معيتيق يجتمع بوزرائه في فندق.. والثني يطالب البرلمان بإيجاد حل لأزمة طرابلس

الجيش الجزائري يدفع بخمسة آلاف عسكري إلى الحدود مع ليبيا

معيتيق يجتمع بوزرائه في فندق.. والثني يطالب البرلمان بإيجاد حل لأزمة طرابلس
TT

معيتيق يجتمع بوزرائه في فندق.. والثني يطالب البرلمان بإيجاد حل لأزمة طرابلس

معيتيق يجتمع بوزرائه في فندق.. والثني يطالب البرلمان بإيجاد حل لأزمة طرابلس

تأكيدا لما نشرته «الشرق الأوسط» أمس حول رفض الحكومة الانتقالية في ليبيا برئاسة عبد الله الثني تسليم السلطة لرئيس الوزراء الجديد أحمد معيتيق، أعلنت حكومة الثني في بيان رسمي أنها تنتظر قرار القضاء لتقرير ما إذا كانت ستسلم السلطة أم لا، وأكدت أنه «انطلاقا من مسؤوليتها التاريخية فإنها تتعهد بالاحترام التام لكل قرارات القضاء».
لكن معيتيق تجاهل رفض الثني، وعقد أول اجتماع لأعضاء حكومته الـ22 في فندق فخم يمتلكه في العاصمة الليبية طرابلس، فيما قال مسؤول من مكتبه إن «الأمن في البلاد وبرامج الوزراء من بين المواضيع التي وضعت في جدول أعمال الاجتماع». وعقد معيتيق اجتماعه خارج مقر الحكومة الأصلي، الذي ما زالت حكومة الثني تواصل اجتماعاتها الرسمية فيه وسط إجراءات أمنية مشددة.
وكانت الإدارة القانونية بوزارة العدل الليبية أقرت بطلان إجراءات التصويت على منح الثقة لحكومة رجل الأعمال والمليونير معيتيق المدعوم من جماعة الإخوان المسلمين. وقالت حكومة الثني في بيان أصدرته أمس، وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، إنها «انطلاقا من مسؤوليتها الوطنية والتاريخية في هذه الفترة العصيبة، تلتزم التزاما مطلقا بما يصدر من أحكام قضائية، وإنها لن تخذل الشعب الليبي في مطالبه المشروعة». وأوضحت أنها تلقت ثلاثة آراء قانونية من إدارة القانون، وهي من الهيئات المستقلة القضائية، كلها تشير إلى غياب قانونية إجراءات انتخاب معيتيق، مشيرة إلى أن أحد هذه الآراء القانونية كان بناء على طلب من مقرر المؤتمر الوطني العام (البرلمان).
ولفتت الحكومة إلى أن هناك طعنا مقدما من مجموعة من أعضاء المؤتمر الوطني إلى المحكمة العليا للفصل في قانونية وشرعية تنصيب الحكومة الجديدة، معلنة ترحيبها بلجنة التوافق التي شكلها مجلس القضاء الأعلى وبعض الشخصيات الوطنية، وأكدت أنها ستتعاون مع هذه اللجنة وستلتزم بأي حل توافقي للأزمة الراهنة.
وبعدما أوضحت أنها بدأت في إعداد محاضر التسليم والتسلم للحكومة الجديدة، وأنها في حالة انعقاد مستمر لمتابعة التطورات الشعبية والقضائية واتخاذ ما يلزم من إجراءات دستورية بالخصوص، دعت الحكومة رئاسة البرلمان للامتناع مؤقتا عن اتخاذ أي إجراءات تنفيذية بتكليف أي أجسام غير هذه الحكومة بأي مهام أمام المحافل الدولية، حفاظا على هيبة الدولة الليبية وتفاديا لضياع مصلحة الوطن. وحذرت الحكومة مما وصفته بالأخطار المحدقة بالوطن في ظل الاختلاف السياسي، ومنها الانزلاق إلى خطر الانقسام الوطني، والاحتكام إلى السلاح، والتدخل الأجنبي، وناشدت كل الأطراف تغليب صوت العقل والحكمة والاحتكام للسلطة القضائية لتثبيت دولة القانون والمؤسسات.
من جهته، قال الثني، في مؤتمر صحافي عقده مساء أول من أمس بطرابلس، إن «حكومته ليست طرفا في أي خلاف مع معيتيق وأعضاء حكومته الجديدة»، داعيا البرلمان إلى الاحتكام للعقل والمنطق والجلوس لإيجاد مخرج، مضيفا أن «رئيس البرلمان نوري أبو سهمين طلب منه تسليم السلطة، لكن نائبه الأول عز الدين العوامي طلب منه البقاء في منصبه».
وحمل الثني البرلمان مسؤولية إيجاد حل لهذه الأزمة، ورأى أن «المخرج ليس من معيتيق وليس من الحكومة الحالية، المخرج منهم (أعضاء البرلمان) لأنهم المسؤولون عما حدث». ومضى إلى القول «رأينا أن نحتكم للقانون، وإذا أردنا أن نؤسس لدولة تحترم القانون فعلينا جميعا أن نحتكم للقانون، ولا سلطان على القضاء والقانون، والحكومة المؤقتة ستلتزم بما يصدر من فتاوى قانونية سواء كانت من مجلس القضاء الأعلى أو المحكمة الدستورية أو إدارة القانون، وسنحترم الآراء القانونية ونعمل بها».
وبعدما لفت إلى أن «البلاد تمر بمرحلة خطيرة ولا نريد انقسام الشرق أو الجنوب، رد الثني على اتهامات صالح المخزوم، النائب الثاني لرئيس البرلمان، لحكومته بالفشل، وقال «هذه ليست فترة توجيه اتهامات، والقول بأن الحكومة فاشلة وبأن لها وعليها. وأود أن أقول له لا ترم بيوت الآخرين بالحجارة وبيتك من زجاج، بإمكاننا الرد على المؤتمر الوطني لكننا لسنا في خصام معه». وقال الثني إنه تلقى أوامر متناقضة من البرلمان المنقسم بشأن شرعية انتخاب معيتيق، وإنه سيواصل القيام بمهامه حتى يوضح البرلمان الموقف.
وتفاقمت الأزمة في ليبيا بوجود حكومتين وسط سوء تفاهم سياسي - قضائي، وصناديق ميزانية فارغة؛ إذ لم تقر موازنة عام 2014 حتى الآن. ويعود الخلاف إلى مطلع هذا الشهر حين انتخب معيتيق في تصويت شابته الفوضى في المؤتمر الوطني، واتهم عدد كبير من النواب الليبراليين الكتل الإسلامية بترك عملية التصويت مفتوحة لتمكين الغائبين وقت التصويت من الإدلاء بأصواتهم بعد إعلان نتيجة التصويت بهدف حصول معيتيق على الأصوات الـ121 اللازمة في حين أنه لم يحصل في الأصل إلا على 113 صوتا.
وأعلنت عدة مجموعات مسلحة وسياسيون أنهم لن يعترفوا بحكومة معيتيق، الذي حصل على الرغم من كل ذلك على ثقة البرلمان. وأصبح في ليبيا التي تواجه اضطرابا متزايدا رئيسا وزراء الآن، وبرلمان منقسم بشدة بين الإسلاميين وخصومهم، وفصائل متناحرة تنتمي لمناطق مختلفة ستزيد من تعقيد أي حل سريع للأزمة.
في غضون ذلك، استبق اللواء السابق بالجيش الليبي خليفة حفتر مظاهرات متوقعة اليوم (الجمعة) في بعض المدن الليبية تحت اسم «جمعة دعم الجيش» في عملية الكرامة التي تشنها قواته ضد المتطرفين، وقال إنه «يقاتل في ليبيا نيابة عن العالم كله مدعوما من جميع الليبيين»، مجددا تأكيده أنه لا يخطط لتقسيم البلاد ولا يطمح على المستوى الشخصي للوصول إلى السلطة.
وقال حفتر، في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الأميركية عبر الهاتف من مقره في بنغازي، إن «الجماعات التي تقاتلني هي جماعات متطرفة تزعم الانتماء إلى الإسلام، لكن الشعب الليبي لا يعدها كذلك، لأن الشعب في ليبيا مسالم، لكننا نواجه المتطرفين بقوة وسنسعى لإلحاق الهزيمة بهم». ونفى تلقيه أي دعم خارجي، قائلا «ليس هناك أحد خارج ليبيا يدعمني.. أعتمد على البناء الاجتماعي الليبي والمؤسسات والقبائل الليبية والشعب الليبي السني، وأنا واثق مائة في المائة، وسننتصر عليه بعون الله رغم أننا نقاتل في هذه المعاركة نيابة عن العالم كله». وتابع «الذين يريدون تقسيم ليبيا ليسوا بيننا، الشعب الليبي يدعمنا، وليست لدينا أي خطة لتقسيم ليبيا بأي شكل من الأشكال، نريد أن تصل الخدمات إلى كل الليبيين، هذا ما نريده وما نطمح إليه». ورأى حفتر أن البديل بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي لم يكن جيدا، مشيرا إلى أن المؤتمر الوطني المنتخب من الشعب لم يعمل بطريقة صحيحة، وأسهم في سرقة البلاد. وأضاف أن «الشعب الليبي كان يسأل: أين الجيش؟ ولذلك قررت مواجهة هذا الخطر ومواجهة كل أعداء الشعب الليبي».
إلى ذلك, قررت قيادة أركان الجيش الجزائري تعزيز وحدات الجيش المرابطة على الحدود مع ليبيا بخمسة آلاف عسكري، بين جندي ودركي، كما قررت إنشاء «قطاع عملياتي» بالمنطقة الحدودية في ولاية «إليزي» الحدودية.
وكشفت مصادر مطلعة أمس عن أن قائد أركان الجيش الجزائري الفريق قايد صالح، نائب وزير الدفاع، شدد على كبار قادة العسكريين المعنيين «الاضطلاع بكامل مسؤولياتهم في حماية الحدود قرب منطقة مشتعلة، تخشى السلطات انتقال نارها إلى التراب الجزائري».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.