إلى نقطة إعلامية، ونقل عدداً من سكان دوار النعيم أنه كان يقف مقاتل من التنظيم في شباك التذاكر ويقوم بتوزيع حافظات الذاكرة (فلاشات) بالمجان، المفاجأة الصادمة أنها كانت تحوي إصدارات التنظيم الأكثر دموية، وبحسب هؤلاء السكان كان كثير من الشبان «الفضوليين» في مقتبل العمر يتوافدون لأخذها والتفرج على محتواها.
ومنذ سيطرته على مدينة الرقة في شهر يناير (كانون الثاني) 2014، بعد معارك عنيفة مع مقاتلي المعارضة الذين كانوا قد استولوا عليها من النظام في شهر مارس (آذار) 2013، عمد تنظيم داعش إلى بثّ الشعور بالرعب من خلال نشر صور وأفلام مروعة، مثل مشاهد حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حياً بشهر فبراير (شباط) 2015، وتعليق رؤوس جثث عشرات الجنود السوريين - أشباه عراة - الذين أُسِروا في مطار الطبقة العسكري في يوليو (تموز) 2014، وتصفية عشرات المواطنين الأجانب من صحافيين وعاملين في منظمات إغاثة.
يروي منصور (45 سنة) وهو من سكان حي النعيم، ويعمل اليوم حارساً في المنطقة، أنه كان شاهداً على بداية سيطرة التنظيم على مسقط رأسه، ليقول: «مشهد الدبابة العسكرية التي دخلت دوار النعيم وقامت باستعراض عسكري لن أنساه مهما حييت، يوم ذاك كنت واقفاً على شرفة منزلي المطل على الساحة، لأشاهد بعدها أبشع جرائم التنظيم من قطع الرؤوس والأيدي والأحكام القاسية التي كان ينفذها».
ويضيف أنّ مسلحي التنظيم أصبحوا أكثر عدوانيةً في تعاملهم مع السكان المحليين، حيث توقفوا في مرحلة ما عن إرسال الجرافات والشاحنات لإزالة حطام المباني المهدمة، وإنقاذ حياة المدنيين المطمورين تحت الركام بحجة القتال، لكنهم كانوا يخشون من قصف الطيران. بيد أنّ الملعب البلدي في الرقة، الذي يقع في مركز المدينة، تحول لأحد أبرز معالم التنظيم رعباً، بعدما اتخذه سجناً لتنفيذ أحكامه وعقوباته المشددة على كل من يعارضه أو مقاتليه الذين كانوا يخالفون قوانينه وتشريعاته.
وافتتح الملعب سنة 2006، وكان مخصصاً لمباريات وتدريبات نادي الشباب في الدوري السوري، وبعد سيطرة «داعش» على الرقة تعددت أسماؤه، إذ كان يسمى بـ«الملعب الأسود»، في إشارة إلى الحقبة السوداء التي مارسها متطرفي التنظيم، كما كان يطلق عليه (النقطة الأمنية رقم 11)، ويرجح عدد من سكان المنطقة إلى وجود 10 نقاط سرية ثانية كانت مخصصة للاحتجاز آنذاك، وبني عناصر التنظيم سجن كبير تحت الملعب، قسموه إلى مهاجع ومنفردات واخترعوا أبشع وسائل التعذيب.

