تاريخ الآداب الفرنسية منذ عصر النهضة وحتى اليوم

كتاب موسوعي مؤلف من ثلاثة أجزاء وساهم في تأليفه ثلاثون باحثاً

فولتير - فرنسيس بيكون
فولتير - فرنسيس بيكون
TT

تاريخ الآداب الفرنسية منذ عصر النهضة وحتى اليوم

فولتير - فرنسيس بيكون
فولتير - فرنسيس بيكون

اسمحوا لي بأن «أثرثر» قليلا على هامش هذا الكتاب الموسوعي الضخم المؤلف من ثلاثة أجزا،ء والذي ساهم في تأليفه ما لا يقل عن ثلاثين باحثا من أساتذة الجامعات الفرنسية. إنه يدعى: تاريخ فرنسا الأدبية. وهو يستعرض تاريخ الآداب الفرنسية منذ عصر النهضة وحتى اليوم، لكن بالمعنى الواسع لكلمة أدب. فهو يضم التيارات الفلسفية والفكرية، بل والسياسية أيضا. وقد أشرف عليه كل من الباحثين جان شارل دارمون وميشيل ديلون. والأول هو أستاذ في جامعة سان كانتان وعضو المعهد الجامعي الأعلى لفرنسا. وأما الآخر فهو أستاذ الآداب الفرنسية في السوربون. ويتحدث الكتاب في أحد أجزائه عن معارك المفكرين في عصر التنوير، ويقول: لا ريب في أن الحركة الانتقادية للعقائد المسيحية كانت قد ابتدأت في القرن السابع عشر، لكنها لم تبلغ ذروتها إلا في القرن الثامن عشر: أي عصر التنوير الكبير. فالمفكر الفرنسي ريشار سيمون طبّق النقد التاريخي على التوراة والإنجيل منذ عام 1698، أي في أواخر القرن السابع عشر، ودشن بذلك حقبة جديدة في التنوير الديني العقلاني. وكشف عن العلاقات الكائنة بين هذه النصوص والتاريخ بكل ملابساته اللغوية والاجتماعية والثقافية. فالنصوص الدينية لها علاقة بالتاريخ أيضا، وليست فوق التاريخ إلا بمقاصدها الروحية والأخلاقية السامية. لكنه أثار عليه حقد التيار الأصولي في المسيحية، فحاربوه وحاصروه إلى درجة أنه اضطر في آخر حياته بعد أن تجاوز السبعين إلى حرق مخطوطاته في البرية؛ خوفا من أن يكبسوا عليه ليلا ويجدوها عنده ويتهموه بالكفر والضلال. لكن ريشار سيمون هذا يظل رجل دين ولا يتحدث عن المسيحية من الخارج كما سيفعل فلاسفة التنوير لاحقا، وإنما من الداخل. ومع ذلك؛ فقد لاحقته الكنيسة ومحاكم التفتيش ونغّصت عيشه. فما بالك بالآخرين؟ والواقع أن «الإخوان المسيحيين» راحوا يلاحقون كل أتباع الأفكار الجديدة المتولدة عن الفلسفة الديكارتية. وراحوا يتهمونهم في إيمانهم ومعتقدهم وينعتونهم بالكفر والإلحاد، على الرغم من أن معظمهم لم يكن ملحدا أبدا، وإنما فقط مؤمنا عقلانيا: أي مستنيرا. لكن الأصولي المتعصب لم يكن يفرق بين الإلحاد والإيمان المستنير. فإما أن تؤمن مثله، أي بطريقة عمياء مغلقة وطائفية متعصبة، وإما أن يتهمك بالكفر والخروج على الدين. ولهذا السبب اضطر الكثيرون من الفلاسفة إلى الهرب من فرنسا في ذلك الزمان؛ خوفا على حياتهم. وأشهرهم فولتير الذي أمضى معظم حياته خارج بلاده. لكنه عندما عاد بعد ثلاثين عاما استقبل استقبال الأبطال. وهذه هي حالة بعض المثقفين العرب اليوم. انظر تبعثرهم في أرض المنافي والشتات من باريس إلى لندن إلى بروكسل إلى أميركا، بل وحتى أستراليا. وربما وصلوا قريبا إلى المريخ؛ خوفا من زمجرات الفضائيات ورجال الدين! ثم ظهر في أواخر عصر التنوير، أي عام 1793 كتاب مهم للفيلسوف كوندورسيه تحت العنوان التالي: رسم المخطط التاريخي للروح البشرية (1793). وفيه يقول المؤلف إن أساتذة الفكر الجديد في أوروبا هم الإنجليزي فرانسيس بيكون، والإيطالي غاليليو، والفرنسي رينيه ديكارت. فهم الذين قدموا المنهج العلمي الجديد لأوروبا. وقالوا بما معناه: منذ اليوم فصاعدا لا ينبغي علينا أن نقبل كل ما وصلنا عن تراث الأقدمين وكأنه حقائق مطلقة. هذا ما تقوله مؤلفة هذا الفصل من الكتاب على لسان كوندورسيه، وهي الباحثة نيكول جاك لوفيفر، الأستاذة في جامعة باريس - نانتير حاليا. ثم تردف قائلة على لسان كوندورسيه: لا ينبغي على الإنسان الأوروبي بعد اليوم أن يصدق كل ما جاء في كتب التراث المسيحي وكأنها حقائق مطلقة، معصومة. لا يكفي أن يقول المطارنة والخوارنة أو حتى البابا