نيجيريا... عملاق أفريقيا المريض

قراءة سياسية واجتماعية بعد آخر اعتداءات جماعة «بوكو حرام» المتطرفة

نيجيريا... عملاق أفريقيا المريض
TT

نيجيريا... عملاق أفريقيا المريض

نيجيريا... عملاق أفريقيا المريض

لعدة أشهر كان رئيس نيجيريا محمدو بخاري متوارياً عن الأنظار. قيل حينذاك إنه يتلقى العلاج في أحد مستشفيات العاصمة البريطانية لندن، وأثار مرض الرئيس المخاوف في نيجيريا؛ لأن الرجل تعهد بعد انتخابه عام 2015 بالقضاء على جماعة «بوكو حرام» المتطرفة، ومحاربة الفساد الذي ينخر جسد الدولة، وهذان هما أكبر خطرين يتهددان نيجيريا... ووحدتها الوطنية. ثم عاد بخاري من رحلة العلاج؛ إلا أنه وجد في انتظاره بلداً تفتك به الأمراض. فها هي جماعة «بوكو حرام» تواصل هجماتها الدامية في مناطق واسعة من الشمال الذي تحوّل سكانه إلى مشردين ولاجئين داخل وطنهم وخارجه. كذلك تفاقمت الهوة الاقتصادية بين شمال نيجيريا وجنوبها، وأصبح انعدام التوازن بادياً للعيان في بلد عملاق يملك أكبر احتياطي نفط في «القارة السمراء»؛ ولكنه أيضاً يضم أكبر نسبة فقراء في القارة، إلى جانب أكبر عدد من «المليونيرات»، ويعيش على وقع شرخ عرقي وطائفي؛ كثيراً ما أسفر عن صدامات دامية بين المسلمين والمسيحيين.
نيجيريا هي أكبر دولة أفريقية من حيث تعداد السكان، إذ تشير آخر الإحصائيات إلى أن عدد سكانها تجاوز عتبة 190 مليون نسمة (وفق إحصائيات 2017) يحكمهم نظام اتحادي – مركزي، هو «جمهورية نيجيريا الاتحادية»؛ ولكن هذا النظام أخفق في تحقيق الوحدة وخلق هوية «وطنية» في دولة هي الأكثر تنوعاً في «القارة السمراء»، وأيضاً الأكثر ثراء... وفساداً.
تشكل عائدات النفط نحو 70 في المائة من مداخيل نيجيريا، ما ألحق باقتصادها ضرراً كبيراً بعد تراجع أسعار النفط؛ ولكن في المقابل فإن نيجيريا التي ظلت لعقود طويلة المنتج الأول للنفط في القارة الأفريقية، فقدت العام الماضي (2016) هذه المرتبة لصالح أنغولا التي كانت تنتج 1.78 مليون برميل نفط يومياً، عندما تراجع إنتاج نيجيريا إلى 1.5 مليون برميل فقط. ومردّ هذا التراجع يعود إلى الوضع الأمني المتردي في منطقة «دلتا النيجر»، بجنوب نيجيريا، حيث تستخرج النسبة الأكبر من نفط البلاد.
في غضون ذلك، تراجع اقتصاد نيجيريا ليصبح ثاني أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية، بعدما تخلى عن المرتبة الأولى لاقتصاد جنوب أفريقيا، كما حلت نيجيريا في المرتبة الثالثة من حيث القدرة الشرائية في القارة، بعد جنوب أفريقيا ومصر، وفق تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي.
كثير من المراقبين وصفوا ما شهده اقتصاد نيجيريا خلال العامين الماضيين بأنه «انهيار سريع» بسبب عوامل كثيرة، في مقدمتها تراجع أسعار النفط، والتضخم، وانعدام الأمن في الجنوب، والأزمة الإنسانية المتفاقمة في الشمال، هذا بالإضافة إلى النقص الكبير في الكهرباء، وانتشار الفساد وتغلغله في مفاصل الدولة. وللعلم، فإن نيجيريا تحتل المرتبة 121 في قائمة الدول الأكثر فساداً، بينما يعيش نحو ثلثي سكانها تحت خط الفقر.
أمام هذه المعطيات، وجد الرئيس محمدو بخاري نفسه مجبراً على الاعتراف بسوء الوضع، وقال في اجتماع مع مسؤولين من الأمم المتحدة في العاصمة الاتحادية أبوجا العام الماضي: «نيجيريا تحوّلت بشكل مفاجئ إلى دولة فقيرة».