شهادة ناجٍ من قبضة «داعش»
تُعدّ مرحلة الاستقبال داخل سجون «داعش» هي الأسوأ على الإطلاق حسب شهادات ناجي منها، حيث يقف المعتقل معصوب العينين ومكبّل اليدين أياماً قد تصل إلى أسابيع دون ماء أو طعام إلا في أوقات الصلاة.
يروي المحامي فيصل (38 سنة) الذي سُجِن مدة شهرين في الملعب الأسود، صيف عام 2015، أنه تردد في إحدى المرات على مقهى إنترنت لإجراء مكالمة مع قريب له لاجئ في إحدى الدول الأوروبية، سرعان ما دخلت دورية تابعة لـ«جهاز الحسبة»، والأخيرة كانت معروفة بالشرطة المحلية لدى التنظيم، واقتادوه إلى السجن بتهمة التخابر مع جهات معادية للتنظيم.
يقول فيصل: «أساليب التعذيب لدى (داعش) تبدأ بالضرب المبرح دونما شفقة، حتى إنهم كانوا يستخدمون وسيلة (البلنكو) وهي عبارة عن قطعة حديد مخصصة عادةً لحمل محركات السيارات، لكن في السجن كان لها استخدام آخر حيث يرفع السجين من يديه المكبلتين ليفقد توازنه ويبقى في هذه الحالة لساعات حتى يفقد وعيه».
وبعد طرد عناصر تنظيم داعش من مدينة الرقة قبل شهر، تمكن المحامي من دخول سجن الملعب الأسود، ويصف مشاعره المشوشة: «عندما أدخلوني إلى قبو الملعب، غالبتني روائح الموت والصوت الوحيد المسموع كان آهات المعذبين وصراخ السجانين، المحقق آنذاك قال لي: لماذا لا أعلم إن الاتصال الخارجي ممنوع؟! وهذه كانت تهمتي».
وقال ع. ع، وهو قيادي «داعشي» ينحدر من دولة المغرب وكان يشغل أمير الحدود في التنظيم، ومسجون حالياً لدى قوات سوريا الديمقراطية، في حديث سابق مع صحيفة «الشرق الأوسط»، إنّ التنظيم «كان يسجن عناصره الذي يرتكبون المخالفات، أو ممن لا ينفذون أوامر قادتهم العسكريين، أما بالنسبة للإعدامات الميدانية كانت تتم بشكل شبه يومي، كما اشتهر بوسائل التعذيب الشديدة كوضع السجين في أقفاص لأيام أو ربطه من يديه لساعات».
ولا تزال كثير من كتابات التنظيم منتشرة على جدران المنازل والمرافق العامة في الرقة، لتذكير أبنائها بحقبة سوداء قضوها في ظل «خلافتهم الإسلامية» كما زعموا، فكانت العبارات المكتوبة تحاول تعزيز مفهوم «داعش» في نفوس الأطفال والمراهقين عن طريق عبارات تبشرهم بالجنة، وتوهمهم بوعود كاذبة، وتحذر النساء بضرورة التقيد باللباس الشرعي، وتحض الشباب والرجال على «الجهاد» والالتحاق بصفوف التنظيم.

تغيّر معالم الرقة
بدت آثار الدمار وحدها طاغيةً على شوارع وأزقة الرقة التي أصبحت مكسوة بالحطام، إلا أن الجرافات شقّت طريقها وسط تلك الشوارع، في حين لا توجد أي علامات لحياة داخل المدينة، سوى تجول بعض المقاتلين العسكريين من «قوات سوريا الديمقراطية»، وقد كانوا يتناوبون على حراستها، أما الأصوات الوحيدة التي كانت تُسمَع فهي أصوات انفجار العبوات التي تفككها فرق إزالة الألغام.
وباتت الرقة مدينة خاوية على عروشها، لم يتبقَّ منها سوى الأطلال وآثار الدمار، إذ إن الخراب يحيط بها من كل جانب، بدءاً من سور بغداد الذي ظلّ شاهداً على سنوات حكم التنظيم المتشدد مروراً بمتحف الرقة الذي قام عناصر «داعش» بسرقة محتوياته بالكامل دون الاكتراث بالقيمة التاريخية الخاصة بمقتنياته، بالإضافة إلى ساحة الساعة التي باتت مدمرة بالكامل بعدما شهدت أولى الإعدامات الميدانية المريعة من قبل عناصر التنظيم بداية حكمه. أما «سوق الرقة القديم» و«السوق المسقوف» الذي كان يعج بالمحال التجارية وأهم العلامات التجارية الخاصة ببيع العباءات وأطقم الجلسات العربية، فقد دُمِّر تماماً وأصبح ركاماً بعد نهب محتوياته.
ويروي محمود (50 سنة) الذي كان يعمل سائق سيارة أجرة، كيف كانت الرقة سابقاً قبل العام 2011، فعندما كانت تدخل سيارته إلى «السوق القديم» تستغرق رحلته الشاقة ساعة لاجتيازه، أما اليوم يبدوا أن معالم المكان تغّيرت عليه، ولا تشبه مدينته التي كان يعرفها سابقاً.
تمكن محمود بعدها من الدخول وتفقد منزله الكائن في شارع الفردوس بعد حصوله على موافقة من «قوات سوريا الديمقراطية» الذي تمنع قاطنيه من العودة لانتشار الألغام والمفخخات المتفجرة.
وأنهى محمود حديثه بالقول: «طريق (السوق القديم) لم تعد كما كانت في البال، فالمشهد اليوم أشبه بمدينة أشباح، من الصعوبة التعرف على المحال ومعالم المكان الذي كان يضج بالحياة، أما اليوم باتت شاهداً على شدة المعارك داخل أزقة وحواري الرقة».



وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات
TT

وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

حذّر فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة، من أن جماعة الحوثي زوّدت بعض التنظيمات الإرهابية بتقنيات الطائرات المسيّرة، في إطار ما وصفه بالتخادم الجاري بين الجانبين.

وتأتي تصريحات الخليفي عقب هجوم صاروخي حوثي استهدف، الاثنين، مركز الشهيد أحمد السليماني التدريبي، الواقع على أطراف مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة (جنوب شرقي اليمن). وأفادت السلطة المحلية بأن المركز تعرّض للقصف بثلاثة صواريخ باليستية أثناء تلقي مجندين مستجدين في الأمن الداخلي برامج التدريب والتأهيل الأمني ما أودى بـحياة أكثر من 70 قتيلاً، وأكثر من 200 جريح.

وقال الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي لن تكسر صمود أبناء المحافظة، بل ستزيدهم عزيمة على مواجهتها.

وأضاف أن لدى السلطة المحلية معلومات تؤكد وجود تعاون بين الحوثيين وتنظيمات إرهابية، من بينها «القاعدة» و«داعش»، مشيراً إلى أن الجماعة مكّنت بعض تلك التنظيمات من الحصول على تقنية الطائرات المسيّرة.

وأوضح أن هذا التعاون يتجلى، حسب قوله، في استهداف القوى الأمنية وقوات دفاع شبوة، إلى جانب قوات درع الوطن التي تمر عبر المحافظة باتجاه محافظات أخرى.

وأعلنت السلطة المحلية اعتماد القتلى «شهداء واجب»، وتثبيت رواتبهم بصورة دائمة لأسرهم، وضمان حقوق المصابين ومستحقاتهم وصرفها دون تأخير، مؤكدة تسخير الإمكانات اللازمة لتقديم الرعاية الطبية للجرحى. وقال الخليفي إن الضحايا والمصابين من الأفراد المستجدين التابعين للشرطة والأجهزة الأمنية في المحافظة.

وأشار الخليفي إلى أن محافظ شبوة عوض بن الوزير كشف عن امتلاك السلطة المحلية أدلة على التعاون بين الحوثيين وتنظيمات إرهابية أخرى، مضيفاً أن هذا التنسيق تصاعد في الآونة الأخيرة، وأن الأجهزة الأمنية ترصده.

وتابع أن الحوثيين والتنظيمات الإرهابية ينفذون، وفق تعبيره، استهدافات مباشرة، ويزرعون العبوات الناسفة والمفخخة في الطرق والمواقع التي تسلكها القوات الأمنية وقوات دفاع شبوة. وأضاف أن هذا التعاون امتد إلى استخدام الطائرات المسيّرة، بعدما مكّن الحوثيون بعض التنظيمات من هذه التقنية.

وأكد الخليفي أن «هذه الأعمال الإرهابية لن تكسر صمود أبناء شبوة في مواجهة الحوثيين»، داعياً التحالف العربي إلى دعم الجبهات بأسلحة نوعية لمواجهة قدرات الحوثيين، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، وتوفير دفاعات أرضية للتصدي للصواريخ الباليستية.

