الفصائل الفلسطينية تجتمع في القاهرة لدفع المصالحة قدماً

الحمد الله: الحكومة لن تكون إلا ذراعاً تنفيذية لما سيتم الاتفاق عليه

مسن فلسطيني خارج معبر رفح الحدودي جنوب قطاع غزة يطالب بالسفر للعلاج  أول من أمس  (رويترز)
مسن فلسطيني خارج معبر رفح الحدودي جنوب قطاع غزة يطالب بالسفر للعلاج أول من أمس (رويترز)
TT

الفصائل الفلسطينية تجتمع في القاهرة لدفع المصالحة قدماً

مسن فلسطيني خارج معبر رفح الحدودي جنوب قطاع غزة يطالب بالسفر للعلاج  أول من أمس  (رويترز)
مسن فلسطيني خارج معبر رفح الحدودي جنوب قطاع غزة يطالب بالسفر للعلاج أول من أمس (رويترز)

بدأت في القاهرة، أمس، أعمال أول أيام جلسات المصالحة الفلسطينية الموسعة، بحضور ممثلي 13 حركة وجبهة من داخل وخارج رام الله وقطاع غزة، بهدف بحث آليات تنفيذ اتفاقية «الوفاق الوطني الفلسطيني» الموقعة في عام 2011 بالقاهرة، وسيطر التكتم الشديد على ممثلي الحركات المشاركة في اللقاء.
وأفاد مصدر فلسطيني مطلع على تفاصيل الاجتماع بأن المسؤولين المصريين طلبوا من جميع المشاركين «عدم الإدلاء بتصريحات إعلامية لتجنب تأثيرها على مسار المصالحة»، وفق المصدر. وتستمر جلسات المصالحة على مدار يومين، يتصدرها ممثلو حركة فتح برئاسة عضو اللجنة المركزية للحركة عزام الأحمد، ومن حماس صالح العاروري.
وقال مجلس الوزراء الفلسطيني، الذي يترأسه رامي الحمد الله، إن «التحديات التي تواجهنا تستوجب منا جميعاً التلاحم والتكاتف في هذه المرحلة الحرجة من نضال شعبنا، وتستدعي من الفصائل الفلسطينية كل الارتقاء نحو المصالح العليا لشعبنا، وتسريع خطوات تحقيق المصالحة الوطنية، وإعادة الوحدة للوطن ومؤسساته».
وأكد الحمد الله في بيان رسمي «دعم الحكومة الكامل للفصائل الفلسطينية التي تعقد اجتماعها في القاهرة، وضرورة الوصول إلى اتفاق شامل على الملفات المطروحة كافة»، مشدداً على أن الحكومة «لن تكون إلا ذراعاً تنفيذية لما ستتفق عليه الفصائل، ونجاح الحكومة في تنفيذ مهامها واضطلاعها بمسؤولياتها يستدعي بسط سيطرتها وولايتها القانونية الكاملة في قطاع غزة، وإيجاد حلول جذرية واضحة للقضايا الأمنية والمالية والمدنية والإدارية الناجمة عن الانقسام، وأن تسلم المؤسسات والمعابر سيبقى منقوصاً ما لم يتم تمكين الحكومة بشكل فعلي، وتسلمها لمهامها كاملة».
من جهته، أكد جميل مزهر، القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لوكالة الصحافة الفرنسية، أن الاجتماعات بدأت بالفعل، دون الإدلاء بمزيد من التفاصيل.
لكن مصادر مطلعة أوضحت أن مسؤولي الفصائل الفلسطينية سيبحثون في القاهرة على الخصوص سبل تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة حتى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية.
وسيطرت حماس على غزة منتصف عام 2007، بعد أن طردت عناصر فتح الموالين للرئيس الفلسطيني محمود عباس من القطاع، إثر اشتباكات دامية.
ويضم وفد حماس، الذي يرأسه صالح العاروري نائب رئيس الحركة، يحيى السنوار نائب رئيس حماس في قطاع غزة، ونائبه خليل الحية وصلاح البردويل من غزة، وحسام بدران عضو المكتب السياسي. أما وفد حركة فتح، الذي يرأسه عزام الأحمد، فيضم روحي فتوح وحسين الشيخا، ومدير المخابرات العامة ماجد فرجا، الذين غادروا من الضفة الغربية عبر جسر الأردن.
وبموجب الاتفاق الذي تم توقيعه في القاهرة، سيسعى الطرفان أيضاً إلى تشكيل حكومة وفاق، بينما يمكن لحماس أن تنضم في نهاية المطاف إلى منظمة التحرير الفلسطينية، الشريك التفاوضي الرئيسي لإسرائيل في محادثات السلام. لكن إسرائيل ربطت الحوار مع أي حكومة وحدة وطنية فلسطينية بقطع حماس علاقاتها مع إيران، العدو اللدود للدولة العبرية.
ويشكل الانقسام الفلسطيني واحدة من العقبات الرئيسية في طريق السلام. فعودة السلطة الفلسطينية، الجهة المحاورة لإسرائيل، إلى غزة يمكن أن يفتح آفاق تسوية. وقد أنجزت حماس في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي خطوة مهمة عبر تسليم السلطة مسؤولية المعابر مع إسرائيل ومصر، لكن الرئيس محمود عباس لم يرفع حتى الآن العقوبات المالية التي فرضها في الأشهر الماضية لإجبار حماس على التراجع، وهو ما ينتظره سكان غزة بفارغ الصبر. كما أن قضيتي الإشراف الأمني ومصير الجناح العسكري لحماس ما زالتا عالقتين.
وتستبعد السلطة الفلسطينية تولي المسؤوليات المدنية في غزة قبل أن تتسلم الأمن. وقالت الحكومة، في بيان الأحد، إنه «لا يمكن لها أن تقوم بمهامها ومسؤولياتها استناداً إلى القانون الأساسي والقوانين ذات العلاقة النافذة الصادرة أصلاً عن رئيس دولة فلسطين، إلا بتمكينها من بسط سيادتها وولايتها القانونية في كل المجالات الأمنية والمدنية».
وفي هذا السياق، قال باسم نعيم القيادي في حماس، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن «تسليم السلاح والاعتراف بإسرائيل غير واردين»، متوقعاً أن تتجاوز مناقشات القاهرة قضية الأمن «لتتركز على إجراءات عملية، خصوصاً في المجال المدني والحكومة». ويرى محللون أن الحركتين حالياً تصران على المضي قدماً في المصالحة، رغم العراقيل.
وبهذا الخصوص، يقول غرانت روملي، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ومقرها الولايات المتحدة، إن «إشارة النجاح هي عدم انهيار» المصالحة، مشيراً إلى أنه لا يتوقع أن تفضي هذه المحادثات في القاهرة إلى أمور كبيرة، وأن «الجانبين سعيدان بوقف إطلاق النار السياسي»، معتبراً أن «السلطة الفلسطينية تسيطر حالياً على بعض المهام في غزة وبعض الوزارات». لكنه أشار إلى وجود «قضايا شائكة»، وقال إن «الجانبين يريان بعض الفائدة في عدم التسرع بإجراء محادثات عن ذلك». بدوره، يرى المحلل السياسي أسعد أبو شرخ أن الحركتين «تصران على المصالحة للمرة الأولى، لكن إسرائيل لا تريد المصالحة، ويمكن أن توتر الأوضاع من خلال التصعيد في قطاع غزة».
وحددت إسرائيل والولايات المتحدة شروطهما للتعامل مع حكومة وحدة وطنية، وهي: الاعتراف بإسرائيل، والتخلي عن العنف، ونزع سلاح حماس.
وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد حذر مراراً من أنه «لن أقبل، ولن أنسخ أو أستنسخ تجربة (حزب الله) في لبنان»، مشيراً إلى سلاح حركة حماس.
وصرح موسى أبو مرزوق، القيادي في حماس، في تغريدة على موقع «تويتر»، بأن «النقطة الأولى على جدول أعمال الحوار الفلسطيني أن (حزب الله) اللبناني ليس منظمة إرهابية، وإن مضى ذلك التصنيف، فنحن جميعاً إلى المصير نفسه».

محطات على طريق الانقسام والمصالحة
2006 في 26 من يناير (كانون الثاني) فازت حركة «حماس» رسمياً بـ76 مقعداً في المجلس التشريعي الفلسطيني، بينما حققت «فتح» 43 مقعداً، من أصل 132 مقعداً بالمجلس، وبعد نحو شهرين شكلت الحركة صاحبة الأغلبية حكومتها برئاسة إسماعيل هنية، وفي ديسمبر (كانون الأول) بدأت الاحتكاكات العنيفة والمسلحة بين عناصر الحركتين استمرت لنحو شهرين، وأسفرت عن سقوط عشرات الضحايا ومئات الجرحى.
2007 في الثامن من فبراير (شباط)، وقع الرئيس محمود عباس، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، آنذاك، خالد مشعل، في الرياض (وثيقة مكة)، التي دعا إليها خادم الحرمين الشريفين الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز لإنهاء الاقتتال الفلسطيني، والتي نصت على تشكيل حكومة وحدة وطنية من «فتح» و«حماس»، غير أن الاقتتال الداخلي عاد للانفجار بعد أشهر معدودة، وقرر أبو مازن إقالة حكومة إسماعيل هنية في يونيو (حزيران)، وكلف سلام فياض بتشكيل الحكومة، ورفضت «حماس» الاعتراف بالقرار، وبسطت سيطرتها على قطاع غزة، بعد أن دخل مسلحون من الحركتين في مواجهات دامية.
2008 وقع ممثل حركة «فتح» عزام الأحمد، ونظيره في «حماس» موسى أبو مرزوق في العاصمة اليمنية صنعاء، في مارس (آذار) وثيقة للمصالحة عُرفت باسم «المبادرة اليمنية»، ونصت على «وحدة الوطن الفلسطيني أرضا وشعبا وسلطة واحدة»، وعودة الأوضاع إلى ما قبل سيطرة «حماس» على إدارة قطاع غزة، غير أن الخلافات دبت بشأن تنفيذها.
2009 طرحت القاهرة المبادرة المعروفة باسم «الورقة المصرية» في أكتوبر (تشرين الأول)، وأنتجتها 5 لجان رئيسية تضمنت «المصالحة، الحكومة، الأمن، الانتخابات، المنظمة»، ونصت على «تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وفق أسس يتم التراضي عليها بحيث تضم جميع الفصائل الفلسطينية»، ولاقت تلك المبادرة موافقة «فتح»، فيما طلبت «حماس» وفصائل أخرى مهلة للتوقيع، وتم إرجاء الخطوة لأكثر من مرة.
2010 استؤنف التفاوض من أجل المصالحة بين الحركتين الأبرز في المشهد الفلسطيني في سوريا بشكل خافت، وتزامن مع توتر في العلاقات بين أبو مازن والرئيس السوري بشار الأسد، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، التقى ممثلون للفصيلين لبحث إتمام المصالحة، غير أن ذلك لم يثمر عن نتائج ملموسة.
2011 في الرابع من مايو (أيار) وقع ممثلو 13 حركة وجماعة فلسطينية في القاهرة اتفاقية «الوفاق الوطني الفلسطيني»، التي تعد الأبرز في مسيرة المصالحة لتعدد أطرافها، وتنوع أبوابها بين السياسي والأمني والتشريعي، وتعتبرها قيادات فتح وحماس ركيزة ومنطلقاً لجلسات المصالحة التي أعقبتها.
2012 دعت قطر الرئيس عباس، ورئيس المكتب السياسي السابق لحماس خالد مشعل، لتوقيع ما عرف بـ«إعلان الدوحة»، الذي لم يخرج في مجمله عن نص اتفاق القاهرة 2011، وتضمن التأكيد على تنفيذ بنوده، وخاصة بدء عمل لجنة الانتخابات المركزية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.

2013 جرى اجتماع في القاهرة في فبراير، ضم الرئيس عباس ومشعل، وقيادات فصائل فلسطينية أخرى لبحث آليات تنفيذ اتفاق المصالحة، ولم يتمخض الأمر عن شيء بسبب تطورات الأحداث في مصر.
2014 أعلن رئيس وزراء حكومة حماس المقالة إسماعيل هنية، والقيادي الفتحاوي عزام الأحمد في 23 أبريل (نيسان) تنفيذ المصالحة بين الطرفين، وتشكيل حكومة الوفاق الوطني.
2015 استمر تبادل الاتهامات بين الطرفين، وفي حين قالت السلطة إن «حماس» تتمسك بحكومة موازية، ولا ترغب في التخلي عن السيطرة على القطاعات الأمنية، وبالمقابل اتهمت الأخيرة الحكومة بعدم تحمل المسؤولية عن قطاع غزة.
2016 استضافت الدوحة مرة أخرى جولة من المفاوضات للمصالحة، في يونيو، ولم تنجح في التوصل إلى أي اتفاق، وتبادل الطرفان الاتهامات بالفشل.
2017 قررت «حماس» في شهر مارس، تشكيل ما سمته بـ«اللجنة الإدارية» لتسيير شؤون غزة، وسط استمرار الاتهامات للسلطة الوطنية وحكومة الحمد الله، بعدم تحمل المهام المنوطة بها تجاه سكان القطاع، وتصاعدت معاناة المواطنين من انقطاع الكهرباء والمياه، لكن الحكومة دعت الحركة إلى تسليم المهام كاملة للحكومة الشرعية بغرض تسيير العمل.
وتغير الموقف بشكل كبير بإعلان «حماس» من القاهرة، في سبتمبر (أيلول) الماضي، حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، وقالت إنها جاءت استجابة للجهود المصرية. وفي أكتوبر وقع عزام الأحمد ممثلاً عن فتح، وصالح العاروري عن حماس وثيقة لتفعيل بنود اتفاق 2011 بمقر المخابرات العامة المصرية، مع دعوة الفصائل الفلسطينية كافة الموقعة على الاتفاقية لجولة موسعة في الشهر الجاري.



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.