تاريخ الآداب الفرنسية منذ عصر النهضة وحتى اليوم

كتاب موسوعي مؤلف من ثلاثة أجزاء وساهم في تأليفه ثلاثون باحثاً

فولتير - فرنسيس بيكون
فولتير - فرنسيس بيكون
TT

تاريخ الآداب الفرنسية منذ عصر النهضة وحتى اليوم

فولتير - فرنسيس بيكون
فولتير - فرنسيس بيكون

اسمحوا لي بأن «أثرثر» قليلا على هامش هذا الكتاب الموسوعي الضخم المؤلف من ثلاثة أجزا،ء والذي ساهم في تأليفه ما لا يقل عن ثلاثين باحثا من أساتذة الجامعات الفرنسية. إنه يدعى: تاريخ فرنسا الأدبية. وهو يستعرض تاريخ الآداب الفرنسية منذ عصر النهضة وحتى اليوم، لكن بالمعنى الواسع لكلمة أدب. فهو يضم التيارات الفلسفية والفكرية، بل والسياسية أيضا. وقد أشرف عليه كل من الباحثين جان شارل دارمون وميشيل ديلون. والأول هو أستاذ في جامعة سان كانتان وعضو المعهد الجامعي الأعلى لفرنسا. وأما الآخر فهو أستاذ الآداب الفرنسية في السوربون. ويتحدث الكتاب في أحد أجزائه عن معارك المفكرين في عصر التنوير، ويقول: لا ريب في أن الحركة الانتقادية للعقائد المسيحية كانت قد ابتدأت في القرن السابع عشر، لكنها لم تبلغ ذروتها إلا في القرن الثامن عشر: أي عصر التنوير الكبير. فالمفكر الفرنسي ريشار سيمون طبّق النقد التاريخي على التوراة والإنجيل منذ عام 1698، أي في أواخر القرن السابع عشر، ودشن بذلك حقبة جديدة في التنوير الديني العقلاني. وكشف عن العلاقات الكائنة بين هذه النصوص والتاريخ بكل ملابساته اللغوية والاجتماعية والثقافية. فالنصوص الدينية لها علاقة بالتاريخ أيضا، وليست فوق التاريخ إلا بمقاصدها الروحية والأخلاقية السامية. لكنه أثار عليه حقد التيار الأصولي في المسيحية، فحاربوه وحاصروه إلى درجة أنه اضطر في آخر حياته بعد أن تجاوز السبعين إلى حرق مخطوطاته في البرية؛ خوفا من أن يكبسوا عليه ليلا ويجدوها عنده ويتهموه بالكفر والضلال. لكن ريشار سيمون هذا يظل رجل دين ولا يتحدث عن المسيحية من الخارج كما سيفعل فلاسفة التنوير لاحقا، وإنما من الداخل. ومع ذلك؛ فقد لاحقته الكنيسة ومحاكم التفتيش ونغّصت عيشه. فما بالك بالآخرين؟ والواقع أن «الإخوان المسيحيين» راحوا يلاحقون كل أتباع الأفكار الجديدة المتولدة عن الفلسفة الديكارتية. وراحوا يتهمونهم في إيمانهم ومعتقدهم وينعتونهم بالكفر والإلحاد، على الرغم من أن معظمهم لم يكن ملحدا أبدا، وإنما فقط مؤمنا عقلانيا: أي مستنيرا. لكن الأصولي المتعصب لم يكن يفرق بين الإلحاد والإيمان المستنير. فإما أن تؤمن مثله، أي بطريقة عمياء مغلقة وطائفية متعصبة، وإما أن يتهمك بالكفر والخروج على الدين. ولهذا السبب اضطر الكثيرون من الفلاسفة إلى الهرب من فرنسا في ذلك الزمان؛ خوفا على حياتهم. وأشهرهم فولتير الذي أمضى معظم حياته خارج بلاده. لكنه عندما عاد بعد ثلاثين عاما استقبل استقبال الأبطال. وهذه هي حالة بعض المثقفين العرب اليوم. انظر تبعثرهم في أرض المنافي والشتات من باريس إلى لندن إلى بروكسل إلى أميركا، بل وحتى أستراليا. وربما وصلوا قريبا إلى المريخ؛ خوفا من زمجرات الفضائيات ورجال الدين! ثم ظهر في أواخر عصر التنوير، أي عام 1793 كتاب مهم للفيلسوف كوندورسيه تحت العنوان التالي: رسم المخطط التاريخي للروح البشرية (1793). وفيه يقول المؤلف إن أساتذة الفكر الجديد في أوروبا هم الإنجليزي فرانسيس بيكون، والإيطالي غاليليو، والفرنسي رينيه ديكارت. فهم الذين قدموا المنهج العلمي الجديد لأوروبا. وقالوا بما معناه: منذ اليوم فصاعدا لا ينبغي علينا أن نقبل كل ما وصلنا عن تراث الأقدمين وكأنه حقائق مطلقة. هذا ما تقوله مؤلفة هذا الفصل من الكتاب على لسان كوندورسيه، وهي الباحثة نيكول جاك لوفيفر، الأستاذة في جامعة باريس - نانتير حاليا. ثم تردف قائلة على لسان كوندورسيه: لا ينبغي على الإنسان الأوروبي بعد اليوم أن يصدق كل ما جاء في كتب التراث المسيحي وكأنها حقائق مطلقة، معصومة. لا يكفي أن يقول المطارنة والخوارنة أو حتى البابا شيئا لكي نصدقه فورا. وإنما ينبغي أن نضع كل هذه المقولات والفتاوى على محك الغربلة والتمحيص والنقد العقلاني لكي نكشف عن صحتها أو خطئها. فالله زوّد الإنسان بالعقل لكي يستخدمه لا لكي يلغيه كما يجبرنا على ذلك المتزمتون الأصوليون في المسيحية. فهم يحشون عقول عامة الشعب حشوا بأفكار التواكل، والتسليم، والغيبيات، والخرافات، والمعجزات. وهكذا يساهمون في إلغاء عقولهم: أي أفضل ما أعطاه الله لهم. ثم تردف المؤلفة قائلة: في الواقع أن رينيه ديكارت كان أول من أقام التمييز بين الاعتقاد الديني- والمعرفة العلمية العقلانية. وقد جاء ذلك في كتابه الشهير: تأملات ميتافيزيقية. وهو كتاب صدر لأول مرة عام 1641: أي في النصف الأول من القرن السابع عشر. وبالتالي، فديكارت هو أستاذ كل فلاسفة التنوير في فرنسا من فولتير، إلى ديدرو، إلى جان جاك روسو، إلى كوندورسيه إلى عشرات الآخرين. فديكارت هو الذي دشّن الثورة الراديكالية في تاريخ الفكر الفرنسي والأوروبي كله. وكان ذلك عندما نصّ على المبدأ الأساسي التالي: ينبغي علينا أن نفكك كل التصورات والأفكار الموروثة عن الأقدمين إذا ما أردنا أن نؤسس معرفة علمية دقيقة بالظواهر والقضايا أيا تكن. لا يكفي أن يقول رجال الدين شيئا ما لكي يصبح صحيحا بشكل أوتوماتيكي. ونحن نقول على أثره ما يلي: لا يكفي أن يكرر مشايخنا على الفضائيات نفس الكلام الخرافي صباحا ومساء لكي يصبح حقائق منزلة. فرجال الدين بشر في نهاية المطاف. ولا عصمة إلا لله. وكفانا جهلا وجهالات!
وبالتالي، فالمعرفة بالنسبة لديكارت كانت تتألف من حركتين: الأولى سلبية، والثانية إيجابية. في الأولى نتخلص من معظم الأفكار القديمة التي تربينا عليها منذ نعومة أظفارنا أو تشرّبناها مع حليب الطفولة في البيت والعائلة والكنيسة وحتى المدرسة. وبعد أن ننجح في هذه العملية الصعبة والخطرة يمكننا أن ننتقل إلى المرحلة الإيجابية ونشكل المعرفة الجديدة الصحيحة بالظواهر والقضايا. وبالتالي، فينبغي أن تهدم قبل أن تبني، أن تدمر قبل أن تعمّر. وهذا ما لا يفهمه المثقفون العرب حتى اليوم أو قل جلهم. فهم يعتبرون ذلك تدميرا للتراث! ونحن نرد عليهم قائلين: كل القيم الأخلاقية والروحية لتراثنا العربي الإسلامي العظيم لن تهدم أبدا، ولن يمسها أحد. فقط أفكار التعصب والتزمت والتمييز الطائفي بين الناس سوف تتعرض للنقد والتفكيك.
على أي حال، فإن هذا الكلام الديكارتي النقدي اعتبرته الأصولية المسيحية بمثابة تدمير لها؛ ولذلك حاربت الفلسفة الديكارتية، بل ووضعت كتبها على لائحة الكتب المحرمة من قبل الفاتيكان. بمعنى أنه لا يحق لأي متدين مسيحي بعد اليوم أن يقرأها أو يقتنيها في بيته؛ لأنها ضد الإيمان والعقيدة. إنها رجس من عمل الشيطان وسيعاقب الله كل من يهتم بها أو حتى يفتحها مجرد فتح! وبما أن الكثيرين كانوا يطيعون وصايا البابا والكنيسة في ذلك الزمان فإنهم امتنعوا عن قراءة الفلسفة الديكارتية. لكن الكثيرين أيضا قرأوها وبخاصة في أوساط النخبة المثقفة. والواقع أنهم وحدهم كانوا القادرين على قراءتها وفهمها والاستفادة منها لأن أغلبية الشعب الفرنسي آنذاك كانت أمية لا تحسن القراءة أو الكتابة. وربما زاد منع الكنيسة لها من إقبال المثقفين عليها طبقا للمثل القائل: كل ممنوع مرغوب. فهم يريدون أن يعرفوا ماذا فيها ولماذا منعت يا ترى؟ وترى الباحثة المذكورة أن التصديق الأعمى على المقولات التراثية أو التسليم بكل ما قاله القدماء لم يعد واردا بالنسبة للمثقفين المستنيرين في ذلك الزمان. فهم يريدون أن يتفحّصوا كل شيء على ضوء العقل لمعرفة فيما إذا كان صحيحا أم لا، ويريدون أن يغربلوا كل الأفكار والعقائد القديمة بعد وضعها على محك العقل والتجربة العملية. فما أثبتت التجربة صحته آمنّا به وما لم تثبته طرحناه وتركناه، حتى ولو كان صاحبه من أعظم القديسين في العصور الخوالي أو من أكبر رجال الدين. فلا يكفي أن يكون صاحب المقولة شخصا كبيرا شهيرا في تاريخ الكنيسة لكي نصدق فورا مقولته ونأخذها على حرفيتها كما تفعل عامة الشعب مع أقوال الباباوات ورجال الدين الكبار، وإنما ينبغي أن نغربل كل ذلك لفرز الصحيح عن الخاطئ. هذا ما يقوله البارون دولباك، أحد فلاسفة التنوير الراديكاليين، في كتابه الشهير: نظام الطبيعة. وهو كتاب مضاد كليا للعقائد التقليدية، ولا يعترف إلا بالعلم والتجربة العلمية المحسوسة لفهم نظام الطبيعة وظواهرها. ولذلك؛ وُضع كتابه أيضا على لائحة الكتب المحرمة من قبل الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية، وحاربوه محاربة شديدة بعد أن أصدروا الفتاوى اللاهوتية بتكفيره. ولكن البارون دولباك تطرف في الاتجاه المعاكس للتيار الأصولي، وتحول إلى مادي إلحادي محض. ولهذا السبب أدانه فولتير وجان جاك روسو اللذان دشنا التنوير المؤمن في الثقافة الفرنسية.
على هذا النحو اندلعت الحرب بين الفلسفة - والخرافات الدينية في الثقافة الفرنسية إبان عصر التنوير. وعلى هذا النحو أيضا راح الفلاسفة يحاربون أفكار التعصب الطائفي أو المذهبي التي كانت منتشرة آنذاك في صفوف الشعب كثيرا. ومعلوم أن معظم الدول الأوروبية كانت منقسمة طائفيا إلى قسمين كبيرين: قسم كاثوليكي تابع لبابا روما والفاتيكان، وقسم بروتستانتي يكره البابا كرها شديدا بل ويلعنه ويشتمه. وعلى الرغم من أن كلا المذهبين كانا مسيحيين ويؤمنان بيسوع المسيح والإنجيل، إلا أن بعض التفاصيل العقائدية أو اللاهوتية كانت تفرق بينهما. والشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال. ولذلك؛ كان الكره شديدا بين أتباع المذهب الكاثوليكي وأتباع المذهب البروتستانتي. وقد جرت مجازر كثيرة بين الطرفين. وضد هذا التعصب نهض فلاسفة التنوير لكي يجتثوا الأفكار المتعصبة والطائفية من جذورها. وقد نجحوا في العملية، لكن بعد صراع طويل ومرير... والحداثة الأوروبية كلها ليست إلا ثمرة لهذا الصراع التاريخي.
أخيرا، نلاحظ أن المجتمعات العربية دخلت الآن الصيرورة التاريخية نفسها التي شهدتها المجتمعات الأوروبية قبل قرنين أو ثلاثة عندما واجهت أصوليتها الذاتية و«إخوانها المسيحيين». فنحن أيضا أصبحنا مدعوين لغربلة عقائدنا القديمة ومقولاتنا التراثية التي علاها الغبار وصدئت من كثرة التكرار والاجترار. هذا ناهيك عن الفتاوى التكفيرية التي أصبحت تشكل خطرا على سلام العالم. كل هذه الأفكار المتطرفة الجاهلة ينبغي أن تُراجع وتُنقد إذا ما أردنا أن نتصالح مع العالم الذي نعيش فيه. ولكنها للأسف لا تزال تمثل حقائق مطلقة بالنسبة لعموم الشعب المتدين: أي لتسعين في المائة من العرب والمسلمين. إنهم يتشربونها تشربا. أما العشرة في المائة المتبقية من علية القوم ونخبة المثقفين المتنورين فماذا تستطيع أن تفعل أمام تسعين في المائة من جحافل الشعب؟ الكفة مختلة وغير متوازنة على الإطلاق. من هنا خطورة الوضع الحالي وصعوبة مواجهة الإخوان المسلمين وجحافل «داعش» والداعشيين. باعتراف القرضاوي نفسه، فإن إبراهيم البدري، أي ما يدعى بالخليفة البغدادي كان إخوان مسلمين. وهو يعرف عما يتحدث بالضبط لأنه شيخهم الأكبر. كلهم خرجوا من رحم هذه الجماعة التي كانت وبالا على العرب والمسلمين منذ تأسيسها عام 1928 وحتى اليوم. لقد دمرت المستقبل العربي بسبب هذا التفسير التوتاليتاري الإرهابي لرسالة الإسلام السمحة. لقد قلبت الإسلام على نفسه أو عكسته ضد ذاته كما يقول المفكر الفرنسي المسلم إريك (يونس) جوفروا، الأستاذ في جامعة ستراسبورغ. وقد أسلم حبا بالتراث الروحاني والقيم الأخلاقية والإنسانية العالية للإسلام.. ولكن الجماعة المذكورة أفقدت الدين الحنيف كل شفقة أو رحمة أو نزعة إنسانية على الرغم من أنه يبتدئ دائما بالآية الكريمة: بسم الله الرحمن الرحيم. فكيف تحول دين السماحة والرحمة إلى «بعبع» خطير يرعب الآخرين؟ يضاف إلى ذلك أنهم هم الذين دشنوا عصر الاغتيالات والتفجيرات العمياء وكل أنواع العنف اللاهوتي في تاريخنا الحديث.



السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».