تعقيدات اجتماعية
الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه نيجيريا، جاء في الواقع ليصب النار على زيت التعقيدات الاجتماعية الضاربة بجذورها في هذا البلد الذي يعد السابع في العالم من حيث تعداد السكان؛ إذ يعيش في نيجيريا أكثر من 500 جماعة عرقية، موزّعة على آلاف القبائل التي تعتز كل واحدة منها بهويتها الخاصة، ولغتها ودينها، وتريد حصة من الدولة المركزية على شكل سلطة وعائدات مادية. وأكثر من هذا... تطالب هذه القبائل والعرقيات، في بعض الأحيان، بالانفصال عندما لا تحصل على ما تريد.
لقد ظلت الدولة المركزية في نيجيريا طيلة ستة عقود عاجزة عن خلق تناغم اجتماعي تذوب فيه الفوارق العرقية بين القبائل؛ بل إن سياساتها الفئوية كرّست الانقسام ما بين المسلمين في الشمال والجنوب الغربي، والمسيحيين في الجنوب والوسط، بالإضافة إلى ديانات وثنية تشكل أقلية مشتتة.
قبائل الهَوسا وقبائل اليوروبا وقبائل الإيغبو (أو الإيبو، كما ينطقها البعض) هي ثلاث عرقيات تشكل وحدها ما يزيد على ستين في المائة من مجموع سكان البلاد. ولفهم كثير من الأحداث التي عاشتها نيجيريا خلال السنوات الستين الأخيرة، من الضروري الإلمام بتفاصيل العلاقات المعقدة التي تربط هذه القبائل والعرقيات، فقبائل الهَوسا – التي تتكلم إحدى لغات المجموعة اللغوية التشادية – ارتبطت عبر القرون بالقبائل والأقوام المنتشرة على أطراف جنوب الصحراء الكبرى، وأبرزها قبائل الفولاني والصنغاي والزبرما. وتجدر الإشارة إلى أن قبائل الفولاني – التي تشكل رابع أكبر مكونات نيجيريا القبلية – قبائل مسلمة تملك إرثاً تاريخياً كبيراً، يتمثل في عدة إمبراطوريات إسلامية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا. وأسهم الفولاني بالتهميش في كثير من الدول الأفريقية المعاصرة، وناضل أبناؤهم لرفع هذا الحيف والتهميش وإحياء تاريخهم «المجيد». وفي حالة الفولاني (الذين ينتمي إليهم الرئيس بخاري) - والهوسا أيضاً - قد يصل هذا النضال في بعض الأحيان إلى «العمل المسلح»، كما حدث في مالي وبوركينا فاسو، وربما نيجيريا، حيث ينحدر قادة «بوكو حرام» وأغلب مقاتليها من الهوسا والفولاني.
تعيش قبائل الهوسا في شمال نيجيريا، مع امتداد ديموغرافي في النيجر وتشاد، ويعتمد أفراد هذه القبائل في حياتهم اليومية على النشاط الزراعي وتربية المواشي والأبقار، كما يساهمون بشكل كبير في إنعاش التبادل التجاري في منطقة حوض بحيرة تشاد التي تطل عليها أربع دول، هي: نيجيريا، والنيجر، وتشاد، والكاميرون. وتعيش قبائل الفولاني في شمال غربي البلاد، وقبائل الكانوري (المسلمة أيضاً) في شمال شرقها.
أما خارج الشمال، فتقطن قبائل اليوروبا في جنوب غربي نيجيريا، مع امتداد عرقي في كل من بنين وتوغو المجاورتين. ويعتمد أفراد هذه القبائل - التي تعد الثانية من حيث التعداد السكاني - على عائدات الزراعة التي يمارسونها في المناطق الريفية القريبة من المدن. وأغلب أفراد قبائل اليوروبا المقسومة بين المسيحيين والمسلمين يسكنون في مدن عملاقة، مثل لاغوس، العاصمة السابقة والعاصمة الاقتصادية الحالية، التي يصل تعداد سكانها إلى 22 مليون نسمة، ويقدر حجم الحركة الاقتصادية فيها بما يوازي الحركة في ثلاث دول أفريقية مجتمعة، هي: السنغال وكوت ديفوار والكاميرون.
وأما قبائل الإيغبو، فهي ثالث أكبر القبائل من حيث تعداد الأفراد، ويتركز انتشارها في جنوب شرقي البلاد؛ ولكن ذلك لم يمنعها من أن تكون موجودة في مناطق أخرى كثيرة. ولقد اشتهر الإيغبو - وجلهم يدينون بالمسيحية - بأنهم تأقلموا بسرعة مع الوجود الإنجليزي في المنطقة، واستفادوا كثيراً من التعليم وفرص التوظيف.
وهنا نشير إلى أنه إذا كانت المكونات الكبرى المذكورة آنفاً (الهوسا والفولاني واليوروبا والإيغبو) هي الأكثر انتشاراً في نيجيريا، فهناك عرقيات وقبائل أخرى لها دورها المحوري في رسم فسيفساء المشهد الاجتماعي داخل هذا البلد المتنوع والمتناقض.

