إردوغان يهاجم صحافيين وفنانين ويصفهم بـ«أعداء الأمة»

شيمشك يقلل من أهمية خصم الاتحاد الأوروبي جزءاً من مخصصات تركيا

TT

إردوغان يهاجم صحافيين وفنانين ويصفهم بـ«أعداء الأمة»

لمّح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى حملة جديدة قد تستهدف صحفا وقنوات تليفزيونية بداعي الإساءة إلى «قيم الأمة التركية»، بسبب تعليقات لبعض الكتاب ومقدمي النشرات والبرامج وبعض الفنانين تزامنت مع الاحتفال بذكرى وفاة مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك في العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري.
في غضون ذلك، واصل إردوغان هجومه على حلف شمال الأطلسي (ناتو) بسبب الإساءة إليه وإلى أتاتورك في مناورات في النرويج، بينما فتحت السلطات القضائية تحقيقا بحق مدعين أميركيين يحققون في قضية اتهام رجل الأعمال التركي من أصل إيراني رضا ضراب بالتحايل مع مسؤولي بنك تركي لانتهاك العقوبات على إيران.
وقال إردوغان في كلمة أمس أمام مؤتمر جماهيري لفرع حزبه العدالة والتنمية (الحاكم) في ولاية بايبورت (شرق تركيا): «لن نصمت أمام استغلال قيم بلادنا المشتركة من جانب حفنة من أعداء الأمة، الذين يحتلون أعمدة الصحف ويرتهنون القنوات التلفزيونية ويحتكرون عالم الثقافة والفن».
وأكد إردوغان أن تركيا التي كانت تشكل خط الحماية الأول لبعض المنظمات الدولية (في إشارة ضمنية إلى حلف الناتو بسبب حادثة مناورات النرويج)، لم تعد موجودة. وقال إن «أولئك الذين يقارنون تركيا بفترة الثمانينات والتسعينات، سوف يكتشفون أنهم مخطئون جدًا». وتابع أن «الأيام التي مورس فيها العداء ضد الديمقراطية والأمة، وكذلك ضد الأذان والعَلَم، باسم القيم المشتركة للجمهورية التركية، قد انتهت». وتابع: «كما طوينا صفحة الشبكات الشيطانية التي يقودها الدجال القابع في بنسلفانيا (في إشارة إلى فتح الله غولن حليفه الأقرب سابقا والذي يتهمه بالوقوف وراء محاولة الانقلاب)، أتمنى من أولئك الذين لا يخفون سعادتهم عند أي هجوم ضدي، أن يكونوا قد أدركوا حقيقة المسألة عندما تم استهداف أتاتورك أيضًا خلال مناورات الناتو».
وتشير تصريحات إردوغان إلى بعض تعليقات عدد من الكتاب ومقدمي نشرات الأخبار والبرامج والفنانين والمثقفين حول موقفه وحزب العدالة والتنمية الحاكم من أتاتورك، وسعيهم إلى محو إرثه ومبادئه التي قامت عليها الجمهورية التركية، وتهكّمهم على مبالغة الحزب هذا العام في مظاهر إحياء ذكرى وفاة أتاتورك الأسبوع الماضي.
ورأى مراقبون أن هذا الهجوم من جانب إردوغان قد يكون مقدمة لموجة جديدة من التضييق على بعض الصحف والقنوات التليفزيونية وفتح تحقيقات أو القيام بحملة توقيفات ضد كتاب وصحافيين وفنانين ومثقفين في الأيام المقبلة، على غرار الحملات التي تعرضت لها من قبل صحف وقنوات وكتاب معارضون لإردوغان اتهموا بالتورط في دعم الإرهاب ومحاولة الانقلاب الفاشلة.
في المقابل، أثنى إردوغان على موقف أحزاب المعارضة التركية على خلفية ما حدث في مناورات الناتو بالنرويج، ووصفها بالإيجابية. وسحبت تركيا، يوم الجمعة الماضي عناصر قواتها من مناورات لحلف شمال الأطلسي في النرويج، في يومها الأخير بسبب حادثتين منفصلتين وقعتا خلال المناورات.
