الكتاب الأميركيون في متحف رائد

يضم عرضاً موجزاً لسير الأدباء مع صورهم ومقتطفات من أقوالهم المأثورة

جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»
جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»
TT

الكتاب الأميركيون في متحف رائد

جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»
جانب من متحف «الكتاب الأميركيون في شيكاغو»

لا شك أن الاهتمام بالأدب يشهد تراجعاً في الولايات المتحدة بالمقارنة مع الماضي، ويرجع ذلك من جهة إلى انتشار التقنيات الحديثة واستقطابها للشباب، فضلاً عن انتشار الهوايات الأخرى المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة، والتي تزود البشر بمتع مغايرة للمطالعة، بل تتجاوز في الخيال المبتدع معظم الإبداع الأدبي. لذلك، نشهد في عصرنا الراهن ظاهرة «الكتاب الأفضل مبيعاً»، وهذه نوعية من الكتب تقدم كثيراً من التشويق، لكنها مصنوعة بشكل يلائم الذوق العريض، ويصلح للاقتباس إلى أفلام هوليوودية الطابع، ولا تطمح إلى الفوز بجوائز أدبية رفيعة مثل «بوليتزر» وسواها. صار لا يطبع من دواوين الشعر الأميركي الحديث إلا القليل، وهي تحتاج إلى دور تغامر بنشرها، إلا إذا كان الشاعر يحظى باسم له شهرة عالمية مدوية. فالعالم ما زال يقرأ ت. س. إليوت، إزرا باوند، والت وايتمان، رالف إيمرسون، إميلي ديكنسون، وذلك على سبيل المثال لا الحصر. أما المسرح، فنشر نصوصه يعتبر من أصعب المعضلات بالنسبة للمؤلفين، لأن الغالبية العظمى من دور النشر تملك قناعة راسخة بأن المسرحية المقروءة لا تبيع، وبالتالي فإن نشرها مشروع خاسر. لذلك، ما زال الرائج طبع الكلاسيكيات الحديثة كأعمال يوجين أونيل، تنيسي ويليامز، آرثر ميلر، ثورنتون وايلدر وكليفورد أوديتس أكثر من المسرحيات الجديدة. لذلك أيضاً، تجد دوراً معينة قليلة متخصصة بنشر المسرحيات دون سواها، وتعمل كوكيل حصري لها بحيث تنال غالباً حصة من أرباح إنتاجها في المسارح. حتى المجموعات القصصية طالها انحسار نسبي بعد الشهرة المدوية لأساطين كتابها، مثل و. هنري، إدغار ألن بو ومارك توين. وحدها الرواية ما زالت تحظى بانتشار واهتمام وتنافس، وتتنافس دور النشر على إطلاقها. هذا التراث الغني بدأ من ملفيل وهوثورن وهمنغواي وفيتزجيرالد، وامتد إلى بول أوستر، نورمان ميلر، أليكس هيلي، أليس وولكر، توني موريسون، ووصل إلى فيليب روث ومايكل شابون، وسواهم كثير.
في الواقع، ليس تراجع الاهتمام بالأدب ظاهرة أميركية فحسب، بل هي بالأحرى عالمية. أذكر أن الكتاب الجديد الواحد في وطننا العربي كان يطبع 3000 نسخة كحد وسط، ويصل الرقم أحياناً إلى 10000 نسخة. ما لبث عدد النسخ المطبوعة أن تراجع إلى 1000 نسخة فقط، بل هبط أحياناً إلى 500. وكثيراً ما صرت تجد دور نشر مرموقة في بلادنا تفاوض الأديب خلسة أن يسهم بدفع تكلفة طباعة كتابه، أو بطبعه من جيبه الخاص بالكامل مقابل وضع اسم الدار على الكتاب! أما الناس في العواصم الأوروبية الكبرى، فهم يقرأون بكثافة تزجية للوقت خلال ركوبهم المترو لزمن طويل يومياً، وهم يتابعون أدباء جادين مثل كافكا وماركيز وكويللو. أذكر في بدء عهدي بالنشر في العالم العربي في مطلع السبعينات أن عدد النسخ كان وسطياً 3000 نسخة، وربما وصل أحياناً إلى 10000، بينما تراجع عدد النسخ المطبوعة منذ أواخر القرن الماضي إلى 1000 نسخة، وأصبح بعض الكتب في القرن الحادي والعشرين لا يطبع سوى 500 نسخة. الأمر له علاقة، بالتأكيد، بسوء التوزيع، لأن الكتاب صار لا يوزع إلا داخل البلد الواحد قليل عدد السكان وضمن معارض الكتب، إلا إذا نشر في مصر ذات الكثافة السكانية، أو في لبنان الضليع في التوزيع في مشرق العالم العربي ومغربه.
كثيراً ما كان يشاع في بلدان تروج العداء للسياسة الأميركية أن الولايات المتحدة قوية عسكرياً واقتصادياً، لكنها فقيرة حضارياً بالمقارنة مع التراث الأوروبي الغني. يثبت «متحف الكتاب الأميركيين» زيف هذه المقولة وبطلانها، ويثبت أن تاريخ الأدب حافل بأسماء مبدعين في الرواية والقصة القصيرة والشعر والمسرح والمقالة النقدية. يكفي أن نعرف أن ثلاثة رؤساء أميركيين في التاريخ، على أقل تقدير، كانوا في عداد أولئك الكتاب الذين يحيي هذا المتحف ذكراهم، وهم توماس جيفرسون، إبراهام لينكولن وثيودور روزفلت. بالتالي، يصحح «متحف الكتاب الأميركيين» الاعتقاد الخاطئ السائد في منطقتنا، وربما في مناطق أخرى من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية خصوصاً أن الولايات المتحدة بلد يجسد «حضارة القوة»، وليس «قوة الحضارة». يدحض افتتاح «متحف الكتاب الأميركيين» في وسط مدينة شيكاغو، (المكناة «ثاني مدن أميركا»،) هذه النظرية تماماً، إذ يذكر الكم المذهل من المبدعين الأميركيين الكبار الذين مروا في تاريخ الأدب والثقافة، وتركوا بصماتهم الخالدة على مرِّ العصور.