وحمّلت السلطة المحلية في شبوة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران المسؤولية الكاملة عن الهجوم والخسائر البشرية الناجمة عنه، عادّةً أن استهداف المجندين أثناء تلقيهم التدريب تصعيد عسكري بالغ الخطورة، وداعية إلى اتخاذ تدابير عاجلة لحماية المنشآت العسكرية والأمنية ومنتسبيها.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي _سبأ_

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد اطّلع على مستجدات الهجوم، خلال اتصال بمحافظ شبوة عوض بن الوزير، ووجّه الجهات المختصة بتوفير الرعاية الطبية اللازمة للجرحى، والعناية بأسر القتلى، واستكمال إجراءات تسوية أوضاعهم وصرف مرتباتهم، واتخاذ ما يلزم للرد الحازم على مصادر الهجوم.

وقال العليمي إن استهداف المجندين يعكس، حسب تعبيره، لجوء الحوثيين إلى الهجمات كلما واجهوا ضغوطاً أو تعثرت مخططاتهم المدعومة من النظام الإيراني. وأكد أن الاعتداءات لن تثني الدولة عن مواصلة مسؤولياتها في حماية المواطنين واستعادة مؤسساتها الوطنية، مشدداً على أن دماء الضحايا لن تذهب هدراً، وأن رعاية أسرهم والانتصار لتضحياتهم مسؤولية وطنية.


«فجر اليمن» تكثف ضرباتها ضد الحوثيين براً وجواً

«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)
«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)
TT

«فجر اليمن» تكثف ضرباتها ضد الحوثيين براً وجواً

«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)
«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)

تجددت المواجهات العنيفة، الثلاثاء، في جبهات مدينة تعز اليمنية، مع شن الجماعة الحوثية هجمات على جبهة الشقب، بالتزامن مع قصف مكثف استهدف قرى محيطة في جبل صبر، في حين تواصل القوات الحكومية والمقاومة الشعبية التصدي للهجمات ومنع الجماعة من تحقيق أي تقدم، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن» التي دخلت يومها الـ16.

وتأتي التطورات الجديدة غداة تصاعد الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة على مواقع الحوثيين في تعز ومأرب والجوف، وإعلان «قوات العمالقة صد هجوم واسع للجماعة في جبال كهبوب غرب لحج، في وقت صعّدت فيه القيادة اليمنية تحركها السياسي للمطالبة بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، وتشديد القيود الدولية على مصادر تسليحهم وتمويلهم.

وقالت مصادر ميدانية يمنية إن قوات الجيش والمقاومة المحلية تصدت للهجمات الحوثية على جبهة الشقب جنوب تعز، ومنعت المهاجمين من إحراز أي تقدم، بينما استمر القصف على القرى المحيطة بجبل صبر، في امتداد للمواجهات التي شهدتها المنطقة خلال الساعات الماضية.

قيادات بالسلطة المحلية في تعز تتفقد الجبهات الغربية للمدينة (إعلام حكومي)

وفي مديرية المسراخ جنوب تعز، واصلت القوات الحكومية، بإسناد من المقاومة الشعبية، هجومها على مواقع الحوثيين، وسط معارك عنيفة في قرية صنمات. وكانت القوات الحكومية قد أعلنت، الاثنين، تحقيق تقدم في منطقتي الصنمات والصراري بجبل صبر، عقب مواجهات مع مجموعات حوثية حاولت التسلل باتجاه قرى المنطقة والوصول إلى قمة جبل العروس وقطع الطرق عبر قرى صبر.

وتحدثت مصادر ميدانية عن تراجع وتيرة الهجمات الحوثية على محيط المدينة خلال الساعات الـ24 الماضية، وسط تقديرات بأن الجماعة تحاول إعادة ترتيب قواتها استعداداً لشن هجمات أعنف.

