ما بعد الرقة... وتغيير موازين الهيمنة {الداعشية}

ما بعد الرقة... وتغيير موازين الهيمنة {الداعشية}

الاثنين - 1 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 20 نوفمبر 2017 مـ رقم العدد [14237]
الرياض: نداء أبو علي
إن كان من الصعب اجتثاث الفكر المتطرف والتخلص من التنظيمات الإرهابية ذات الأذرع الخفية والخلايا النائمة المتناثرة في كل مكان فإن الظروف الحالية تشي ببداية ضعف تنظيم داعش وإمكانية هيمنة تنظيم آخر على الساحة وقد يكون تنظيم القاعدة الذي بدأ استعادة قوته في بعض المناطق... تعمق تورط «داعش» بحيثيات الساحة الدولية نتيجة تطهير الرقة من التنظيم واستحالة عودة أي «خلافة» لـ«داعش» بعد أن اندحرت عملياته وقتل ولاذ عدد كبير من أعضائه بالفرار بدءاً بالموصل وانتهاء بالرقة
يظل في الرقة عدد ضئيل من أعضاء التنظيم من الإرهابيين الأجانب ممن لا تتجاوز أعدادهم 300 شخص، ممن قرروا البقاء والمقاتلة حتى الموت إما لاعتقادهم بعدم وجود ملاذ آخر لهم، بعد تورطهم، أو لرغبة فعلية للقتال حتى آخر لحظة. ويقابل ذلك تفضيل عدد آخر من المقاتلين التوجه إلى مناطق أخرى أو العودة إلى أوطانهم. وحسب إحصائيات نشرتها صحيفة «غارديان»، فإن عدد القتلى المنتمين إلى تنظيم داعش وصل عددهم إلى 60 ألفاً منذ عام 2014، وهو العام الذي احتل فيه «داعش» الرقة، مما يحتم ضرورة تعويض حجم تلك الخسائر الناجمة عن انخفاض الأعداد وغياب مكان مركزي يعد معقلاً لهم. الأمر الذي تتلاشى بسببه فكرة الملاذ الآمن أو «يوتوبيا» الإرهابيين، التي استقطبت المتطرفين من كل حدب ومن مختلف الجنسيات والهويات إلى منطقة يمكنهم فيها تحقيق كل أحلامهم وطموحاتهم، مهما كانت تخريبية أو عدوانية.
تلك الفكرة التي كرّس لها التنظيم كل جهوده وإن تلاشت، فإن براغماتية التنظيم التي دفعته بأن يشرع بتغيير استراتيجياته منذ بدء سقوط المنطقة التي كرّس التنظيم رسالته الأولية لتنحصر بـ«إقامة خلافة» فيها، ليعلن فيما بعد أن «الخلافة» لا ترزح تحت عبء منطقة معينة، وهو أمر ليس بمستغرب بالأخص، وأن تنظيم داعش لم يكترث بتزيين مظهره أمام الآخرين ولم يضيّع وقته باختيار شخصيات تقنع الآخرين بالمنطق وبمسببات إنشاء التنظيم. وبقي العامل الجاذب الأكبر هو التحريض على تكفير الآخرين وقتلهم واستعراض مدى عنف أعضاء التنظيم وقدرتهم على شن هجمات كبيرة ومفاجئة، فيما استخدم تنظيم داعش في داخل المناطق التي استحوذ عليها وسائل التعسف وإثارة الرعب وفرض عقوبات قاسية عليهم، في محاولة للترهيب وإجبار المدنيين على الانضمام معهم في حالات كثيرة، وفي حالات أخرى استخدام المدنيين كمصيدة أو من أجل الوقاية من الهجمات التي يتعرض لها التنظيم. وفي الآونة الأخيرة بلغ اليأس بالتنظيم الحد الذي شرعوا فيه إلى استهداف تجمعات النازحين والمدنيين الفارين في أكثر من مكان، كريف دير الزور وريف الحسكة، وذلك في محاولة لحصد أكبر قدر من الضحايا. وقد خلف التنظيم دماراً كبيراً في الرقة، الأمر الذي يحتم ضرورة إعادة بناء الرقة التي وقد أصبحت إلى حد كبير غير مؤهلة للمعيشة، من أجل حمايتها من أن يملأ الفراغ الذي تركته «داعش» تنظيم آخر بممارسات فاشية شبيهة، خصوصاً أن سوريا ككل لا تزال تعاني من التأزم السياسي الراهن.
