الصحف الورقية في العالم العربي... إما التجدد أو الاندثار

خسرت معركة السرعة أمام الوسائط الإلكترونية وحظوظها تكمن بالتخصص والتعمق

رغم معاناة الصحف الورقية إلا أن الجرائد اليومية لا تزال جزءاً لا يتجزأ من يوميات شريحة كبيرة من العرب
رغم معاناة الصحف الورقية إلا أن الجرائد اليومية لا تزال جزءاً لا يتجزأ من يوميات شريحة كبيرة من العرب
TT

الصحف الورقية في العالم العربي... إما التجدد أو الاندثار

رغم معاناة الصحف الورقية إلا أن الجرائد اليومية لا تزال جزءاً لا يتجزأ من يوميات شريحة كبيرة من العرب
رغم معاناة الصحف الورقية إلا أن الجرائد اليومية لا تزال جزءاً لا يتجزأ من يوميات شريحة كبيرة من العرب

«نيويورك تايمز» واكبت التقدم التكنولوجي بموقعها، لكنها اختارت الحفاظ على نسختها الورقية التي لا يزال يقرأها الملايين حول العالم. «لن نتخلى عن طبعتنا الورقية في المستقبل القريب، إلا أنني أستطيع تخيل (نيويورك تايمز) إلكترونية يوماً ما» كلمات هادئة وواثقة قالها رونالد كابوتو نائب رئيس قسم الخدمات الورقية لدى الصحيفة لـ«الشرق الأوسط» في يوليو (تموز) الماضي. لم يقلق كابوتو على «التايمز» الورقية، فهي صحيفة دولية يتسابق المارة على شرائها من الأكشاك أينما كانوا. إلا أنه حذر من انقراض الصحف المحلية في أميركا. أكد لنا خلال حديثه أن العديد منها تصارع البقاء والآخر أسدلت الستار على نسخها. ظاهرة دفعتنا لدراسة الوضع في العالم العربي والتركيز على السعودية، ومصر، ولبنان. دول عربية بتاريخ صحافي عريق ومهد لأبرز المطبوعات الورقية التي لا تزال أهمها مستمرة رغم المصاعب.
تحديات اختلفت من دولة إلى أخرى، لكن يبدو أن ثمة اتفاقاً على أن الصحافة المطبوعة لن تختفي في المستقبل القريب رغم التحديات، لكن لكي تبقى حظوظها المحدودة، عليها أن تطور أداءها ليصبح أكثر ميلاً للعمق والتخصص بعدما خسرت في معركة السرعة أمام الوسائط الإلكترونية.
صحف مصر تصارع كابوس الاختفاء
لم يشفع تاريخ الصحافة الورقية المصرية العريق، الذي يزيد على مائتي عام، في وقف تراجع التأثير ونسب التوزيع والإعلانات. وفي أحدث دلالة على التراجع المطرد للصحافة الورقية، أفاد جهاز الإحصاء الحكومي بأنه تم إغلاق نحو 50 في المائة من الصحف المحافظة على الصدور خلال 5 سنوات فقط، بالإضافة إلى تراجع توزيع الصحف من 2.5 مليون نسخة يومياً، إلى 400 ألف نسخة في 2017، وفقاً لتقديرات خبراء التوزيع. ورغم مناشدات الخبراء والمراقبين المتكررة لبحث أسباب الأزمة ومعالجتها لعدم تكرار سيناريو إغلاق صحف «البديل»، و«التحرير»، و«الأحرار»، و«الطريق»، و«الكرامة»، و«الجيل»، وغيرها من الصحف اليومية والأسبوعية، فإن الهيئات الحكومية المسؤولة عن مستقبل الصحافة في مصر، لا تبدي اهتماماً بالأزمة حتى الآن، بحسب وصف المراقبين.
ويبدو أن ثمة اتفاقاً بين الخبراء المتخصصين على أن الصحافة المطبوعة في مصر ستحافظ على وجود محدود ورمزي، وستواصل التراجع كمياً مع زيادة التعرض للوسائط الإلكترونية، ولكي تبقى حظوظها المحدودة، عليها أن تطور أداءها ليصبح أكثر ميلاً للعمق والتخصص.
يقدر مجدي الحفناوي، مدير توزيع جريدة «المصري اليوم»، توزيع جميع الصحف المصرية (اليومية والأسبوعية) حالياً، بـ400 ألف نسخة فقط، رغم تخطي صحيفته وحدها هذا الرقم إبان انتفاضة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.
وأضاف الحفناوي لـ«الشرق الأوسط»: «توقعت في العام الماضي أن ينخفض توزيع الصحف اليومية التي قامت برفع أسعارها إلى 3 جنيهات بنسبة 30 في المائة، لكن توزيعها انخفض بنسبة 50 في المائة، وهذه حقيقة مفزعة جداً، وكابوس يُداهم الصحافة المصرية الورقية العريقة التي تنهار لصالح الصحافة الرقمية».
ولفت الحفناوي إلى أن «الصحافة الرقمية في مصر ليست مستعدة حالياً لتعويض الصحافة الورقية بسبب ضعف العائد المادي، وعدم قدرتها على استيعاب كل العاملين في الصحافة الورقية بداية من عمال المطابع وحتى رؤساء التحرير». وقدر الحفناوي عدد العاملين في مجال الصحافة في مصر بنحو 75 ألف فرد.
وأدت الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011، إلى إغلاق صحف يومية وأسبوعية، وتسريح عدد كبير من الصحافيين، بعد عزوف آلاف المواطنين عن شراء الصحف لارتفاع أسعارها بنسبة 100 في المائة خلال 5 سنوات، بالتوازي مع زيادة أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، خصوصاً بعد تحرير سعر صرف الجنيه المصري.
وكانت صحيفة «البديل» (يومية خاصة)، أعلنت في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، التوقف عن الصدور نهائياً، بسبب الأزمات المالية. وفي العام نفسه، أعلنت صحيفة «التحرير»، التوقف عن الصدور اليومي والاكتفاء بعدد أسبوعي يصدر كل يوم ثلاثاء. وأرجعت سبب الإغلاق في بيان إلى انصراف أغلب قطاعات المجتمع عن قراءة الصحف المطبوعة، خصوصاً الشباب، واتجاههم إلى الحصول على معلوماتهم من الصحافة الإلكترونية. وفي نهاية عام 2013، تحولت صحيفة «المصريون» من النسخة اليومية إلى الأسبوعية.
واعتبر صلاح عيسى الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة سابقاً، أن «أزمات الصحف المصرية حالياً مرتبطة بالركود الاقتصادي». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «طلبنا من ملاك الصحف اليومية معالجة الأزمة من خلال تخفيض عدد الصفحات وتقليل الألوان، دون اللجوء إلى تسريح العاملين أو رفع سعر الصحف، وبالفعل استجابت بعض الصحف اليومية لذلك، مثل (الوطن)، و(الشروق)، و(المصري اليوم)، وحتى المؤسسات القومية استجابت لهذه النصائح وخفضت عدد الصفحات والألوان».
