«دون جوان المكتبات» ألبرتو مانغويل: لديّ 40 ألف كتاب... ومصيرها يقلقني

الكاتب الأرجنتيني قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لم يقصد ابتكار نوع جديد من الأدب

مانغويل في مكتبته
مانغويل في مكتبته
TT

«دون جوان المكتبات» ألبرتو مانغويل: لديّ 40 ألف كتاب... ومصيرها يقلقني

مانغويل في مكتبته
مانغويل في مكتبته

قبل خمس عشرة سنة تقريباً، أطل علينا كاتب لم نكن، آنذاك، قد سمعنا به عربياً، اسمه ألبرتو مانغويل، أرجنتيني المولد، كندي الجنسية، مقيم في فرنسا، ليحدثنا عن القراءة التي حرث في تاريخها وفنونها. واستمرت الكتب المترجمة له عبر «دار الساقي»، لنقرأ عبرها انطباعات القارئ المثقف النهم لكتب الآخرين منذ بدأت الكتابة أشكالها الأولى مسمارية على ألواح الطين في بلاد الرافدين، حتى تبلورها بأبجدية واضحة واختراع آلة الطباعة.
ويمكن القول إن ألبرتو مانغويل قد أحدث نوعاً أدبياً جديداً، اسمه «علم القراءة»، دون أن يعي في حينها أنه يبتكر نوعاً أدبياً جديداً، كما يقول في حواره مع «الشرق الأوسط». وقد وجه قراءه عبر تلك الكتابات لمتابعة تفاصيل عميقة عن القراءة، وعن الكتب والمكتبات؛ كتب مثل «فن القراءة» و«تاريخ القراءة» و«يوميات القراءة» و«المكتبة في الليل»، وعناوين أخرى، احتفت بفعل القراءة وتطوره مثل أي تقاليد أخرى، بعد أن كانت الدراسات الحديثة تركز تاريخياً على اختراع الكتابة وتطورها. ومن أفضال مانغويل أنه أعاد الاعتبار للثقافة الإنسانية جمعاء، فلم يتوقف عند ثقافة محددة في قراءاته، فهو مطلع على آداب الشعوب القديمة، وعلى نتاج أدباء معاصرين، لهذا تزدحم مكتبته، وتتعدد غرفها وأماكنها إلى حد أنها وصلت إلى 40 ألف عنوان كتاب.
وهذا حوار تم معه عبر رسائل إلكترونية...
> بإصدارك كتباً عن القراءة، تاريخها وفنها، استحدثت ظاهرة غير مسبوقة في الأدب، بمعنى أصح: نوعاً أدبياً جديداً... كيف حدث أن قرأت كتباً معينة بطريقة أخرى غير الطريقة النقدية التقليدية؟
- لم أكن على دراية حينها بأنه كان نوعاً جديداً؛ إن تعريفات النوع الأدبي تتعلق بقيود لا أقبلها، وكل كاتب (ما لم يكن لديه أو لديها عقل بيروقراطي) يمزج ويناسب بين ما نتفق أو نختلف على تسميته «النوع». فلقد مزج براوننغ القصائد الشعرية مع المناجاة المسرحية، وجمع ابن بطوطة بين قصص الرحلات والسير الذاتية، وكتب بورخيس القصص الخيالية التي بدت مثل دراسات، كما أن أبو العلاء المعري نسج الكتابة اللاهوتية في الكوميديا الشعرية. ولأن القراءة بالنسبة لي هي الوسيلة الطبيعية لتجربة العالم، فإن تعليقاتي على ما أقرأ هي نوع من أنواع السير الذاتية والنقد والأبحاث التاريخية، وفي بعض الأحيان مقتطفات من قصص مختلفة.
> أتساءل عما إذا كان بين أكوام الكتب الضخمة في مكتبتك... هناك كتب (وربما مؤلفون معينون) لديهم تأثير أعمق على شخصيتك من مؤلفات ومؤلفين آخرين.
- بكل تأكيد، غير أن كثيراً من هذه التأثيرات يتوقف على الزمن والمكان. في لحظات معينة، كانت كتب تشيسترتون والقديس يوحنا، وكتب أليس (سلسلة كتب للمراهقين للكاتبة فيليس رينولدز نايلور)، ذات تأثير رهيب على نفسي. وفي لحظات أخرى، كان تأثير مسرحية «الملك لير» و«الليالي العربية» عميقاً عليّ. أما الآن، فإنني أعاود باستمرار القراءة لميشيل دي مونتين ودانتي، على وجه التحديد. وكذلك بورخيس وستيفنسون وأبو نواس وفيرجينيا وولف وكالفينو وأولغا سيداكوفا وصادق هدايت وكافكا وميغيل هرنانديز ومحمود درويش وسينثيا أوزيك ونورمان مانيا وخوان رولفو. ويبدو أن القائمة ممتدة بلا نهاية.