اللغة والدين
عبر التاريخ، كان عاملا اللغة والدين هما أكثر العوامل إثارة للتوتر بين المكوّنات العرقية في نيجيريا. وعلى الرغم من أن اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية في البلاد، فإنها لم تكن أبداً الأكثر استخداماً من طرف السكان؛ إذ يتعصب الأفراد للغة قبائلهم، وكثيراً ما تجد المواطن في نيجيريا يتحدث بعدة لغات؛ ولكنه يرفض الحديث إلا بلغة قبيلته. وتشير الإحصائيات إلى أن 29 في المائة من السكان يتحدثون بلغة الهوسا، و21 في المائة يتحدثون بلغة اليوروبا، بينما تتحدث 18 في المائة من السكان بلغة الإيغبو، وتحظى بقية اللغات بانتشار محدود؛ ولكنها ترفض الموت نتيجة تعصب القبائل لها.
إحصائيات أخرى تشير إلى أن 51 في المائة من السكان مسلمون، أغلبهم سنة على المذهب المالكي، و48 في المائة مسيحيون ما بين كاثوليك وبروتستانت، و1 في المائة يعتنقون ديانات وثنية قديمة. ولكن الدين ظل يشكل التحدي الأبرز أمام الدولة الحديثة، إذ ارتفعت حدة التوتر ما بين مسلمي الشمال الممسكين بالسلطة في أغلب الأحيان، ومسيحيي الجنوب الأكثر ثراء وتغلغلاً في قطاع المال والأعمال. ومع أن هذا الصراع يأخذ طابعاً دينياً فهو في النهاية يبقى صراعاً على نصيب من الكعكة التي يسمونها «نيجيريا».
ولعل من أشهر محطات التوتر العرقي ذي الطابع الديني في نيجيريا، ما وقع عام 2000 في حي بالعاصمة لاغوس من صدامات دامية بين أفراد من الهوسا المسلمين ومسيحيي اليوروبا، خلفت أكثر من ألفي قتيل. وفي العام نفسه وقعت صدامات أخرى عنيفة بين أفراد من القبيلتين في كيشي (جنوبي نيجيريا) مخلفة أكثر من مائتي قتيل. وفي عام 2001 تجددت الصدامات بين الجماعتين لتوقع أكثر من ألف قتيل.
هذا، واندلعت هذه الصدامات عندما اعترضت الأقلية المسيحية في شمال نيجيريا على قرار اتخذته السلطات المحلية في بعض الولايات بتطبيق الشريعة الإسلامية، ما خلف حالة من الغليان سرعان ما انتقلت نحو الجنوب. ومن ثم، عمت أغلب الولايات في نيجيريا، في واحدة من أكثر الأزمات عنفاً في تاريخ البلد، وأجبرت الحكومة آنذاك بقيادة الرئيس الأسبق أولوسيغون أوباسانجو (مسيحي من اليوروبا) على إعلان حالة الطوارئ.

ميلاد «الوحش»
في خضم هذه الأجواء المتوترة بين المسلمين والمسيحيين، برز إلى النور داعية متشدد اسمه محمد يوسف، اشتهر بخطبه القوية في مساجد مدينة مايدوغيري، في أقصى الشمال الشرقي لنيجيريا. وبسرعة ازداد عدد أتباعه الذين تحولوا فيما بعد إلى نواة لتأسيس «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد» التي تحولت فيما بعد إلى تنظيم «بوكو حرام»... وهي عبارة تعني بلغة الهوسا أن «التعليم العصري حرام».
شنت «بوكو حرام» أول عمل مسلح ضد الجيش النيجيري عام 2009. قام بعده الجيش باعتقال مؤسسها الذي توفي في السجن خلال العام نفسه. وأدى عرض صور جثته عبر التلفزيون الحكومي إلى إثارة حفيظة أتباعه الذين اعتبروا ذلك استهدافاً لسكان الشمال المسلمين. وكانت تلك بداية منعرج حقيقي في مسار «بوكو حرام» التي أصبحت فيما بعد التنظيم الأكثر دموية في تاريخ المنطقة.
لقد استغلت «بوكو حرام» حالة الفقر المدقع التي يرزح تحتها شمال نيجيريا، والإحساس بالظلم لدى الهوسا والفولاني، ونجحت في تحويل عشرات آلاف الشباب المحبطين من الدولة، إلى محاربين أشداء يدينون لها بالولاء المطلق، من أجل تحقيق أحلامهم بالثراء، بعد تأسيس «الخلافة» في شمال نيجيريا.

