نيجيريا... عملاق أفريقيا المريض

قراءة سياسية واجتماعية بعد آخر اعتداءات جماعة «بوكو حرام» المتطرفة

نيجيريا... عملاق أفريقيا المريض
TT

نيجيريا... عملاق أفريقيا المريض

نيجيريا... عملاق أفريقيا المريض

لعدة أشهر كان رئيس نيجيريا محمدو بخاري متوارياً عن الأنظار. قيل حينذاك إنه يتلقى العلاج في أحد مستشفيات العاصمة البريطانية لندن، وأثار مرض الرئيس المخاوف في نيجيريا؛ لأن الرجل تعهد بعد انتخابه عام 2015 بالقضاء على جماعة «بوكو حرام» المتطرفة، ومحاربة الفساد الذي ينخر جسد الدولة، وهذان هما أكبر خطرين يتهددان نيجيريا... ووحدتها الوطنية. ثم عاد بخاري من رحلة العلاج؛ إلا أنه وجد في انتظاره بلداً تفتك به الأمراض. فها هي جماعة «بوكو حرام» تواصل هجماتها الدامية في مناطق واسعة من الشمال الذي تحوّل سكانه إلى مشردين ولاجئين داخل وطنهم وخارجه. كذلك تفاقمت الهوة الاقتصادية بين شمال نيجيريا وجنوبها، وأصبح انعدام التوازن بادياً للعيان في بلد عملاق يملك أكبر احتياطي نفط في «القارة السمراء»؛ ولكنه أيضاً يضم أكبر نسبة فقراء في القارة، إلى جانب أكبر عدد من «المليونيرات»، ويعيش على وقع شرخ عرقي وطائفي؛ كثيراً ما أسفر عن صدامات دامية بين المسلمين والمسيحيين.
نيجيريا هي أكبر دولة أفريقية من حيث تعداد السكان، إذ تشير آخر الإحصائيات إلى أن عدد سكانها تجاوز عتبة 190 مليون نسمة (وفق إحصائيات 2017) يحكمهم نظام اتحادي – مركزي، هو «جمهورية نيجيريا الاتحادية»؛ ولكن هذا النظام أخفق في تحقيق الوحدة وخلق هوية «وطنية» في دولة هي الأكثر تنوعاً في «القارة السمراء»، وأيضاً الأكثر ثراء... وفساداً.
تشكل عائدات النفط نحو 70 في المائة من مداخيل نيجيريا، ما ألحق باقتصادها ضرراً كبيراً بعد تراجع أسعار النفط؛ ولكن في المقابل فإن نيجيريا التي ظلت لعقود طويلة المنتج الأول للنفط في القارة الأفريقية، فقدت العام الماضي (2016) هذه المرتبة لصالح أنغولا التي كانت تنتج 1.78 مليون برميل نفط يومياً، عندما تراجع إنتاج نيجيريا إلى 1.5 مليون برميل فقط. ومردّ هذا التراجع يعود إلى الوضع الأمني المتردي في منطقة «دلتا النيجر»، بجنوب نيجيريا، حيث تستخرج النسبة الأكبر من نفط البلاد.
في غضون ذلك، تراجع اقتصاد نيجيريا ليصبح ثاني أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية، بعدما تخلى عن المرتبة الأولى لاقتصاد جنوب أفريقيا، كما حلت نيجيريا في المرتبة الثالثة من حيث القدرة الشرائية في القارة، بعد جنوب أفريقيا ومصر، وفق تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي.
كثير من المراقبين وصفوا ما شهده اقتصاد نيجيريا خلال العامين الماضيين بأنه «انهيار سريع» بسبب عوامل كثيرة، في مقدمتها تراجع أسعار النفط، والتضخم، وانعدام الأمن في الجنوب، والأزمة الإنسانية المتفاقمة في الشمال، هذا بالإضافة إلى النقص الكبير في الكهرباء، وانتشار الفساد وتغلغله في مفاصل الدولة. وللعلم، فإن نيجيريا تحتل المرتبة 121 في قائمة الدول الأكثر فساداً، بينما يعيش نحو ثلثي سكانها تحت خط الفقر.
أمام هذه المعطيات، وجد الرئيس محمدو بخاري نفسه مجبراً على الاعتراف بسوء الوضع، وقال في اجتماع مع مسؤولين من الأمم المتحدة في العاصمة الاتحادية أبوجا العام الماضي: «نيجيريا تحوّلت بشكل مفاجئ إلى دولة فقيرة».