تمثلت الأولى في قيام أحد أفراد الطاقم الفني التابع للمركز العسكري المشترك بالنرويج، المشرف على تصميم نماذج المحاكاة للسيرة الذاتية لقادة العدو، بوضع تمثال لأتاتورك ضمن السيرة الذاتية لأحد قادة الأعداء المفترضين. وتمثّلت الثانية في فتح أحد الموظفين المدنيين المتعاقدين مع الجيش النرويجي، أثناء دروس المحاكاة، حسابًا باسم «رجب طيب إردوغان» في برنامج محادثة، لاستخدامه في التدريب على إقامة علاقات مع قادة دول عدوة والتعاون معها.
وقال إردوغان أمس إن ما حدث في المناورات لا يستهدف شخصه أو مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك فحسب، وإن وضع صورهما على لوحات التدريب على الرماية لا يستهدفهما بل يستهدف الأمة التركية.
وقدم كل من أمين عام الناتو ينس ستولتنبرغ، ووزير الدفاع النرويجي فرانك باك ينسن، وقائد المركز العسكري المشترك في النرويج، أندرزج ريودويتز، اعتذارات لتركيا، على خلفية الواقعة، ووعود بمحاسبة المتورطين.
ورفض إردوغان، مساء أول من أمس السبت، الاعتذار الذي قدمه ستولتنبرغ، وقال في خطاب جماهيري في ولاية ريزة شمال شرقي البلاد: «رأيتم التصرف المسيء في مناورات الناتو، هناك أخطاء لا يرتكبها الحمقى (...)». واعتبر الرئيس التركي أن «هذا التصرف المسيء لا يمكن العفو عنه بهذه السهولة»، قائلا إن «هذه المسألة لا يمكن التغاضي عنها بمجرد اعتذار».
وقدم ستولتنبرغ اعتذراً رسمياً خلال اتصال هاتفي أجراه مع إردوغان، بحسب ما أعلنت الرئاسة التركية التي ذكرت أنه أكد لإردوغان إطلاق تحقيق في الواقعة، وتسريح موظف نرويجي متعاقد متورط في الحادثة وشدد على أن تركيا حليف مهم بالنسبة لـ«الناتو»، وأنه سيتم اتخاذ جميع التدابير لضمان عدم تكرار الحادثة، معرباً عن أمله في ألَّا تؤثر على علاقات تركيا مع الحلف.
وقال إردوغان إن انتخابات عام 2019 (الرئاسية والبرلمانية) ستكون نقطة تحول مهمة في كفاح تركيا لأجل الاستقلال والمستقبل، وستكون تركيا بعد تجاوزها أقوى وأسرع نحو تحقيق أهدافها المنشودة.
في سياق آخر، فتح مكتب المدعي العام في إسطنبول تحقيقا بخصوص توجيه ممثلي ادعاء أميركيين اتهامات لتاجر الذهب التركي من أصل إيراني رضا ضراب الذي يواجه محاكمة في نيويورك بتهمة التحايل لانتهاك العقوبات على إيران.
ويحقق الادعاء التركي بشأن ممثل الادعاء الأميركي السابق بريت بهارارا ونائب ممثل الادعاء جون إتش. كيم بعد مزاعم بأن قضيتهما تستند إلى وثائق تقول تركيا إنها ملفقة.
وجاء تحرك النيابة العامة في إسطنبول بعدما ذكر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أول أمس، أن القضية الأميركية استندت إلى وثائق لفّقها أتباع فتح الله غولن الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب العام الماضي، واصفا بهارارا بأنه «مقرب جدا» من حركة الخدمة التابعة لغولن.
ورد بهارارا على تصريحات جاويش أوغلو في تغريدة على «تويتر» اتهمه فيها بالكذب قائلا إن «وزير خارجية تركيا كاذب.. الآن دعونا نرى ما سيحدث في المحكمة».
وتسببت قضية ضراب، الذي كان المتهم الأبرز في تحقيقات حول قضايا فساد ورشوة ضخمة جرت في تركيا في نهاية العام 2013 واستقال على أثرها 4 وزراء في حكومة إردوغان الذي كان رئيسا للوزراء في ذلك الوقت وأمر بإغلاق التحقيقات معتبرا أنها كانت محاولة من جانب حركة غولن للإطاحة بحكومته، إلى توتر في العلاقات المضطربة بالأساس بين أنقرة وواشنطن.
ووجه الادعاء اتهامات لضراب وشركائه، ومنهم المدير التنفيذي لبنك خلق الحكومة التركي محمد أتيلا، بالتآمر لإجراء تحويلات مالية بمئات الملايين من الدولارات لمساعدة الحكومة الإيرانية أو كيانات إيرانية أخرى للإفلات من العقوبات الأميركية في الفترة من العام 2010 إلى العام 2015 وينفي ضراب، الذي من المقرر أن يمثل أمام المحكمة في نيويورك يوم 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري الاتهامات.
وكان الادعاء العام في تحقيقات فضيحة الفساد والرشوة في تركيا في 2013، وجه الاتهام لضراب ومسؤولين كبار في الحكومة وبنك خلق ورجال أعمال مقربين لإردوغان، بالتورط في تسهيل تحويل أموال إيرانية عبر تهريب الذهب إلى تركيا.
وأقالت الحكومة التركية بعد ذلك، أو نقلت، جميع رجال الأمن ومدعي العموم الذين شاركوا في هذه التحقيقات التي اعتبرت من جانب إردوغان مؤامرة على حكومته. ووصف نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية، بكير بوزداغ، القضية المنظورة ضد ضراب في الولايات المتحدة بأنها لا أساس لها وذات دوافع سياسية.
وقال أمام تجمع جماهيري في ولاية اديامان، جنوب شرقي البلاد، أمس الأحد إن القضية كانت جزءا من عملية مناهضة لتركيا دبرتها حركة غولن، التي دبرت لاحقا الانقلاب المدمر الذي هزم في تركيا العام الماضي.
وأضاف أن هذا هو ما حاولت حركة غولن تحقيقه خلال محاولة الانقلاب القضائي التي جرت في الفترة من 17 إلى 25 ديسمبر (كانون الأول) عام 2013. لكنها فشلت، وتقوم حاليا بمحاولة أخرى ضد تركيا في الولايات المتحدة.
في سياق آخر، قلل نائب رئيس الوزراء التركي للشؤون الاقتصادية محمد شيمشك من احتمالات تأثير توجه الاتحاد الأوروبي إلى خصم جزء من المعونات المقدمة لتركيا في إطار مفاوضات العضوية على اقتصادها.
واعتبر شيمشك في مقابلة تلفزيونية أمس (الأحد) القرار الأوروبي، الذي أعلن مساء السبت، «لا يعني شيئا» قائلاً: «تأثير الخبر سيئ جداً، إلا أنه لا يعني شيئا».
وأشار إلى أن حصّة تركيا من الاقتصاد العالمي للعام 2018 ستبلغ 210 مليارات دولار على الأقل، أي نحو 180 مليار يورو، قائلاً، «الحديث يدور عن 105 ملايين يورو من المعونات الأوروبية».
ويقدم الاتحاد الأوروبي معونات مالية للدول المرشحة للانضمام إلى عضويته من أجل مساعدتها في تطبيق «معايير كوبنهاغن» وأعلن الاتحاد أول من أمس ميزانيته للعام 2018 التي كشفت عن خفض ملحوظ في التمويل المخصص لتركيا على خلفية الشكوك حيال التزامها بمسائل تخص مفاهيم الديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان.
وكانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قادت خلال حملتها الانتخابية مؤخرا المطالبة بخفض التمويل الذي يمنحه الاتحاد الأوروبي للدول التي تجري مفاوضات للانضمام إليه عقب حملة الاعتقالات الواسعة في تركيا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في يوليو (تموز) 2016.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.