استنزاف متعدد الجبهات

خلال الساعات الـ24 الماضية، كان المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، ماجد النزيلي، أعلن تنفيذ 1164 عملية استهداف، قال إنها أسفرت عن تحييد 558 عنصراً حوثياً، بينهم قيادات ميدانية، وتدمير وإعطاب 135 آلية ووسيلة عسكرية. وأضاف أن القوات انتزعت مواقع جديدة في تعز بإسناد جوي ومدفعي، بينما واصلت جبهات شبوة الضغط على مواقع الجماعة وإعاقة تحركاتها وتعزيزاتها.

وفي مأرب والجوف، أعلنت القوات الحكومية استهداف مدرعات وآليات وتحصينات حوثية بالطيران المسيّر، بالتزامن مع هجوم صاروخي جديد على مدينة مأرب. ونشر المركز الإعلامي للقوات المسلحة مشاهد لاستهداف آليات حوثية في جبهات الجوف، وصوراً لضرب تحصينات ومواقع في مأرب، فيما أعلنت وحدة الطيران المسيّر التابعة للفرقة الثانية في قوات «درع الوطن» استهداف تجمع لمقاتلي الجماعة في منطقة اللبنات بالجوف، وأعلن الجيش تنفيذ ضربات مماثلة في محور بيحان.

وفي جبهة كهبوب غرب محافظة لحج، أعلنت «قوات العمالقة» صد هجوم حوثي واسع نفذته مجموعات متتالية، وقالت إن المواجهات استمرت ساعات بمختلف أنواع الأسلحة، وبمساندة جوية من «تحالف دعم الشرعية»، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المهاجمين.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية بسبب موقعها الفاصل بين لحج وتعز وقربها من الممرات المؤدية إلى باب المندب. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الجماعة تحاول تحقيق اختراق في كهبوب لفتح مسار التفافي باتجاه المضيق، بما قد يساعدها على تخفيف الضغط عن الجيوب المتبقية لها في المنطقة. وفي المقابل، تتواصل العمليات لتأمين المواقع المحيطة بباب المندب، وسط صعوبات تفرضها كثافة الألغام.

العليمي يطلب تحركاً دولياً

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، استمرار عملية «فجر اليمن» حتى تحقيق أهدافها، موضحاً أنها «لا تقتصر على العمل العسكري، وإنما تشمل حماية السكان واستعادة الخدمات وتهيئة ظروف التعافي وإعادة الإعمار وضمان انتظام عمل مؤسسات الدولة».

وجاء ذلك خلال استقباله القائمَ بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن، نيل هوب، حيث بحث الجانبان العلاقات الثنائية والتطورات العسكرية والأمنية، في ظل استمرار الهجمات الحوثية داخل اليمن وعبر الحدود مع السعودية.

وتناول اللقاء الانتهاكات التي تتهم الحكومةُ الجماعةَ بارتكابها، بما فيها القتل والاعتقال والتهجير والتجنيد القسري، إلى جانب الحصار المفروض على مدينة تعز، الذي قال العليمي إنه يحرم السكان من المياه والمشتقات النفطية والاحتياجات الأساسية.

وشدد العليمي على ضرورة دعم الجهود الرامية إلى إيصال المياه والغذاء والدواء، وتسهيل حركة المدنيين وفتح الطرق الحيوية أمام الإمدادات الإنسانية.

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي شكره السعودية على دعمها السياسي والاقتصادي والإنساني للحكومة والشعب اليمني، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية على جبهات عدة.

وفي تحرك موازٍ، طلب العليمي رسمياً من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، دعم تحرك دولي عبر مجلس الأمن لتصنيف الجماعة الحوثية منظمة إرهابية، وضمان تنفيذ حظر توريد الأسلحة إليها وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها ومحاسبة داعميها والمسؤولين عن انتهاكاتها.

طريق رئيسية فجرها الحوثيون لعزل تعز عن المناطق اليمنية المحررة (إعلام محلي)

وخلال اتصال هاتفي مع غوتيريش، أطلع العليمي الأمينَ العام على الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف مؤسسات الدولة والمنشآت المدنية، وتوسيع الاعتداءات على المدن والقرى، بالتزامن مع حصار تعز وقصف أحيائها السكنية. كما أشار إلى استمرار احتجاز أكثر من 70 من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب اختطاف آلاف المواطنين، وفق ما أورده الجانب اليمني.