وتابع عيسى: «سجلات المجلس الأعلى للصحافة يوجد بها عدد كبير من الصحف الحاصلة على تراخيص بالصدور، لكنها تعتبر أرقاماً وهمية، فهي لا تصدر بانتظام لعدم وجود تمويل أو إعلانات، فعدد تراخيص الصحف الحزبية في مصر 8 صحف، لا يصدر منها إلا صحيفتان فقط».
وأشار عيسى إلى قرار المجلس في مارس (آذار) الماضي بإيقاف ترخيص جريدة «البديل» الورقية وعدد من الصحف غير المعروفة التابعة لأندية وجمعيات، لتوقفها عن الصدور بانتظام بسبب الأزمات المادية، موضحاً أن «الأزمات التي تعاني منها الصحف المصرية لا تنطبق على الصحف الخليجية، لأن مستوى المعيشة بالدول التي تصدر منها مرتفع ولا تعاني من أزمات اقتصادية».
ويبلغ عدد الصحف اليومية المصرية حالياً 23 صحيفة؛ منها 9 صحف قومية، و13 خاصة، وواحدة حزبية هي جريدة «الوفد»، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الذي أفاد في شهر مايو (أيار) الماضي، في تقرير أصدره لمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، بأن عدد الصحف اليومية والأسبوعية والشهرية في مصر كان قد بلغ 75 صحيفة، منها 3 صحف حزبية عام 2015، مقابل 80 صحيفة عامة منها 8 صحف حزبية عام 2014، بانخفاض بلغت نسبته 6 في المائة.
الأرقام السابقة تعطي مؤشراً سلبياً عن حالة الصحافة المطبوعة في مصر، إذا قورنت ببيان الجهاز الحكومي نفسه عام 2012، حيث أفاد بأن عدد الصحف المصرية آنذاك بلغ 142 صحيفة في عام 2010، فيما بلغ عدد الصحف الحزبية في العام نفسه أيضاً 23 صحيفة، لا يصدر منها الآن سوى صحيفتين «الوفد» و«الأهالي»، وفقاً لرئيس المجلس الأعلى للصحافة سابقاً.
وأفاد بيان «الإحصاء» لعام 2012 أيضاً، بأن عدد النسخ الموزعة محلياً بلغ 917.9 مليون نسخة عام 2010 بمتوسط 2.5 مليون نسخة يومياً، لكنها هبطت إلى 560.7 مليون نسخة في عام 2015. بمتوسط نحو مليون ونصف المليون نسخة، ويقدر الخبراء نسب التوزيع الحالية بـ400 ألف نسخة فقط لكل الصحف المصرية يومياً.
الأرقام الحكومية السابقة التي تؤكد تراجع نسب التوزيع حالياً، وارتفاع نسب إغلاق الصحف تعضدها أرقام رسمية أخرى سلبية صادرة من «الهيئة الوطنية للصحافة»، (المسؤولة عن إدارة المؤسسات الصحافية القومية) على لسان رئيسها كرم جبر، الذي أكد في تصريحات تلفزيونية أن ديون الصحف القومية وصلت إلى 19 مليار جنيه (الدولار الأميركي يعادل 17.7 جنيه مصري) في مؤشر غير مبشر للخروج من الأزمة.
وقال الكاتب الصحافي والمدرب الإعلامي خالد البرماوي لـ«الشرق الأوسط»: «صناعة الصحف في مصر، كانت تحقق عائدات سنوية تبلغ قيمتها نحو نصف مليار جنيه من التوزيع فقط قبل 5 سنوات، لكن انخفاض حجم التوزيع والإعلانات حالياً بنسبة 50 في المائة يعطي مؤشراً على اقتراب نهاية أجل الصحافة الورقية في مصر».
وأضاف البرماوي: «بالهند توجد تجربة ناجحة في زيادة توزيع الصحف بنسبة 8 في المائة سنوياً، واعتمدت تلك التجربة الفريدة على التعاون والشراكة بين المؤسسات الصحافية تحت شعار المصلحة».
وقال الناشر هشام قاسم لـ«الشرق الأوسط»: «لا أعتقد أن الصحف المصرية الحالية ستستمر طويلاً، سنرى بلا شك كيانات جديدة مدمجة ومنفردة، فالمؤسسات القومية ليس لها مستقبل بوضعها المالي الحالي في ظل توجهات الحكومة الحالية برفع الدعم عن المؤسسات العامة».
وأضاف قاسم: «من علامات تراجع الصحف الورقية في مصر الآن تشابه أو تطابق المانشيتات اليومية»، مشيراً إلى أن «تدخلات بعض أجهزة الدولة في المحتوى الصحافي وفرض مانشيت معين، تسبب ذلك في تراجع دور الصحافة المطبوعة في مصر».
وعن غياب تأثير الصحف يقول قاسم: «معظم مانشيتات الصحف أصبحت موحدة، ولا تتسم بالجرأة، وموضوعاتها الداخلية ليست طازجة وتعاني السطحية، ولا تقدم للقارئ خدمات أو معلومات جديدة، وإن أرادت الحفاظ على ما تبقى لها من تأثير محدود يجب أن تتجه إلى العمق والتجديد».
إجراءات محدودة لإطالة أمد بقاء الورق في السعودية
رغم كثرة التكهنات بأن الصحافة الورقية في السعودية تلفظ أنفاسها الأخيرة، فإن المتابع للمشهد الإعلامي السعودي يلمس انتعاش الحراك المهني للصحافة ومواكبة عدة صحف لمعطيات العصر الإعلامي الجديد، وهو ما مثل طوق نجاة لبعض الصحف التي عمدت إلى تطوير نهجها بما ينسجم مع متطلبات المتلقي المعاصر.
إلى ذلك، ذكر الدكتور فهد آل عقران رئيس تحرير صحيفة «المدينة» السعودية، أن الصحافة الورقية في السعودية صامدة، لكنها تعاني. وقال: «لدينا نحو 10 مؤسسات، والصحف الورقية تمثل جزءاً منها، لكن لهذه المؤسسات منصات إعلامية أخرى»، مشيراً إلى أن الصحافة السعودية بحاجة إلى دعم حقيقي وإعادة النظر فيها.
وأضاف آل عقران لـ«الشرق الأوسط»، أن الصحافة الورقية هي منبع الإعلاميين، والصحافيون هم المتسيدون للمشهد الإعلامي، إن كان في شبكات التواصل الاجتماعي أو التلفزيون أو غير ذلك، لافتاً إلى أن رأسمال الصحف السعودية يقارب مليار ريال (260 مليون دولار)، وتضم بين 3.5 آلاف و4 آلاف عامل، ما بين صحافي ومصور وعمال مطابع وغيرهم، وهذه الصناعة بحاجة إلى تطوير ودعم لأنها القوة الحقيقية.
أما الدكتور فهد العسكر أستاذ الإعلام والصحافة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، فاعتبر أن الصحف السعودية ليست بمنأى عما يحدث في الصحافة عالمياً، وعليها أن توجد حلولاً جذرية كي لا تواجه المصير القاسي الذي عصف بالصحافة الورقية عالمياً، سواء كانت هذه الحلول من قبل المؤسسات نفسها أو من الدولة.
واعتبر العسكر أن كل الذي تعمله الصحف السعودية الآن إجراءات محدودة، تسعى من خلالها إلى إطالة أمد البقاء وليس استدامته.