> قلت ذات مرة إن الإلحاح للحصول على كتاب وامتلاكه «هو نوع من الرغبات التي لا يمكن مقارنتها بأية متعة أخرى»... أنت تكتب أيضاً الآن الرواية وغيرها، فهل متعة الكتابة تماثل متعة القراءة عندك؟
- إن الرغبة في اقتناء كتاب ما لا يمكن مقارنتها بالرغبات الأخرى، بسبب أنها لا ترتبط بالأنانية أو الجشع أو الشهوة، بل إنها الدافع الذاتي لأن تكون جزءاً من شيء أعظم منك، وأن تنتمي إلى كوكبة قد تمنحك معنى حقيقياً لوجودك في الحياة، وتلك الإرادة هي التي تستكمل المكتبة التي تعبر عن كينونتنا. وإنني أتوق كثيراً لاقتناء كتاب ما، كما قد أتوق تماماً لأصبع مفقودة.
> ذكرت صحيفة «ذي سكوتلاند أون صنداي» ذات مرة أن «ولع الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل بالقراءة يشبه كازانوفا وولعه بالنساء»... هل راق لك مثل هذا التشبيه؟
- أجده طريفاً للغاية. لقد وصفني جورج شتاينر بتعبيره «دون جوان المكتبات»، وإنني أحب التفكير في الكتب بطريقة إيروتيكية.
> كم تضم مكتبتك من عناوين تقريباً؟
- لديّ في حدود 40 ألف عنوان كتاب.
> وماذا تنوي أن تفعل بهذا الموروث الكبير من الكتب... هل ستهديها لاحقاً لمكتبات وطنية مثلاً أم ستتركها لعائلتك؟
- بصراحة، حتى الآن لا أدري ماذا سأفعل بهذه الكتب، ولكن من المؤكد أن عائلتي لا تريد أن تتورط بعبء مكتبة بهذا الحجم.
بورخيس يشبه كتبه
> قرأت لبورخيس لمدة أربع سنوات كاملة، وهو الذي كان مديراً للمكتبة الوطنية في خمسينات القرن الماضي، المنصب الذي تشغله أنت الآن... فهل يمكنك إخبارنا عن كتبه المفضلة؟ وأي أنواع الكتب التي كان يفضلها أكثر من غيرها؟
- كان بورخيس يقرأ الأدب الإنجليزي بصورة أساسية، بيد أن الكتابات الشرقية والعربية كان لها أبلغ الأثر على أعماله الأدبية. كان يحب القصص الملحمية، وكان لديه ذوق خاص لأدب العنف والمشاعر المرهفة. وتأتي القوة الكبيرة في كتاباته، كما أعتقد، من مقدرته الفريدة على تحويل كل شيء يقرأه إلى «بورخيس». ومن بين أفضل الكتاب المقربين إليه كان ستيفنسون وكيبلينغ وتشيسترتون وكارلايل ودي كوينسي وروبرت فروست وإيكا دي كويروز ودانتي.
> ذكرت في كتابك حول بورخيس أنه لم يلتزم أبداً بالانتهاء من قراءة كتاب ما. كقارئ، هل تلتزم أنت دائماً بإنهاء قراءة أي كتاب في حال عدم الاستمتاع بقراءته؟
- أبداً، أنا أشرع في قراءة صفحة أو صفحتين من أي كتاب، فإن لم يغرني ما أقرأه بالاستمرار والمواصلة، فإنني أتخلى عن ذلك الكتاب فوراً. ربما أعاود قراءته مرة أخرى في المستقبل، غير أن علاقتي المبدئية به تكون قد انقطعت.
> هل تشعر أن هناك فارقاً بين بورخيس كإنسان وبين كتبه؟ لقد أدركت أنك لم تذكر كتبه بين تلك المفضلة لديك، بحسب قائمة في لقاء صحافي معك. صحح لي إن أغفلت شيئاً.
- بورخيس الإنسان تقاسم مع بورخيس الكاتب سمات كثيرة، بينها الذكاء والدعابة والاعتبارات الأخلاقية، ولكنني لم أتعرف عليه بصورة مقربة ووثيقة، وأعتقد أن الصديق الحقيقي الوحيد لديه كان أدولفو بيوي كاساريس؛ لقد كان بورخيس حريصاً على خصوصيته. وما من شك في أن كتب بورخيس هي من ضمن الكتب المفضلة عندي، وأعتقد أنك اطلعت على قائمة عن كتبي المفضلة باللغة الإنجليزية، وترجمات بورخيس إلى اللغة الإنجليزية هي شيء أمقته.
> برأيك هل اتهم بورخيس بمعاداة القومية الأرجنتينية لمجرد أنه تبنى الميثولوجيا والتراث الأجنبي في كتاباته، مثل «الليالي العربية»، متجاهلاً الميثولوجيا الوطنية؟
- عارض بورخيس الحمقى من أنصار القومية الأرجنتينية الرعناء، الذين كانوا مثل أولئك الذين قالوا، وفقاً للمؤرخ اليوناني القديم بلوتارخس، إن قمر إسبارطة هو أكثر جمالاً وبهاء من قمر أثينا. وقال إنه يمكننا أن نكون أرجنتينيين بأن نكون عالميين.
> ما أهدافك بوصفك مديراً للمكتبة الوطنية في الأرجنتين الآن؟ ومجلتكم تنشر باللغة الإسبانية، فهل فكرتم في نشر إصدارات بلغات أخرى، مثل الإنجليزية، بغية الوصول إلى قطاع أكبر من الجمهور؟
- لقد فكرت في الأمر، وكم أود القيام به، ولكن تنقصنا الميزانية الكافية للتنفيذ. أود أن تكون المكتبة الوطنية مكتبة عالمية حقاً، ونحن نوقع على اتفاقيات مع كثير من المكاتب الوطنية في بلدان أخرى حول العالم. كما أننا نعمل على تنظيم معرض مشترك مع مدير مجلس المكتبات العامة في القاهرة، خالد الخميسي؛ معرض كبير يحمل عنوان «بورخيس والعالم العربي».
> حصلت أخيراً على جائزة «فورمنتور دي لاس ليتراس» المرموقة، لإنجازاتك على مدى حياتك الأدبية... هل تشعر بأن الجائزة هي نوع من أنواع المكافأة للكاتب على جهده الشاق؟ وفي هذا الصدد، هل سبق لك أن قرأت لمؤلفين ما وشعرت بالدهشة لأنهم لم يحصلوا حتى الآن على أية جوائز؟
- الجائزة هي ثمرة آراء بعض القراء (في لجنة تحكيمها). وإن كان تولستوي في هيئة للحكم على أعمال شكسبير، لم يكن ليمنح شكسبير الجائزة لأن تولستوي كان يمقت الملك لير. إن الجوائز تتعلق بالآراء ليس إلا، وهو السبب في أن بورخيس أو محمود درويش لم يحصلا على جائزة نوبل، في حين أن داريو فو وبوب ديلان حصلا عليها. واليوم، لو لي حق القرار، كنت سأمنح جائزة نوبل إلى نورمان مانيا أو سيس نوتبوم أو آن كارسون أو مارغريت أتوود أو إيان ماك - إيوان.
المكتبات والحروب
> وصفت إعادة افتتاح المكتبة الوطنية اللبنانية، التي دمرت خلال الحرب الأهلية عام 1975، بأنه «مشروع سياسي للمصالحة بين جموع الشعب اللبناني». أود أن أضيف أنه مما يؤسف له، كما تعلم، أن المئات من الكتب النادرة المطبوعة والمخطوطات التي لا تقدر بثمن، وغيرها من المعالم الأثرية، قد نالها الدمار أو النهب أو الحرق في البلدان التي مزقتها الحروب، مثل العراق وسوريا واليمن وفلسطين. وأعتقد أنهم في حاجة إلى اهتمامكم كأحد الكتاب البارزين في العالم الآن.
- أوافقك الرأي تماماً، وهذا هو السبب في أنني أثناء تقريظ أحد الكتب لملحق صحيفة «التايمز»، أشرت إلى أنه عندما تعرضت المنازل الفلسطينية للنهب في عام 1948، سُرقت الكتب والمخطوطات من بيوت الفلسطينيين ثم ظهرت مرة أخرى في المكتبة الوطنية الإسرائيلية. وعندما أغلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بشكل تعسفي، المكتبة الأوكرانية في موسكو، وأمر بسجن مديرها، قررت أن افتتح فرعاً للمكتبة الأوكرانية داخل المكتبة الوطنية في الأرجنتين، حيث توجد الآن. لا يمكننا التغافل عن أعمال السرقة والقرصنة والرقابة القميئة، ولا أن نلتزم الصمت المطبق حيالها، وإلا صرنا شركاء في تلك الجرائم.
> نشرت «دار الساقي» أغلب كتبك المترجمة إلى العربية. وبالنسبة لي، الترجمة جيدة للغاية. هل أنت على علم بترجمة أخرى غير التي نشرتها «دار الساقي»، أعني باللغة العربية؟
- أعتقد أن هناك ترجمة أخرى، ولكنني لا أذكر أين تمت. لقد كانت «دار الساقي» مخلصة لأعمالي على مدى سنوات؛ منذ أيام السيدة الرائعة مي غصوب، الصديقة العزيزة التي أفتقدها كثيراً.


مقالات ذات صلة

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».