الصحف الورقية في العالم العربي... إما التجدد أو الاندثار

خسرت معركة السرعة أمام الوسائط الإلكترونية وحظوظها تكمن بالتخصص والتعمق

رغم معاناة الصحف الورقية إلا أن الجرائد اليومية لا تزال جزءاً لا يتجزأ من يوميات شريحة كبيرة من العرب
رغم معاناة الصحف الورقية إلا أن الجرائد اليومية لا تزال جزءاً لا يتجزأ من يوميات شريحة كبيرة من العرب
TT

الصحف الورقية في العالم العربي... إما التجدد أو الاندثار

رغم معاناة الصحف الورقية إلا أن الجرائد اليومية لا تزال جزءاً لا يتجزأ من يوميات شريحة كبيرة من العرب
رغم معاناة الصحف الورقية إلا أن الجرائد اليومية لا تزال جزءاً لا يتجزأ من يوميات شريحة كبيرة من العرب

«نيويورك تايمز» واكبت التقدم التكنولوجي بموقعها، لكنها اختارت الحفاظ على نسختها الورقية التي لا يزال يقرأها الملايين حول العالم. «لن نتخلى عن طبعتنا الورقية في المستقبل القريب، إلا أنني أستطيع تخيل (نيويورك تايمز) إلكترونية يوماً ما» كلمات هادئة وواثقة قالها رونالد كابوتو نائب رئيس قسم الخدمات الورقية لدى الصحيفة لـ«الشرق الأوسط» في يوليو (تموز) الماضي. لم يقلق كابوتو على «التايمز» الورقية، فهي صحيفة دولية يتسابق المارة على شرائها من الأكشاك أينما كانوا. إلا أنه حذر من انقراض الصحف المحلية في أميركا. أكد لنا خلال حديثه أن العديد منها تصارع البقاء والآخر أسدلت الستار على نسخها. ظاهرة دفعتنا لدراسة الوضع في العالم العربي والتركيز على السعودية، ومصر، ولبنان. دول عربية بتاريخ صحافي عريق ومهد لأبرز المطبوعات الورقية التي لا تزال أهمها مستمرة رغم المصاعب.
تحديات اختلفت من دولة إلى أخرى، لكن يبدو أن ثمة اتفاقاً على أن الصحافة المطبوعة لن تختفي في المستقبل القريب رغم التحديات، لكن لكي تبقى حظوظها المحدودة، عليها أن تطور أداءها ليصبح أكثر ميلاً للعمق والتخصص بعدما خسرت في معركة السرعة أمام الوسائط الإلكترونية.
صحف مصر تصارع كابوس الاختفاء
لم يشفع تاريخ الصحافة الورقية المصرية العريق، الذي يزيد على مائتي عام، في وقف تراجع التأثير ونسب التوزيع والإعلانات. وفي أحدث دلالة على التراجع المطرد للصحافة الورقية، أفاد جهاز الإحصاء الحكومي بأنه تم إغلاق نحو 50 في المائة من الصحف المحافظة على الصدور خلال 5 سنوات فقط، بالإضافة إلى تراجع توزيع الصحف من 2.5 مليون نسخة يومياً، إلى 400 ألف نسخة في 2017، وفقاً لتقديرات خبراء التوزيع. ورغم مناشدات الخبراء والمراقبين المتكررة لبحث أسباب الأزمة ومعالجتها لعدم تكرار سيناريو إغلاق صحف «البديل»، و«التحرير»، و«الأحرار»، و«الطريق»، و«الكرامة»، و«الجيل»، وغيرها من الصحف اليومية والأسبوعية، فإن الهيئات الحكومية المسؤولة عن مستقبل الصحافة في مصر، لا تبدي اهتماماً بالأزمة حتى الآن، بحسب وصف المراقبين.
ويبدو أن ثمة اتفاقاً بين الخبراء المتخصصين على أن الصحافة المطبوعة في مصر ستحافظ على وجود محدود ورمزي، وستواصل التراجع كمياً مع زيادة التعرض للوسائط الإلكترونية، ولكي تبقى حظوظها المحدودة، عليها أن تطور أداءها ليصبح أكثر ميلاً للعمق والتخصص.
يقدر مجدي الحفناوي، مدير توزيع جريدة «المصري اليوم»، توزيع جميع الصحف المصرية (اليومية والأسبوعية) حالياً، بـ400 ألف نسخة فقط، رغم تخطي صحيفته وحدها هذا الرقم إبان انتفاضة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.
وأضاف الحفناوي لـ«الشرق الأوسط»: «توقعت في العام الماضي أن ينخفض توزيع الصحف اليومية التي قامت برفع أسعارها إلى 3 جنيهات بنسبة 30 في المائة، لكن توزيعها انخفض بنسبة 50 في المائة، وهذه حقيقة مفزعة جداً، وكابوس يُداهم الصحافة المصرية الورقية العريقة التي تنهار لصالح الصحافة الرقمية».
ولفت الحفناوي إلى أن «الصحافة الرقمية في مصر ليست مستعدة حالياً لتعويض الصحافة الورقية بسبب ضعف العائد المادي، وعدم قدرتها على استيعاب كل العاملين في الصحافة الورقية بداية من عمال المطابع وحتى رؤساء التحرير». وقدر الحفناوي عدد العاملين في مجال الصحافة في مصر بنحو 75 ألف فرد.
وأدت الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011، إلى إغلاق صحف يومية وأسبوعية، وتسريح عدد كبير من الصحافيين، بعد عزوف آلاف المواطنين عن شراء الصحف لارتفاع أسعارها بنسبة 100 في المائة خلال 5 سنوات، بالتوازي مع زيادة أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، خصوصاً بعد تحرير سعر صرف الجنيه المصري.
وكانت صحيفة «البديل» (يومية خاصة)، أعلنت في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، التوقف عن الصدور نهائياً، بسبب الأزمات المالية. وفي العام نفسه، أعلنت صحيفة «التحرير»، التوقف عن الصدور اليومي والاكتفاء بعدد أسبوعي يصدر كل يوم ثلاثاء. وأرجعت سبب الإغلاق في بيان إلى انصراف أغلب قطاعات المجتمع عن قراءة الصحف المطبوعة، خصوصاً الشباب، واتجاههم إلى الحصول على معلوماتهم من الصحافة الإلكترونية. وفي نهاية عام 2013، تحولت صحيفة «المصريون» من النسخة اليومية إلى الأسبوعية.
واعتبر صلاح عيسى الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة سابقاً، أن «أزمات الصحف المصرية حالياً مرتبطة بالركود الاقتصادي». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «طلبنا من ملاك الصحف اليومية معالجة الأزمة من خلال تخفيض عدد الصفحات وتقليل الألوان، دون اللجوء إلى تسريح العاملين أو رفع سعر الصحف، وبالفعل استجابت بعض الصحف اليومية لذلك، مثل (الوطن)، و(الشروق)، و(المصري اليوم)، وحتى المؤسسات القومية استجابت لهذه النصائح وخفضت عدد الصفحات والألوان».
وتابع عيسى: «سجلات المجلس الأعلى للصحافة يوجد بها عدد كبير من الصحف الحاصلة على تراخيص بالصدور، لكنها تعتبر أرقاماً وهمية، فهي لا تصدر بانتظام لعدم وجود تمويل أو إعلانات، فعدد تراخيص الصحف الحزبية في مصر 8 صحف، لا يصدر منها إلا صحيفتان فقط».
وأشار عيسى إلى قرار المجلس في مارس (آذار) الماضي بإيقاف ترخيص جريدة «البديل» الورقية وعدد من الصحف غير المعروفة التابعة لأندية وجمعيات، لتوقفها عن الصدور بانتظام بسبب الأزمات المادية، موضحاً أن «الأزمات التي تعاني منها الصحف المصرية لا تنطبق على الصحف الخليجية، لأن مستوى المعيشة بالدول التي تصدر منها مرتفع ولا تعاني من أزمات اقتصادية».
ويبلغ عدد الصحف اليومية المصرية حالياً 23 صحيفة؛ منها 9 صحف قومية، و13 خاصة، وواحدة حزبية هي جريدة «الوفد»، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الذي أفاد في شهر مايو (أيار) الماضي، في تقرير أصدره لمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، بأن عدد الصحف اليومية والأسبوعية والشهرية في مصر كان قد بلغ 75 صحيفة، منها 3 صحف حزبية عام 2015، مقابل 80 صحيفة عامة منها 8 صحف حزبية عام 2014، بانخفاض بلغت نسبته 6 في المائة.
الأرقام السابقة تعطي مؤشراً سلبياً عن حالة الصحافة المطبوعة في مصر، إذا قورنت ببيان الجهاز الحكومي نفسه عام 2012، حيث أفاد بأن عدد الصحف المصرية آنذاك بلغ 142 صحيفة في عام 2010، فيما بلغ عدد الصحف الحزبية في العام نفسه أيضاً 23 صحيفة، لا يصدر منها الآن سوى صحيفتين «الوفد» و«الأهالي»، وفقاً لرئيس المجلس الأعلى للصحافة سابقاً.
وأفاد بيان «الإحصاء» لعام 2012 أيضاً، بأن عدد النسخ الموزعة محلياً بلغ 917.9 مليون نسخة عام 2010 بمتوسط 2.5 مليون نسخة يومياً، لكنها هبطت إلى 560.7 مليون نسخة في عام 2015. بمتوسط نحو مليون ونصف المليون نسخة، ويقدر الخبراء نسب التوزيع الحالية بـ400 ألف نسخة فقط لكل الصحف المصرية يومياً.
الأرقام الحكومية السابقة التي تؤكد تراجع نسب التوزيع حالياً، وارتفاع نسب إغلاق الصحف تعضدها أرقام رسمية أخرى سلبية صادرة من «الهيئة الوطنية للصحافة»، (المسؤولة عن إدارة المؤسسات الصحافية القومية) على لسان رئيسها كرم جبر، الذي أكد في تصريحات تلفزيونية أن ديون الصحف القومية وصلت إلى 19 مليار جنيه (الدولار الأميركي يعادل 17.7 جنيه مصري) في مؤشر غير مبشر للخروج من الأزمة.
وقال الكاتب الصحافي والمدرب الإعلامي خالد البرماوي لـ«الشرق الأوسط»: «صناعة الصحف في مصر، كانت تحقق عائدات سنوية تبلغ قيمتها نحو نصف مليار جنيه من التوزيع فقط قبل 5 سنوات، لكن انخفاض حجم التوزيع والإعلانات حالياً بنسبة 50 في المائة يعطي مؤشراً على اقتراب نهاية أجل الصحافة الورقية في مصر».
وأضاف البرماوي: «بالهند توجد تجربة ناجحة في زيادة توزيع الصحف بنسبة 8 في المائة سنوياً، واعتمدت تلك التجربة الفريدة على التعاون والشراكة بين المؤسسات الصحافية تحت شعار المصلحة».
وقال الناشر هشام قاسم لـ«الشرق الأوسط»: «لا أعتقد أن الصحف المصرية الحالية ستستمر طويلاً، سنرى بلا شك كيانات جديدة مدمجة ومنفردة، فالمؤسسات القومية ليس لها مستقبل بوضعها المالي الحالي في ظل توجهات الحكومة الحالية برفع الدعم عن المؤسسات العامة».
وأضاف قاسم: «من علامات تراجع الصحف الورقية في مصر الآن تشابه أو تطابق المانشيتات اليومية»، مشيراً إلى أن «تدخلات بعض أجهزة الدولة في المحتوى الصحافي وفرض مانشيت معين، تسبب ذلك في تراجع دور الصحافة المطبوعة في مصر».
وعن غياب تأثير الصحف يقول قاسم: «معظم مانشيتات الصحف أصبحت موحدة، ولا تتسم بالجرأة، وموضوعاتها الداخلية ليست طازجة وتعاني السطحية، ولا تقدم للقارئ خدمات أو معلومات جديدة، وإن أرادت الحفاظ على ما تبقى لها من تأثير محدود يجب أن تتجه إلى العمق والتجديد».
إجراءات محدودة لإطالة أمد بقاء الورق في السعودية
رغم كثرة التكهنات بأن الصحافة الورقية في السعودية تلفظ أنفاسها الأخيرة، فإن المتابع للمشهد الإعلامي السعودي يلمس انتعاش الحراك المهني للصحافة ومواكبة عدة صحف لمعطيات العصر الإعلامي الجديد، وهو ما مثل طوق نجاة لبعض الصحف التي عمدت إلى تطوير نهجها بما ينسجم مع متطلبات المتلقي المعاصر.
إلى ذلك، ذكر الدكتور فهد آل عقران رئيس تحرير صحيفة «المدينة» السعودية، أن الصحافة الورقية في السعودية صامدة، لكنها تعاني. وقال: «لدينا نحو 10 مؤسسات، والصحف الورقية تمثل جزءاً منها، لكن لهذه المؤسسات منصات إعلامية أخرى»، مشيراً إلى أن الصحافة السعودية بحاجة إلى دعم حقيقي وإعادة النظر فيها.
وأضاف آل عقران لـ«الشرق الأوسط»، أن الصحافة الورقية هي منبع الإعلاميين، والصحافيون هم المتسيدون للمشهد الإعلامي، إن كان في شبكات التواصل الاجتماعي أو التلفزيون أو غير ذلك، لافتاً إلى أن رأسمال الصحف السعودية يقارب مليار ريال (260 مليون دولار)، وتضم بين 3.5 آلاف و4 آلاف عامل، ما بين صحافي ومصور وعمال مطابع وغيرهم، وهذه الصناعة بحاجة إلى تطوير ودعم لأنها القوة الحقيقية.
أما الدكتور فهد العسكر أستاذ الإعلام والصحافة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، فاعتبر أن الصحف السعودية ليست بمنأى عما يحدث في الصحافة عالمياً، وعليها أن توجد حلولاً جذرية كي لا تواجه المصير القاسي الذي عصف بالصحافة الورقية عالمياً، سواء كانت هذه الحلول من قبل المؤسسات نفسها أو من الدولة.
واعتبر العسكر أن كل الذي تعمله الصحف السعودية الآن إجراءات محدودة، تسعى من خلالها إلى إطالة أمد البقاء وليس استدامته.
وأشار إلى أن الصحف تتباين في قدرتها على الصمود تبعاً لقوة بنيتها، سواء المهنية أو الاقتصادية، بمعنى أن الصحف التي لديها قاعدة اقتصادية جيدة ووفرت من أرباح سابقة، فهذه هي الأكثر قدرة على الصمود، على الأقل حتى يمكنها تدبير حلول جذرية تساعدها في تعزيز استدامتها، وذلك بعكس الصحف التي كانت طوال تاريخها تعاني من ضائقة مالية.
من جهته، يعتقد الدكتور خالد الحلوة أستاذ الإعلام في جامعة الملك سعود، أن الصحف السعودية صامدة الآن، لكن إن لم يكن لديها بديل رقمي واشتراكات رقمية ولم توجد حلولاً مستقبلية، فسيقل مدخولها من الإعلان ولن تصمد طويلاً. وتابع: «الصحف السعودية تحاول الآن تغطية هذا النقص، وبعضها قلل حجم الورق، فإحدى الصحف كانت تضم 50 صفحة والآن تصدر 28 صفحة باليوم فقط، وهذه تغطية مؤقتة للنقص، لكن ماذا سيحدث على المدى الطويل؟».
لبنان يخطط لإعادة ابتكار جرائده
البعض اعتبرها «مغامرة» وبعض آخر رأى فيها تهورا، ووصف الصحافي وناشر جريدة «السفير» طلال سلمان المشروع بـ«الشجاع» قائلاً إن إصدار جريدة ورقية جديدة، في هذا الوقت، يكاد يكون «مهمة انتحارية».
الكلام هو عن صحيفة «الاتحاد» اللبنانية، اليومية، التي تصدر في وقت حرج، تعاني فيه كل الصحف الورقية الموجودة، وبعضها له تاريخ عريق، من عجز في التمويل وتعيش غالبيتها نزعها الأخير وهي تسرّح عشرات الصحافيين المحترفين.
لبنان الذي كان رائد الصحافة في المنطقة منذ القرن التاسع عشر، حيث أصدر في عام 1870 وحده سبع جرائد ومجلات، يكاد يودع اليوم عهد الصحافة الورقية.
ويقول رئيس تحرير الاتحاد مصطفى ناصر إن الإعلانات لم تنخفض كما يشاع وإن الأمل لا يزال ممكناً، بترشيد المصاريف.
وصفة يعتبر خبير في مجال الإعلان أنها تستحق الاهتمام «لأن المشكلة في المضمون، وليس في غياب القارئ، وما يموت اليوم هي الصحافة الورقية وليست الصحافة المكتوبة، لأن المواقع أمامها فرصة كبيرة. أما القول إن الإعلانات لم تنخفض؛ فهذا كلام لا يصمد أمام الوقائع. يكفي أن نفتح أي جريدة ورقية في لبنان لنتأكد من قلة الإعلانات، لا بل وندرتها أحيانا».
ويقول جورج جبور رئيس «نقابة الإعلان» في لبنان: «الإعلانات في الصحف انخفضت في السنتين الأخيرتين بنسبة 30 في المائة. وفي شركتي (إم سي إن) مثلاً انخفضت النسبة إلى 38 في المائة».
يعزو جبور الأمر إلى أسباب عدة، منها الوضع الاقتصادي السيئ الذي يجعل الميزانيات المخصصة للإعلانات أقل من السابق، ثم تعدد الوسائط التي تتوزع عليها الميزانيات، حيث هناك الإعلانات على الطرقات، المواقع الاجتماعية التي باتت تنتزع حصة كبرى، والمواقع الصحافية الإخبارية، وهذه تعيش بتمويلات صغيرة، وغالبيتها لا تفعل سوى نقل الخبر الذي يصل إلينا بالرسائل النصية أو نسمعها في نشرات الأخبار، كما أن كثيراً منها تنقل عن الورقي.
فيما لم يكن ممكناً لجريدة «النهار» مثلاً أن تنقل مقالة أو موضوعاً سياسياً عن «السفير»، ويتقبل القارئ الأمر.
هناك اليوم ما يقارب 11 صحيفة يومية لبنانية، بعد أن أغلقت «السفير» أبوابها، بينها صحيفة فرنسية وأخرى إنجليزية والباقي باللغة العربية، وغالبيتها موظفوها مهددون بالتسريح أو هم لا يتقاضون رواتبهم بانتظام، وهناك من خُفّضت أجورهم.
تتضارب الأرقام حول عدد النسخ التي تطبعها الصحف اللبنانية مجتمعة، لكنها تتراوح بحسب التقديرات بين 35 ألف نسخة و50 ألف نسخة في أحسن الأحوال، لا يُباع منها مع الاشتراكات والمسايرات، والمساعدات غير المباشرة أكثر من 10 آلاف نسخة. هذا لا يكفي لإعالة المطبوعات، التي تحتاج في هذه الحالة إلى الإعلان أكثر من أي وقت مضى. لكن الصحف ليست مغرية للمعلنين، إذ إن الحصة الكبرى من إعلاناتهم تذهب في الدرجة الأولى إلى التلفزيون، ومن ثم الإعلانات على الطرقات، ويتلوها في الدرجة الثالثة الإعلام الرقمي وتحل الصحف في المرتبة الرابعة لتتبعها خامسة الإذاعات وسادسة السينما.
أما والحالة مزرية إلى هذا الحد، فإن عدداً كبيراً جداً من الصحافيين المخضرمين في لبنان باتوا بلا عمل كلياً، أو ذهبوا إلى مهن موازية. وهو ما استفادت منه صحيفة «الاتحاد» التي قامت بتوظيف عدد من الطاقم المحترف لجريدة «السفير» وبه تعتبر أن نجاحها شبه مؤكد.
ولمزيد من التحدي، فإن الصحيفة بدأت بالنسخة الورقية، وتستمر هكذا شهراً كاملاً قبل أن تطلق موقعها الإلكتروني. لكن إلى حينه بمقدور قارئ الشبكة العنكبوتية أن يطلع على نسخة «بي دي إف»، وتراهن الصحيفة كما كتب رئيس تحريرها على أن الطلب على المكتوب موجود، معبراً عن ذلك بقوله في افتتاحية العدد الأول مخاطباً الناس: «نحن نكتب لأنكم تقرأون».
أما وقد غاب التمويل السياسي أو يكاد، وهو الذي عاشت الصحافة اللبنانية عصرها الذهبي في ظله، خصوصاً أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وكذلك تشتت أموال الإعلانات في وسائط مختلفة، فكيف لحياة سياسية أن تستقيم دون صحافة؟ وما المخارج، ما دام الفريق المهني موجوداً، ومع ذلك الجميع عالق في عنق الزجاجة.
ثلاثة عناصر يعتبر جورج جبور أنها باتت أساسية: علينا أن ندرك بأن «من هم تحت سنة 45 سنة، لن يقرأوا صحفاً ورقية أبداً، لذلك فإن فوضى الـ(ويب سايت) يجب أن تنتهي وأن يُصار إلى تنظيم عملها. فلا الصحف تقدم للشباب ما يهمهم، ولا التلفزيون ولا حتى المواقع؛ لذلك هم يذهبون لقراءة المواقع الأجنبية ومشاهدة محطات غير لبنانية».
أما الأمر الثاني هو أن المشروع الذي قدمه وزير الإعلام ملحم رياشي، لإنقاذ الصحافة اللبنانية المكتوبة ودعمها مالياً للانتقال إلى الإلكتروني، خلال سنتين، هو هدر للأموال و«كمن يرمي الماء في البحر. وهو يشبه ما تفعله الأنظمة الشيوعية حين تمنع دخول البضاعة الأجنبية، لكن المحلي مضروب وفاسد وغير صالح للتسويق»، يقول جبور: «أنا ضد الدعم لأنه تغطية لأخطاء؛ فمشروع الوزارة يدعم صاحب الجريدة الذي كان مدعوماً أصلاً، فماذا فعل وأين ذهب بالأموال؟ وأين سيذهب بالأموال التي ستُعطى له؟ نحن بحاجة لدعم محررين مهرة، بمقدورهم الإتيان بمضمون يجذب القارئ. وهو ما لن يتحقق».
أما الأمر الثالث الذي يلفت له جبور فهو الفشل الذريع الذي مُنيَت به باستمرار كل الوسائل الإعلامية الحزبية في لبنان، وهي التي حظيت دائماً بأموال سخية ومع ذلك لم تُقرَأ، والمحطات التلفزيونية المؤدلجة لم تُشاهَد، ولا يزال ما يعمل منها عالة على أصحابه. ويسوق مثلاً على ذلك، مطبوعات مثل «العمل»، و«المحرر»، و«الأنباء»، و«صوت الأحرار»، و«البناء».
ويستطرد بالقول: «اللبناني ذكي، ويريد إعلاماً موضوعياً، وهو ليس معتاداً على الإعلام الموجَّه». ويضيف: «على الصحافة المكتوبة أن تعيد اختراع نفسها بالشكل والمضمون، كما يحاول التلفزيون أن يعيد اختراع نفسه، وها هو ينجح في بعض الأحيان».
مشروع قانون لنقابة المحررين لدعم الصحف
عاملان أساسيان ساهما في تنشيط خطة تطوير قطاع الصحافة والإعلام في لبنان، يتمثلان في وصول وزير الإعلام ملحم الرياشي إلى الوزارة، ووجود نقابة محررين فاعلة، حققت، خلال نحو عام من انتخاب المجلس النقابي، كثيرا من الإنجازات؛ أبرزها المساهمة، مع وزارة الإعلام، في بلورة قانون جديد لنقابة المحررين، رفعته الحكومة اللبنانية في الصيف الماضي إلى البرلمان تمهيدا لإقراره.
القانون الجديد، في حال إقراره في البرلمان، يتيح للنقابة فتح باب الانتساب لكل العاملين في الحقل الإعلامي إليها؛ سواء العاملون في المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام المرئي والمسموع، أو الملحقون الإعلاميون في السفارات في حال توفرت شروط الانتساب لديهم، فضلاً عن أنه يوفر حصانة للإعلاميين، ويعزز التقديمات لهم.
ورغم أن إقرار هذا القانون يعد «إنجازا» لوزير الإعلام، إذا ما أضيف إلى سلسلة ورشات العمل لتطوير القطاع، فإن الوزير الرياشي يبدو متواضعاً في توصيف ما حققه، مكتفياً بالقول لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ورشة عمل كبيرة في الوزارة»، لكنه لم ينفِ «التعرض لمحاربات من أماكن متعددة لن أتحدث عنها إلا إذا أقفلت الأبواب بوجهي، وهي جزء من البيروقراطية والصراع السياسي في البلد».
ولعل «قانون المطبوعات»، أو ما عرف بـ«قانون نقابة المحررين»، من أبرز الإنجازات التي أريد لها أن تتطور لتصبح «نقابة معاصرة تشبه لبنان في 2020 و2030». ويوضح الرياشي: «هذا القانون معد ليشبه لبنان بشكله المعاصر. (نقابة المحررين) بالشكل القديم كانت محصورة بمحرري الصحف المطبوعة. اليوم ستضم جميع المحررين وكل الناشطين بالحقل الإعلامي كإعلاميين لأي وسيلة إعلامية»، لافتاً إلى أن دور النقابة «تأمين حقوق الإعلاميين وتوفير الحصانة النقابية لهم حماية لحقوقهم».
والقانون الجديد، يوفر تقديمات اجتماعية جديدة للمحررين، عبر صندوق تعاضد صحي ومهني، إلى جانب دور النقابة في الوقوف إلى جانب الصحافيين الذين يتعرضون للصرف التعسفي، حيث ستؤمن النقابة لهؤلاء مخصصات مالية لفترة معينة تكفي حاجتهم، بانتظار أن يجدوا فرصة عمل.
يتضمن القانون شقاً متعلقاً بمجلس تأديبي مثل نقابة الأطباء، وعليه؛ فلن يحاكم الصحافي في المحاكم المدنية، بل في محكمة النقابة في حال مخالفة المبادئ الأساسية للمهنة وشروط الانتساب. ويؤكد الرياشي أنه «في حال كان الصحافي محقاً في اختبار قانوني يتعرض له، فستقف النقابة إلى جانبه، أما إذا كان مخطئاً، فستأذن النقابة لملاحقته، مثل أي نقابة أخرى للمهن الحرة في لبنان مثل المحامين والمهندسين». ويشدد الرياشي على أنه «انتهى زمن يكون فيه نقيب المحررين نقيباً أبدياً. في القانون الجديد سيكون نقيباً لمدة ثلاث سنوات، ويجدد له لمرة واحدة فقط».
وإعداد القانون، ورفعه إلى البرلمان، يمثل جانبا أساسيا من خطة تطوير العمل الإعلامي التي لا يحبطها تراجع مبيعات الصحف الورقية ومشكلاتها الاقتصادية. ويُضاف إلى خطط أخرى لنقل لبنان إلى «خطة النشر الرقمي».
وهناك عدة اقتراحات على طاولة مجلس الوزراء لها علاقة بدعم الصحف ووسائل الإعلام عبر إعفائها من رسوم وضرائب جمركية حتى تستطيع الصمود بوجه الأزمة الاقتصادية. ويشير الرياشي إلى أن أبرز الاقتراحات لدعم الصحف، يتمثل في تقديم دعم حكومي لمدة سنتين، تستطيع خلالهما الانتقال إلى البث الرقمي، وبعدها، إذا قررت الصحف الورقية أن تواظب على النشر ورقياً، فإنها ستتكفل بتلك التكلفة، مشيراً إلى أنه من بين المساعدات المقترحة، تقديم 500 ليرة على كل عدد مبيع. لكن الرياشي لا ينفي أن هذه الاقتراحات «لا تزال محل تباين وانقسام في مجلس الوزراء»، وهو ما لا يعد مهمة سهلة حتى الآن.
هذه الإنجازات تُضاف إلى خطة الرياشي لتحويل وزارة الإعلام إلى وزارة للحوار والتواصل، ليقينه بأن «وزارة الإعلام لم تعد وزارة معاصرة تشبه حركة الإعلام والتكنولوجيا والعصر». ويرى أن «الدولة حتى تكون حاضرة في الإعلام، يجب أن يكون هناك إعلام حر لشعب حر ضمن مجلس وطني للإعلام يرعى شؤون هذه المؤسسات والقطاع الخاص»، لافتاً إلى أن مهمة التعاطي اليومي مع وسائل الإعلام بالشكل الذي كان سائداً، يجب أن توكل لمجلس وطني أعلى للإعلام.
ولا يعارض الرياشي بقاء القطاع الرسمي؛ «لكن يجب أن يكون للشعب اللبناني، وليس للرسميين فقط، وينقل صورة الدولة للمواطن، وينقل حاجة المواطن للدولة»، مؤكداً أن «هذا الدور أعتبره استراتيجيا عبر وزارة التواصل والحوار».


مقالات ذات صلة

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.