وأشار إلى أن الصحف تتباين في قدرتها على الصمود تبعاً لقوة بنيتها، سواء المهنية أو الاقتصادية، بمعنى أن الصحف التي لديها قاعدة اقتصادية جيدة ووفرت من أرباح سابقة، فهذه هي الأكثر قدرة على الصمود، على الأقل حتى يمكنها تدبير حلول جذرية تساعدها في تعزيز استدامتها، وذلك بعكس الصحف التي كانت طوال تاريخها تعاني من ضائقة مالية.
من جهته، يعتقد الدكتور خالد الحلوة أستاذ الإعلام في جامعة الملك سعود، أن الصحف السعودية صامدة الآن، لكن إن لم يكن لديها بديل رقمي واشتراكات رقمية ولم توجد حلولاً مستقبلية، فسيقل مدخولها من الإعلان ولن تصمد طويلاً. وتابع: «الصحف السعودية تحاول الآن تغطية هذا النقص، وبعضها قلل حجم الورق، فإحدى الصحف كانت تضم 50 صفحة والآن تصدر 28 صفحة باليوم فقط، وهذه تغطية مؤقتة للنقص، لكن ماذا سيحدث على المدى الطويل؟».
لبنان يخطط لإعادة ابتكار جرائده
البعض اعتبرها «مغامرة» وبعض آخر رأى فيها تهورا، ووصف الصحافي وناشر جريدة «السفير» طلال سلمان المشروع بـ«الشجاع» قائلاً إن إصدار جريدة ورقية جديدة، في هذا الوقت، يكاد يكون «مهمة انتحارية».
الكلام هو عن صحيفة «الاتحاد» اللبنانية، اليومية، التي تصدر في وقت حرج، تعاني فيه كل الصحف الورقية الموجودة، وبعضها له تاريخ عريق، من عجز في التمويل وتعيش غالبيتها نزعها الأخير وهي تسرّح عشرات الصحافيين المحترفين.
لبنان الذي كان رائد الصحافة في المنطقة منذ القرن التاسع عشر، حيث أصدر في عام 1870 وحده سبع جرائد ومجلات، يكاد يودع اليوم عهد الصحافة الورقية.
ويقول رئيس تحرير الاتحاد مصطفى ناصر إن الإعلانات لم تنخفض كما يشاع وإن الأمل لا يزال ممكناً، بترشيد المصاريف.
وصفة يعتبر خبير في مجال الإعلان أنها تستحق الاهتمام «لأن المشكلة في المضمون، وليس في غياب القارئ، وما يموت اليوم هي الصحافة الورقية وليست الصحافة المكتوبة، لأن المواقع أمامها فرصة كبيرة. أما القول إن الإعلانات لم تنخفض؛ فهذا كلام لا يصمد أمام الوقائع. يكفي أن نفتح أي جريدة ورقية في لبنان لنتأكد من قلة الإعلانات، لا بل وندرتها أحيانا».
ويقول جورج جبور رئيس «نقابة الإعلان» في لبنان: «الإعلانات في الصحف انخفضت في السنتين الأخيرتين بنسبة 30 في المائة. وفي شركتي (إم سي إن) مثلاً انخفضت النسبة إلى 38 في المائة».
يعزو جبور الأمر إلى أسباب عدة، منها الوضع الاقتصادي السيئ الذي يجعل الميزانيات المخصصة للإعلانات أقل من السابق، ثم تعدد الوسائط التي تتوزع عليها الميزانيات، حيث هناك الإعلانات على الطرقات، المواقع الاجتماعية التي باتت تنتزع حصة كبرى، والمواقع الصحافية الإخبارية، وهذه تعيش بتمويلات صغيرة، وغالبيتها لا تفعل سوى نقل الخبر الذي يصل إلينا بالرسائل النصية أو نسمعها في نشرات الأخبار، كما أن كثيراً منها تنقل عن الورقي.
فيما لم يكن ممكناً لجريدة «النهار» مثلاً أن تنقل مقالة أو موضوعاً سياسياً عن «السفير»، ويتقبل القارئ الأمر.
هناك اليوم ما يقارب 11 صحيفة يومية لبنانية، بعد أن أغلقت «السفير» أبوابها، بينها صحيفة فرنسية وأخرى إنجليزية والباقي باللغة العربية، وغالبيتها موظفوها مهددون بالتسريح أو هم لا يتقاضون رواتبهم بانتظام، وهناك من خُفّضت أجورهم.
تتضارب الأرقام حول عدد النسخ التي تطبعها الصحف اللبنانية مجتمعة، لكنها تتراوح بحسب التقديرات بين 35 ألف نسخة و50 ألف نسخة في أحسن الأحوال، لا يُباع منها مع الاشتراكات والمسايرات، والمساعدات غير المباشرة أكثر من 10 آلاف نسخة. هذا لا يكفي لإعالة المطبوعات، التي تحتاج في هذه الحالة إلى الإعلان أكثر من أي وقت مضى. لكن الصحف ليست مغرية للمعلنين، إذ إن الحصة الكبرى من إعلاناتهم تذهب في الدرجة الأولى إلى التلفزيون، ومن ثم الإعلانات على الطرقات، ويتلوها في الدرجة الثالثة الإعلام الرقمي وتحل الصحف في المرتبة الرابعة لتتبعها خامسة الإذاعات وسادسة السينما.
أما والحالة مزرية إلى هذا الحد، فإن عدداً كبيراً جداً من الصحافيين المخضرمين في لبنان باتوا بلا عمل كلياً، أو ذهبوا إلى مهن موازية. وهو ما استفادت منه صحيفة «الاتحاد» التي قامت بتوظيف عدد من الطاقم المحترف لجريدة «السفير» وبه تعتبر أن نجاحها شبه مؤكد.
ولمزيد من التحدي، فإن الصحيفة بدأت بالنسخة الورقية، وتستمر هكذا شهراً كاملاً قبل أن تطلق موقعها الإلكتروني. لكن إلى حينه بمقدور قارئ الشبكة العنكبوتية أن يطلع على نسخة «بي دي إف»، وتراهن الصحيفة كما كتب رئيس تحريرها على أن الطلب على المكتوب موجود، معبراً عن ذلك بقوله في افتتاحية العدد الأول مخاطباً الناس: «نحن نكتب لأنكم تقرأون».
أما وقد غاب التمويل السياسي أو يكاد، وهو الذي عاشت الصحافة اللبنانية عصرها الذهبي في ظله، خصوصاً أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وكذلك تشتت أموال الإعلانات في وسائط مختلفة، فكيف لحياة سياسية أن تستقيم دون صحافة؟ وما المخارج، ما دام الفريق المهني موجوداً، ومع ذلك الجميع عالق في عنق الزجاجة.
ثلاثة عناصر يعتبر جورج جبور أنها باتت أساسية: علينا أن ندرك بأن «من هم تحت سنة 45 سنة، لن يقرأوا صحفاً ورقية أبداً، لذلك فإن فوضى الـ(ويب سايت) يجب أن تنتهي وأن يُصار إلى تنظيم عملها. فلا الصحف تقدم للشباب ما يهمهم، ولا التلفزيون ولا حتى المواقع؛ لذلك هم يذهبون لقراءة المواقع الأجنبية ومشاهدة محطات غير لبنانية».
أما الأمر الثاني هو أن المشروع الذي قدمه وزير الإعلام ملحم رياشي، لإنقاذ الصحافة اللبنانية المكتوبة ودعمها مالياً للانتقال إلى الإلكتروني، خلال سنتين، هو هدر للأموال و«كمن يرمي الماء في البحر. وهو يشبه ما تفعله الأنظمة الشيوعية حين تمنع دخول البضاعة الأجنبية، لكن المحلي مضروب وفاسد وغير صالح للتسويق»، يقول جبور: «أنا ضد الدعم لأنه تغطية لأخطاء؛ فمشروع الوزارة يدعم صاحب الجريدة الذي كان مدعوماً أصلاً، فماذا فعل وأين ذهب بالأموال؟ وأين سيذهب بالأموال التي ستُعطى له؟ نحن بحاجة لدعم محررين مهرة، بمقدورهم الإتيان بمضمون يجذب القارئ. وهو ما لن يتحقق».
أما الأمر الثالث الذي يلفت له جبور فهو الفشل الذريع الذي مُنيَت به باستمرار كل الوسائل الإعلامية الحزبية في لبنان، وهي التي حظيت دائماً بأموال سخية ومع ذلك لم تُقرَأ، والمحطات التلفزيونية المؤدلجة لم تُشاهَد، ولا يزال ما يعمل منها عالة على أصحابه. ويسوق مثلاً على ذلك، مطبوعات مثل «العمل»، و«المحرر»، و«الأنباء»، و«صوت الأحرار»، و«البناء».
ويستطرد بالقول: «اللبناني ذكي، ويريد إعلاماً موضوعياً، وهو ليس معتاداً على الإعلام الموجَّه». ويضيف: «على الصحافة المكتوبة أن تعيد اختراع نفسها بالشكل والمضمون، كما يحاول التلفزيون أن يعيد اختراع نفسه، وها هو ينجح في بعض الأحيان».
مشروع قانون لنقابة المحررين لدعم الصحف
عاملان أساسيان ساهما في تنشيط خطة تطوير قطاع الصحافة والإعلام في لبنان، يتمثلان في وصول وزير الإعلام ملحم الرياشي إلى الوزارة، ووجود نقابة محررين فاعلة، حققت، خلال نحو عام من انتخاب المجلس النقابي، كثيرا من الإنجازات؛ أبرزها المساهمة، مع وزارة الإعلام، في بلورة قانون جديد لنقابة المحررين، رفعته الحكومة اللبنانية في الصيف الماضي إلى البرلمان تمهيدا لإقراره.
القانون الجديد، في حال إقراره في البرلمان، يتيح للنقابة فتح باب الانتساب لكل العاملين في الحقل الإعلامي إليها؛ سواء العاملون في المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام المرئي والمسموع، أو الملحقون الإعلاميون في السفارات في حال توفرت شروط الانتساب لديهم، فضلاً عن أنه يوفر حصانة للإعلاميين، ويعزز التقديمات لهم.
ورغم أن إقرار هذا القانون يعد «إنجازا» لوزير الإعلام، إذا ما أضيف إلى سلسلة ورشات العمل لتطوير القطاع، فإن الوزير الرياشي يبدو متواضعاً في توصيف ما حققه، مكتفياً بالقول لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ورشة عمل كبيرة في الوزارة»، لكنه لم ينفِ «التعرض لمحاربات من أماكن متعددة لن أتحدث عنها إلا إذا أقفلت الأبواب بوجهي، وهي جزء من البيروقراطية والصراع السياسي في البلد».
ولعل «قانون المطبوعات»، أو ما عرف بـ«قانون نقابة المحررين»، من أبرز الإنجازات التي أريد لها أن تتطور لتصبح «نقابة معاصرة تشبه لبنان في 2020 و2030». ويوضح الرياشي: «هذا القانون معد ليشبه لبنان بشكله المعاصر. (نقابة المحررين) بالشكل القديم كانت محصورة بمحرري الصحف المطبوعة. اليوم ستضم جميع المحررين وكل الناشطين بالحقل الإعلامي كإعلاميين لأي وسيلة إعلامية»، لافتاً إلى أن دور النقابة «تأمين حقوق الإعلاميين وتوفير الحصانة النقابية لهم حماية لحقوقهم».
والقانون الجديد، يوفر تقديمات اجتماعية جديدة للمحررين، عبر صندوق تعاضد صحي ومهني، إلى جانب دور النقابة في الوقوف إلى جانب الصحافيين الذين يتعرضون للصرف التعسفي، حيث ستؤمن النقابة لهؤلاء مخصصات مالية لفترة معينة تكفي حاجتهم، بانتظار أن يجدوا فرصة عمل.
يتضمن القانون شقاً متعلقاً بمجلس تأديبي مثل نقابة الأطباء، وعليه؛ فلن يحاكم الصحافي في المحاكم المدنية، بل في محكمة النقابة في حال مخالفة المبادئ الأساسية للمهنة وشروط الانتساب. ويؤكد الرياشي أنه «في حال كان الصحافي محقاً في اختبار قانوني يتعرض له، فستقف النقابة إلى جانبه، أما إذا كان مخطئاً، فستأذن النقابة لملاحقته، مثل أي نقابة أخرى للمهن الحرة في لبنان مثل المحامين والمهندسين». ويشدد الرياشي على أنه «انتهى زمن يكون فيه نقيب المحررين نقيباً أبدياً. في القانون الجديد سيكون نقيباً لمدة ثلاث سنوات، ويجدد له لمرة واحدة فقط».
وإعداد القانون، ورفعه إلى البرلمان، يمثل جانبا أساسيا من خطة تطوير العمل الإعلامي التي لا يحبطها تراجع مبيعات الصحف الورقية ومشكلاتها الاقتصادية. ويُضاف إلى خطط أخرى لنقل لبنان إلى «خطة النشر الرقمي».
وهناك عدة اقتراحات على طاولة مجلس الوزراء لها علاقة بدعم الصحف ووسائل الإعلام عبر إعفائها من رسوم وضرائب جمركية حتى تستطيع الصمود بوجه الأزمة الاقتصادية. ويشير الرياشي إلى أن أبرز الاقتراحات لدعم الصحف، يتمثل في تقديم دعم حكومي لمدة سنتين، تستطيع خلالهما الانتقال إلى البث الرقمي، وبعدها، إذا قررت الصحف الورقية أن تواظب على النشر ورقياً، فإنها ستتكفل بتلك التكلفة، مشيراً إلى أنه من بين المساعدات المقترحة، تقديم 500 ليرة على كل عدد مبيع. لكن الرياشي لا ينفي أن هذه الاقتراحات «لا تزال محل تباين وانقسام في مجلس الوزراء»، وهو ما لا يعد مهمة سهلة حتى الآن.
هذه الإنجازات تُضاف إلى خطة الرياشي لتحويل وزارة الإعلام إلى وزارة للحوار والتواصل، ليقينه بأن «وزارة الإعلام لم تعد وزارة معاصرة تشبه حركة الإعلام والتكنولوجيا والعصر». ويرى أن «الدولة حتى تكون حاضرة في الإعلام، يجب أن يكون هناك إعلام حر لشعب حر ضمن مجلس وطني للإعلام يرعى شؤون هذه المؤسسات والقطاع الخاص»، لافتاً إلى أن مهمة التعاطي اليومي مع وسائل الإعلام بالشكل الذي كان سائداً، يجب أن توكل لمجلس وطني أعلى للإعلام.
ولا يعارض الرياشي بقاء القطاع الرسمي؛ «لكن يجب أن يكون للشعب اللبناني، وليس للرسميين فقط، وينقل صورة الدولة للمواطن، وينقل حاجة المواطن للدولة»، مؤكداً أن «هذا الدور أعتبره استراتيجيا عبر وزارة التواصل والحوار».


مقالات ذات صلة

لقاء سعودي يبحث تطوير الخطاب القانوني الإعلامي

يوميات الشرق النائب العام الدكتور خالد اليوسف مستقبلاً وزير الإعلام سلمان الدوسري (النيابة العامة)

لقاء سعودي يبحث تطوير الخطاب القانوني الإعلامي

بحث النائب العام السعودي الدكتور خالد اليوسف مع وزير الإعلام سلمان الدوسري، تطوير الخطاب القانوني الإعلامي، وتعزيز التنسيق في التعامل مع القضايا الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شعار شركة «سكاي» مضاءً على واجهة مبنى مقر الشركة في غرب لندن (رويترز)

صفقة تاريخية بـ2.1 مليار دولار... «سكاي» تستحوذ على قطاع البث بـ«آي تي في»

أبرمت شركة «سكاي»، المملوكة لمجموعة «كومكاست»، اتفاقاً تاريخياً للاستحواذ على القنوات التلفزيونية ومنصة البث الرقمي التابعة لشبكة «آي تي في» (ITV) البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا مدبولي أكد الأحد حرص حكومته على تنفيذ تكليفات الرئيس السيسي بشأن الإعلام (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

مصر لمراجعة أوضاع الإعلام عبر اجتماع سنوي

تتجه مصر لمراجعة أوضاع الإعلام عبر اجتماع سنوي، استناداً لتوجيهات رئاسية بفتح نقاش مستمر بشأن هذا الملف.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان (مجلس الوزراء المصري)

بعد 4 أشهر من تعيين رشوان... هيكلة مرتقبة لوزارة الإعلام المصرية

تستعد وزارة الدولة للإعلام في مصر لإجراء هيكلة تنظيمية مرتقبة، بتشكيل فريق عمل جديد يضم نحو 22 مساعداً ومستشاراً ومعاوناً ومنسقاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد مبنى شركة «كومكاست إن بي سي يونيفرسال» في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

«كومكاست» الأميركية تفصل «إن بي سي يونيفرسال» و«سكاي» في شركة مستقلة

أعلنت مجموعة الاتصالات والكابلات الأميركية العملاقة «كومكاست»، يوم الاثنين، عن خطة استراتيجية لـ«فصل» قطاعَي الإعلام والترفيه التابعَين لها.

«الشرق الأوسط» (باريس)

مقدمات نشرات الأخبار... نصوص تكشف هوية المحطة

الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
TT

مقدمات نشرات الأخبار... نصوص تكشف هوية المحطة

الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي
الإعلامي علي نور الدين يشبّه المقدمة الإخبارية بمانشيت صحافي

تُعدّ مقدمة النشرة الإخبارية في المحطات التلفزيونية اللبنانية مرآةً لهويتها السياسية؛ إذ تعكس توجهها التحريري وخطابها الإعلامي، وتشكل البصمة الأولى التي تميزها عن سواها. كما تكشف المقدمة موقف المحطة من أبرز أحداث اليوم قبل الانتقال إلى تفاصيلها.

وعادة ما يتولى رؤساء تحرير نشرات الأخبار كتابة هذه المقدمة، فتأتي في قالب مقال تلفزيوني مباشر يتضمن رأياً واضحاً أو موقفاً صريحاً من الأحداث. وفي أحيان أخرى تُحاك المقدمة بعناية من خلال انتقاء أحداث وربطها في سياق يخدم رؤية المحطة والرسالة التي ترغب في إيصالها إلى المشاهد. أما الأسلوب الثالث، وهو الأكثر صعوبة، فيرتكز على مقاربة موضوعية في اختيار الأحداث، بحيث تكون الأولوية لقيمتها الخبرية، بغض النظر عما إذا كانت تنسجم مع توجه المحطة أو تخدم مصلحتها.

ويعود تقليد مقدمات نشرات الأخبار في المحطات اللبنانية إلى سنوات الحرب الأهلية، حين لم تعد النشرة مجرد عرضٍ للأحداث، بل تحولت إلى منبر يعكس التوجه السياسي للمحطة وموقفها من التطورات الميدانية. وكان تلفزيون لبنان الرسمي من أوائل من اعتمد هذا الأسلوب؛ إذ كانت مقدمة النشرة تعبّر بوضوح عن موقف السلطة اللبنانية من الأحداث الجارية. ومع اشتداد الانقسامات السياسية، انعكس هذا الواقع على الشاشة نفسها، فبرز التباين بين نشرات مركزي المحطة في منطقتي تلة الخياط (بيروت الغربية) والحازمية (بيروت الشرقية). ولم يقتصر الاختلاف على طريقة عرض الأخبار، بل امتد إلى مقدمات النشرات، التي كانت تتحول أحياناً إلى سجال سياسي مباشر، يرد فيه رئيس تحرير أحد المركزين على الآخر بلغة نقدية لاذعة، في مشهد جسّد الانقسام الذي كان يعيشه لبنان آنذاك. وسرعان ما انتقل هذا التقليد إلى محطات تلفزيونية أخرى، فأصبح جزءاً أساسياً من هوية نشراتها الإخبارية. واعتمدته محطات عدة، منها «إل بي سي آي» و«الجديد» و«إم تي في» و«أو تي في» وغيرها، حتى غدت مقدمة النشرة ركناً ثابتاً في برمجة الأخبار، واستُخدمت في مراحل كثيرة منصةً لتبادل الرسائل والاتهامات السياسية بين المحطات.

وليد عبود: مقدمة النشرة

الإعلامي وليد عبّود يعد مقدمة الأخبار تعكس هوية المحطة

تعكس الهوية السياسية للمحطة

يتولى الإعلامي وليد عبود كتابة مقدمة نشرات الأخبار في تلفزيون «إم تي في»، من موقعه كرئيس تحرير، ومستنداً إلى أبرز أحداث اليوم ينسج منها نصاً يربط بين الوقائع المحلية والتطورات الإقليمية والدولية. وفي كثير من الأحيان، تفرض الأحداث الطارئة نفسها، فيجد نفسه مضطراً إلى إعادة صياغة المقدمة بالكامل، أو حتى قلبها رأساً على عقب، لتواكب المستجدات.

يقول وليد عبود في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «تمثل مقدمة النشرة الهوية السياسية للمحطة. سواء حملت رسائل مباشرة أم جاءت بصيغة غير مباشرة، فإن اختيار حدث معين وتسليط الضوء عليه، لا بد أن يعكس توجه المحطة وسياستها».

ويؤكد أنه اضطر مراراً إلى إعادة كتابة المقدمة بسبب تطورات متأخرة، كخطاب للرئيس الأميركي أو حدثٍ أمني أو سياسي مفاجئ يطول لبنان. ويضيف: «يجب أن تواكب المقدمة أي مستجدٍّ بارزٍ على الأرض، وأحياناً تتغير المقدمة بالكامل قبل خمس دقائق فقط من موعد بث النشرة».

وعن تأثيرها في المشاهد والأسلوب المعتمد لجذب انتباهه يقول: «من المهم جداً أن يدرك المشاهد التوجه السياسي للمحطة. وعادة ما يتحول إلى المحطة التي تشبهه فتكون بمثابة مرآة لمواقفه. ومن الضروري محاكاته ببساطة كي تصله رسائل المقدمة بسرعة؛ لذلك نحرص على أن تكون مكثفة، وواضحة، وسريعة الإيقاع، من دون الوقوع في الإثارة المجانية، وأن تعكس في الوقت نفسه رؤية المحطة للأحداث».

مقدمات النشرات... خصوصية لبنانية تكاد تغيب عن الغرب

يُعدّ أسلوب افتتاح نشرات الأخبار بمقدمة مكتوبة بعناية، تربط بين أحداث اليوم وتقدّم قراءة سياسية لها، من الخصوصيات التي تميّز عدداً كبيراً من المحطات اللبنانية والعربية. أما في معظم المحطات الغربية، فتبدأ النشرات مباشرة بعرض أبرز الأخبار. في المقابل، تعكس هذه المحطات توجهها التحريري من خلال طريقة اختيار الأخبار، وترتيبها، وصياغة التقارير المصورة، فضلاً عن النصوص المقتضبة التي تسبقها أو ترافقها.

أما في لبنان، فلا تخفي غالبية المحطات هويتها السياسية، بل تعلنها بوضوح من خلال مقدمة النشرة التي تشكل مساحة للتعليق والتحليل ورسم الإطار الذي ستُقرأ من خلاله أحداث اليوم. وعادة لا تتجاوز مدة المقدمة دقيقتين؛ لأن الإطالة تدفع المشاهد إلى تغيير القناة والانتقال إلى أخرى. لذلك، يحرص المعدّون على التكثيف والإيقاع السريعين، مع المحافظة على شدّ انتباه الجمهور منذ اللحظات الأولى.

بعض مقدمات الإعلامي جان فغالي لا تزال راسخة في الذاكرة الجماعية

علي نور الدين: مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة

يرى مدير الأخبار والبرامج السياسية في تلفزيون «إن بي إن»، علي نور الدين، أن مقدمة النشرة تكاد تكون ظاهرة لبنانية بامتياز. ويعزو ذلك إلى طبيعة الجمهور اللبناني المسيّس، الذي يميل إلى متابعة التحليلات وإبداء رأيه في التطورات. ويشير في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلى أن المقدمة تعكس الخط التحريري للمحطة، كما تمنح المشاهد خلاصة سريعة عن مضمون النشرة واتجاهها العام.

ويضيف: «لا تعتمد جميع القنوات الأسلوب نفسه في كتابة المقدمات، فبعضها يركز على إيصال الرسائل التي تعكس رؤية المحطة وتوجهاتها. لكن القاعدة الأساسية تبقى أن تكون المقدمة مختصرة، ومكثفة، وقادرة على تلخيص أبرز محاور النشرة وخطها التحريري». ويؤكد أن الاختصار دليل على الحرفية الصحافية، موضحاً: «كلما كانت المقدمة أكثر إيجازاً ازدادت قوتها، إلا إذا فرض حدث استثنائي مساحة أوسع للشرح».

ويعيد نور الدين نشأة هذا التقليد الإعلامي إلى أواخر الحرب الأهلية، وما تلاها من مرحلة اتفاق الطائف وولادة محطات تلفزيونية جديدة؛ حيث سعت كل محطة إلى إبراز هويتها السياسية واستقطاب جمهور يتماهى مع توجهاتها. ويقول: «مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة، فهي تختصر الموقف وتحدد زاوية تناول الأحداث».

وبحكم عمله في الصحافة المكتوبة أيضاً، يرى نور الدين أن «المقالة البصرية» باتت أكثر تأثيراً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يفضل الجمهور تلقي المعلومات بسرعة واختصار. لذلك، تمتلك مقدمة النشرة قدرة كبيرة على التأثير وبث التفاعل؛ لأنها تقدم قراءة سريعة للأحداث بلغة مكثفة وسهلة التداول.

ويتابع: «في النهاية، لا يمكن لأي محطة أن تكتفي بمخاطبة جمهور يشبهها سياسياً. فإذا أرادت الاستمرار، فعليها أن تتوجه إلى شريحة أوسع من المشاهدين، من خلال أسلوب مهني يجذبهم، سواء اتفقوا مع توجهها أم اختلفوا». ويختم: «أعدّ قناة (إن بي إن) من المحطات التي لا تعتمد الإثارة أو الفضائح في نشراتها الإخبارية، وهذا ما يميزها».

جان فغالي: المهنية قبل السياسة

من جهته، يؤكد رئيس تحرير نشرات الأخبار في «إل بي سي آي»، جان فغالي، الذي أمضى أكثر من أربعة عقود في هذا المجال، أن المحطة تعتمد في مقدماتها خطاً مهنياً أكثر منه سياسياً، قائلاً: «نحرص في (إل بي سي آي) على الموضوعية والدقة في عرض الأخبار. لا ننحاز إلى أي طرف، إلا عندما يتعلق الأمر بانتقاد قضية تمس المصلحة العامة». ويشير إلى أن بعض المقدمات التي كتبها لا تزال راسخة في ذاكرة الجمهور، حسب رأيه، ومن بينها المقدمة التي استُهلت بعبارة «شعب بلا مخ» خلال جائحة كورونا. ويوضح: «هذا النوع من المقدمات ينطلق من موقف واضح تجاه سلوك أو حدث معين، أكثر مما يقدم مجرد تلخيص للأخبار».

ويكشف فغالي أن أي مقدمة لا تُبث قبل إطلاع إدارة المحطة عليها، موضحاً: «صاحب المحطة يتابع النشرة، ولديه أيضاً رؤيته السياسية؛ لذلك لا تمر أي مقدمة قبل موافقته».

أما عن مواصفات المقدمة الناجحة، فيختصرها بالقول: «يجب أن تكون مختصرة، وسريعة، ومكتوبة بلغة بسيطة وجمل قصيرة؛ بحيث تصل إلى جميع المشاهدين بسهولة». ويختم مؤكداً أن غياب المقدمات عن نشرات الأخبار الغربية لا يعني غياب التوجهات السياسية، مضيفاً: «لا توجد مؤسسة إعلامية من دون خط تحريري أو رؤية، لكن طريقة التعبير تختلف من وسيلة إعلامية إلى أخرى».


