شعر حقيقي أم قصائد «لايكات»؟

ما ينشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي

شريف الشافعي  -  عبد السلام المساوي  -  أحمد اللاوندي
شريف الشافعي - عبد السلام المساوي - أحمد اللاوندي
TT

شعر حقيقي أم قصائد «لايكات»؟

شريف الشافعي  -  عبد السلام المساوي  -  أحمد اللاوندي
شريف الشافعي - عبد السلام المساوي - أحمد اللاوندي

ونحن نواجه هذا الفضاء الإلكتروني المفتوح على كل الجهات والاتجاهات، يعترضنا العديد من التساؤلات حول هذا العدد الهائل من الكتابات التي يطرح أصحابها أنفسهم كشعراء أو كتاب أو أدباء بشكل عام، متخلصين من صرامة الإصدار الورقي، ومن عيون النقاد. فهل هم شعراء فعلاً؟ وهل ما يكتبونه شعر فعلا؟ هل نجح قسم منهم في تقديم قصيدة ناضجة فنياً؟ هل أصبحوا جزءا من المشهد الشعري العربي؟ أم إن كتاباتهم مجرد «خواطر» يبثها أصدقاء لأصدقاء؟ ولماذا الشعر فقط؟ لماذا لا نقرأ قصة قصيرة مثلا في وسائل الاتصال الاجتماعي إلا ما ندر؟
الناقد الأكاديمي المغربي الدكتور عبد السلام المساوي متابع جيد للمشهد الأدبي، ورقياً وإلكترونياً، يقول:
يصعب توصيف كل من ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي بـ«الشعراء»، بالمعنى الاصطلاحي لكلمة «الشعراء» أي بالطريقة التي يحددها النقد الأدبي والأكاديمي حسب المعايير الفنية للشعر. وحتى هذه المعايير فيها ما هو ثابت، وفيها ما هو متحول ومساير للتحول الحضاري والذوقي للمجتمعات الإنسانية. ذلك أن الحسم في هذا الموضوع يتطلب إنجاز بحوث ودراسات إحصائية وفنية للوصول إلى نتائج علمية مقبولة.
ويذكر الدكتور المساوي فضلاً لمواقع التواصل الاجتماعي، ويصف ذلك بقوله: عموما، فإننا لا ننكر فضل هذه الواقع الإلكترونية على الفن الشعري الذي ظل حبيس الدواوين الشعرية على الرفوف، ومُفتقراً إلى المنابر التي تجعله مُتاحاً للناس.
فهذه المواقع أتاحت للجميع فتح حسابات شخصية، ونشر ما يرغبون في نشره، دون المرور تحت مقصّ الرقيب من القائمين على الصفحات الثقافية. وإذا كانت مطالب الشعراء دائما هي جعل القصيدة حالة يومية، فلا شك أن هذه المواقع قد ساهمت بشكل مدهش في إيصالها إلى جمهورها. أما تقييم التجارب الإبداعية فموكول لذوي الاختصاص من الدارسين.... قد يقول قائل: إن سهولة النشر قد فتحت الباب أمام المتطفلين والجاهلين بأوليات الفن الشعري وخصائصه.... ليَكُنْ، لأن الشعر الحقيقي يبقى ـ أبداً ـ محمياً بعيون المتذوقين والنقاد العارفين.
وعن جمهور الشعر، يقول الدكتور المساوي: إنه لا ينحصر ـ عادة ـ في جمهور الأمسيات الشعرية المألوفة. ونظرة على أرقام الحضور في هذه الأمسيات تصيب الإنسان بالإحباط. فباستثناءات قليلة (أمسيات محمود درويش ونزار قباني و......) التي حطمت أرقاما قياسية في الحضور، فإن جمهور باقي الأمسيات يظل محدودا جداً. والجمهور الذي يُعْتَدُّ به هو الذي يتلقّى الشعر على الورق أو على الشاشات. من هنا نرى أن مواقع التواصل الاجتماعي قد سهلت الوصول إلى الشعر والشعراء. كما أنها تقدمه أحياناً في شكل جذاب، سواءً كان مكتوبا أو مُلْقى.
أما لماذا الشعر الأكثر انتشاراً على مواقع التواصل الاجتماعي، فيجيب الدكتور المساوي: أكثر من الرواية والقصة، فأعتقد لأنه الأقرب إلى المشاعر، مثلما كان في القديم.... وربما استسهال كتابته يُطْمعُ فيه الكثيرين. فيظنون أنه سهلُ المَأْتى. ولعل النظرة المغلوطة التي وقع فيها كثيرون من الذين فهموا أن قصيدة النثر هي الكتابة نثراً والتوزيع الحر لأي كلام على الصفحة.... فهذا مما جعل «الشعر» يحظى بالمراتب الأولى في التداول.
أما الجمهور الذكي العارف بالشعر وقيَمه الفنية والدلالية، فلا شك أنه يستمتع بالشعر الحقيقي في هذه المواقع التي لا نعدم فيها الجودة والإمتاع.
استغلال فرص الإنترنت
الشاعر والكاتب المصري شريف الشافعي، له رؤية يطرحها من خلال كونه له العديد من الإصدارات الورقية، إلى جانب كونه ينشر مقاطع من أشعاره على «فيسبوك»، فيقول:
سوف أتحدث عن شبكات التواصل ليس بوصفها وعاء نشر، فهذا ليس الغرض من نشوئها والتعاطي معها، كما أنه لم يثبت تبلور صنف أدبي جديد يوصف بأنه «فيسبوكي» مثلاً. ويضيف: لكن، مما لا شك فيه، أن الإنترنت، وشبكات التواصل، أسهمت ـ فيما يخص الشعر مثلاً ـ في أن تبدو اللحظة الآنية مناسبة تماماً، لعودة القصيدة الحيوية، أو ميلادها بصورتها النقية، بل لعلها اللحظة التاريخية الأكثر مثالية منذ سنوات بعيدة، بعد أن انهارت الوسائط التقليدية لتوصيل النص، وانقاد النقاد والوسطاء الانتفاعيون إلى مكان بارد في الذاكرة، معلنين إفلاسهم، وعدم قدرتهم على التمرير والمنع في عصر الرقمية والفضاءات المفتوحة.
ويضيف الشافعي: مع ذلك، فإن القادرين على استغلال الفرصة من الشعراء العرب «الموهوبين» يمكن عدهم عداً على الأصابع، لأن جوهر الأزمة لا يزال قائماً، وهو الجوهر الشعري نفسه، المعدن الأصيل في صورته النقية المجردة، وما أندره وسط هذا الفيضان الشعري الزاعق الجارف.
ويرى الشاعر شريف الشافعي أن «المجال صار متاحاً ليقول الشاعر ما يشاء، وقتما يشاء، بالطريقة التي يشاء، والنشر الإلكتروني عبر الإنترنت، في صفحات موقعه الشخصي أو مدونته أو في المواقع والصحف الإلكترونية ذائعة الصيت، أعفى هذا الشاعر من كثير جداً من البوابات السلطوية والنخبوية والرقابية التقليدية، ومكنه من النشر بسهولة، بل إنه أحياناً يمتلك حق تنسيق وتثبيت قصيدته بيده في هذه الصحيفة أو ذلك الموقع، والإعلان عنها في الصفحة الرئيسية. ومنطقي أن يختار الشاعر لكتابته الجديدة هذه وعاء لغوياً حياً، سهلاً، حيث إن التواءات المجاز تعوق كثيراً سيولة (التداول الشعري)، الذي يحلم به».
إنه عصر الفرص المتاحة حقاً، عصر العدالة الافتراضية المتحققة بقدر مقبول جداً، فالعلاقة صارت مباشرة إلى حد كبير بين الشاعر والجمهور في الفضاء الرقمي، وتقلصت مسؤولية مؤسسات الدولة، بل كل المؤسسات. الشاعر الآن لا ينتظر إقراراً من أحد، ولا توقيعاً على مخطوط ديوانه، كي يكون.
حتى النشر الورقي ذاته، يبدو وقد تأثر كثيراً بهذه الثورة الرقمية، فلا ينكر أحد أن تسهيلات عظيمة للغاية قدمتها دور النشر الخاصة، في السنوات الأخيرة للشعراء والأدباء الراغبين في النشر لديها، ولا أظن أن مساهمة مادية غير مبالغ فيها من الأديب في تكلفة نشر كتابه ستقف عائقاً أمام طموحه في الوجود والتحقق، خصوصاً أن الكتابة صناعة في الأساس، وأنه إن حقق كتابه رواجاً تسويقياً، فسوف ينتفع هو ماديا، بالقدر الذي ينتفع به الناشر.
واعتبر الشافعي أننا نعيش عصراً رقمياً: هذه حقيقة، ولا يمكن أن تغيب تأثيرات وانعكاسات هذه «الرقمية» ـ كنمط حياة ـ عما يكتبه الشاعر الحقيقي اليوم، وإلا فإنه يكتب عن عصر آخر، ويعيش حياة أخرى، فوق كوكب آخر. والنشر الإلكتروني للشعر هو أحد ـ وليس كل ـ وجوه الاجتياح الرقمي للشاعر. لكن الأهم بالتأكيد من اختيار الشاعر للرقمية كوعاء جديد للنشر، أن يكون ما في الوعاء جديداً، معبراً عن معاناة الإنسان في العصر الرقمي الخانق.
وأضاف الشافعي: إذا كانت «حياة الشعر» مرهونة في الأساس بكونه «شعر حياة»، فبقدرة النص الحيوي على النبض الطبيعي والحركة الحرة، من دون أجهزة إعاشة وأسطوانات أكسجين وأطراف صناعية، تُقاس عافيته وخصوبته، ويتحدد عمره الحقيقي، ويمتد عمره الافتراضي خارج المكان والزمان.
ويقول الشافعي: قبل أن نطالب بأن يعود الشعر خبزاً للقراء، ملقين باللوم على القوى القاهرة والشروط والعوامل المساعدة، يجب أن يلغي الشاعر أولاً المسافة بينه وبين نفسه، وبالتالي تذوب المسافة بينه وبين قارئه، وتخترق قصائده كل الحدود، بقوتها الذاتية، لا بأي دعم خارجي. إن حضور القارئ، بل حلوله، في الماهية الإبداعية الملغزة، هو وضع طبيعي يعكس انفتاح المبدع كإنسان على أخيه الإنسان، ويعكس انفتاح الكتابة الإبداعية الجديدة على العالم الحسي المشترك، والوقائع والعلاقات المتبادلة، وأيضاً على الأحلام والهواجس والافتراضات والفضاء التخيّلي غير المقتصر على فئة نخبوية من البشر دون سواها. وليست هناك مسافة أصلاً بين الشاعر والقارئ، بشرط ألا تكون هناك مسافة بين الشاعر ونفسه.
ويختتم الشافعي بقوله: انطلاقاً من هذا، وفي القرية الكونية التي نعيش فيها الآن، وفي فضاء النشر الإلكتروني، وفي ظل امتلاك أغلبية الشعراء مواقع شخصية على شبكة الإنترنت، على الشاعر الحقيقي الموهوب أن يطمح إلى أن يكون صوت نفسه بالضرورة، وصوت صديقه القارئ، صديقه الإنسان، في كل مكان، خصوصاً أن هموم البشر الملحة صارت تتعلق أكثر بمصيرهم المشترك، بوجودهم ذاته، وليس بقضاياهم الإقليمية المتضائلة. على الشعر أن يتحرر، فلا يكون اهتماماً، بمعنى الاحتشاد والانشغال والقصدية. الشعر عملية حيوية، عادية جداً، لكنها لازمة للوجود، شأن التنفس والهضم. الشعر هو «التمثيل الضوئي» الذي فُطرت عليه روح الشاعر الموهوب، وتمارسه ليل نهار، بكلوروفيلها الخاص جداً، ولا تستلزم آلية عملها طاقة الشمس كأوراق النباتات.
- فضاء بلا رقابة
الشاعر والروائي السوري محمد العثمان يعتبر أن ما كنا نلاحظه سابقا في حجز المنابر الثقافية المهمة لأسماء معينة أو مكرسة جعل الشاعر لاحقا يبحث عن منابر أخرى يعرض فيها إنتاجه كالصحف والدوريات المهتمة بالأدباء الجيدين المغمورين أو بالشعراء الشباب. ويضيف العثمان: لأن «فيسبوك» هو منبر جيد لعملية التواصل؛ خلق الشعراء منه منبرا إعلاميا لتوصيل أشعارهم وكلمتهم فمن خلاله شخصيا تعرفت على أسماء مهمة كثيرة لم أكن أعرفها سابقا. ويعتقد العثمان بأن ذلك يحصل لأنه لا توجد رقابة؛ أعطى هذا المكان المساحة لكل من يريد أن يكتب وينشر. فضاع الغث مع الثمين.
وأضاف: لا نستطيع أحيانا متابعة كل ما هو حقيقي وجيد؛ بسبب الكثرة وعدم التقييم والرقابة الجادة؛ لذلك خلق هذا الأمر فوضى حقيقية وكبيرة في عملية الترويج والنشر. لكن المتابع والمهتم الحقيقي يعرف أين يجد ضالته إذا كثف البحث. وعلى الرغم من ذلك أرى «فيسبوك» الآن أهم منصة للشاعر؛ فهو بأي لحظة يمكن أن يقوم بنشاط شعري وقراءة ما يريده ببث مباشر أو تصوير مقطع فيديو ليصل لعدد كبير من الناس بشتى الأصقاع؛ وأنا شخصيا أتحمس لهذه الخاصية وخصوصا أن الفيديوهات التي أنشرها تصل إلى قرابة 2000 مشاهد.... وهذا عدد لا يمكن أن نراه حاضرا في أي أمسية. ويؤكد العثمان بثقة: نعم «فيسبوك» ساعد على النشاطات الخطابية الصوتية أكثر من الكتابية كالقصة أو المقالة؛ فمن يتابع ليس لديه الوقت الكافي لقراءة منشور قد يستغرق 10 دقائق؛ أو أن زحمة المنشورات تجعله غير قادر على ذلك.... فسهولة التعامل مع المنشورات الشعرية؛ أظن أنها لاقت رواجا أكبر.
الشاعر المصري أحمد اللاوندي لديه العديد من الإصدارات الورقية، كما أنه ناشط شعرياً على مواقع التواصل الاجتماعي، لديه وجهة نظر يقول من خلالها:
- كلام لا يمت للشعر
الشعر رسالة والشاعر الذي يعي حقيقة ذلك منذ اللحظة الأولى سيعيش ويستمر مهما كانت الضغوطات والتحديات التي تواجهه، ويضيف: من هنا سيكون ظهوره لائقا بالشعر ومكانته وبه هو شخصيا قبل أي شيء. والشاعر الواعي الحريص على تميزه وتفرده هو الذي لا يتعجل النشر سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في أي مكان آخر لأنه صاحب التقييم الأساسي قبل القائمين أو المشرفين على الصفحات الثقافية. ويكمل اللاوندي: أما الذين لا يعرفون جوهر الشعر وقضيته وحقيقته ينشرون بالطبع كلاما سيئا لا يمت للشعر بصلة وهؤلاء وإن نجحوا في الترويج لبضاعتهم الفاسدة لن يستمروا طويلا لأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض وغير ذلك سوف يذهب جفاء. من وجهة نظري أن الشعر وإن مر بحالات فوضى وكسل وترد لن يموت فهو فن العربية الأول وفي الأثر لن تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين ولا شك في أن الشعر هو الأكثر انتشارا على مواقع التواصل الاجتماعي من كافة الأجناس الأدبية الأخرى لأنك من الممكن أن تنشر قصيدة كاملة وليس متاحا أن تقوم بنشر رواية دفعة واحدة أو قصة طويلة للغاية.



لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
TT

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة نفسها، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً. وتكشف النتائج عن أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد قد يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلّط الضوء على دور «المعتقدات الجوهرية» في تعزيز الصمود النفسي.

وفق تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، فإن علماء النفس لطالما ناقشوا أسباب هذه الفروق في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات المطروحة ما تُعرف بـ«المعتقدات الأساسية عن العالم».

وتشير «المعتقدات الأساسية عن العالم» إلى التوقعات العميقة والعامة حول طبيعة العالم. وهي تشمل معتقدات مثل ما إذا كان العالم آمناً أم خطِراً، جميلاً أم قبيحاً، إضافةً إلى تصورات أخرى كثيرة.

ويميل كثيرون إلى افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ نتيجة المرور بتجارب قاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي تفترض أن الصدمات تُحطم المعتقدات الإيجابية عن العالم، وهو ما قد يزيد من القلق والاكتئاب.

غير أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تشير إلى احتمال مختلف: ربما لا تكون الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً، بل إن المعتقدات التي نحملها مسبقاً هي التي تحدد طريقة استجابتنا.

خلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل كمرشّحات نفسية تُشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطِراً يبالغون في تقدير احتمال وقوع تهديدات كبرى، مقارنةً بمن يرونه آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن من ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى ليوم واحد، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.

لاختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة تُشكل الاستجابة للأحداث الصعبة -أم أن الأحداث الصعبة هي التي تُغير هذه المعتقدات- أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين جداً من الشدائد.

الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً (بكسلز)

في الدراسة الأولى:

شمل الاستطلاع 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون من السرطان، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي)، وقورِنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب لديهم، إضافةً إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.

أما الدراسة الثانية:

فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع إطلاق نار داخل الحرم الجامعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مما أدى إلى مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، وتعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.

النتيجة الأولى: المعتقدات الأساسية بالكاد تغيّرت

من أبرز النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأصحاء. أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط فقد أبدوا معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى من دخلوا مرحلة التعافي.

تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.

النتيجة الثانية: المعتقدات السابقة تنبأت بمستوى الضيق النفسي

في كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق الذي شعروا به. ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم «جيد» أو «سيئ»، بل كان أكثر تحديداً.

برزت ثلاثة معتقدات في الدراسة الأولى على وجه الخصوص:

- أن العالم قابل للتحسين (أي يمكن تغييره بجهود الإنسان).

- أن العالم عادل (أي إن الجزاء من جنس العمل).

- أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء، لا إلى التدهور والانحلال.

الأشخاص الذين تبنّوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنةً بمعتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى.

بل إن بعضهم لم يبدُ أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بمرض أصلاً.

وفي دراسة الحرم الجامعي، لم تتوافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، لكن الاعتقاد بأن العالم آمن برز بوصفه عاملاً حاسماً. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيّراً يُذكر في مستويات الضيق.

في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر النتائج، لكن تبين أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً من مجرد نظرة متفائلة عامة.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

اقترحت الدراسة أن هناك ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:

- أن يقوم الشخص نفسه أو غيره بإصلاح الوضع (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين).

- أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً).

- أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية لا تتغير كثيراً في الحياة اليومية، تشير الأبحاث إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. ويطرح ذلك احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، إلا أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

بالنتيجة، المرض والخوف والخسارة والصدمات المفاجئة جزء من الحياة. وتشير النتائج إلى طريقة جديدة للاستعداد لها: النظر إلى العالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.


مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».