مع تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد بالنسبة للمواطنين العاديين، وتراخي سيطرة الحكومة على الأوضاع الإدارية المتردية وصعود الجماعات الدينية، فإن المستقبل السياسي لباكستان يبدو غير واضح المعالم وقاتما للغاية. صعود الجماعات الدينية الجديدة الغامضة، مع قدراتها الواضحة على تعطيل السيطرة الإدارية للحكومة على المدن، يضيف المزيد من عدم اليقين إلى الأوضاع الراهنة في البلاد.
خلال الأسابيع الثلاثة الماضية وقعت العاصمة الباكستانية إسلام آباد تحت حصار جماعة تدعى «تحريك لبيك باكستان»، التي طالبت الحكومة بإقالة وزير العدل بسبب ارتكاب أحد الأخطاء التي جرى التحفظ بشأنها مؤخرا.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة من جانب الحكومة الباكستانية فإنها فشلت في إقناع زعماء الجماعة المذكورة في نقل أتباعها من نقطة الدخول الرئيسية في إسلام آباد، نقطة فائز آباد، الأمر الذي أدى إلى أسوأ ازدحام مروري في تاريخ المدينة إلى جانب الفوضى التي عمت العاصمة الباكستانية.
وكما لو أن الأوضاع المتدهورة في إسلام آباد غير كافية، قام أتباع طائفة «البرافلي» (إذ إن جماعة تحريك لبيك باكستان تتبع طائفة البرافلي التي تؤمن بالمذهب الصوفي وزيارة الأضرحة والقبور) بالاعتصام في مدينة كراتشي، ثاني أكبر مدن البلاد، دعما وتأييدا لجماعة «تحريك لبيك باكستان». وأسفر الاحتجاج في كراتشي أيضا إلى أسوأ ازدحام مروري في تاريخ المدينة وإلى تفاقم الفوضى هناك.
ولقد اعتذر وزير الداخلية الباكستاني إحسان إقبال للشعب الباكستاني لعدم أخذه في الاعتبار أن الاحتجاجات على هذا النطاق الكبير قد تؤدي إلى تعطيل مظاهر الحياة المدنية في المدينتين الكبيرتين، وقال مصرحا: «لن نسمح بمثل هذه الأفعال بالتكرار مرة أخرى».
ومع ذلك، بدأ معارضو الحكومة في توجيه الانتقادات لعدم القيام بما يجب لإخلاء تقاطع الطرق عند نقطة فائز آباد في العاصمة من المحتجين. وقال خورشيد شاه زعيم المعارضة في مؤتمر صحافي في إسلام آباد: «إنهم ليسوا مسيطرين على الأوضاع في العاصمة، والحكومة في بسط سلطتها».
وتتنافس جماعة «تحريك لبيك باكستان» على تعزيز مكانتها على جميع الأصعدة، وانضمت إلى السياسة الانتخابية وحصدت أكثر من سبعة آلاف صوت في الانتخابات التكميلية لأحد المقاعد البرلمانية في أعقاب إقالة رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف.
وتبدي «الرابطة الإسلامية الباكستانية - نواز» اليمينية قلقها تجاه صعود الأحزاب الدينية مثل «تحريك لبيك باكستان»، والفجوة التي تسببها في قاعدتها الانتخابية، رفضت الرابطة في وقت سابق الاعتراف بشرعية الجماعة أو التفاوض معهم. ولكن سياسة انتظار الاحتجاجات لكي تنفجر الأوضاع لم تنجح أيضا. فلقد دعت الحكومة الآن ممثلين عن جماعة «تحريك لبيك باكستان» لإجراء محادثات بعد وقوع اشتباك عنيف بين المتظاهرين والشرطة أسفر عن إصابة شخص واحد يوم الثلاثاء الماضي.
ولقد وقعت هذه الأحداث في توقيت غير مناسب تماما بالنسبة لحكومة الرابطة الإسلامية، التي تواجه الضغوط الكبيرة بالفعل جراء استبعاد زعيمها نواز شريف من رئاسة الحكومة.
ويواجه نواز شريف حاليا اتهامات بالفساد المالي في المحاكم وقد يواجه أحكاما بالسجن. ومن شأن ذلك أن يكون له آثار بعيدة المدى على الحزب الحاكم، الذي يلقى المزيد من المتاعب والصعاب بسبب الاقتتال الداخلي بين كبار الزعماء.
ولقد أصبح الصراع بين الأحزاب السياسية المتنافسة في البلاد هو القاعدة، وتسببت الاتهامات ضد مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش والاستخبارات والقضاء بالتآمر للإطاحة برئيس الوزراء الأسبق، في العواصف الشديدة داخل المجتمع الباكستاني.
وأوضح المتحدث الرسمي باسم الجيش الباكستاني أن الجيش لم يكن القوة المحركة لاستبعاد نواز شريف وأن الإشاعات حول دور الجيش في الاستيلاء على البلاد هي محض هراء. وأصر المسؤول العسكري قائلا: «لا ينبغي بالأساس الحديث عن فرض الأحكام العرفية في البلاد، إننا منشغلون في تأدية واجباتنا على النحو المنصوص عليه في الدستور».
وكانت المخاوف من تدخل الجيش قد تعززت عندما صرح وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، عقب اجتماعه مع نظيره الباكستاني خواجة آصف، أن الإدارة الأميركية معنية تماما باستقرار الأوضاع في الحكومة الباكستانية.
ومن دون إضاعة المزيد من الوقت، بدأت وسائل الإعلام الباكستانية في تذكير الجمهور بالأيام والشهور التي سبقت انقلاب أكتوبر (تشرين الأول) لعام 1999، عندما أرسلت حكومة نواز شريف وقتذاك المبعوث الخاص، شاهباز شريف، إلى واشنطن، في خضم التوترات مع قيادة الجيش، للاجتماع مع المسؤولين الأميركيين هناك وإطلاعهم على التهديدات التي تواجه الحكومة في إسلام آباد من جانب كبار قادة الجيش. وفي ذلك الوقت أيضا، أعرب المسؤولون في الإدارة الأميركية عن قلقهم حيال استقرار الحكومة الباكستانية، في أعقاب ذلك أعلن الجيش الباكستاني عن التزامه بالحكم المدني الدستوري في البلاد.
وفي تلك الأوضاع، فإن المصاعب الاقتصادية تمثل عبئا ثقيلا للغاية على الشعب. ولقد فشلت الحكومة في خفض الارتفاع الكبير في الأسعار ومعدل التضخم آخذ في الارتفاع.
وتمكنت الحكومة، وبصعوبة بالغة، من رفع معدل النمو الاقتصادي إلى أكثر من 5 نقاط مئوية خلال العام الحالي. ولكن هذا، وفقا للخبراء، لا يكفي لتلبية الطلبات المتزايدة على الوظائف بين الخريجين من الشباب. ويقول خبراء الأمن إن تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يؤدي إلى ارتفاع وتيرة التطرف الديني في البلاد.
ولا يتوقع الكثيرون في باكستان أن إجراء الانتخابات البرلمانية في أغسطس (آب) من العام المقبل سوف يكون من المهام اليسيرة.
مستقبل باكستان السياسي في الميزان
أزمة حكم وأوضاع اقتصادية متدهورة وصعود قوى دينية جديدة
مستقبل باكستان السياسي في الميزان
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