تراجع تمويل «تدقيق الحقائق» يثير مخاوف من انتشار «الأخبار المضللة»

جانب من مؤتمر «تدقيق الحقائق» في ليتوانيا الشهر الماضي  (معهد نيمان لاب)
جانب من مؤتمر «تدقيق الحقائق» في ليتوانيا الشهر الماضي (معهد نيمان لاب)
TT

تراجع تمويل «تدقيق الحقائق» يثير مخاوف من انتشار «الأخبار المضللة»

جانب من مؤتمر «تدقيق الحقائق» في ليتوانيا الشهر الماضي  (معهد نيمان لاب)
جانب من مؤتمر «تدقيق الحقائق» في ليتوانيا الشهر الماضي (معهد نيمان لاب)

أثار تراجع تمويل شبكات ومؤسسات «تدقيق الحقائق» مخاوف بشأن انتشار «الأخبار المضللة»، لا سيما مع زيادة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وأرجع خبراء تراجع التمويل إلى «عدم اهتمام شركات التكنولوجيا بهذا الملف، وإلقاء عبء كشف التضليل على المستخدم».

كان تراجع التمويل إحدى النقاط الرئيسية التي ناقشها المؤتمر السنوي لـ«الشبكة الدولية لتدقيق المعلومات (IFCN)» التابعة لمعهد «بوينتر»، الذي عُقد في ليتوانيا الشهر الماضي. وأشار «معهد نيمان لاب»، المتخصص في دراسات الإعلام، في تقريره عن المؤتمر، إلى أن «إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أغلقت في عام 2024 منحاً كانت تقدم لمنظمات تدقيق المعلومات حول العالم».

كما أنهت شركة «ميتا»، العالم الماضي، برنامجها لتدقيق المعلومات عبر أطراف ثالثة في الولايات المتحدة، والذي كان مصدر دخل مهماً للشبكة الدولية لتدقيق المعلومات، وفق تقرير «معهد نيمان»، الذي أشار إلى أن «أحد مؤشرات تراجع دعم شركات التكنولوجيا لمدققي الحقائق كان ضعف تمثيلها في المؤتمر، حيث لم ترسل (ميتا) و(غوغل) وفداً للمؤتمر».

وخاطبت إنجي دروبنيك هولان، مديرة الشبكة الدولية لتدقيق المعلومات وزميلة «معهد نيمان» لعام 2023، في كلمتها خلال المؤتمر، منصات التكنولوجيا الغائبة عن المؤتمر، بقولها: «عودوا إلينا في العمل على جعل المعلومات الدقيقة وعالية الجودة متاحة للجميع».

الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا»، مهران كيالي، قال في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن «منصات التواصل الاجتماعي الكبرى اكتشفت بمرحلة ما أن الحرب ضد (الأخبار المضللة) ليست حربها، وأن هذا النوع من المشاريع يوقعها بمسؤولية قانونية تجاه المعلومات التي يتم نشرها عبر منصاتها، ناهيك بالضغوط السياسية المتوقعة وما تسببه من ضغط تمويلي».

وأضاف أن «ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة كان سيفاً ذا حدين على هذا النوع من المشاريع؛ فمن جهة تمكنت هذه الأدوات من أن تحل مكان شركات تدقيق المحتوى المكلفة، ومن ناحية أخرى بدأت أدوات الذكاء الاصطناعي بعمل محتوى يصعب على البشر معرفة ما إذا كان حقيقياً أم مزيفاً».

وتابع أن «أدوات الذكاء الاصطناعي هي نعمة ونقمة في الوقت نفسه؛ والشعرة التي بين هذين الطريقين هي طريقة الاستخدام»، مشيراً إلى «سهولة إنتاج المحتوى وسرعة انتشاره وانخفاض تكلفته». ولفت في هذا الصدد إلى «كم الفيديوهات المزيفة التي تم نشرها خلال وبعد الانتخابات الأميركية في 2016».

وحسب كيالي فإن «وسائل التواصل وحتى (غوغل) ألقت عبء تدقيق المعلومات على عاتق المُستخدم، وجعلته يُبلغ عن أي معلومات مضللة»، مشدداً على «ضرورة اهتمام مؤسسات الإعلام بالعمل على تدقيق المعلومات وكشف التزييف». وتحدث التقرير السنوي للشبكة الدولية لتدقيق المعلومات، في أبريل (نيسان) الماضي، عن أن 62 في المائة من منظمات تدقيق الحقائق الـ141 التي شملها المسح زادت جماهيرها في عام 2025، لكن 22 في المائة فقط منها وصفت وضعها المالي بأنه «مستدام».

عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، خالد القضاة، أكد في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «شركات التكنولوجيا الكبرى والجهات المانحة عادةً ما تركز منحها وتمويلها على موضوعات معينة تتغير من آن لآخر حسب مستهدفات تلك الجهات، دون النظر إلى تأثير هذه البرامج الفعلي على الأرض».

وأضاف أن «هذه الشركات لم تعد ترى في تدقيق الحقائق هدفاً في الوقت الحالي، مما يوجب على مؤسسات الإعلام وشبكات تدقيق الحقائق إيجاد حلول تمويلية بديلة»، مشيراً إلى أن «زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي حالياً يزيد من مخاوف انتشار التضليل المعلوماتي»، موضحاً أن «مؤسسات الإعلام ستظل هي الحارس الرئيسي للمعلومات».

بالفعل، وضع تراجع التمويل مؤسسات تدقيق الحقائق في مفترق طرق، بحثاً عن طرق جديدة لتحقيق الدخل، بالتوازي مع الاستمرار في خدمة الجمهور، لا سيما مع انتشار ما يسمى «تسميم نماذج اللغة الكبيرة» عبر إغراق الإنترنت بمقالات مضللة لتنعكس في المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، حسب تقرير معهد «نيمان لاب».


هل يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية؟

الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
TT

هل يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية؟

الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)
الذكاء الإصطناعي والقصص الصحافية (أرشيفية - متداولة)

مع ازدياد الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مهام عدة، يزداد الجدل بشأن إمكانية استخدامه في كتابة القصص الصحافية. وبينما اعتبر خبراء أن هذا الاستخدام «مفيد»؛ لا سيما في تحديد القصص الصحافية وصياغة العناوين، فإنهم أكدوا أن «المراجعة البشرية تظل ضرورية».

وأشار تقرير نشرته مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» التي تصدرها كلية الصحافة في جامعة كولومبيا، الأسبوع الماضي، إلى ما وصفه بـ«نصائح متضاربة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص والعناوين الصحافية».

ووفقاً للتقرير الذي أعدته الأستاذة في كلية الصحافة بجامعة كولومبيا، أنيكا كولير نفارولي، فإن «كتابة العناوين واحدة من الأدوار التي يمكن أن تؤديها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لا سيما مع تطوير نماذجها اللغوية لتصبح مؤهلة لاقتراح العنوان الأنسب».