شيئا لكي نصدقه فورا. وإنما ينبغي أن نضع كل هذه المقولات والفتاوى على محك الغربلة والتمحيص والنقد العقلاني لكي نكشف عن صحتها أو خطئها. فالله زوّد الإنسان بالعقل لكي يستخدمه لا لكي يلغيه كما يجبرنا على ذلك المتزمتون الأصوليون في المسيحية. فهم يحشون عقول عامة الشعب حشوا بأفكار التواكل، والتسليم، والغيبيات، والخرافات، والمعجزات. وهكذا يساهمون في إلغاء عقولهم: أي أفضل ما أعطاه الله لهم. ثم تردف المؤلفة قائلة: في الواقع أن رينيه ديكارت كان أول من أقام التمييز بين الاعتقاد الديني- والمعرفة العلمية العقلانية. وقد جاء ذلك في كتابه الشهير: تأملات ميتافيزيقية. وهو كتاب صدر لأول مرة عام 1641: أي في النصف الأول من القرن السابع عشر. وبالتالي، فديكارت هو أستاذ كل فلاسفة التنوير في فرنسا من فولتير، إلى ديدرو، إلى جان جاك روسو، إلى كوندورسيه إلى عشرات الآخرين. فديكارت هو الذي دشّن الثورة الراديكالية في تاريخ الفكر الفرنسي والأوروبي كله. وكان ذلك عندما نصّ على المبدأ الأساسي التالي: ينبغي علينا أن نفكك كل التصورات والأفكار الموروثة عن الأقدمين إذا ما أردنا أن نؤسس معرفة علمية دقيقة بالظواهر والقضايا أيا تكن. لا يكفي أن يقول رجال الدين شيئا ما لكي يصبح صحيحا بشكل أوتوماتيكي. ونحن نقول على أثره ما يلي: لا يكفي أن يكرر مشايخنا على الفضائيات نفس الكلام الخرافي صباحا ومساء لكي يصبح حقائق منزلة. فرجال الدين بشر في نهاية المطاف. ولا عصمة إلا لله. وكفانا جهلا وجهالات!
وبالتالي، فالمعرفة بالنسبة لديكارت كانت تتألف من حركتين: الأولى سلبية، والثانية إيجابية. في الأولى نتخلص من معظم الأفكار القديمة التي تربينا عليها منذ نعومة أظفارنا أو تشرّبناها مع حليب الطفولة في البيت والعائلة والكنيسة وحتى المدرسة. وبعد أن ننجح في هذه العملية الصعبة والخطرة يمكننا أن ننتقل إلى المرحلة الإيجابية ونشكل المعرفة الجديدة الصحيحة بالظواهر والقضايا. وبالتالي، فينبغي أن تهدم قبل أن تبني، أن تدمر قبل أن تعمّر. وهذا ما لا يفهمه المثقفون العرب حتى اليوم أو قل جلهم. فهم يعتبرون ذلك تدميرا للتراث! ونحن نرد عليهم قائلين: كل القيم الأخلاقية والروحية لتراثنا العربي الإسلامي العظيم لن تهدم أبدا، ولن يمسها أحد. فقط أفكار التعصب والتزمت والتمييز الطائفي بين الناس سوف تتعرض للنقد والتفكيك.
على أي حال، فإن هذا الكلام الديكارتي النقدي اعتبرته الأصولية المسيحية بمثابة تدمير لها؛ ولذلك حاربت الفلسفة الديكارتية، بل ووضعت كتبها على لائحة الكتب المحرمة من قبل الفاتيكان. بمعنى أنه لا يحق لأي متدين مسيحي بعد اليوم أن يقرأها أو يقتنيها في بيته؛ لأنها ضد الإيمان والعقيدة. إنها رجس من عمل الشيطان وسيعاقب الله كل من يهتم بها أو حتى يفتحها مجرد فتح! وبما أن الكثيرين كانوا يطيعون وصايا البابا والكنيسة في ذلك الزمان فإنهم امتنعوا عن قراءة الفلسفة الديكارتية. لكن الكثيرين أيضا قرأوها وبخاصة في أوساط النخبة المثقفة. والواقع أنهم وحدهم كانوا القادرين على قراءتها وفهمها والاستفادة منها لأن أغلبية الشعب الفرنسي آنذاك كانت أمية لا تحسن القراءة أو الكتابة. وربما زاد منع الكنيسة لها من إقبال المثقفين عليها طبقا للمثل القائل: كل ممنوع مرغوب. فهم يريدون أن يعرفوا ماذا فيها ولماذا منعت يا ترى؟ وترى الباحثة المذكورة أن التصديق الأعمى على المقولات التراثية أو التسليم بكل ما قاله القدماء لم يعد واردا بالنسبة للمثقفين المستنيرين في ذلك الزمان. فهم يريدون أن يتفحّصوا كل شيء على ضوء العقل لمعرفة فيما إذا كان صحيحا أم لا، ويريدون أن يغربلوا كل الأفكار والعقائد القديمة بعد وضعها على محك العقل والتجربة العملية. فما أثبتت التجربة صحته آمنّا به وما لم تثبته طرحناه وتركناه، حتى ولو كان صاحبه من أعظم القديسين في العصور الخوالي أو من أكبر رجال الدين. فلا يكفي أن يكون صاحب المقولة شخصا كبيرا شهيرا في تاريخ الكنيسة لكي نصدق فورا مقولته ونأخذها على حرفيتها كما تفعل عامة الشعب مع أقوال الباباوات ورجال الدين الكبار، وإنما ينبغي أن نغربل كل ذلك لفرز الصحيح عن الخاطئ. هذا ما يقوله البارون دولباك، أحد فلاسفة التنوير الراديكاليين، في كتابه الشهير: نظام الطبيعة. وهو كتاب مضاد كليا للعقائد التقليدية، ولا يعترف إلا بالعلم والتجربة العلمية المحسوسة لفهم نظام الطبيعة وظواهرها. ولذلك؛ وُضع كتابه أيضا على لائحة الكتب المحرمة من قبل الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية، وحاربوه محاربة شديدة بعد أن أصدروا الفتاوى اللاهوتية بتكفيره. ولكن البارون دولباك تطرف في الاتجاه المعاكس للتيار الأصولي، وتحول إلى مادي إلحادي محض. ولهذا السبب أدانه فولتير وجان جاك روسو اللذان دشنا التنوير المؤمن في الثقافة الفرنسية.
على هذا النحو اندلعت الحرب بين الفلسفة - والخرافات الدينية في الثقافة الفرنسية إبان عصر التنوير. وعلى هذا النحو أيضا راح الفلاسفة يحاربون أفكار التعصب الطائفي أو المذهبي التي كانت منتشرة آنذاك في صفوف الشعب كثيرا. ومعلوم أن معظم الدول الأوروبية كانت منقسمة طائفيا إلى قسمين كبيرين: قسم كاثوليكي تابع لبابا روما والفاتيكان، وقسم بروتستانتي يكره البابا كرها شديدا بل ويلعنه ويشتمه. وعلى الرغم من أن كلا المذهبين كانا مسيحيين ويؤمنان بيسوع المسيح والإنجيل، إلا أن بعض التفاصيل العقائدية أو اللاهوتية كانت تفرق بينهما. والشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال. ولذلك؛ كان الكره شديدا بين أتباع المذهب الكاثوليكي وأتباع المذهب البروتستانتي. وقد جرت مجازر كثيرة بين الطرفين. وضد هذا التعصب نهض فلاسفة التنوير لكي يجتثوا الأفكار المتعصبة والطائفية من جذورها. وقد نجحوا في العملية، لكن بعد صراع طويل ومرير... والحداثة الأوروبية كلها ليست إلا ثمرة لهذا الصراع التاريخي.
أخيرا، نلاحظ أن المجتمعات العربية دخلت الآن الصيرورة التاريخية نفسها التي شهدتها المجتمعات الأوروبية قبل قرنين أو ثلاثة عندما واجهت أصوليتها الذاتية و«إخوانها المسيحيين». فنحن أيضا أصبحنا مدعوين لغربلة عقائدنا القديمة ومقولاتنا التراثية التي علاها الغبار وصدئت من كثرة التكرار والاجترار. هذا ناهيك عن الفتاوى التكفيرية التي أصبحت تشكل خطرا على سلام العالم. كل هذه الأفكار المتطرفة الجاهلة ينبغي أن تُراجع وتُنقد إذا ما أردنا أن نتصالح مع العالم الذي نعيش فيه. ولكنها للأسف لا تزال تمثل حقائق مطلقة بالنسبة لعموم الشعب المتدين: أي لتسعين في المائة من العرب والمسلمين. إنهم يتشربونها تشربا. أما العشرة في المائة المتبقية من علية القوم ونخبة المثقفين المتنورين فماذا تستطيع أن تفعل أمام تسعين في المائة من جحافل الشعب؟ الكفة مختلة وغير متوازنة على الإطلاق. من هنا خطورة الوضع الحالي وصعوبة مواجهة الإخوان المسلمين وجحافل «داعش» والداعشيين. باعتراف القرضاوي نفسه، فإن إبراهيم البدري، أي ما يدعى بالخليفة البغدادي كان إخوان مسلمين. وهو يعرف عما يتحدث بالضبط لأنه شيخهم الأكبر. كلهم خرجوا من رحم هذه الجماعة التي كانت وبالا على العرب والمسلمين منذ تأسيسها عام 1928 وحتى اليوم. لقد دمرت المستقبل العربي بسبب هذا التفسير التوتاليتاري الإرهابي لرسالة الإسلام السمحة. لقد قلبت الإسلام على نفسه أو عكسته ضد ذاته كما يقول المفكر الفرنسي المسلم إريك (يونس) جوفروا، الأستاذ في جامعة ستراسبورغ. وقد أسلم حبا بالتراث الروحاني والقيم الأخلاقية والإنسانية العالية للإسلام.. ولكن الجماعة المذكورة أفقدت الدين الحنيف كل شفقة أو رحمة أو نزعة إنسانية على الرغم من أنه يبتدئ دائما بالآية الكريمة: بسم الله الرحمن الرحيم. فكيف تحول دين السماحة والرحمة إلى «بعبع» خطير يرعب الآخرين؟ يضاف إلى ذلك أنهم هم الذين دشنوا عصر الاغتيالات والتفجيرات العمياء وكل أنواع العنف اللاهوتي في تاريخنا الحديث.