مشروع بخاري
ولكن اليوم وجدت «بوكو حرام» نفسها في مواجهة مع الرئيس محمدو بخاري، الذي ينحدر من المناطق الشمالية، وتحديداً من قبائل الفولاني المسلمة. وهو جنرال سابق في الجيش سبق له أن قاد انقلاباً عسكرياً ناجحاً حكم بعده نيجيريا (1983 - 1985)، قبل انتخابه عام 2015 رئيساً للجمهورية بصورة ديمقراطية. وبالتالي، فهو رجل يدرك جيداً تعقيدات الوضع في بلاده، وجعل من القضاء على «بوكو حرام» مشروعه الخاص.
غير أن الرجل «المريض» اعترضته تحديات متزامنة هدّدت مشروعه. تمثّل التحدي الأول في الفساد الذي ينهك الجيش. وفعلاً بدأ بتغيير قادته «الفاسدين»، وتعزيز مستوى التنسيق الأمني مع تشاد والنيجر والكاميرون.
أما التحدي الثاني، فكان انعدام الأمن في منطقة «دلتا النيجر» الغنية بالنفط، بجنوب البلاد، حيث اندلع تمرد مسلح يقوده السكان المحليون الغاضبون من شركات النفط، ويتهمونها بإلحاق ضرر كبير بالبيئة وقتل مواشيهم وإتلاف مزارعهم. ويطالبون، في المقابل، بالاستفادة من عائدات النفط المستخرج من أراضيهم. إلا أن بخاري رد بنشر الجيش وملاحقة المتمردين، من دون أن يغلق باب التفاوض.
وأما التحدي الثالث، فتشهده مناطق وسط نيجيريا، ويتمثل في المواجهات اليومية بين المزارعين من قبائل اليوروبا ورعاة المواشي والأبقار من الهوسا والفولاني، وهي مواجهات دامية، كثيراً ما تتطور لتصبح أحداثاً عرقية تهدد الأمن والاستقرار، وتضع النسيج الاجتماعي الهش على صفيح ساخن.
لقد اشتعلت هذه الجبهات الثلاث بشكل متزامن أمام محمدو بخاري، وهو يخوض حرباً شرسة ضد «بوكو حرام» شمال شرقي البلاد، وعلى الرغم من ذلك فقد تمكن جيش نيجيريا بالتنسيق مع قوة إقليمية (من تشاد والنيجر والكاميرون) من إلحاق خسائر كبيرة بالتنظيم المتطرف. بيد أن الاحتفال بالنصر لا يزال مؤجلاً في بلد يخسر كل يوم معركة التنمية. ذلك أن الوضع الاقتصادي والإنساني يزداد سوءاً بشكل غير مسبوق في نيجيريا، ذلك البلد الذي تشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكانه سيصل في أفق عام 2050 إلى أكثر من نصف مليار نسمة (550 مليون نسمة)، وأكثر من خمسين في المائة من سكانه تحت سن 18 سنة، كما أنه يملك أكبر احتياطي للنفط والغاز الطبيعي في القارة...
كل هذه المقدرات الهائلة تبقى بلا فائدة ما دام الفساد يكبل نيجيريا، وتلك هي المعركة التي لا يزال إعلان النصر فيها مؤجلاً في نظر بخاري «المريض».

«بوكو حرام»... شلال الدم
- «بوكو حرام» هي جماعة متطرفة معادية للتعليم العصري، تسعى إلى تطبيق فهم متشدّد للشريعة الإسلامية في نيجيريا. وأسست – كما سبقت الإشارة – في عام 2002 بأحد مساجد مدينة مايدوغيري (عاصمة ولاية بُرنو) بشمال شرقي نيجيريا، على يد داعية متطرف وخطيب مفوّه يدعى محمد يوسف. ولقد استطاع يوسف أن يستغل الفقر والتهميش في المناطق الشمالية من نيجيريا لاكتتاب عدد كبير من الأتباع، الذين تحولوا فيما بعد إلى مقاتلين أغلبهم من الشباب المحبطين من الدولة وسياساتها.
توفي مؤسس «بوكو حرام» في السجن عام 2009، عندما اعتقله الجيش خلال تمرد مسلح قادته الجماعة آنذاك، ولكن مقتل يوسف لم يؤدِ إلى نهاية «بوكو حرام» التي تولى قيادتها في عام 2010 رجل لم يكن معروفاً لدى أجهزة الأمن في نيجيريا يدعى «أبو بكر شيكاو»، يقال إنه من أصول قبلية في دولة النيجر المجاورة. وحقاً استطاع «شيكاو» أن يربط صلة وثيقة بتنظيم «القاعدة»، خاصة خلال سيطرة «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» على شمال مالي، إذ تدرب المئات من مقاتليه في معسكرات تابعة لـ«القاعدة» في مالي. وبعد عودته تطورت أساليب وطرق الهجمات التي تشنها «بوكو حرام»، فشن هجمات دموية في مناطق مختلفة من نيجيريا، وكبّد الجيش خسائر كبيرة.
في عام 2015 جرّدت عملية عسكرية إقليمية ضد «بوكو حرام»، شاركت فيها جيوش كل من نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون وبنين، وأسفرت عن إلحاق خسائر كبيرة بالتنظيم المتطرف، ومع أنها لم تقض عليه بشكل نهائي، فإن التنظيم عانى الانقسام، خاصة بعد أنباء عن إصابة «شيكاو» ومحاصرته في غابات نائية في حوض بحيرة تشاد. ومن ثم، أعلن فصيل جديد من «بوكو حرام» مبايعة نجل مؤسّس الجماعة «أبو مصعب البُرناوي» زعيماً جديداً، الذي بدوره بايع تنظيم داعش عام 2016، وغير اسم الجماعة ليصبح «تنظيم داعش في غرب أفريقيا»، ولكن «شيكاو» رفض هذه البيعة، وأعلن قيادته لفصيل آخر أعاد له الاسم القديم لـ«بوكو حرام»، أي «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد».
هذا، وبعدما تمكنت «بوكو حرام» خلال عامي 2014 و2015 من بسط سيطرتها على مناطق واسعة شمال شرقي نيجيريا، أُجبرت الجماعة المتطرفة على التراجع، بعدما فقدت آلاف المقاتلين خلال العملية العسكرية التي لا تزال جارية... وبقيت محصورة في غابات نائية داخل حوض بحيرة تشاد، في محميات طبيعية لا يمكن الوصول إليها إلا عبر زوارق صغيرة.
وختاماً، عادت «بوكو حرام» في الآونة الأخيرة إلى منهجها القديم في العمليات الانتحارية الدامية التي تستهدف المساجد، والكنائس، ومقرات الشرطة، والجيش، والأسواق. وهي تستخدم في هذه العمليات الانتحارية الفتيات والأطفال الذين تختطفهم من المدارس والحقول، وكثيراً ما توقع عدداً كبيراً من الضحايا.



بوركينا فاسو: مقتل 7 جنود في هجومين نفذهما «تنظيم القاعدة»

رئيس بوركينا فاسو إلى جانب جنود ومتطوعين (إعلام محلي)
رئيس بوركينا فاسو إلى جانب جنود ومتطوعين (إعلام محلي)
TT

بوركينا فاسو: مقتل 7 جنود في هجومين نفذهما «تنظيم القاعدة»

رئيس بوركينا فاسو إلى جانب جنود ومتطوعين (إعلام محلي)
رئيس بوركينا فاسو إلى جانب جنود ومتطوعين (إعلام محلي)

أعلن «تنظيم القاعدة» مسؤوليته عن مقتل 7 من جنود جيش بوركينا فاسو وميليشيات مُوالية له، الجمعة، خلال هجمات إرهابية في مناطق متفرقة من شمال البلد، الواقع في غرب أفريقيا ويعاني انعدام الأمن منذ أكثر من عشر سنوات.

وأعلن «التنظيم» مسؤوليته، في بيان صادر عن «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، وهي تحالف كتائب ومجموعات مسلّحة مُوالية لـ«تنظيم القاعدة» في منطقة الساحل الأفريقي، وتنشط، بشكل خاص، في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتوسعت مؤخراً نحو التوغو وبنين ونيجيريا.