رغم صغر حجم «متحف الكتاب الأميركيين» في شيكاغو فإنه يبقى صرحاً رائداً من نوعه يحتفي بتاريخ عريق سيفاجئ الكثير من الزوار الأجانب، وربما حتى من المواطنين أبناء البلد أنفسهم، وذلك بسبب احتوائه على كم هائل من المعلومات عن الأدباء والنقاد الأميركيين منذ القرن الثامن عشر وصولاً إلى العصر الحديث.
يقع المتحف في الطابق الثاني من بناء أنيق في منتصف شارع التسوق الشهير في شيكاغو، شارع ميتشيغن. يجول الزائر في المتحف الصغير نسبياً، وتحفز الصور والأسماء ذاكرته لتحيي ذكريات من زمن اليفاعة والشباب.
في الرواية، هل يمكن أن ينسى المرء ناثانيال هوثورن مؤلف رواية «الحرف القرمزي»، وهرمن ملفيل مؤلف روايات «موبي ديك» و«تايبي» و«أومو»؟ هل يمكن أن ينسى أحد إرنست همنغواي مؤلف روايات «وتشرق الشمس أيضاً» و«لمن تقرع الأجراس» و«ثلوج كليمنجارو»، ؟ هل يفوت أحد ذكر ف. سكوت فيتزجيرالد مؤلف رواية «غاتسبي العظيم»؟ وهل تغيب عن الذاكرة إبداعات مارك توين مؤلف «مغامرات هكلبري فين»، أو هارييت بيشر ستو مؤلفة «كوخ العم توم»، أو مارغريت ميتشل مؤلفة «ذهب مع الريح»؟ من ذا الذي ينسى وليم فوكنر مؤلف «الصوت والغضب» و«بينما أرقد لأموت»؟ وجون ستاينبك مؤلف «عناقيد الغضب» و«رجال وفئران»؟ هل تغيب عن الذاكرة أيضاً لويزا ماري ألكوت مؤلفة «نساء صغيرات»، أليس والكر مؤلفة «اللون الأرجواني»، وتوني موريسون مؤلفة رواية «محبوبة»، هاربر لي وروايتها «قتل طائر محاكي»، جاك كيرواك وروايته «على الطريق» التي كرست جيل «البيتنكس»، جاك لندن مؤلف «عشرة أيام هزت العالم»، واشنطن إيرفينغ، ترومان كابوته، هنري جيمس، نورمان ميلر، جون آبدايك، ترومان كابوت، ريموند تشاندلر، وداشيل هاميت وسواهم؟ ربما سيفاجأ زائر «متحف الكتاب الأميركيين» حين يعلم أن فلاديمير نابوكوف مؤلف رواية «لوليتا» الشهيرة مصنف بين الأدباء الأميركيين رغم أصله الروسي! أما في مجال المسرح، فلا يمكن لأحد أن يغفل فضل يوجين أونيل مؤلف «الحِداد يليق بإلكترا»، ثورنتون وايلدر مؤلف «مدينتنا»، تنيسي ويليامز مؤلف «ترام اسمه الرغبة» و«الحيوانات الزجاجية»، آرثر ميلر مؤلف «كلهم أبنائي» و«موت بائع جوال» و«البوتقة»، والكثير من المؤلفين المسرحيين الآخرين.
في القصة القصيرة، لا يعقل أن ينسى أحد رائد الحداثة إدغار ألن بو بقصصه الغرائبية المشوقة مثل «سقوط منزل آشر»، ولا ينسى أو. هنري بقصصه الإنسانية الرائعة جميعاً. في الشعر، لا يمكن لأحد أن ينسى الشاعر والت وايتمان، مؤلف «أوراق العشب»، والشاعر ت. س. إليوت، مؤلف «الأرض اليباب» و«أربعاء الرماد»، كما لا يمكن نسيان الشاعرة إميلي ديكنسون، روبرت فروست ودبليو. إتش. أودن وسواهم. بعض هؤلاء حاز جائزة «نوبل» للآداب، وكثير منهم حازوا جوائز «بوليتزر» أو «توني» أو سواها.
يضم «متحف الكتاب الأميركيين» عرضاً موجزاً لسير الأدباء مع صورهم ومقتطفات أقوالهم المأثورة وسطور من إبداعاتهم الخالدة بوسائل جذابة للزائر. إنه متحف صغير حقاً، لكنه نموذجي بحيث يشجع ويلهم ليس المدن الأميركية الأخرى فحسب، بل العواصم العالمية والعربية أيضاً، أن تحذو حذوه وتطلق مشاريع من هذا النوع لتخليد إبداعات أدبائها قبل إقامة التماثيل لزعمائها السياسيين.
أمثال هذا المتحف تغري بأن يؤمها جيل الشباب ليتعرف إلى مبدعي أوطانهم الكبار، الذين رحلوا جسدياً عن عالمنا، لكن ما أضافوا روحياً يبقى خالداً في سجل الإنسانية. يشكل «متحف الكتاب الأميركيين» في شيكاغو خطوة ملهمة وظاهرة حضارية راقية نأمل أن تسري عدواها إلى كل مكان لتعيد إلى الأدب جدارته واعتباره في عصرٍ طغت فيه وسائل الاتصال التكنولوجية المتقدمة حتى هيمنت على صناعة السينما والتلفزيون، وعلى عالم الإنترنت. «متحف للكتاب الأميركيين» مبادرة عظيمة تستحق أن تفخر بها شيكاغو في زمن تضاءل فيه اهتمام الناس بالأدب والأدباء.
*كاتب سوري مقيم
في الولايات المتحدة


مقالات ذات صلة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

ثقافة وفنون «المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)

السعودية تدشن جناحها ضيف شرف «معرض كوالالمبور للكتاب 2026»

دشَّنت «هيئة الأدب والنشر والترجمة» السعودية، الجمعة، جناح المملكة ضيف شرف «معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026».

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور)
كتب فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود يسبر تاريخ الأقليات الدينية في العصور القديمة

فيليب وود أستاذ متخصص في حقل الأديان المقارنة. حصل على درجة الماجستير في التاريخ من جامعة كمبردج، وعلى درجة الماجستير البحثي (MPhil) في الدراسات البيزنطية

لؤي عبد الإله
كتب «التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

«التغريبة النجدية»... رحلات مسكونة بالخوف والصراع

بلغة وصفية جميلة، يفتتح الروائي السعودي محمد المزيني رباعيته الموسومة بـ«التغريبة النجدية». وهي تدور عن رجال طافوا في الآفاق،

حسين الحربي
كتب مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في عصر الذكاء الاصطناعي

في ظلّ التسارع المتزايد لدخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات حول العالم، صدر حديثاً كتاب جديد بعنوان «الطبيب الجاهز للذكاء الاصطناعي»

«الشرق الأوسط» ( لندن)

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه
TT

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

هيغل

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

غوته

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

نسب هيغل للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

كانط

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

* كاتب سعودي


«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة
TT

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر، نفعية منافقة، تخدع نفسها بالمظاهر كما تخدع سواها، رغبةً منها في أن تُخفي حقيقة جوهرها كامرأة أوتيت حب المال بشراهة والرغبة في فعل أي شىء للحصول عليه.

تلك هى الدوقة ديبون ديفور التي تعد من أبرز الشخصيات الرئيسية في مسرحية «المسافر بلا متاع» للكاتب الفرنسي جان آنوى، ترجمة وتقديم الناقد والمترجم المصري البارز الدكتور أنور لوقا (1927 - 2003)، والتي صدرت أخيراً منها طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمي».

تتكشف حقيقة السيدة ديفور حين نعرف أنها لم تصطحب الفتى جاستون، الذي فقد ذاكرته في أثناء الحرب العاليمة الثانية من أسرة إلى أسرة، لمجرد إعادته إلى أحضان أهله رحمةً به ورحمةً بهم، بل للمطالبة بمكافأة تتمناها نظير عنايتها المزعومة به في السنوات الأخيرة.

ولذلك يرافقها مستشار قانوني وكَّلته بمصالح جاستون، ورفضت دون نقاش احتمال أن يكون جاستون ابن بائعة ألبان أو عامل كهربائي بسيط ممن تعرفوا على صورته والتمسوا أن يقابلوه، وأصرت على أن تأتي به إلى «آل رينو» أصحاب هذه الدار الكبيرة المليئة بالأثاث الفاخر والخدم والحشم.

أما جاستون فلا يتعرف من «آل رينو» على أحد ولا تذكِّره أنحاء الدار بأي شيء. عبثاً يتصفح وجوه الحاضرين الذين أسرعوا للقائه بلهفة المشتاقين وهم أمه وأخوه وزوجة أخيه، وعبثاً يطوف في أركان المنزل والحديقة، فالجميع هنا من سادة وخدم يؤكدون أنه جاك رينو بعينه، لا سبيل إلى الشك في شخصيته، وها هم يحاولون دون جدوى أن يقنعوه بأنه واحد منهم.

وحسب أنور لوقا، استوحى جان آنوى فكرة العمل من مسرحية «سيغفريد» للكاتب الفرنسي جان جيردو، وجعل بطله جاستون هو الآخر فاقداً للذاكرة، ولكن سيغفريد وإن كان ضحية نفس المرض نفسه، إلا أنه طراز آخر من الرجال، فهو زعيم ممتاز ولامع، غزير الثقافة، في حين أن جاستون يسقط، كشخصيات آنوى عادةً، في أوحال واقع ملوث بالنفاق والأكاذيب.

وقفز اسم جان آنوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى صدارة المشهد الأول بين كتّاب المسرح الفرنسي المعاصر بسبب براعته في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، مع تقديم شخصيات شديدة الحنين إلى عالم النقاء والبراءة والحق والخير، شديدة السخط على أوضاع الواقع آنذاك القائمة على الإثم والرذيلة.

وُلد جان آنوى في مدينة بوردو بفرنسا في 23 يونيو (حزيران) سنة 1910 وهو ينتمي إلى عائلة متواضعة، إذ كان أبوه خياطاً وكانت أمه تشتغل بعزف الكمنجة، ولهذه النشأة يرجع دون شكٍّ ميله إلى تصوير الفقر ووطأته على نفوس الفقراء في عدد من مسرحياته. التحق بعد ذلك بكلية الحقوق إلا أنه اضطر إلى أن يتركها بعد عام ونصف عام ليكسب عيشه بالعمل في إحدى دور الإعلان.

وفي «المسافر بلا متاع» تتجلى براعة الصياغة المسرحية لدى آنوى، كما تؤدي وحدة الموضوع والمكان والزمان إلى تركيزشديد ينتج عنه عمق التأثير، فهو لا يقسم مادته هنا إلى الفصول ولا يعتمد المشاهد التقليدية بل إلى لوحات طويلة أو قصيرة، متأثراً ببعض أساليب السينما، إلا أنه احتفظ بروح المسرح على نحو أخَّاذ.


«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،