وقال العليمي إن الحكومة «تعاملت بمسؤولية مع المبادرات والاتفاقات الرامية إلى إنهاء الحرب، بينما استغلت الجماعة الهدن والمساعي السياسية لإعادة ترتيب صفوفها ومواصلة التصعيد».

ودعا المجتمعَ الدولي إلى «الانتقال من الإدانة إلى التنفيذ الكامل لقرارات الشرعية الدولية، وإنهاء التهديد الحوثي، ورفع الحصار عن المدن، وفتح الطرق والممرات الآمنة أمام المدنيين والإمدادات الغذائية والطبية».

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن غوتيريش أدان الهجمات الحوثية داخل اليمن وعبر الحدود، ورفض استمرار احتجاز موظفي الأمم المتحدة والعاملين العموميين والانتهاكات للقانون الدولي، مؤكداً التزام المنظمة الدولية تقديم دعم أقوى للحكومة اليمنية والسعودية في مواجهة التهديدات.


حصار الحوثيين يخفض إنتاج المياه في تعز إلى النصف

تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)
تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)
TT

حصار الحوثيين يخفض إنتاج المياه في تعز إلى النصف

تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)
تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)

تتفاقم الأزمة الإنسانية في مدينة تعز اليمنية مع استمرار الحوثيين في إغلاق الطرق، وتعثر وصول الإمدادات، إذ انخفض إنتاج المياه إلى النصف، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنحو 50 في المائة، وسط شح الوقود، وغاز الطهي، واقتراب مخزونات المستشفيات من الأدوية والأكسجين والوقود من النفاد، وفق بيانات أممية حديثة ترصد تداعيات التصعيد الحوثي على المحافظة.

وتكشف هذه المؤشرات اتساع تأثير الحصار المفروض على تعز، والذي لم يعد يقتصر على عرقلة حركة السكان، والتجارة، بل بات يضغط على الخدمات الأساسية، والإغاثة، في وقت تواجه فيه المحافظة موجة نزوح واسعة، وارتفاعاً في الاحتياجات الإنسانية، بينما تتعذر على المنظمات إيصال الإمدادات الموجودة في عدن والتربة إلى المدينة.

ومنذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، أعاقت الطرق المغلقة وصول المساعدات الإنسانية، والتجارية، فيما نفدت السلال الغذائية لدى المنظمات الشريكة داخل المدينة، وفق التقارير الأممية. كما تعذر على المنظمات الإنسانية، منذ 8 أكتوبر، التنقل بين مدينة تعز والمديريات الجنوبية، بسبب المخاطر الأمنية، وإغلاق الطرق، وانقطاعات الاتصالات.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، بلغ عدد النازحين جراء التصعيد الحوثي خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى منتصف أكتوبر الحالي 231 ألفاً و991 شخصاً، يمثلون 38 ألفاً و664 أسرة. وسُجلت 99 في المائة من حالات النزوح اعتباراً من 31 أغسطس، بالتزامن مع تصاعد الأعمال القتالية.

ربع المحتاجين فقط في تعز حصلوا على خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة (إعلام محلي)

واستحوذت تعز على نحو ثلاثة أرباع حركة النزوح المسجلة، كما تستضيف حالياً 52 في المائة من إجمالي النازحين، تليها لحج بنسبة 23 في المائة، ثم عدن بنسبة 13 في المائة، وأبين بنسبة 5 في المائة.

ولم تتوقف حركة النزوح مع استمرار المواجهات، إذ أدت الاشتباكات في منطقة التربة إلى نزوح نحو 4500 أسرة خلال ثلاثة أيام، فيما سجل نظام تتبع النزوح نزوح 44 ألفاً و202 شخص إضافي، أي 7367 أسرة، بين 4 و14 أكتوبر.