تعقيدات اجتماعية
الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه نيجيريا، جاء في الواقع ليصب النار على زيت التعقيدات الاجتماعية الضاربة بجذورها في هذا البلد الذي يعد السابع في العالم من حيث تعداد السكان؛ إذ يعيش في نيجيريا أكثر من 500 جماعة عرقية، موزّعة على آلاف القبائل التي تعتز كل واحدة منها بهويتها الخاصة، ولغتها ودينها، وتريد حصة من الدولة المركزية على شكل سلطة وعائدات مادية. وأكثر من هذا... تطالب هذه القبائل والعرقيات، في بعض الأحيان، بالانفصال عندما لا تحصل على ما تريد.
لقد ظلت الدولة المركزية في نيجيريا طيلة ستة عقود عاجزة عن خلق تناغم اجتماعي تذوب فيه الفوارق العرقية بين القبائل؛ بل إن سياساتها الفئوية كرّست الانقسام ما بين المسلمين في الشمال والجنوب الغربي، والمسيحيين في الجنوب والوسط، بالإضافة إلى ديانات وثنية تشكل أقلية مشتتة.
قبائل الهَوسا وقبائل اليوروبا وقبائل الإيغبو (أو الإيبو، كما ينطقها البعض) هي ثلاث عرقيات تشكل وحدها ما يزيد على ستين في المائة من مجموع سكان البلاد. ولفهم كثير من الأحداث التي عاشتها نيجيريا خلال السنوات الستين الأخيرة، من الضروري الإلمام بتفاصيل العلاقات المعقدة التي تربط هذه القبائل والعرقيات، فقبائل الهَوسا – التي تتكلم إحدى لغات المجموعة اللغوية التشادية – ارتبطت عبر القرون بالقبائل والأقوام المنتشرة على أطراف جنوب الصحراء الكبرى، وأبرزها قبائل الفولاني والصنغاي والزبرما. وتجدر الإشارة إلى أن قبائل الفولاني – التي تشكل رابع أكبر مكونات نيجيريا القبلية – قبائل مسلمة تملك إرثاً تاريخياً كبيراً، يتمثل في عدة إمبراطوريات إسلامية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا. وأسهم الفولاني بالتهميش في كثير من الدول الأفريقية المعاصرة، وناضل أبناؤهم لرفع هذا الحيف والتهميش وإحياء تاريخهم «المجيد». وفي حالة الفولاني (الذين ينتمي إليهم الرئيس بخاري) - والهوسا أيضاً - قد يصل هذا النضال في بعض الأحيان إلى «العمل المسلح»، كما حدث في مالي وبوركينا فاسو، وربما نيجيريا، حيث ينحدر قادة «بوكو حرام» وأغلب مقاتليها من الهوسا والفولاني.
تعيش قبائل الهوسا في شمال نيجيريا، مع امتداد ديموغرافي في النيجر وتشاد، ويعتمد أفراد هذه القبائل في حياتهم اليومية على النشاط الزراعي وتربية المواشي والأبقار، كما يساهمون بشكل كبير في إنعاش التبادل التجاري في منطقة حوض بحيرة تشاد التي تطل عليها أربع دول، هي: نيجيريا، والنيجر، وتشاد، والكاميرون. وتعيش قبائل الفولاني في شمال غربي البلاد، وقبائل الكانوري (المسلمة أيضاً) في شمال شرقها.
أما خارج الشمال، فتقطن قبائل اليوروبا في جنوب غربي نيجيريا، مع امتداد عرقي في كل من بنين وتوغو المجاورتين. ويعتمد أفراد هذه القبائل - التي تعد الثانية من حيث التعداد السكاني - على عائدات الزراعة التي يمارسونها في المناطق الريفية القريبة من المدن. وأغلب أفراد قبائل اليوروبا المقسومة بين المسيحيين والمسلمين يسكنون في مدن عملاقة، مثل لاغوس، العاصمة السابقة والعاصمة الاقتصادية الحالية، التي يصل تعداد سكانها إلى 22 مليون نسمة، ويقدر حجم الحركة الاقتصادية فيها بما يوازي الحركة في ثلاث دول أفريقية مجتمعة، هي: السنغال وكوت ديفوار والكاميرون.
وأما قبائل الإيغبو، فهي ثالث أكبر القبائل من حيث تعداد الأفراد، ويتركز انتشارها في جنوب شرقي البلاد؛ ولكن ذلك لم يمنعها من أن تكون موجودة في مناطق أخرى كثيرة. ولقد اشتهر الإيغبو - وجلهم يدينون بالمسيحية - بأنهم تأقلموا بسرعة مع الوجود الإنجليزي في المنطقة، واستفادوا كثيراً من التعليم وفرص التوظيف.
وهنا نشير إلى أنه إذا كانت المكونات الكبرى المذكورة آنفاً (الهوسا والفولاني واليوروبا والإيغبو) هي الأكثر انتشاراً في نيجيريا، فهناك عرقيات وقبائل أخرى لها دورها المحوري في رسم فسيفساء المشهد الاجتماعي داخل هذا البلد المتنوع والمتناقض.