هيام أبو شديد... مع «الحكي بيناتنا» توصل صوت اللبنانيين في بلاد الهجرة

تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
TT

هيام أبو شديد... مع «الحكي بيناتنا» توصل صوت اللبنانيين في بلاد الهجرة

تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)
تُعطي دروساً في التمثيل بمدارس كندية (إنستغرام)

منذ نحو 3 سنوات، حزمت الإعلامية والممثلة هيام أبو شديد حقائبها متخذة قرار الهجرة من لبنان. وكانت كندا وجهتها الجديدة، حيث تقيم اليوم في مدينة مونتريال.

لم تحتج وقتاً طويلاً للانخراط في مجتمع يعيش بأمان ويطبّق القوانين. نظمت محترفات فنية في المدارس، وسجلت في نقابة الفنانين بعد معادلة شهاداتها الجامعية. انضمت بصفتها مبتدئة لتصبح اليوم عضواً محترفاً. لم تشأ أن تتخلّى عن مهنة التمثيل، فاستمرت في العمل من هناك في أفلام ومسلسلات لبنانية، وشاركت في فيلم كندي بعنوان «السيدة البيضاء». كما تبث برنامجاً إذاعياً مرتين أسبوعياً عبر إذاعة «الشرق الأوسط»، لتبني جسور التواصل بين لبنان والمغتربين.

هاجرت هيام أبو شديد إلى كندا منذ نحو 3 سنوات (إنستغرام)

تستضيف هيام أبو شديد في برنامجها «الحكي بيناتنا» أبناء الجاليات العربية من سوريين، ومصريين، ومغاربة، ولبنانيين، وغيرهم. وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «يشكِّل البرنامج منبراً حرّاً للمغتربين للتعبير عن همومهم ومشاعرهم بعيداً عن أوطانهم. تصلني تعليقات كثيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يصفه بعضهم بأنه صوتهم في بلاد الغربة يوقظ فيهم الحنين، في حين يعدُّه الوافدون الجدد إلى كندا بارقة أمل تشجعهم على الانخراط في المجتمع الغربي وتخفف عنهم شعور الوحدة في بداياتهم».

وتشير هيام إلى أن البرنامج يضم شهادات حيّة وقصص نجاح لمغتربين لبنانيين وعرب، قائلة: «أقدِّمه منذ 4 أشهر، ولم يتبقَّ سوى أيام قليلة على ختام موسمه الأول».

وعن أكثر ما لفتها في ضيوفها، ترد: «شعرت بأنهم يتمتعون بوعي كبير وذكاء عاطفي، وهو أمر ليس سهلاً بناؤه في الشخصية. كما أن الجاليات العربية تهتم ببعضها بعضاً وتساند أبناءها الذين يخوضون تجربة الاغتراب. وأنا شخصياً تلقيت دعماً وتشجيعاً كبيرين من أبناء الجالية اللبنانية».

أما عن قرار الهجرة، فتوضح أن الظروف الصعبة في لبنان كانت العامل الأساسي وراء اتخاذها هذه الخطوة، إلى جانب وجود أولادها وأحفادها في كندا. وتضيف: «الأزمات المتراكمة في لبنان تشعر الإنسان بالتعب والإحباط، كما أن وجود أولادي شجعني على الانتقال، فأصبحت قريبة منهم ومن أحفادي الذين كنت أشتاق لاحتضانهم».

وتؤكِّد أن الحنين إلى لبنان لا يفارقها: «نحن نشتاق إلى لبنان حتى ونحن نعيش فيه. نشتاق إليه بعيداً عن الحروب والأزمات، ونأمل أن يعود يوماً كما عرفنا».

في برنامجها «الحكي بيناتنا» تمد جسر التواصل بين لبنان المقيم والمغترب (إنستغرام)

وتصف تجربتها مع «الحكي بيناتنا» بأنها فتحت أمامها آفاقاً واسعة للتعرف إلى ثقافات وحضارات مختلفة، مشيرة إلى أن هموم اللبنانيين في الاغتراب تختلف عن تلك الموجودة في الوطن: «وجع الفراق صعب، لكنهم يعيشون هنا في أجواء من السلام والطمأنينة».

وتتابع: «أستمتع بالحوارات التي أجريها لا سيما أن كثيرين يتفاعلون معي ويمدونني بتعليقاتهم وانطباعاتهم الإيجابية. فيسرّون لي بأن البرنامج هو بمثابة نسمة من بلادهم تبرّد قلوبهم».

وتؤكد أن قرارها بالعمل في كندا نابع من رغبتها في البقاء منتجة ومستقلة، موضحة: «لم أرغب في أن أكون عبئاً على أولادي، لذلك بحثت عن فرصة عمل منذ وصولي».

تحنُّ إلى لبنان حتى وهي تعيش فيه (إنستغرام)

وعن الهجرة، تقول: «لا أستطيع أن أشجع أو أعارض، فلكل شخص ظروفه الخاصة. اتبعت إحساسي ببساطة ولم أحاول الاستفهام عن هذه الخطوة أو ما ينتظرني بعدها. لم يشجعني أحد على اتخاذها، بل فعلت ما رأيته مناسباً وصائباً بالنسبة إليّ. الأهم أن يكون صاحب القرار جاهزاً لتنفيذه».

وتختم حديثها بالتأكيد أنها تعيش اليوم بهدوء في كندا وتزور لبنان بين الحين والآخر، كما أن المرأة والرجل متساويان في خوض تجربة الاغتراب: «لم أؤمن يوماً بالتمييز بينهما، ومن يجتهد يصل. أكثر ما أحببته في كندا هو احترام القوانين وحصول الجميع على حقوقهم من دون تفرقة. بينما نفتقد في لبنان أننا نعيش وسط فوضى تحرمنا متعة الحياة».


الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
TT

الواقع الافتراضي يمنح «غيرنيكا» حياة جديدة في باريس

«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)
«غيرنيكا»... بكاء العالم على نفسه (صور المعرض)

ثمة دائماً طرائق جديدة لتقديم روائع الفنون القديمة والمعاصرة. ولم يعد المعرض مكاناً لتأمُّل لوحات معلقة على جدران هذه الصالة أو تلك، بل مغامرة تجريبية متجدّدة تُعيد وضع العمل الفنّي في موقعه من تطوّر الزمن وثورة التقنيات الحديثة.

وتنطبق هذه النظرة على المعرض المُقام حالياً في متحف بيكاسو حتى السادس من سبتمبر (أيلول) المقبل، بعنوان «تحولات غيرنيكا». وهي تجربة فريدة من نوعها للواقع الافتراضي تدور حول إحدى أشهر التحف الفنّية في القرن العشرين.

ويتيح المعرض فرصة مبتكرة وغير مسبوقة للغوص في أعماق جدارية بابلو بيكاسو الشهيرة، «غيرنيكا»، متتبّعاً تاريخها منذ تكليف الفنان برسمها لمعرض باريس الدولي عام 1937، وصولاً إلى تحوّلها إلى رمز عالمي للسلام.

وفور دخول الزائر، يجد نفسه مدعواً إلى رحلة تمر بمحطات أساسية في تاريخ اللوحة، من الجناح الجمهوري الإسباني حيث عرضت للمرة الأولى، إلى أطلال مدينة غيرنيكا الباسكية بعد القصف الذي ألهم الفنان رسمها، مروراً بمرسم بيكاسو الباريسي في شارع «غراند أوغسطين» حيث ولدت الجدارية، وصولاً إلى رحلاتها المتعدّدة قبل استقرارها النهائي في متحف الملكة صوفيا.

الواقع الافتراضي يعيد رسم الطريق إلى «غيرنيكا» (صور المعرض)

ويرافق الزائر في هذه التجربة صوتا شاهدين أساسيين: الكاتب خوان لاريا، عضو الوفد الجمهوري الإسباني، ودورا مار، الفنانة السريالية وشريكة بيكاسو، التي لعب التزامها بمناهضة الفاشية دوراً محورياً في ولادة العمل. وهي أيضاً مَن وثَّقت مراحل رسم الجدارية عبر سلسلة من الصور الفوتوغرافية الشهيرة.

ومَن يُشاهد صور بيكاسو خلال العمل على اللوحة يلاحظ ظهوره بكامل أناقته، مرتدياً سروالاً أسود وقميصاً أبيض وربطة عنق قاتمة، وكأنه يشارك في جنازة الأبرياء الذين قضوا تحت أنقاض منازلهم نتيجة قصف القوات الألمانية لبلدة غيرنيكا الإسبانية.

وفي تجربة حسية تجمع بين تاريخ الفن والانغماس العاطفي، يقدم معرض «تحولات غيرنيكا» منظوراً جديداً لفهم هذا العمل ذي الصدى العالمي، مستعيناً بدراسات أولية ووثائق أرشيفية وأعمال مرتبطة مباشرة بولادة الجدارية.

ورغم مئات الدراسات التي تناولت «غيرنيكا» عبر العقود، يرى القائمون على المعرض أن استحضارها اليوم بتقنيات الواقع الافتراضي يمنحها حياة جديدة، خصوصاً أنّ رسالتها المناهضة للحروب لا تزال تنسجم مع الزمن الراهن.

ومن المعروف أنّ بيكاسو رسم جداريته الشهيرة، التي يبلغ حجمها 349 في 776 سنتيمتراً، بين مايو (أيار) ويونيو (حزيران) 1937 مستخدماً الأسلوب التكعيبي، بناءً على طلب الحكومة الجمهورية الإسبانية لعرضها في الجناح الإسباني بمعرض باريس الكوني.

وجاءت اللوحة بمثابة صرخة إدانة للقصف الذي تعرضت له بلدة غيرنيكا خلال الحرب الأهلية الإسبانية، قبل أن تُحفظ في الولايات المتحدة خلال فترة الحكم الديكتاتوري بطلب من الفنان نفسه، ثم تعود إلى إسبانيا عام 1981.


شقيقان يتسابقان حول العالم... ثم يكتشفان نفسيهما على الشاشة

أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
TT

شقيقان يتسابقان حول العالم... ثم يكتشفان نفسيهما على الشاشة

أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)
أحياناً نكتشف أنفسنا متأخّرين... على شاشة تلفزيون (إنستغرام)

كشف الشقيقان هاريسون وكايتي ديفاين، المُشاركان في أحدث مواسم برنامج «ريس أكروس ذا وورلد» (سباق حول العالم) الذي تبثّه «بي بي سي»، عن التجربة الغريبة التي يعيشانها خلال مشاهدة نفسيهما على الشاشة، وذلك قبيل عرض الحلقة الأخيرة من البرنامج.

وسيظهر هاريسون، البالغ 24 عاماً، وشقيقته كايتي، 21 عاماً، وهما من مدينة مانشستر، في المرحلة النهائية من البرنامج، حيث يخوض المتسابقون مغامرة شاقّة في السفر من دون استخدام الهواتف المحمولة وبميزانية محدودة.

ووثَّق هذا الموسم رحلة الفرق المشاركة وهي تتسابق لمسافة تزيد على 12 ألف كيلومتر عبر أوروبا وآسيا.

وقال هاريسون، الذي يعمل مساعداً مالياً: «إنه شعور غريب... يبدو الأمر كأنك تُشاهد شخصاً آخر». وأضاف: «أنت تدرك أنّ مَن تراه على الشاشة هو أنت بالفعل، لكن الأمر يعود إلى مرحلة مضى عليها وقت طويل، كما أنّ كثيراً يحدث خلال يوم واحد لدرجة أنك لا تتذكر كلّ ما تراه على الشاشة». وتابع: «تقول أحياناً لنفسك: هل قلت ذلك فعلاً؟».

وأوضح أنّ مشاعره تتراوح بين الإحراج والضحك على نفسه، مضيفاً: «هذه تجربة غريبة جداً، وليست شيئاً معتاداً بالنسبة إلينا».

وتنطلق رحلة المتسابقين من مدينة باليرمو في جزيرة صقلية الإيطالية، وصولاً إلى قرية هاتغال النائية الواقعة على ضفاف بحيرة هوفسغول في شمال منغوليا، وذلك سعياً للفوز بالجائزة المالية البالغة 20 ألف جنيه إسترليني.

أما كايتي، التي تعمل مديرة حسابات، فقالت إنّ مشاهدة البرنامج أعادت إليها كثيراً من الذكريات. وأضافت: «عندما أشاهد الحلقات، أجد نفسي أضحك دائماً، لأنني لا أتذكر أن الأمور كانت تبدو بهذا الشكل». وتابعت: «أشعر أنّ الأحداث تبدو أكثر طرافة عند مشاهدتها لاحقاً».

وأوضحت أنّ التوتّر كان يرافقهم طوال مدّة التصوير، لكنها ترى الآن أنها تستطيع الاستمتاع بالتجربة بشكل كامل عند مشاهدتها مجدداً، قائلة: «في تلك اللحظات، ثمة كثير من الضغط النفسي، لكن عندما تُشاهد الأمر لاحقاً تستطيع أن تستمتع فعلاً بكلّ ما عشناه».

وكانت كايتي قد تحدَّثت سابقاً عن أن قضاء كل يوم مع شقيقها كان في الواقع الجزء الأسهل من التجربة. وقالت: «نعرف بعضنا بعضاً بشكل جيد جداً، وكأنّ كلاً منا امتداد للآخر».

وترى أنّ المشاحنات بينهما قد تكون في الواقع عاملاً إيجابياً يُساعدهما،

وأضافت أنّ بعض الأشقاء قد يعدُّون ذلك نوعاً من الشجار، لكنّ الأمر بالنسبة إليهما مختلف تماماً، موضحةً: «كلّما كنا أكثر قسوة مع بعضنا، أصبحت علاقتنا أقوى».