رئيس بوركينا فاسو ألقى خطابه من أمام آليات عسكرية (إعلام محلي)

وقال «التنظيم»، في بيان وزّعه عبر صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي، إن سبعة عناصر من القوات البوركينية قُتلت في عمليتين منفصلتين، مشيراً إلى «مقتل 3 عناصر من الميليشيات البوركينية، واغتنام سلاحين رشاشين وأمتعة أخرى، في هجوم على نقطة عسكرية في باراني بولاية ديدوغو»، الواقعة شمال غربي البلاد غير بعيد من الحدود مع دولة مالي.

كما أعلن «التنظيم» مقتل «4 عناصر من الجيش البوركيني، واغتنام 4 أسلحة رشاشة وأمتعة أخرى، في كمين قرب بلدة سيبيا بمحافظة سيني»، الواقعة شمال شرقي البلد، على الحدود مع دولة النيجر.

وتتسع دائرة نفوذ «تنظيم القاعدة» في بوركينا فاسو، لتشمل مناطق واسعة من الشمال، حيث توجد المعاقل التقليدية للتنظيم الإرهابي، في حين يتسع نفوذ «التنظيم» نحو مناطق من الشرق والغرب، مع توسع جديد نحو الجنوب، وخاصة على حدود دولة كوت ديفوار (ساحل العاج).

الحكومة الانتقالية في النيجر عقدت شراكة استراتيجية مع مالي وبوركينا فاسو اللتين تحكمهما أيضاً مجالس عسكرية (إعلام محلي)

وتتحدث تقارير عدة عن سيطرة «تنظيم القاعدة» على قرابة 40 في المائة من مساحة بوركينا فاسو، بينما يسيطر «تنظيم داعش في الساحل»، الذي يُعرف في الأوساط الأمنية والإعلامية المختصة باسم (IS-Sahel)، على مناطق أخرى، وخاصة في الشمال الشرقي حيث يوجد المثلث الحدودي مع النيجر ومالي.

في غضون ذلك، نفذ «تنظيم داعش في الساحل» سلسلة إعدامات في شرق بوركينا فاسو، ضد السكان المحليين، كما أعدم «التنظيم» ثلاثة مقاتلين من جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، التابعة لـ«تنظيم القاعدة»، وذلك في إطار الحرب العنيفة بين التنظيمين الإرهابيين على الموارد في المنطقة.

كما أعدم تنظيم «داعش» أربعة أشخاص يتهمهم بعبادة الأوثان، بالإضافة إلى شخصين آخرين اتهمهم بالسحر، وفق ما أكدت مصادر أمنية في المنطقة. وقالت المصادر نفسها إن «التنظيم» أعدم أيضاً اثنين من عناصر ميليشيات محلية في بوركينا فاسو، وأعدم أحد عناصر ميليشيا محلية في النيجر.

وقالت المصادر إن عمليات الإعدام نفّذها تنظيم «داعش»، بشكل جماعي، في منطقة لي سِينو، التي تقع في شمال شرقي بوركينا فاسو. وأكد مصدر أمني أن «التنظيم» نفّذ عمليات الإعدام باستخدام «السيف»، بعد أن عرض الضحايا على ما يسميه «المحكمة القضائية» التابعة لـ«داعش».


نيجيريا: جدل بعد التعاقد مع مجموعة للضغط داخل الكونغرس الأميركي

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024  (أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: جدل بعد التعاقد مع مجموعة للضغط داخل الكونغرس الأميركي

رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024  (أ.ف.ب)
رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024 (أ.ف.ب)

يحتدم الجدل في نيجيريا بعد أن كشفت تقارير عن تعاقد حكومة الرئيس بولا أحمد تينيبو مع مكتب علاقات عامة في واشنطن للضغط من أجل الترويج لسياسات نيجيريا في مجال الأمن، وتفنيد تهمة «إبادة المسيحيين» في البلد الأفريقي الذي يشكل المسيحيون قرابة نصف سكانه.

وكانت نيجيريا التي تواجه منذ 2009 تصاعداً في الهجمات الإرهابية، قد تعرضت مؤخراً لانتقادات واسعة، واتهمها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي بالتقاعس عن حماية المسيحيين من الهجمات الإرهابية.

عناصر من الشرطة النيجيرية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقالت صحيفة «غارديان» النيجيرية إن وثائق مودعة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأميركي (FARA)، كشفت أن الحكومة النيجيرية تعاقدت مع شركة «DCI Group»، وهي شركة ضغط وعلاقات عامة مقرّها في واشنطن، لمواجهة الضغوط الأميركية المتزايدة على خلفية اتهامات استهداف المسيحيين.

وبحسب نفس المصدر، فإن الحكومة النيجيرية تعاقدت مع الشركة عبر مكتب «Aster Legal» للمحاماة، وذلك يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وكان الهدف المعلن في العقد هو «مساعدة حكومة نيجيريا... في إيصال إجراءاتها لحماية المجتمعات المسيحية، والحفاظ على الدعم الأميركي لجهود مكافحة الإرهاب ضد الجماعات الإرهابية في غرب أفريقيا وعناصر أخرى مزعزِعة للاستقرار».

وتشير المصادر إلى أن قيمة العقد وصلت إلى 750 ألف دولار أميركي ستدفعها نيجيريا شهرياً؛ أي 4.5 مليون دولار لفترة أولية من ستة أشهر، مع تجديد تلقائي قد يرفع القيمة الإجمالية إلى 9 ملايين دولار.

وتُظهر سجلات الدفع المرفقة مع الوثائق أن 4.5 مليون دولار سُدّدت في 12 ديسمبر كدفعة مقدّمة، وذلك قبل أسبوعين من القصف الصاروخي الذي نفذه الجيش الأميركي ضد معاقل «داعش» في شمال غربي نيجيريا يوم 25 ديسمبر 2025.

تجمُّع سكان بالقرب من موقع تفجير استهدف مسجداً في سوق غامبورو بمدينة مايدوغوري شمال شرقي نيجيريا يوم 25 ديسمبر (أ.ف.ب)

شركة مرتبطة بترمب

الصحافة المحلية في نيجيريا قالت إن الشركة التي تعاقدت معها حكومة نيجيريا لديها ارتباطات بمحيط الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأشارت صحيفة «غارديان» إلى أن جيم مورفي، الرئيس السابق للشركة، سبق أن شغل منصب المدير السياسي الوطني لحملة ترمب 2016.

وأضافت نفس الصحيفة أن الشريك الإداري جاستن بيترسون، وهو الذي وقع على عقد نيجيريا، سبق أن كان ممثلاً للرئيس الأميركي في مجلس الرقابة المالية لبورتوريكو بين 2020 و2023، وخلصت الصحيفة إلى أن «هذه الروابط تمثل جوهر قيمة الشركة في وقت تواجه فيه نيجيريا بيتاً أبيض معادياً لها في العلن».

لقطة تُظهر دماراً نتيجة غارة نفَّذتها القوات الأميركية على ميليشيات في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

انتقادات سياسية

مع الكشف عن الوثائق، ثار الجدل وأخذ أبعاداً سياسية في البلد الذي يستعد العام المقبل لتنظيم انتخابات رئاسية، أعلن الرئيس بولا أحمد تينيبو ترشحه لها، في حين تحاول المعارضة أن تقلب الطاولة عليه، وتتخذ من الملف الأمني أهم سلاح لمواجهته.

حزب المؤتمر الديمقراطي الأفريقي، أهم أحزاب المعارضة في نيجيريا، وصف الحكومة بالفاشلة؛ لأنها «تحاول تلميع صورتها في الخارج وسط تفاقم انعدام الأمن والضائقة الاقتصادية في الداخل».

أشخاص خلف شريط مسرح الجريمة في موقع غارة جوية أميركية شمال غربي جابو بنيجيريا يوم الجمعة 26 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وقال الحزب إن الإنفاق على العلاقات العامة والضغط السياسي «يعكس أولويات مختلّة»، في وقت «يكافح فيه كثير من النيجيريين لتأمين أساسيات الحياة، وسقط فيه آلاف القتلى جراء انعدام الأمن».

وخلص الحزب إلى أن «تمويل الضغط في الخارج، في ظل معاناة المواطنين، يُظهر عمًى أخلاقياً»، ويؤكد، حسب الحزب، ما سماه «إقراراً بفشل دبلوماسي؛ إذ تُركت سفارات مهمة شاغرة، واستُبدل بالدبلوماسية مقاولون من جماعات الضغط، ما يُضعف المصداقية المؤسسية».

كما انتقد حزب الشعب الديمقراطي المعارض الحكومة بشدة، وقال إن إدارة تينيبو إذا كانت جادة في العمل على تحسين صورة نيجيريا، فعليها إعطاء الأولوية لأمن الأرواح والممتلكات بدل «التواصل المضلل». وشدد الحزب المعارض على أن «الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن النيجيريين لم يشعروا بهذا القدر من انعدام الأمن حتى خلال الحرب الأهلية».

فراغ دبلوماسي

الرئيس النيجيري سبق أن قرر في سبتمبر (أيلول) 2023 سحب جميع السفراء النيجيريين، بما في ذلك السفير في واشنطن، ولم يعين أي سفير منذ ذلك التاريخ، وهو ما زاد من حدة انتقادات الحكومة وسياساتها الدبلوماسية.

وفي هذا السياق، قال السفير السابق والدبلوماسي النيجيري غاني لاوال، إن اللجوء إلى جماعات الضغط هو «نتيجة إهمال آلة الدبلوماسية»، وأضاف في تصريح لإحدى القنوات المحلية: «هذا ثمن القرارات السيئة. السفراء هم عيون وأنوف وأرجل الدولة حيثما وُجدوا. ترك بعثاتنا بلا سفراء كل هذا الوقت فتح الباب لهذه الثغرات». وأوضح أنه لو روت نيجيريا قصتها عبر القنوات الدبلوماسية المعهودة، لما اضطرت إلى إنفاق ملايين الدولارات على جماعات ضغط أجنبية.

اتهامات مستمرة

رغم هذا الجدل، ما يزال أعضاء في الكونغرس الأميركي يتهمون نيجيريا بالتقاعس عن حماية المسيحيين؛ إذ زعم عضو الكونغرس الأميركي الممثل لمنطقة جنوب شرقي ولاية ميشيغان، النائب جون جيمس، أن 72 في المائة من المسيحيين الذين قُتلوا على مستوى العالم قُتلوا داخل نيجيريا. وقال عضو الكونغرس في منشور على منصة «إكس»، إن المسيحيين في نيجيريا يتعرضون لما وصفها بأنها «مجازر وإبادة، واضطهاد ممنهج ومتعمّد».

وكتب قائلاً: «لطالما دققت ناقوس الخطر بشأن اضطهاد المسيحيين في نيجيريا منذ سنوات.

والحقائق لا يمكن إنكارها: 72 في المائة من المسيحيين الذين قُتلوا عالمياً قُتلوا في نيجيريا. هذا اضطهاد منظّم ومقصود. وعلى الولايات المتحدة والعالم ألا يديرا النظر».


وفاة العشرات إثر غرق عبارة في نهر النيجر بشمال مالي

أرشيفية لقارب في إقليم تمبكتو بشمال مالي (صحافة محلية)
أرشيفية لقارب في إقليم تمبكتو بشمال مالي (صحافة محلية)
TT

وفاة العشرات إثر غرق عبارة في نهر النيجر بشمال مالي

أرشيفية لقارب في إقليم تمبكتو بشمال مالي (صحافة محلية)
أرشيفية لقارب في إقليم تمبكتو بشمال مالي (صحافة محلية)

غرقت عبارة حاولت الوصول إلى بلدة على نهر النيجر في إقليم تمبكتو بشمال مالي بعد اصطدامها بالصخور، ما أسفر عن وفاة عشرات الأشخاص، وفقا لما ذكره مسؤولون محليون وأقارب الضحايا يوم الثلاثاء.

وأوضح المسؤولون أن الحادث وقع يوم الخميس في بلدة ديري. ولم تصدر السلطات المحلية بعد حصيلة رسمية للقتلى، لكن المقيم الإقليمي ونائب الجمعية الوطنية السابق الكايدي توريه، قال إن 38 شخصاً لقوا حتفهم ونجا 23 آخرون.

وقال المقيم في ديري موسى أج ألمبارك تراوري، إنه فقد 21 من أفراد أسرته في الحادث، وأضاف أنه ساعد المسؤولين المحليين في انتشال الجثث وحصر القتلى.

وأضاف تراوري بحسب ما نقلته وكالة «أسوشيتد برس»: «جمعت الجثث المتناثرة في النهر، وبعضها كان قد بدأ يتحلل. وما زلت أشم رائحة الجثث وأنا أتحدث إليكم الآن».

وأشار شهود عيان إلى أن العبارة كانت تقل عائلات ومزارعين أنهوا جني محصول الأرز، ووصلت بعد حلول الظلام، رغم أن الرسو ليلاً محظور بسبب إجراءات أمنية تهدف إلى منع هجمات من متشددين مرتبطين بتنظيم القاعدة في المنطقة، لكن تراوري قال إن قائد العبارة لم يرغب في الانتظار حتى الصباح وحاول الوصول إلى ضفة أخرى، حيث اصطدمت العبارة بالصخور وغرقت.