اللغة والدين
عبر التاريخ، كان عاملا اللغة والدين هما أكثر العوامل إثارة للتوتر بين المكوّنات العرقية في نيجيريا. وعلى الرغم من أن اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية في البلاد، فإنها لم تكن أبداً الأكثر استخداماً من طرف السكان؛ إذ يتعصب الأفراد للغة قبائلهم، وكثيراً ما تجد المواطن في نيجيريا يتحدث بعدة لغات؛ ولكنه يرفض الحديث إلا بلغة قبيلته. وتشير الإحصائيات إلى أن 29 في المائة من السكان يتحدثون بلغة الهوسا، و21 في المائة يتحدثون بلغة اليوروبا، بينما تتحدث 18 في المائة من السكان بلغة الإيغبو، وتحظى بقية اللغات بانتشار محدود؛ ولكنها ترفض الموت نتيجة تعصب القبائل لها.
إحصائيات أخرى تشير إلى أن 51 في المائة من السكان مسلمون، أغلبهم سنة على المذهب المالكي، و48 في المائة مسيحيون ما بين كاثوليك وبروتستانت، و1 في المائة يعتنقون ديانات وثنية قديمة. ولكن الدين ظل يشكل التحدي الأبرز أمام الدولة الحديثة، إذ ارتفعت حدة التوتر ما بين مسلمي الشمال الممسكين بالسلطة في أغلب الأحيان، ومسيحيي الجنوب الأكثر ثراء وتغلغلاً في قطاع المال والأعمال. ومع أن هذا الصراع يأخذ طابعاً دينياً فهو في النهاية يبقى صراعاً على نصيب من الكعكة التي يسمونها «نيجيريا».
ولعل من أشهر محطات التوتر العرقي ذي الطابع الديني في نيجيريا، ما وقع عام 2000 في حي بالعاصمة لاغوس من صدامات دامية بين أفراد من الهوسا المسلمين ومسيحيي اليوروبا، خلفت أكثر من ألفي قتيل. وفي العام نفسه وقعت صدامات أخرى عنيفة بين أفراد من القبيلتين في كيشي (جنوبي نيجيريا) مخلفة أكثر من مائتي قتيل. وفي عام 2001 تجددت الصدامات بين الجماعتين لتوقع أكثر من ألف قتيل.
هذا، واندلعت هذه الصدامات عندما اعترضت الأقلية المسيحية في شمال نيجيريا على قرار اتخذته السلطات المحلية في بعض الولايات بتطبيق الشريعة الإسلامية، ما خلف حالة من الغليان سرعان ما انتقلت نحو الجنوب. ومن ثم، عمت أغلب الولايات في نيجيريا، في واحدة من أكثر الأزمات عنفاً في تاريخ البلد، وأجبرت الحكومة آنذاك بقيادة الرئيس الأسبق أولوسيغون أوباسانجو (مسيحي من اليوروبا) على إعلان حالة الطوارئ.

ميلاد «الوحش»
في خضم هذه الأجواء المتوترة بين المسلمين والمسيحيين، برز إلى النور داعية متشدد اسمه محمد يوسف، اشتهر بخطبه القوية في مساجد مدينة مايدوغيري، في أقصى الشمال الشرقي لنيجيريا. وبسرعة ازداد عدد أتباعه الذين تحولوا فيما بعد إلى نواة لتأسيس «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد» التي تحولت فيما بعد إلى تنظيم «بوكو حرام»... وهي عبارة تعني بلغة الهوسا أن «التعليم العصري حرام».
شنت «بوكو حرام» أول عمل مسلح ضد الجيش النيجيري عام 2009. قام بعده الجيش باعتقال مؤسسها الذي توفي في السجن خلال العام نفسه. وأدى عرض صور جثته عبر التلفزيون الحكومي إلى إثارة حفيظة أتباعه الذين اعتبروا ذلك استهدافاً لسكان الشمال المسلمين. وكانت تلك بداية منعرج حقيقي في مسار «بوكو حرام» التي أصبحت فيما بعد التنظيم الأكثر دموية في تاريخ المنطقة.
لقد استغلت «بوكو حرام» حالة الفقر المدقع التي يرزح تحتها شمال نيجيريا، والإحساس بالظلم لدى الهوسا والفولاني، ونجحت في تحويل عشرات آلاف الشباب المحبطين من الدولة، إلى محاربين أشداء يدينون لها بالولاء المطلق، من أجل تحقيق أحلامهم بالثراء، بعد تأسيس «الخلافة» في شمال نيجيريا.

مشروع بخاري
ولكن اليوم وجدت «بوكو حرام» نفسها في مواجهة مع الرئيس محمدو بخاري، الذي ينحدر من المناطق الشمالية، وتحديداً من قبائل الفولاني المسلمة. وهو جنرال سابق في الجيش سبق له أن قاد انقلاباً عسكرياً ناجحاً حكم بعده نيجيريا (1983 - 1985)، قبل انتخابه عام 2015 رئيساً للجمهورية بصورة ديمقراطية. وبالتالي، فهو رجل يدرك جيداً تعقيدات الوضع في بلاده، وجعل من القضاء على «بوكو حرام» مشروعه الخاص.
غير أن الرجل «المريض» اعترضته تحديات متزامنة هدّدت مشروعه. تمثّل التحدي الأول في الفساد الذي ينهك الجيش. وفعلاً بدأ بتغيير قادته «الفاسدين»، وتعزيز مستوى التنسيق الأمني مع تشاد والنيجر والكاميرون.
أما التحدي الثاني، فكان انعدام الأمن في منطقة «دلتا النيجر» الغنية بالنفط، بجنوب البلاد، حيث اندلع تمرد مسلح يقوده السكان المحليون الغاضبون من شركات النفط، ويتهمونها بإلحاق ضرر كبير بالبيئة وقتل مواشيهم وإتلاف مزارعهم. ويطالبون، في المقابل، بالاستفادة من عائدات النفط المستخرج من أراضيهم. إلا أن بخاري رد بنشر الجيش وملاحقة المتمردين، من دون أن يغلق باب التفاوض.
وأما التحدي الثالث، فتشهده مناطق وسط نيجيريا، ويتمثل في المواجهات اليومية بين المزارعين من قبائل اليوروبا ورعاة المواشي والأبقار من الهوسا والفولاني، وهي مواجهات دامية، كثيراً ما تتطور لتصبح أحداثاً عرقية تهدد الأمن والاستقرار، وتضع النسيج الاجتماعي الهش على صفيح ساخن.
لقد اشتعلت هذه الجبهات الثلاث بشكل متزامن أمام محمدو بخاري، وهو يخوض حرباً شرسة ضد «بوكو حرام» شمال شرقي البلاد، وعلى الرغم من ذلك فقد تمكن جيش نيجيريا بالتنسيق مع قوة إقليمية (من تشاد والنيجر والكاميرون) من إلحاق خسائر كبيرة بالتنظيم المتطرف. بيد أن الاحتفال بالنصر لا يزال مؤجلاً في بلد يخسر كل يوم معركة التنمية. ذلك أن الوضع الاقتصادي والإنساني يزداد سوءاً بشكل غير مسبوق في نيجيريا، ذلك البلد الذي تشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكانه سيصل في أفق عام 2050 إلى أكثر من نصف مليار نسمة (550 مليون نسمة)، وأكثر من خمسين في المائة من سكانه تحت سن 18 سنة، كما أنه يملك أكبر احتياطي للنفط والغاز الطبيعي في القارة...
كل هذه المقدرات الهائلة تبقى بلا فائدة ما دام الفساد يكبل نيجيريا، وتلك هي المعركة التي لا يزال إعلان النصر فيها مؤجلاً في نظر بخاري «المريض».