لكن في الوقت ذاته، فإن «الأمر لا يخلو من مخاطر»، حسبما يوضح التقرير الذي يشير إلى أن «إرسال مواد غير منشورة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغتها وتدقيقها، يُثير تساؤلات بشأن حقوق الملكية الفكرية، وما إذا كانت هذه التطبيقات ستعيد استخدام المحتوى، ما يُعرِّض الصحافي لمخاطر قانونية وأمنية».

وقال التقرير إن «صناعة الذكاء الاصطناعي التي تقدَّر قيمتها بنحو 3 تريليونات دولار، اعتمدت على أعمال صحافيين تم تدريب الروبوتات عليها، من دون موافقة من صُناع المحتوى أو تعويضهم عن ذلك»، لافتاً إلى تحقيق أجرته «واشنطن بوست» أثبت أن «نصف المواقع العشرة الأولى التي استُخدمت في تدريب الذكاء الاصطناعي كانت مواقع إخبارية».

وحسب تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو» فإنه «بعد نفاد البيانات المتاحة، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي في الاعتماد على البيانات الاصطناعية لتدريب الذكاء الاصطناعي، أي الاعتماد على ما ينتجه الذكاء الاصطناعي نفسه، ما يثير مخاوف بشأن ترسيخ تحيُّزات وهلوسات الذكاء الاصطناعي».

وفي رأي الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، فإن الذكاء الاصطناعي «يمكن أن يكون أداة مفيدة في تحرير القصص الصحافية؛ بل وحتى في صياغة العناوين». ولكنه أوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن «العنصر البشري يظل ضرورياً في مرحلة المراجعة النهائية للقصص الصحافية».

وقال إن «الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يحلَّ بالكامل محل الذكاء البشري، فهو مجرد أداة تقنية مساعدة لن تغني عن دور البشر»، لافتاً إلى أنه «في كثير من الحالات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد أيضاً في اختيار الكلمات، مثل اقتراح المرادفات، وتحسين جودة الصياغة، وتوضيح المعاني».

وأكد إكو «ضرورة وضع قواعد لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ووضع محددات بشأن مدى ملاءمة مشاركة معلومات سرية عبر هذه التطبيقات». وقال إن «التطورات التكنولوجية المتسارعة تتطلب إعادة مناقشة الأخلاقيات الإعلامية والمعايير المهنية، لا سيما مع انحيازات تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعروفة».

ويوصي رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، بضرورة «تدقيق المعلومات التي يتم استقاؤها من الذكاء الاصطناعي، وعدم الاعتماد بشكل كلي عليها». كما يلفت إلى أن «الصحافي قد يرى في هذه التطبيقات أدوات تُسهِّل عمله؛ لكن استمرار الاعتماد عليها سيفقده مهارته، ويقضي على التنوع في القصص والقوالب؛ لا سيما أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي باتت تكرر القصص والعناوين وزوايا المعالجة ذاتها».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

وأشار تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو» إلى «اعتماد شركات الذكاء الاصطناعي على مسودات المستخدمين والأوامر المكتوبة بأيدي البشر لتدريب نماذجها»، ولفت إلى دراسة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد في سبتمبر (أيلول) الماضي، وجاء فيها أن «شركات مثل (أمازون)، و(أنثروبيك)، و(غوغل)، و(ميتا)، و(مايكروسوفت)، و(أوبن إيه آي) تستخدم بيانات محادثات مستخدميهم، لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتحسينها».

وخلص التقرير إلى «التحذير من مخاطر إدخال مسودات أو معلومات سرية إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، نظراً لعدم معرفة الطريقة التي سيتم بها استخدام هذه المعلومات أو البيانات».

من جهتها، أكدت الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، أستاذة الإعلام والتواصل، الدكتورة سالي حمود: «إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة القصص الصحافية»؛ لكنها قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن «الذكاء الاصطناعي يفتقد العمق والتحليل البشري في تحرير القصص، وصياغة العناوين أو تحسينها، واختيار الكلمات والحفاظ على الموضوعية».

وحول ما يتعلق بالعناوين، أفادت الدكتورة سالي حمود بأن «العناوين مهمة جداً؛ كونها دلالات مرتبطة بالسياق والثقافة الشعبية، ويجب أن تكون جذابة، وهو ما يفتقده الذكاء الاصطناعي»، موضحة أن «الذكاء الاصطناعي له تحيزاته التي تؤثر في العمل الصحافي وفي زوايا الكتابة الصحافية، ما يتسبب في تكرار معالجة القضايا والزوايا نفسها باستمرار».

وترى الباحثة الإعلامية اللبنانية «ضرورة العمل على وضع أطر مؤسسية ممنهجة، بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في صالات التحرير وغرف الأخبار، ليصبح جزءاً من العملية التحريرية، ما يعزز فوائده ويقلل أضراره».

وبينما ينصح خبراء بـ«عدم إدخال البيانات السرية على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لحين معرفة الآلية التي سيتم بها إعادة استخدامها»، تبقى الخيارات أمام الصحافي محدودة، في ظل التطور المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي، وسط مطالبات بحوكمتها، ووضع قواعد لاستخدامها لم تنجح حتى الآن في الوصول إلى صيغة واضحة، في الوقت الذي يستمر فيه الصراع بشأن الملكية الفكرية للمعلومات بين المؤسسات الإعلامية الكبرى وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتحدَّث تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، عن اتجاه أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة إلى «حظر أو تقييد الوصول لأرشيفهم على الإنترنت؛ إثر تصاعد استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي، دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى».

ووفق تقرير «كولومبيا جورناليزم ريفيو»، نهاية يونيو (حزيران) الجاري، فإن «الخيار الأقل خطراً فيما يتعلق بمسودات الصحافيين غير المنشورة، هو استخدام نموذج لغوي كبير محلي». وأوضح أن «هذا نوع من نماذج اللغة الكبيرة يُمكن تشغيله على جهاز الحاسب الآلي، تمتلكه غرفة الأخبار أو الصحافي نفسه».

ولفت التقرير إلى أن «هذا النوع من النماذج يتيح للمؤسسة أو الصحافي، القدرة على تحديد كيفية استخدام النماذج للبيانات». ولكنه أشار إلى أن «هذا النوع من النماذج المحلية ليس شائعاً». واقترح «تحالف أدوات غرف الأخبار» وهي فكرة اقترحها باحثون العام الماضي كبديل «أكثر أماناً للتعامل مع المسودات غير المنشورة».

وحسب «كولومبيا جورناليزم ريفيو» فإنه «حتى تصبح هذه الحلول أكثر انتشاراً، يجب على الصحافيين التدقيق في سياسات الخصوصية الخاصة بالنماذج المتاحة للجمهور، والتفاوض مع شركات الذكاء الاصطناعي، أو رفض السماح باستخدام مدخلات الدردشة في عمليات تدريب جديدة، والمضي قُدماً بحذر في أفضل الأحوال».

«الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة لن تغني عن دور البشر»