إلا أن قوات سوريا الديمقراطية المؤلفة من فصائل كردية وعربية مسلحة تكونت في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 بمحافظة الحسكة بدعم من التحالف الدولي، بهدف محاربة تنظيم داعش، تمكنت جاهدةً من تحقيق هذا الهدف، وإعادة مئات المدنيين إلى حي مشلب في الرقة، مما يعكس مرحلة جديدة تشمل إعادة تأهيل المدينة بعد تطهيرها من المتطرفين، وإن كانت لا تزال تحوي عدداً كبيراً من الألغام، وحسب تصريحات لجنة إعادة الإعمار في مجلس الرقة فقد شرعت الجهات المسؤولة بإزالة الأنقاض، ويتبع ذلك عملية فتح الطرقات، إلا أن الأمر الأهم هو كيفية ملاحقة تنظيم داعش الذي نزح إلى منطقة البوكمال فشرعت القوات الروسية باستهدافه، ويتزامن ذلك مع طرد تنظيم داعش في العراق من آخر معاقله بعد معركة «القائم» ليعكس ذلك تضافر الجهود الدولية من أجل تطهير المنطقة من الإرهابيين والخلايا النائمة والحد من قدرة التنظيم على شن هجمات إرهابية. وهو أمر يظهره جزم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتأكيده أن «نهاية (داعش) باتت وشيكة بعد سقوط الرقة السورية» وهو رأي واقعي مبني على شواهد واضحة. ويتضح من التحركات الداعشية أن أنشطته استحالت إلى ما هو أشبه بحرب للعصابات، بالأخص نتيجة فرار عدد كبير من أعضاء التنظيم بعد تضييق الخناق عليه نحو المناطق الحدودية الصحراوية، مما يسهل عليهم التخفي والقيام بعمليات عشوائية نتيجة صعوبة وغلظة التضاريس.
ويؤيد هذه الرؤية تصريح المتحدث باسم التحالف الدولي الكولونيل الأميركي رايان ديلون: «نتوقع منه الآن أن يحاولوا الفرار لكننا ندرك ذلك وسنفعل كل ما بوسعنا للقضاء على قادة (داعش)».
وتوقع المتحدث باسم التحالف استمرار مطاردة «داعش» فيما وصفها بالمناطق الصغيرة: «نراهم يفرون إلى الصحراء ويختبئون هناك في محاولة للتحول من جديد إلى جماعة متمردة إرهابية»، فيما نفى تلاشي تنظيم داعش في الآونة القريبة: «لن تهزم فكرة الخلافة الافتراضية على المدى القريب. سيظل تهديد الدولة قائماً»، وذلك أمر بديهي وقد شرع التنظيم بالتركيز على الإرهاب العالمي ومحاولة التأثير على الساحة الإلكترونية، وذلك على الرغم من خفوت الطرق الدعائية التي يتم عبرها الاستقطاب نتيجة تشديد الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن التنظيم لا يزال يتواصل مع أعضائه ومناصريه عبر برامج مثل «تيليغرام»، فيما لا تزال وكالة «الأعماق» الذراع الإعلامية للتنظيم ومطبوعات الرواية تستقطب مشاهدين ومؤيدين للتطرف بشكلٍ عام أو التنظيم على وجه الخصوص. وقد لاقت تهديدات تنظيم داعش بتنفيذ هجمات في روسيا أثناء استضافتها لكأس العالم المقبل رواجاً وردود فعل كثيرة. فالأمر الذي يصعب التخلص منه بشكلٍ تام هو تأليب أو تحريض مؤيدي التطرف أو «الخلايا النائمة» في الدول المختلفة على القيام بهجمات إرهابية، إذ يسهل استمرار التأثير على المتعاطفين مع المتطرفين في حال استمرت القدرة على التواصل مع الآخرين وممارسة حملات إعلامية ترويجية تخريبية سواء على الساحة الإلكترونية أو في أماكن تجمعات الأقليات، وبالأخص أولئك ممن يشعرون بالتهميش مما قد يمدهم بمسببات لكراهية العالم أو الاقتناع بالفكر الإرهابي، حيث يتم تحفيز الآخرين على الكراهية وإلغاء الآخر من خلال القتل والتدمير، الأمر الذي يمعن في جذب المتطرفين ممن يمتلكون أمراضاً نفسية تعزلهم عن العالم الخارجي وتجردهم من التعاطف مع الآخرين. وذلك هو التوجه الذي يركز تنظيم داعش عليه من أجل تعويض إخفاقاته الأخرى، من خلال تحفيز المتأثرين بالتنظيم والمتابعين لأنشطتهم على القيام بعمليات إرهابية منفصلة كالذئاب المنفردة، من أجل التسبب بإرباك عالمي والتقاط الهالة الإعلامية المكتسبة من هذه الهجمات حتى وإن كانت تؤثر فقط بالتنظيم. كما حدث مع منفذ هجوم مانهاتن نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، سيف الله سايبوف، الذي ارتكب حادثة الدهس بشاحنة مما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص. إذ ذكر أنه اتبع إرشادات «داعش» في كيفية تنفيذ مثل هذه الهجمات، كما ترك رسالة بخط يده في موقع الحادث ذكر فيها أن «(داعش) سيظل إلى الأبد».
من جهةٍ أخرى، ظهرت في الآونة الأخيرة عودة صراع القوة ومحاولة تنظيم القاعدة للنهوض مرة أخرى والسيطرة على التحالفات مع الجماعات الأخرى. فعلى الرغم من الهيمنة الأخيرة لتنظيم داعش التي مكنت من خلالها التحالف مع جماعات مثل جماعة «بوكو حرام» وجماعة «أبو سياف» ومحاولات ضعيفة للوجود في اليمن، فإن فقدانها لوهجها في الآونة الأخيرة بدأ بتهديد هيمنتها على الساحة لا سيما أن مبلغ شراستها هو المحفز الأولي لتحالفات الجماعات الأخرى معها، ويتجلى ذلك بشكلٍ واضح في شمال أفريقيا مثل ليبيا والصومال ومصر تحديداً، إذ ارتبطت أخيرا جماعة «أنصار الإسلام» ومجموعة عشماوي في سيناء بمصر بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ليتم تأسيس جماعة «أنصار الدين»، إثر الانهيار الداعشي، وقد تسببت جماعة أنصار الدين بمذبحة الواحات في 21 أكتوبر 2017 مما نجم عنه مقتل 16 ضابطاً وجندياً. الأمر الذي يشي بظهور إعادة تشكيل وتحالفات جديدة ما بين التنظيمات المتطرفة. وقد حدث ذلك من قبل مع تنظيم القاعدة، عندما توقفت الميليشيات والجماعات الإرهابية من الالتفاف حوله نتيجة الانبهار الجديد بتنظيم داعش من قبل، على الرغم من أن «القاعدة» اعتبرت من أهم التنظيمات في ذلك الوقت وبقي عدد من الجماعات الأخرى يظهر الولاء لها كما ظلت مسيطرة على عدة مناطق في اليمن على سبيل المثال.
وسيظل بإمكان تنظيم داعش التباهي أمام التنظيمات الأخرى بالخبرة المكتسبة لدى أعضائه في «خلافته المزعومة»، التي كانت ذات يوم ملاذاً لجميع المتطرفين، وحلماً يتحقق لهم،مما جعلهم متميزين عن أعضاء التنظيمات الأخرى.
وقد يحاولون إيقاظ تلك الفكرة، مرة أخرى، إن أتيحت لهم فرصة إيجاد منطقة أخرى تتم السيطرة عليها. وإن كان احتمال ظهور تنظيم آخر جديد يستغل الضعف الراهن للتنظيمات الحالية إثر تركيز التحالف الدولي عليها هو أقرب للحدوث. إذ إن لكل تنظيم مرحلة حياتية تنقضي وتتيح لتنظيم آخر التقاط ذات الوهج والاحتفاء به لفترة معينة.
سوريا داعش

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة