الصحف الورقية في العالم العربي... إما التجدد أو الاندثار

الصحف الورقية في العالم العربي... إما التجدد أو الاندثار

خسرت معركة السرعة أمام الوسائط الإلكترونية وحظوظها تكمن بالتخصص والتعمق
الاثنين - 2 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 20 نوفمبر 2017 مـ رقم العدد [14237]
رغم معاناة الصحف الورقية إلا أن الجرائد اليومية لا تزال جزءاً لا يتجزأ من يوميات شريحة كبيرة من العرب
القاهرة: عبد الفتاح فرج - الدمام: إيمان الخطاف - بيروت: سوسن الأبطح - بيروت: نذير رضا
«نيويورك تايمز» واكبت التقدم التكنولوجي بموقعها، لكنها اختارت الحفاظ على نسختها الورقية التي لا يزال يقرأها الملايين حول العالم. «لن نتخلى عن طبعتنا الورقية في المستقبل القريب، إلا أنني أستطيع تخيل (نيويورك تايمز) إلكترونية يوماً ما» كلمات هادئة وواثقة قالها رونالد كابوتو نائب رئيس قسم الخدمات الورقية لدى الصحيفة لـ«الشرق الأوسط» في يوليو (تموز) الماضي. لم يقلق كابوتو على «التايمز» الورقية، فهي صحيفة دولية يتسابق المارة على شرائها من الأكشاك أينما كانوا. إلا أنه حذر من انقراض الصحف المحلية في أميركا. أكد لنا خلال حديثه أن العديد منها تصارع البقاء والآخر أسدلت الستار على نسخها. ظاهرة دفعتنا لدراسة الوضع في العالم العربي والتركيز على السعودية، ومصر، ولبنان. دول عربية بتاريخ صحافي عريق ومهد لأبرز المطبوعات الورقية التي لا تزال أهمها مستمرة رغم المصاعب.

تحديات اختلفت من دولة إلى أخرى، لكن يبدو أن ثمة اتفاقاً على أن الصحافة المطبوعة لن تختفي في المستقبل القريب رغم التحديات، لكن لكي تبقى حظوظها المحدودة، عليها أن تطور أداءها ليصبح أكثر ميلاً للعمق والتخصص بعدما خسرت في معركة السرعة أمام الوسائط الإلكترونية.

صحف مصر تصارع كابوس الاختفاء

لم يشفع تاريخ الصحافة الورقية المصرية العريق، الذي يزيد على مائتي عام، في وقف تراجع التأثير ونسب التوزيع والإعلانات. وفي أحدث دلالة على التراجع المطرد للصحافة الورقية، أفاد جهاز الإحصاء الحكومي بأنه تم إغلاق نحو 50 في المائة من الصحف المحافظة على الصدور خلال 5 سنوات فقط، بالإضافة إلى تراجع توزيع الصحف من 2.5 مليون نسخة يومياً، إلى 400 ألف نسخة في 2017، وفقاً لتقديرات خبراء التوزيع. ورغم مناشدات الخبراء والمراقبين المتكررة لبحث أسباب الأزمة ومعالجتها لعدم تكرار سيناريو إغلاق صحف «البديل»، و«التحرير»، و«الأحرار»، و«الطريق»، و«الكرامة»، و«الجيل»، وغيرها من الصحف اليومية والأسبوعية، فإن الهيئات الحكومية المسؤولة عن مستقبل الصحافة في مصر، لا تبدي اهتماماً بالأزمة حتى الآن، بحسب وصف المراقبين.

ويبدو أن ثمة اتفاقاً بين الخبراء المتخصصين على أن الصحافة المطبوعة في مصر ستحافظ على وجود محدود ورمزي، وستواصل التراجع كمياً مع زيادة التعرض للوسائط الإلكترونية، ولكي تبقى حظوظها المحدودة، عليها أن تطور أداءها ليصبح أكثر ميلاً للعمق والتخصص.

يقدر مجدي الحفناوي، مدير توزيع جريدة «المصري اليوم»، توزيع جميع الصحف المصرية (اليومية والأسبوعية) حالياً، بـ400 ألف نسخة فقط، رغم تخطي صحيفته وحدها هذا الرقم إبان انتفاضة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

وأضاف الحفناوي لـ«الشرق الأوسط»: «توقعت في العام الماضي أن ينخفض توزيع الصحف اليومية التي قامت برفع أسعارها إلى 3 جنيهات بنسبة 30 في المائة، لكن توزيعها انخفض بنسبة 50 في المائة، وهذه حقيقة مفزعة جداً، وكابوس يُداهم الصحافة المصرية الورقية العريقة التي تنهار لصالح الصحافة الرقمية».

ولفت الحفناوي إلى أن «الصحافة الرقمية في مصر ليست مستعدة حالياً لتعويض الصحافة الورقية بسبب ضعف العائد المادي، وعدم قدرتها على استيعاب كل العاملين في الصحافة الورقية بداية من عمال المطابع وحتى رؤساء التحرير». وقدر الحفناوي عدد العاملين في مجال الصحافة في مصر بنحو 75 ألف فرد.

وأدت الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011، إلى إغلاق صحف يومية وأسبوعية، وتسريح عدد كبير من الصحافيين، بعد عزوف آلاف المواطنين عن شراء الصحف لارتفاع أسعارها بنسبة 100 في المائة خلال 5 سنوات، بالتوازي مع زيادة أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، خصوصاً بعد تحرير سعر صرف الجنيه المصري.

وكانت صحيفة «البديل» (يومية خاصة)، أعلنت في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، التوقف عن الصدور نهائياً، بسبب الأزمات المالية. وفي العام نفسه، أعلنت صحيفة «التحرير»، التوقف عن الصدور اليومي والاكتفاء بعدد أسبوعي يصدر كل يوم ثلاثاء. وأرجعت سبب الإغلاق في بيان إلى انصراف أغلب قطاعات المجتمع عن قراءة الصحف المطبوعة، خصوصاً الشباب، واتجاههم إلى الحصول على معلوماتهم من الصحافة الإلكترونية. وفي نهاية عام 2013، تحولت صحيفة «المصريون» من النسخة اليومية إلى الأسبوعية.

واعتبر صلاح عيسى الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة سابقاً، أن «أزمات الصحف المصرية حالياً مرتبطة بالركود الاقتصادي». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «طلبنا من ملاك الصحف اليومية معالجة الأزمة من خلال تخفيض عدد الصفحات وتقليل الألوان، دون اللجوء إلى تسريح العاملين أو رفع سعر الصحف، وبالفعل استجابت بعض الصحف اليومية لذلك، مثل (الوطن)، و(الشروق)، و(المصري اليوم)، وحتى المؤسسات القومية استجابت لهذه النصائح وخفضت عدد الصفحات والألوان».

وتابع عيسى: «سجلات المجلس الأعلى للصحافة يوجد بها عدد كبير من الصحف الحاصلة على تراخيص بالصدور، لكنها تعتبر أرقاماً وهمية، فهي لا تصدر بانتظام لعدم وجود تمويل أو إعلانات، فعدد تراخيص الصحف الحزبية في مصر 8 صحف، لا يصدر منها إلا صحيفتان فقط».

وأشار عيسى إلى قرار المجلس في مارس (آذار) الماضي بإيقاف ترخيص جريدة «البديل» الورقية وعدد من الصحف غير المعروفة التابعة لأندية وجمعيات، لتوقفها عن الصدور بانتظام بسبب الأزمات المادية، موضحاً أن «الأزمات التي تعاني منها الصحف المصرية لا تنطبق على الصحف الخليجية، لأن مستوى المعيشة بالدول التي تصدر منها مرتفع ولا تعاني من أزمات اقتصادية».

ويبلغ عدد الصحف اليومية المصرية حالياً 23 صحيفة؛ منها 9 صحف قومية، و13 خاصة، وواحدة حزبية هي جريدة «الوفد»، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الذي أفاد في شهر مايو (أيار) الماضي، في تقرير أصدره لمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، بأن عدد الصحف اليومية والأسبوعية والشهرية في مصر كان قد بلغ 75 صحيفة، منها 3 صحف حزبية عام 2015، مقابل 80 صحيفة عامة منها 8 صحف حزبية عام 2014، بانخفاض بلغت نسبته 6 في المائة.

الأرقام السابقة تعطي مؤشراً سلبياً عن حالة الصحافة المطبوعة في مصر، إذا قورنت ببيان الجهاز الحكومي نفسه عام 2012، حيث أفاد بأن عدد الصحف المصرية آنذاك بلغ 142 صحيفة في عام 2010، فيما بلغ عدد الصحف الحزبية في العام نفسه أيضاً 23 صحيفة، لا يصدر منها الآن سوى صحيفتين «الوفد» و«الأهالي»، وفقاً لرئيس المجلس الأعلى للصحافة سابقاً.

وأفاد بيان «الإحصاء» لعام 2012 أيضاً، بأن عدد النسخ الموزعة محلياً بلغ 917.9 مليون نسخة عام 2010 بمتوسط 2.5 مليون نسخة يومياً، لكنها هبطت إلى 560.7 مليون نسخة في عام 2015. بمتوسط نحو مليون ونصف المليون نسخة، ويقدر الخبراء نسب التوزيع الحالية بـ400 ألف نسخة فقط لكل الصحف المصرية يومياً.

الأرقام الحكومية السابقة التي تؤكد تراجع نسب التوزيع حالياً، وارتفاع نسب إغلاق الصحف تعضدها أرقام رسمية أخرى سلبية صادرة من «الهيئة الوطنية للصحافة»، (المسؤولة عن إدارة المؤسسات الصحافية القومية) على لسان رئيسها كرم جبر، الذي أكد في تصريحات تلفزيونية أن ديون الصحف القومية وصلت إلى 19 مليار جنيه (الدولار الأميركي يعادل 17.7 جنيه مصري) في مؤشر غير مبشر للخروج من الأزمة.

وقال الكاتب الصحافي والمدرب الإعلامي خالد البرماوي لـ«الشرق الأوسط»: «صناعة الصحف في مصر، كانت تحقق عائدات سنوية تبلغ قيمتها نحو نصف مليار جنيه من التوزيع فقط قبل 5 سنوات، لكن انخفاض حجم التوزيع والإعلانات حالياً بنسبة 50 في المائة يعطي مؤشراً على اقتراب نهاية أجل الصحافة الورقية في مصر».

وأضاف البرماوي: «بالهند توجد تجربة ناجحة في زيادة توزيع الصحف بنسبة 8 في المائة سنوياً، واعتمدت تلك التجربة الفريدة على التعاون والشراكة بين المؤسسات الصحافية تحت شعار المصلحة».

وقال الناشر هشام قاسم لـ«الشرق الأوسط»: «لا أعتقد أن الصحف المصرية الحالية ستستمر طويلاً، سنرى بلا شك كيانات جديدة مدمجة ومنفردة، فالمؤسسات القومية ليس لها مستقبل بوضعها المالي الحالي في ظل توجهات الحكومة الحالية برفع الدعم عن المؤسسات العامة».

وأضاف قاسم: «من علامات تراجع الصحف الورقية في مصر الآن تشابه أو تطابق المانشيتات اليومية»، مشيراً إلى أن «تدخلات بعض أجهزة الدولة في المحتوى الصحافي وفرض مانشيت معين، تسبب ذلك في تراجع دور الصحافة المطبوعة في مصر».

وعن غياب تأثير الصحف يقول قاسم: «معظم مانشيتات الصحف أصبحت موحدة، ولا تتسم بالجرأة، وموضوعاتها الداخلية ليست طازجة وتعاني السطحية، ولا تقدم للقارئ خدمات أو معلومات جديدة، وإن أرادت الحفاظ على ما تبقى لها من تأثير محدود يجب أن تتجه إلى العمق والتجديد».

إجراءات محدودة لإطالة أمد بقاء الورق في السعودية

رغم كثرة التكهنات بأن الصحافة الورقية في السعودية تلفظ أنفاسها الأخيرة، فإن المتابع للمشهد الإعلامي السعودي يلمس انتعاش الحراك المهني للصحافة ومواكبة عدة صحف لمعطيات العصر الإعلامي الجديد، وهو ما مثل طوق نجاة لبعض الصحف التي عمدت إلى تطوير نهجها بما ينسجم مع متطلبات المتلقي المعاصر.

إلى ذلك، ذكر الدكتور فهد آل عقران رئيس تحرير صحيفة «المدينة» السعودية، أن الصحافة الورقية في السعودية صامدة، لكنها تعاني. وقال: «لدينا نحو 10 مؤسسات، والصحف الورقية تمثل جزءاً منها، لكن لهذه المؤسسات منصات إعلامية أخرى»، مشيراً إلى أن الصحافة السعودية بحاجة إلى دعم حقيقي وإعادة النظر فيها.

وأضاف آل عقران لـ«الشرق الأوسط»، أن الصحافة الورقية هي منبع الإعلاميين، والصحافيون هم المتسيدون للمشهد الإعلامي، إن كان في شبكات التواصل الاجتماعي أو التلفزيون أو غير ذلك، لافتاً إلى أن رأسمال الصحف السعودية يقارب مليار ريال (260 مليون دولار)، وتضم بين 3.5 آلاف و4 آلاف عامل، ما بين صحافي ومصور وعمال مطابع وغيرهم، وهذه الصناعة بحاجة إلى تطوير ودعم لأنها القوة الحقيقية.

أما الدكتور فهد العسكر أستاذ الإعلام والصحافة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، فاعتبر أن الصحف السعودية ليست بمنأى عما يحدث في الصحافة عالمياً، وعليها أن توجد حلولاً جذرية كي لا تواجه المصير القاسي الذي عصف بالصحافة الورقية عالمياً، سواء كانت هذه الحلول من قبل المؤسسات نفسها أو من الدولة.

واعتبر العسكر أن كل الذي تعمله الصحف السعودية الآن إجراءات محدودة، تسعى من خلالها إلى إطالة أمد البقاء وليس استدامته.

وأشار إلى أن الصحف تتباين في قدرتها على الصمود تبعاً لقوة بنيتها، سواء المهنية أو الاقتصادية، بمعنى أن الصحف التي لديها قاعدة اقتصادية جيدة ووفرت من أرباح سابقة، فهذه هي الأكثر قدرة على الصمود، على الأقل حتى يمكنها تدبير حلول جذرية تساعدها في تعزيز استدامتها، وذلك بعكس الصحف التي كانت طوال تاريخها تعاني من ضائقة مالية.

من جهته، يعتقد الدكتور خالد الحلوة أستاذ الإعلام في جامعة الملك سعود، أن الصحف السعودية صامدة الآن، لكن إن لم يكن لديها بديل رقمي واشتراكات رقمية ولم توجد حلولاً مستقبلية، فسيقل مدخولها من الإعلان ولن تصمد طويلاً. وتابع: «الصحف السعودية تحاول الآن تغطية هذا النقص، وبعضها قلل حجم الورق، فإحدى الصحف كانت تضم 50 صفحة والآن تصدر 28 صفحة باليوم فقط، وهذه تغطية مؤقتة للنقص، لكن ماذا سيحدث على المدى الطويل؟».

لبنان يخطط لإعادة ابتكار جرائده

البعض اعتبرها «مغامرة» وبعض آخر رأى فيها تهورا، ووصف الصحافي وناشر جريدة «السفير» طلال سلمان المشروع بـ«الشجاع» قائلاً إن إصدار جريدة ورقية جديدة، في هذا الوقت، يكاد يكون «مهمة انتحارية».

الكلام هو عن صحيفة «الاتحاد» اللبنانية، اليومية، التي تصدر في وقت حرج، تعاني فيه كل الصحف الورقية الموجودة، وبعضها له تاريخ عريق، من عجز في التمويل وتعيش غالبيتها نزعها الأخير وهي تسرّح عشرات الصحافيين المحترفين.

لبنان الذي كان رائد الصحافة في المنطقة منذ القرن التاسع عشر، حيث أصدر في عام 1870 وحده سبع جرائد ومجلات، يكاد يودع اليوم عهد الصحافة الورقية.

ويقول رئيس تحرير الاتحاد مصطفى ناصر إن الإعلانات لم تنخفض كما يشاع وإن الأمل لا يزال ممكناً، بترشيد المصاريف.

وصفة يعتبر خبير في مجال الإعلان أنها تستحق الاهتمام «لأن المشكلة في المضمون، وليس في غياب القارئ، وما يموت اليوم هي الصحافة الورقية وليست الصحافة المكتوبة، لأن المواقع أمامها فرصة كبيرة. أما القول إن الإعلانات لم تنخفض؛ فهذا كلام لا يصمد أمام الوقائع. يكفي أن نفتح أي جريدة ورقية في لبنان لنتأكد من قلة الإعلانات، لا بل وندرتها أحيانا».

ويقول جورج جبور رئيس «نقابة الإعلان» في لبنان: «الإعلانات في الصحف انخفضت في السنتين الأخيرتين بنسبة 30 في المائة. وفي شركتي (إم سي إن) مثلاً انخفضت النسبة إلى 38 في المائة».

يعزو جبور الأمر إلى أسباب عدة، منها الوضع الاقتصادي السيئ الذي يجعل الميزانيات المخصصة للإعلانات أقل من السابق، ثم تعدد الوسائط التي تتوزع عليها الميزانيات، حيث هناك الإعلانات على الطرقات، المواقع الاجتماعية التي باتت تنتزع حصة كبرى، والمواقع الصحافية الإخبارية، وهذه تعيش بتمويلات صغيرة، وغالبيتها لا تفعل سوى نقل الخبر الذي يصل إلينا بالرسائل النصية أو نسمعها في نشرات الأخبار، كما أن كثيراً منها تنقل عن الورقي.

فيما لم يكن ممكناً لجريدة «النهار» مثلاً أن تنقل مقالة أو موضوعاً سياسياً عن «السفير»، ويتقبل القارئ الأمر.

هناك اليوم ما يقارب 11 صحيفة يومية لبنانية، بعد أن أغلقت «السفير» أبوابها، بينها صحيفة فرنسية وأخرى إنجليزية والباقي باللغة العربية، وغالبيتها موظفوها مهددون بالتسريح أو هم لا يتقاضون رواتبهم بانتظام، وهناك من خُفّضت أجورهم.

تتضارب الأرقام حول عدد النسخ التي تطبعها الصحف اللبنانية مجتمعة، لكنها تتراوح بحسب التقديرات بين 35 ألف نسخة و50 ألف نسخة في أحسن الأحوال، لا يُباع منها مع الاشتراكات والمسايرات، والمساعدات غير المباشرة أكثر من 10 آلاف نسخة. هذا لا يكفي لإعالة المطبوعات، التي تحتاج في هذه الحالة إلى الإعلان أكثر من أي وقت مضى. لكن الصحف ليست مغرية للمعلنين، إذ إن الحصة الكبرى من إعلاناتهم تذهب في الدرجة الأولى إلى التلفزيون، ومن ثم الإعلانات على الطرقات، ويتلوها في الدرجة الثالثة الإعلام الرقمي وتحل الصحف في المرتبة الرابعة لتتبعها خامسة الإذاعات وسادسة السينما.

أما والحالة مزرية إلى هذا الحد، فإن عدداً كبيراً جداً من الصحافيين المخضرمين في لبنان باتوا بلا عمل كلياً، أو ذهبوا إلى مهن موازية. وهو ما استفادت منه صحيفة «الاتحاد» التي قامت بتوظيف عدد من الطاقم المحترف لجريدة «السفير» وبه تعتبر أن نجاحها شبه مؤكد.

ولمزيد من التحدي، فإن الصحيفة بدأت بالنسخة الورقية، وتستمر هكذا شهراً كاملاً قبل أن تطلق موقعها الإلكتروني. لكن إلى حينه بمقدور قارئ الشبكة العنكبوتية أن يطلع على نسخة «بي دي إف»، وتراهن الصحيفة كما كتب رئيس تحريرها على أن الطلب على المكتوب موجود، معبراً عن ذلك بقوله في افتتاحية العدد الأول مخاطباً الناس: «نحن نكتب لأنكم تقرأون».

أما وقد غاب التمويل السياسي أو يكاد، وهو الذي عاشت الصحافة اللبنانية عصرها الذهبي في ظله، خصوصاً أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، وكذلك تشتت أموال الإعلانات في وسائط مختلفة، فكيف لحياة سياسية أن تستقيم دون صحافة؟ وما المخارج، ما دام الفريق المهني موجوداً، ومع ذلك الجميع عالق في عنق الزجاجة.

ثلاثة عناصر يعتبر جورج جبور أنها باتت أساسية: علينا أن ندرك بأن «من هم تحت سنة 45 سنة، لن يقرأوا صحفاً ورقية أبداً، لذلك فإن فوضى الـ(ويب سايت) يجب أن تنتهي وأن يُصار إلى تنظيم عملها. فلا الصحف تقدم للشباب ما يهمهم، ولا التلفزيون ولا حتى المواقع؛ لذلك هم يذهبون لقراءة المواقع الأجنبية ومشاهدة محطات غير لبنانية».

أما الأمر الثاني هو أن المشروع الذي قدمه وزير الإعلام ملحم رياشي، لإنقاذ الصحافة اللبنانية المكتوبة ودعمها مالياً للانتقال إلى الإلكتروني، خلال سنتين، هو هدر للأموال و«كمن يرمي الماء في البحر. وهو يشبه ما تفعله الأنظمة الشيوعية حين تمنع دخول البضاعة الأجنبية، لكن المحلي مضروب وفاسد وغير صالح للتسويق»، يقول جبور: «أنا ضد الدعم لأنه تغطية لأخطاء؛ فمشروع الوزارة يدعم صاحب الجريدة الذي كان مدعوماً أصلاً، فماذا فعل وأين ذهب بالأموال؟ وأين سيذهب بالأموال التي ستُعطى له؟ نحن بحاجة لدعم محررين مهرة، بمقدورهم الإتيان بمضمون يجذب القارئ. وهو ما لن يتحقق».

أما الأمر الثالث الذي يلفت له جبور فهو الفشل الذريع الذي مُنيَت به باستمرار كل الوسائل الإعلامية الحزبية في لبنان، وهي التي حظيت دائماً بأموال سخية ومع ذلك لم تُقرَأ، والمحطات التلفزيونية المؤدلجة لم تُشاهَد، ولا يزال ما يعمل منها عالة على أصحابه. ويسوق مثلاً على ذلك، مطبوعات مثل «العمل»، و«المحرر»، و«الأنباء»، و«صوت الأحرار»، و«البناء».

ويستطرد بالقول: «اللبناني ذكي، ويريد إعلاماً موضوعياً، وهو ليس معتاداً على الإعلام الموجَّه». ويضيف: «على الصحافة المكتوبة أن تعيد اختراع نفسها بالشكل والمضمون، كما يحاول التلفزيون أن يعيد اختراع نفسه، وها هو ينجح في بعض الأحيان».

مشروع قانون لنقابة المحررين لدعم الصحف

عاملان أساسيان ساهما في تنشيط خطة تطوير قطاع الصحافة والإعلام في لبنان، يتمثلان في وصول وزير الإعلام ملحم الرياشي إلى الوزارة، ووجود نقابة محررين فاعلة، حققت، خلال نحو عام من انتخاب المجلس النقابي، كثيرا من الإنجازات؛ أبرزها المساهمة، مع وزارة الإعلام، في بلورة قانون جديد لنقابة المحررين، رفعته الحكومة اللبنانية في الصيف الماضي إلى البرلمان تمهيدا لإقراره.

القانون الجديد، في حال إقراره في البرلمان، يتيح للنقابة فتح باب الانتساب لكل العاملين في الحقل الإعلامي إليها؛ سواء العاملون في المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام المرئي والمسموع، أو الملحقون الإعلاميون في السفارات في حال توفرت شروط الانتساب لديهم، فضلاً عن أنه يوفر حصانة للإعلاميين، ويعزز التقديمات لهم.

ورغم أن إقرار هذا القانون يعد «إنجازا» لوزير الإعلام، إذا ما أضيف إلى سلسلة ورشات العمل لتطوير القطاع، فإن الوزير الرياشي يبدو متواضعاً في توصيف ما حققه، مكتفياً بالقول لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ورشة عمل كبيرة في الوزارة»، لكنه لم ينفِ «التعرض لمحاربات من أماكن متعددة لن أتحدث عنها إلا إذا أقفلت الأبواب بوجهي، وهي جزء من البيروقراطية والصراع السياسي في البلد».

ولعل «قانون المطبوعات»، أو ما عرف بـ«قانون نقابة المحررين»، من أبرز الإنجازات التي أريد لها أن تتطور لتصبح «نقابة معاصرة تشبه لبنان في 2020 و2030». ويوضح الرياشي: «هذا القانون معد ليشبه لبنان بشكله المعاصر. (نقابة المحررين) بالشكل القديم كانت محصورة بمحرري الصحف المطبوعة. اليوم ستضم جميع المحررين وكل الناشطين بالحقل الإعلامي كإعلاميين لأي وسيلة إعلامية»، لافتاً إلى أن دور النقابة «تأمين حقوق الإعلاميين وتوفير الحصانة النقابية لهم حماية لحقوقهم».

والقانون الجديد، يوفر تقديمات اجتماعية جديدة للمحررين، عبر صندوق تعاضد صحي ومهني، إلى جانب دور النقابة في الوقوف إلى جانب الصحافيين الذين يتعرضون للصرف التعسفي، حيث ستؤمن النقابة لهؤلاء مخصصات مالية لفترة معينة تكفي حاجتهم، بانتظار أن يجدوا فرصة عمل.

يتضمن القانون شقاً متعلقاً بمجلس تأديبي مثل نقابة الأطباء، وعليه؛ فلن يحاكم الصحافي في المحاكم المدنية، بل في محكمة النقابة في حال مخالفة المبادئ الأساسية للمهنة وشروط الانتساب. ويؤكد الرياشي أنه «في حال كان الصحافي محقاً في اختبار قانوني يتعرض له، فستقف النقابة إلى جانبه، أما إذا كان مخطئاً، فستأذن النقابة لملاحقته، مثل أي نقابة أخرى للمهن الحرة في لبنان مثل المحامين والمهندسين». ويشدد الرياشي على أنه «انتهى زمن يكون فيه نقيب المحررين نقيباً أبدياً. في القانون الجديد سيكون نقيباً لمدة ثلاث سنوات، ويجدد له لمرة واحدة فقط».

وإعداد القانون، ورفعه إلى البرلمان، يمثل جانبا أساسيا من خطة تطوير العمل الإعلامي التي لا يحبطها تراجع مبيعات الصحف الورقية ومشكلاتها الاقتصادية. ويُضاف إلى خطط أخرى لنقل لبنان إلى «خطة النشر الرقمي».

وهناك عدة اقتراحات على طاولة مجلس الوزراء لها علاقة بدعم الصحف ووسائل الإعلام عبر إعفائها من رسوم وضرائب جمركية حتى تستطيع الصمود بوجه الأزمة الاقتصادية. ويشير الرياشي إلى أن أبرز الاقتراحات لدعم الصحف، يتمثل في تقديم دعم حكومي لمدة سنتين، تستطيع خلالهما الانتقال إلى البث الرقمي، وبعدها، إذا قررت الصحف الورقية أن تواظب على النشر ورقياً، فإنها ستتكفل بتلك التكلفة، مشيراً إلى أنه من بين المساعدات المقترحة، تقديم 500 ليرة على كل عدد مبيع. لكن الرياشي لا ينفي أن هذه الاقتراحات «لا تزال محل تباين وانقسام في مجلس الوزراء»، وهو ما لا يعد مهمة سهلة حتى الآن.

هذه الإنجازات تُضاف إلى خطة الرياشي لتحويل وزارة الإعلام إلى وزارة للحوار والتواصل، ليقينه بأن «وزارة الإعلام لم تعد وزارة معاصرة تشبه حركة الإعلام والتكنولوجيا والعصر». ويرى أن «الدولة حتى تكون حاضرة في الإعلام، يجب أن يكون هناك إعلام حر لشعب حر ضمن مجلس وطني للإعلام يرعى شؤون هذه المؤسسات والقطاع الخاص»، لافتاً إلى أن مهمة التعاطي اليومي مع وسائل الإعلام بالشكل الذي كان سائداً، يجب أن توكل لمجلس وطني أعلى للإعلام.

ولا يعارض الرياشي بقاء القطاع الرسمي؛ «لكن يجب أن يكون للشعب اللبناني، وليس للرسميين فقط، وينقل صورة الدولة للمواطن، وينقل حاجة المواطن للدولة»، مؤكداً أن «هذا الدور أعتبره استراتيجيا عبر وزارة التواصل والحوار».
مصر إعلام

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة