«بوكو حرام» تستخدم الفتيات الانتحاريات أكثر من أي جماعة متطرفة أخرى

كن يتلمسن صواعق التفجير وهن يفكرن في وسيلة للفرار

TT

«بوكو حرام» تستخدم الفتيات الانتحاريات أكثر من أي جماعة متطرفة أخرى

لم تكن الفتيات يرغبن في قتل أي شخص. لقد ساروا في صمت لفترة من الوقت، وكان حمل المتفجرات المعلقة حول أجسادهن ثقيلا للغاية عندما كن يتلمسن الصواعق وهن يفكرن في وسيلة للفرار.
تقول هاديزا (16 عاما): «لا أعرف كيف أتخلص من هذه الأشياء حول جسدي»، وهي تتذكر كيف كانت تسير نحو تنفيذ مهمتها. وسألت الفتاة البالغة من العمر 12 عاما بجانبها التي كانت ترتدي حزاما ناسفا هي الأخرى: «ماذا سوف تفعلين بحزامك الناسف؟».
فأجابتها تقول: «سوف أذهب إلى حيث يقولون وأفجر نفسي هناك».
لقد كان الأمر يجري بسرعة فائقة. وبعد اختطفاهن على أيدي جماعة «بوكو حرام» هذا العام، التقت هاديزا بأحد المقاتلين في المخيم حيث كانت محتجزة رهينةً هناك، وكان يريد الزواج بها، ولكنها رفضته. فقال لها المقاتل: «سوف تندمين على ذلك». وبعد بضعة أيام، اقتادوها إلى حيث يوجد زعيم «بوكو حرام». ولقد أخبرها أنها سوف تذهب إلى أسعد مكان يمكنها تصوره. واعتقدت هاديزا أنها سوف ترجع لبيتها أخيرا، ولكن الزعيم كان يتحدث عن «الجنة»!
ثم جاءوا إليها في المساء، كما تتذكر، وكانوا يحملون حزاما ناسفا وربطوه إلى خصرها، ثم أرسلها المقاتلون برفقة الفتاة التي تبلغ 12 عاما من عمرها سيرا على الأقدام، كل منهما بمفرده، وأخبروهما بتفجير الأحزمة الناسفة في مخيم المدنيين النيجيريين الذين فروا من أعمال العنف التي ارتكبتها جماعة بوكو حرام في المنطقة. وتقول هاديزا: «علمت أنني سوف أموت وأقتل أناسا آخرين. ولم أكن أرغب في فعل ذلك».
وقد صارت منطقة شمال شرقي نيجيريا، التي تدخل عامها الثامن الآن من الحرب ضد بوكو حرام، المكان الذي يفزع من بناته وفتياته.
وحتى الآن خلال العام الحالي، نفذت الميليشيات المتطرفة كثيرا من التفجيرات الانتحارية بأكثر مما فعلوا في عام 2016 بأكمله، ولا تزال الهجمات مستمرة. ووفقا لمنظمة يونيسيف، فقد تم استخدام أكثر من 110 أطفال في تنفيذ الهجمات الانتحارية منذ بدء العام الحالي، و76 منهم على الأقل من الفتيات. وأغلبهم دون سن الخامسة عشرة. ولقد فجرت إحدى الفتيات نفسها وهناك طفل مربوط على ظهرها.
واستهدف القصف هنا في خضم المعركة ضد «بوكو حرام» المساجد والأسواق ونقاط التفتيش ومخيمات المدنيين النازحين وأي مكان آخر يتجمع الناس فيه، بما في ذلك ملعب البولو الوحيد الذي تم الهجوم عليه مرات كثيرة. ولقد تم حفر الخنادق حول جامعة مايدوغوري، ولقد كانت من أهداف القصف المتكررة، على أمل إبطاء حركات المهاجمين.
تقول ميموما (14 عاما): «كنت أعرف جيدا أن هذه القنبلة سوف تقضي على حياتي».
وأصبح استخدام الأطفال في القتال من الأمور الشائعة إلى حد كبير لدرجة أن المسؤولين في المناطق الخاضعة لسيطرة «بوكو حرام» يحذرون الناس من الفتيات المنتحرات. وهناك لافتة إعلانية ضخمة هنا في مايدوغوري - وهي المدينة النيجيرية التي نشأت فيها جماعة بوكو حرام - تقول: «أوقفوا الإرهاب» مع صورة لفتاة متجهمة ذات نظرات متوحشة وتحمل المتفجرات على صدرها، وتمسك بالصاعق المفجر بإحدى يديها.
ويحض المسؤولون أولياء الأمور علنا على عدم تسليم الأطفال إلى «بوكو حرام» لكي لا يتم استخدامهم في تنفيذ العمليات الانتحارية، بينما يذيع الجيش النيجيري شريطا للفيديو يخبر حملة الأحزمة الناسفة بإمكانية تسليم أنفسهم، وتظهر في الفيديو فتاة تبلغ من العمر 11 عاما. وتقول تلك الفتاة: «لا تسمحوا لهم بربط المتفجرات إلى أجسادكم. إنه أمر خطير للغاية». ويصف الإعلان العام حملة الأحزمة الناسفة وعائلاتهم بأنهم يتعاونون مع «بوكو حرام» ويوفرون الدعم لحملة الإرهاب التي تقوم بها الجماعة المتطرفة، أو أنهم جرى غسل أدمغتهم، أو خداعهم للقيام بتلك الأفعال الشنيعة.
ولكن صحيفة «نيويورك تايمز» قامت بالمتابعة وإجراء المقابلات مع 18 فتاة في نيجيريا ممن قد أرسلن لتنفيذ مهام انتحارية بأمر من «بوكو حرام». تعصف رواياتهن الشخصية بكل ما قيل عن الأمر مما يتشدق به المسؤولون هناك.
وبعيدا عن كونهن من المشاركات المستعدات للموت، قالت الفتيات إنهن تعرضن للخطف والاحتجاز رهائن، مع مقتل أفراد عائلاتهن أثناء عمليات الاختطاف.
وقالت جميع الفتيات كيف قام المتطرفون المسلحون بإجبارهن على ربط الأحزمة الناسفة إلى أجسادهن، أو إلقاء القنابل في أيديهن قبل الدفع بهن نحو حشود من المدنيين. ولقد قيل لأغلب الفتيات إن دينهن يأمرهن بطاعة الأوامر. ولقد قاومت جميع الفتيات هذه الممارسات، وحاولن منع الهجمات المريعة عن طريق التوسل إلى المواطنين العاديين أو السلطات لمساعدتهن.
فرت عائشة (15 عاما) من منزلها برفقة والدها وشقيقها البالغ من العمر 10 سنوات، ولكن بوكو حرام ألقت القبض عليهم. وقتل المتطرفون والدها، وبعد فترة وجيزة، شاهدتهم يربطون حزاما ناسفا بجسد شقيقها، وأجلسوه بين اثنين من المسلحين على متن دراجة بخارية وانطلقوا به مسرعين.
ثم عاد المسلحان من دون شقيقها، فرحين مهللين. فلقد قام شقيقها بتفجير نفسه في بعض جنود الجيش النيجيري في إحدى الثكنات، كما علمت بعد ذلك. ولقد أمرها المسلحون بعدم البكاء عليه: «لقد قتل أناسا أشرارا»، كما قالوا لها. وفي وقت لاحق، ربطوا حزاما ناسفا إلى جسدها، كذلك، وأمروها بالتوجه إلى الثكنات العسكرية نفسها. وعلى غرار الفتيات الأخريات، قالت عائشة، إنها فكرت في التوقف عند بقعة منعزلة من الأرض والضغط على الصاعق المفجر، بعيدا عن كل الناس، لتفادي إلحاق الأذى بأي شخص آخر. وبدلا من ذلك، اقتربت عائشة من الجنود وأقنعتهم بإزالة المتفجرات من جسدها بكل سلاسة. وقالت عائشة: «قلت لهم إن شقيقي كان هنا قبلي وقتل بعضا من رجالكم. ولم يكن شقيقي يدرك بما فيه الكفاية لكي يعرف أنه يتوجب عليه عدم فعل ذلك. فلقد كان طفلا غضا وصغيرا في السن». أما الفتيات الأخريات، اللواتي تم حجب أسمائهن بالكامل بسبب خوفهن على أمنهن، كانت لديهن قصص مشابهة للرعب والمقاومة. وقال الجنود لفاطمة البالغة من العمر 17 عاما، استلق على وجهك على الأرض. ولكن عندما اقتربت من جنود الجيش، رفعت أيديها عاليا وصرخت فيهم بأعلى صوتها: «انظروا! إنني بريئة! أنا لا أنتمي إليهم! لقد أجبروني على ذلك!».
قيل لأمينة البالغة من العمر 16 عاما بتفجير نفسها في المسجد وسط المصلين. ولكن مع اقترابها من الحشود، تعرفت على عمها، الذي ساعدها على النجاة.
وقال المسلحون المتطرفون لحجة البالغة من العمر 17 عاما، انتظري حتى تجدين حشدا كبيرا من المدنيين. وإن وجدت جنديا أو اثنين فقط فاضغطي على الصاعق المفجر فورا، كما قالوا لها. بدلا من ذلك، عندما اقتربت من أحد الجنود، أظهرت له الحزام الناسف الذي تحمله، فأرشدها الجندي للذهاب إلى حقل مفتوح، حيث نجحت بكل هدوء في التخلص من القنبلة.
أما فاتي البالغة من العمر 14 عاما فقد أرسلوها برفقة تسع فتيات أخريات، كل منهن في اتجاه مختلف لضرب أهداف مختلفة. ولقد سارت نحو مركز للشرطة لطلب المساعدة هناك، وكانت تحمل الحقيبة التي تحتوي على القنبلة. ولقد صرخ الضباط فزعين وهرولوا مسرعين، كما قالت. ولكنهم عادوا في نهاية الأمر، وقالوا لها بترك الحقيبة في حقل قريب مفتوح والابتعاد عنها فورا. وقالت مريم البالغة من العمر 16 عاما إنها حصلت على المساعدة من رجل عجوز يستريح في ظل شجرة. وكانا يصيحان إلى بعضهما من على مسافة بعيدة وآمنة، حتى يتسنى له سؤالها والحصول على بعض التأكيدات بأنها لا تخطط لقتله.
وبالنسبة لهؤلاء الفتيات وغيرهن، كان مجرد الاقتراب من السلطات لطلب لمساعدة ينضوي على مخاطر فائقة. إذ إن الجنود والمدنيين عند نقاط التفتيش في حالة تأهب دائمة وقصوى حيال أي شخص مشتبه فيه، ويعني ذلك في المعتاد أي امرأة أو فتاة، وأغلبهن يرتدين حجاب الرأس والملابس الطويلة التي يمكن أن تُخفي تحتها الأحزمة الناسفة. وعلى مدى الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2016. كما تقول الأمم المتحدة، تعرض 13 طفلا تتراوح أعمارهم بين 11 إلى 17 عاما للقتل بعدما اعتقدت السلطات على نحو خاطئ بأنهم كانوا يحملون أحزمة ناسفة لتفجير أنفسهم.
*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