«بوكو حرام»... شلال الدم
- «بوكو حرام» هي جماعة متطرفة معادية للتعليم العصري، تسعى إلى تطبيق فهم متشدّد للشريعة الإسلامية في نيجيريا. وأسست – كما سبقت الإشارة – في عام 2002 بأحد مساجد مدينة مايدوغيري (عاصمة ولاية بُرنو) بشمال شرقي نيجيريا، على يد داعية متطرف وخطيب مفوّه يدعى محمد يوسف. ولقد استطاع يوسف أن يستغل الفقر والتهميش في المناطق الشمالية من نيجيريا لاكتتاب عدد كبير من الأتباع، الذين تحولوا فيما بعد إلى مقاتلين أغلبهم من الشباب المحبطين من الدولة وسياساتها.
توفي مؤسس «بوكو حرام» في السجن عام 2009، عندما اعتقله الجيش خلال تمرد مسلح قادته الجماعة آنذاك، ولكن مقتل يوسف لم يؤدِ إلى نهاية «بوكو حرام» التي تولى قيادتها في عام 2010 رجل لم يكن معروفاً لدى أجهزة الأمن في نيجيريا يدعى «أبو بكر شيكاو»، يقال إنه من أصول قبلية في دولة النيجر المجاورة. وحقاً استطاع «شيكاو» أن يربط صلة وثيقة بتنظيم «القاعدة»، خاصة خلال سيطرة «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» على شمال مالي، إذ تدرب المئات من مقاتليه في معسكرات تابعة لـ«القاعدة» في مالي. وبعد عودته تطورت أساليب وطرق الهجمات التي تشنها «بوكو حرام»، فشن هجمات دموية في مناطق مختلفة من نيجيريا، وكبّد الجيش خسائر كبيرة.
في عام 2015 جرّدت عملية عسكرية إقليمية ضد «بوكو حرام»، شاركت فيها جيوش كل من نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون وبنين، وأسفرت عن إلحاق خسائر كبيرة بالتنظيم المتطرف، ومع أنها لم تقض عليه بشكل نهائي، فإن التنظيم عانى الانقسام، خاصة بعد أنباء عن إصابة «شيكاو» ومحاصرته في غابات نائية في حوض بحيرة تشاد. ومن ثم، أعلن فصيل جديد من «بوكو حرام» مبايعة نجل مؤسّس الجماعة «أبو مصعب البُرناوي» زعيماً جديداً، الذي بدوره بايع تنظيم داعش عام 2016، وغير اسم الجماعة ليصبح «تنظيم داعش في غرب أفريقيا»، ولكن «شيكاو» رفض هذه البيعة، وأعلن قيادته لفصيل آخر أعاد له الاسم القديم لـ«بوكو حرام»، أي «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد».
هذا، وبعدما تمكنت «بوكو حرام» خلال عامي 2014 و2015 من بسط سيطرتها على مناطق واسعة شمال شرقي نيجيريا، أُجبرت الجماعة المتطرفة على التراجع، بعدما فقدت آلاف المقاتلين خلال العملية العسكرية التي لا تزال جارية... وبقيت محصورة في غابات نائية داخل حوض بحيرة تشاد، في محميات طبيعية لا يمكن الوصول إليها إلا عبر زوارق صغيرة.
وختاماً، عادت «بوكو حرام» في الآونة الأخيرة إلى منهجها القديم في العمليات الانتحارية الدامية التي تستهدف المساجد، والكنائس، ومقرات الشرطة، والجيش، والأسواق. وهي تستخدم في هذه العمليات الانتحارية الفتيات والأطفال الذين تختطفهم من المدارس والحقول، وكثيراً ما توقع عدداً كبيراً من الضحايا.



الطوارق يمددون سيطرتهم شمال مالي

متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس ( رويترز)
متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس ( رويترز)
TT

الطوارق يمددون سيطرتهم شمال مالي

متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس ( رويترز)
متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس ( رويترز)

سيطر المتمردون الطوارق أمس، على قاعدة عسكرية استراتيجية في أقصى شمال مالي، وذلك بعد انسحاب الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي» الروسية منها، في تطور جديد يكرّس هيمنة «جبهة تحرير أزواد» على الشمال، وذلك بعد مرور أسبوع على هجمات عنيفة ومنسقة شنَّها المتمردون بالتحالف مع تنظيم «القاعدة»، ضد العاصمة باماكو ومدن عدة أخرى، أسفرت عن اغتيال وزير الدفاع المالي؛ الجنرال ساديو كامارا، وسقوط مدينة كيدال في الشمال بقبضتهم.