وحذرت البيانات من أن توسع القتال بالقرب من مواقع النزوح القائمة يدفع أسراً سبق أن فرّت من مناطقها إلى النزوح مجدداً. ومع إغلاق الطرق الرئيسة، بات وصول الأسر إلى محافظتي لحج وعدن أكثر صعوبة، وسط مخاوف من اتجاه مزيد من النازحين نحو مدينة تعز إذا استمرت المواجهات.

الأطفال في صدارة الضحايا

تتزامن الأزمة المعيشية والنزوح مع ارتفاع الخسائر المدنية. ووفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، جرى التحقق من 94 حادثة أسفرت عن 233 ضحية مدنية، بينهم 55 قتيلاً، و178 جريحاً. وشكل الأطفال أكثر من ثلث الضحايا، بواقع 27 طفلاً قتيلاً، و57 جريحاً.

وعلى صعيد الاستجابة الإنسانية، تلقى 152 ألفاً و222 نازحاً، يمثلون 21 ألفاً و746 أسرة، مساعدات أولية عبر آلية الاستجابة السريعة، فيما حصلت 13 ألفاً و243 أسرة على مساعدات نقدية طارئة، و12 ألفاً و594 أسرة على مساعدات غذائية، و9391 أسرة على خدمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة. كما تلقى أكثر من 38 ألفاً و500 نازح خدمات صحية.

الأطفال يمثلون أكثر من ثلث الضحايا المدنيين الذين سقطوا بسبب الهجمات الحوثية (إعلام محلي)

لكن حجم الاستجابة لا يزال دون الاحتياجات؛ إذ لم تتلقَّ أربع أسر من كل عشر أسر جرى التحقق من أوضاعها أي مساعدات غذائية طارئة، بينما لم تحصل معظم الأسر التي تلقت المساعدات إلا على الدفعة الأولى من أصل ثلاث دفعات مقررة. ولم تصل مساعدات المأوى إلا إلى أقل من أسرة واحدة من كل عشر أسر محتاجة، فيما لم يحصل سوى نحو ربع المحتاجين على خدمات المياه، والإصحاح البيئي.

وتزداد المخاطر مع وجود 84 في المائة من الأسر النازحة التي جرى التحقق من بياناتها في مديريات مصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة الطوارئ. كما حذرت الأمم المتحدة من مخاطر تفشي الكوليرا في مواقع النزوح المكتظة، التي تعاني أصلاً ضعف خدمات المياه، والإصحاح البيئي.

تحرك محلي للتوثيق

في مواجهة هذه التداعيات، شدد محافظ تعز نبيل شمسان على ضرورة إعداد توثيق شامل ودقيق للآثار الإنسانية والخدمية والاقتصادية الناجمة عن الحرب والحصار المفروضين على المحافظة من قبل الحوثيين المدعومين من إيران.

وقال شمسان، خلال اجتماع لجنة شؤون الحصار بالمحافظة، إن القيود المفروضة على تعز تجاوزت إغلاق الطرق الرئيسة إلى ما وصفه بالعقاب الجماعي الممنهج، والذي طال تنقل المواطنين، والخدمات الصحية، والتعليمية، وحركة التجارة، والإغاثة، وإمدادات المياه، والغذاء، فضلاً عن ارتفاع تكاليف المعيشة.

ثلاثة أرباع النازحين جراء التصعيد الحوثي الأخير فروا من محافظة تعز (الأمم المتحدة)

ووجّه اللجنة بتوسيع عمليات الرصد لتشمل آثار الحصار، والتصعيد، والهجمات التي استهدفت المدنيين والمنشآت الحيوية في المخا، ومديريات الساحل الغربي، وإعداد تقارير تستند إلى بيانات دقيقة، وموثقة، بالتنسيق مع الجهات الرسمية، والمنظمات، والمراكز الحقوقية المحلية، والدولية.

وأكد المحافظ أن التوثيق المهني من شأنه إبراز حجم الانتهاكات، وإيصال القضية إلى الرأي العام المحلي، والدولي، ودعم جهود المساءلة. وتعتزم اللجنة إعداد تقارير يومية لقيادة السلطة المحلية، إلى جانب تقارير دورية ترصد الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والخدمية للحصار.