وتداول ناشطون، ينحدرون من شمال مالي، مقاطع فيديو قصيرة وصوراً لدخول المتمردين القاعدة العسكرية، دون أي قتال أو مواجهة.

وبينما كان المجلس العسكري الحاكم في مالي يُشيِّع، الخميس، وزير الدفاع الذي قُتل على يد تنظيم «القاعدة»، كانت طائراته تشنُّ غارات جوية مكثفة على مواقع تابعة للمتمردين. وجاء هذا القصف بالتعاون مع تحالف دول الساحل، الذي يضم، إلى جانب مالي، كلاً من النيجر وبوركينا فاسو.


المتمردون في مالي يمددون سيطرتهم... و«القاعدة» يدعو إلى «جبهة مشتركة»

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)
رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)
TT

المتمردون في مالي يمددون سيطرتهم... و«القاعدة» يدعو إلى «جبهة مشتركة»

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)
رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

سيطر المتمردون الطوارق، الجمعة، على قاعدة عسكرية استراتيجية في أقصى شمال مالي، غير بعيد عن الحدود مع الجزائر، وذلك بعد انسحاب الجيش المالي وقوات «الفيلق الأفريقي» الروسية من القاعدة، في تطور جديد يكرّس هيمنة المتمردين على الشمال.

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصادر محلية وأمنية وأخرى في الحركة الانفصالية، أنَّ القاعدة العسكرية «باتت الآن تحت سيطرة الجماعات المسلحة»، وذلك بعد مرور أسبوع على هجمات عنيفة ومنسقة شنَّها المتمردون بالتحالف مع تنظيم «القاعدة»، ضد العاصمة باماكو ومدن عدة أخرى، أسفرت عن اغتيال وزير الدفاع المالي، الجنرال ساديو كامارا، وسقوط مدينة كيدال في قبضة المتمردين.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، ينحدرون من شمال مالي، مقاطع فيديو قصيرة وصوراً لدخول المتمردين القاعدة العسكرية، دون أي قتال أو مواجهة، رغم أنَّ القاعدة كان يوجد بها «الفيلق الأفريقي» الروسي، إلى جانب الجيش المالي.

متمردون طوارق تابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

وصرَّح مسؤول محلي بأنَّ الجيش المالي وحلفاءه الروس «تخلوا عن مواقعهم في تيساليت صباح اليوم (الجمعة)». ووفقاً لمصدر أمني، فقد قام هؤلاء بـ«إخلاء» المعسكر بالفعل قبل وصول الجماعات المسلحة، مؤكداً أنَّه «لم تقع أي اشتباكات».

من جانبه، ذكر مسؤول في الجماعات المتمردة أنَّ القوات المتمركزة هناك قامت بـ«الاستسلام» في تيساليت، بينما أشارت مصادر أخرى إلى أنَّ خروج القوات الروسية والمالية من القاعدة العسكرية يشبه في تفاصيله ما حدث في كيدال، حين فاوض الروس المتمردين من أجل انسحاب آمن ودون أي احتكاك.

وزير دفاع مالي الجنرال ساديو كامارا خلال اجتماع في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو يوم 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

ويعدُّ خروج القوات المالية والروسية من قاعدة «تيساليت» خسارة كبيرة، حيث تحظى بأهمية استراتيجية كبيرة، نظراً لموقعها الجغرافي، بالإضافة إلى امتلاكها مدرج هبوط كبيراً وبحالة جيدة، قادراً على استقبال المروحيات وطائرات النقل العسكرية الضخمة.

وسبق أن كانت هذه القاعدة العسكرية محطةً مهمةً في التدخل العسكري الفرنسي عام 2013 وحتى 2021 لمواجهة الإرهاب في شمال مالي ومنطقة الساحل، بل إنَّ قوات أميركية كانت تستخدمه في إطار الإسناد اللوجستي.

هجوم مضاد

على صعيد آخر، وبينما كان المجلس العسكري الحاكم في مالي، الخميس، يُشيِّع وزير الدفاع الذي قُتل على يد تنظيم «القاعدة»، السبت الماضي، كانت طائراته تشنُّ غارات جوية مكثفة على مواقع تابعة للمتمردين في منطقة كيدال، أقصى شمال شرقي البلاد.

وجاء هذا القصف بالتعاون مع تحالف دول الساحل، الذي يضم إلى جانب مالي كلاً من النيجر وبوركينا فاسو، ويحظى بدعم كبير من روسيا، حيث شكَّل التحالف قوةً عسكريةً مشتركةً للحرب على الإرهاب قوامها 15 ألف جندي.

وزير خارجية روسيا في موسكو برفقة وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو... يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

وقالت حكومة النيجر، الخميس، إنَّ القوة العسكرية المشتركة نفَّذت «حملات جوية مكثفة» في شمال مالي، وذلك «رداً على الهجمات الإرهابية الغادرة»، مشيرة إلى أنَّ الغارات الجوية استهدفت مدن غاو وميناكا وكيدال.

وفي بيان، اتهمت حكومة النيجر قوى أجنبية، وفي مقدمتها فرنسا، برعاية هجمات السبت في مالي؛ وهي اتهامات تكرِّرها النيجر بانتظام تجاه باريس التي تنفي دائماً سعيها لزعزعة استقرار البلاد.

صورة غير مؤرخة نشرها الجيش الفرنسي لمرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وسبق أن طلب المتمردون الطوارق من النيجر وبوركينا فاسو عدم التدخل في الأحداث الجارية في مالي. وقال المتحدث باسم المتمردين محمد مولود رمضان: «على النيجر وبوركينا فاسو النأي بنفسيهما عن الأحداث الجارية في مالي».

ولكن وزير الحرب والدفاع في بوركينا فاسو، الجنرال سيليستين سيمبوري، رفض هذا الطلب، وقال خلال حضور تشييع جثمان وزير الدفاع المالي الخميس في باماكو، إنَّ تحالف دول الساحل سيطارد المسؤولين عن اغتيال وزير الدفاع المالي حتى «آخر معاقلهم».

متمردون طوارق تابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

إسقاط النظام

إلى ذلك، يواصل مقاتلو «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، التابعة لتنظيم «القاعدة»، حصار العاصمة المالية باماكو، من خلال إغلاق عدد من الطرق الوطنية التي تربطها بدول موريتانيا والسنغال وكوت ديفوار المجاورة، بينما تقع مواجهات بين الفينة والأخرى مع الجيش الذي يحاول كسر الحصار.

وفي حين يشتد الخناق على باماكو، دعت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الخميس، إلى تشكيل «جبهة مشتركة» واسعة ضد المجلس العسكري الحاكم. وقالت إن هذه الجبهة مفتوحة أمام الأحزاب السياسية، والقوات المسلحة الوطنية، والسلطات الدينية، والزعماء التقليديين، ومكونات المجتمع المالي كافة.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم مروحية بشمال مالي خلال أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

وأوضحت الجماعة، في بيان موجه إلى الشعب المالي ومكتوب باللغة الفرنسية، أن «المجلس العسكري أغرق مالي في الفوضى والإذلال». وأضاف: «لقد حانت لحظة الحقيقة: يجب إنقاذ مالي من الهاوية قبل فوات الأوان. إننا ندعو جميع الوطنيين الصادقين، دون أي تمييز، إلى الهبوب وتوحيد قوانا في جبهة مشتركة».

وشدَّدت الجماعة على أن «إسقاط المجلس العسكري وحده لا يكفي. يجب علينا معاً منع أي فراغ فوضوي قد يهوي بوطننا نحو انهيار شامل»، وأكدت على أنَّها تدعو إلى ما سمته «تحقيق انتقال سلمي، مسؤول وشامل، هدفه الأساسي بناء مالي جديدة، تكون من بين أولوياته الجوهرية إقامة الشريعة الإسلامية».

وتعد هذه المرة الأولى التي تكشف فيها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، انفتاحها على الأحزاب السياسية والجيش في مالي.


مقتل 3 مدنيين في هجوم لجماعة «بوكو حرام»

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
TT

مقتل 3 مدنيين في هجوم لجماعة «بوكو حرام»

مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)
مسيحيون اختطفتهم مجموعات مسلحة في كومين والي بعد عودتهم إلى ولاية كادونا (أ.ب)

اقتحم مسلحون من جماعة «بوكو حرام»، مساء الخميس، قرية كاوتيكاري التابعة لمنطقة شيبوك، في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي نيجيريا، وقتلوا 3 أشخاص على الأقل، فيما فر سكان القرية نحو الغابات للنجاة بأنفسهم. ونقلت تقارير إعلامية محلية عن بعض السكان الفارين قولهم إن المسلحين كانوا يطلقون النار بشكل عشوائي، ويضرمون النيران في المباني السكنية، بينما فر الأهالي إلى الأحراش بحثاً عن الأمان، في ظل غياب أي وجود للجيش أو الشرطة. وبعد ذلك أكد مصدر محلي أن قوات من الجيش ووحدات مكافحة الإرهاب تدخلت وأرغمت العناصر الإرهابية على الانسحاب من القرية.

وقال ضابط أمن ينحدر من قرية كاوتيكاري، ولكنه يقيم في مدينة مايدوغوري، عاصمة ولاية بورنو، إن «قرية كاوتيكاري تعرضت لهجوم من (بوكو حرام)»، وأضاف المصدر نفسه: «لقد تلقيت نداء استغاثة عند نحو الساعة 6:50 من مساء الخميس».

ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وحول حصيلة الهجوم، قال الضابط الذي فضّل حجب هويته لأنه غير مخول بالحديث للإعلام: «لا يمكننا تحديد عدد الضحايا الآن، حيث يقوم المهاجمون بنشر الدمار بينما يتدافع الناس للنجاة بأنفسهم»، قبل أن يضيف: «حتى الآن، قُتل ثلاثة أشخاص على الأقل»، ثم أكد الضابط أن الجيش تحرك وتدخل بسرعة.

ونقلت تقارير إعلامية محلية عن مصادر وصفتها بالموثوقة، أن قوات «فرقة العمل المشتركة» في الشمال الشرقي المنخرطة في (عملية هادين كاي) العسكرية لمحاربة الإرهاب، «استجابت بسرعة ونجحت في صد الهجوم».

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

تتعرض هذه المنطقة منذ فترة لهجمات متكررة من طرف «بوكو حرام»، حيث وقع هجوم مماثل يوم 30 مارس (آذار) الماضي، حين اقتحم مقاتلون القرية نفسها التي تقطنها غالبية مسيحية، وقتلوا قائد مجموعة «الصيادين» المحلية، مالام بومت، وهي مجموعة أهلية محلية مسلحة كثيراً ما تسند إليها مهام تأمين المجتمعات.

كما قتل في الهجوم السابق عشراتُ السكان، من أشهرهم جوهانا بيتر، وهي فتاة نيجيرية كانت تستعد لعقد قرانها في كنيسة القرية اليوم التالي، وهي قصة جرى تداولها على نطاق واسع، وأثارت تعاطفاً واسعاً في نيجيريا.

ونهب مقاتلو «بوكو حرام» كميات كبيرة من المواد الغذائية، مع قطعان من الماشية، فيما لم يعد سكان القرية إلى بيوتهم إلا منذ أيام قليلة، ولكن التنظيم الإرهابي عاد للهجوم مرة أخرى الخميس.

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وتعيد هذه الهجمات إلى أذهان سكان منطقة شيبوك، ذكريات مؤلمة تركها التنظيم الإرهابي محفورة في ذاكرتهم، وخاصة حادثة اختطاف 276 فتاة من مدرسة ثانوية يوم 14 أبريل (نيسان) 2014، في حادثة تحولت إلى قضية رأي عام عالمي.

وبعد مرور سنوات، أفرج التنظيم عن عدد من الفتيات وتمكنت أخريات من الفرار، ولكن بقيت 187 فتاة في قبضة التنظيم لفترة طويلة، وسط ترقب وقلق عالمي مستمر حول مصيرهن في غابات سامبيسا، حيث توجد معاقل التنظيم.

رجال الشرطة النيجيرية في أبوجا (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقبل أسبوعين، استضافت الجامعة الأميركية في نيجيريا مجموعة من الناجيات اللاتي بدأن رحلة التعافي من خلال التعليم. واحتفلت الجامعة بتخرج 12 فتاة من هؤلاء الناجيات في تخصصات علمية متنوعة مثل الصحة العامة والمحاسبة والإعلام.