توقيف 12 شخصاً لتهديدهم فعالية إسلامية في بريطانيا

أوروبا أفارد من الشرطة يؤدون واجبهم عند قلعة وندسور في بريطانيا 1 أبريل 2018 (رويترز)

توقيف 12 شخصاً لتهديدهم فعالية إسلامية في بريطانيا

أوقفت الشرطة البريطانية 12 شخصاً لتهديد إرهابي يميني متطرف مزعوم لفعالية إسلامية في سافولك بشرق إنجلترا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة موزعة للإرهابي طالب غولر بعدما جلبته الاستخبارات التركية من سوريا (إعلام تركي)

تركيا تلقي القبض على قيادي «داعشي» في عملية أمنية داخل سوريا

ألقت الاستخبارات التركية القبض على أحد العناصر القيادية في تنظيم «داعش» الإرهابي في عملية نفذتها داخل سوريا بالتنسيق مع أجهزتها الأمنية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية يرى أكراد تركيا أن إحراق عناصر من «حزب العمال الكردستاني» أسلحتهم يوم 11 يوليو 2025 خطوة نادرة لم تُستغل على مدى عام (أ.ف.ب)

أكراد تركيا يستعجلون الحكومة لإقرار «قانون السلام»

يسعى حزب مؤيد للأكراد بتركيا إلى إقرار «قانون إطاري» لـ«عملية السلام» التي تمر عبر حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته، قبل نهاية شهر يوليو (تموز) الحالي...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا الطاقم الأميركي في «مجموعة العمل المشتركة» بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

نيجيريا: الجيش يتكبد خسائر خلال تحرير 44 تلميذاً ومعلماً من قبضة «بوكو حرام»

نيجيريا: الجيش يتكبد خسائر خلال تحرير 44 تلميذاً ومعلماً من قبضة «بوكو حرام» ومسؤول أمني يقول إن الجيش حدد هويات الخاطفين، واعتقل أقاربهم، وضغط عليهم.

الشيخ محمد ( نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)

«تنازلات براغماتية» تنهي أشهراً طويلة من التوتر بين الجزائر ومالي

طوى تبادل الاتهامات بـ«نشر الإرهاب»، وأوصاف «الانقلابيين والجنود المتسلطين» التي طبعت الخطاب بين الجزائر وباماكو خلال السنتين الماضيتين، صفحتهما أمام هدوء نسبي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
TT

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)

أعاد اختتام أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف الأسبوع الماضي، تسليط الضوء على قدرة المنظمة الدولية على مواكبة التطورات المتسارعة في هذا القطاع. ويأتي ذلك في وقت تتنافس فيه القوى الكبرى على امتلاك النماذج الأكثر تطوراً، والرقائق الأعلى كفاءة، والبنية التحتية القادرة على تشغيلها، وسط محاولات أممية لوضع أسس لحوكمة عالمية تحد من المخاطر المصاحبة لهذه التكنولوجيا.

ويُقصد بـ«حوكمة الذكاء الاصطناعي» وضع القواعد والضوابط التي تنظّم تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها.

وتكمن صعوبة المهمة في أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً رئيسياً في حسابات الأمن القومي والنمو الاقتصادي والتفوّق العسكري. لذلك تنظر الحكومات إلى القواعد التنظيمية من زاوية مصالحها الاستراتيجية، فيما تتحرك الشركات المطورة للنماذج الكبرى بسرعة تفوق إيقاع المؤسسات الدولية والتشريعات الوطنية.

وفي هذا السياق، ترى مؤسسة «بروكينغز»، وهي أحد أبرز مراكز الأبحاث الأميركية، أن بناء حوكمة دولية فعّالة للذكاء الاصطناعي لا يرتبط بإنشاء هيئة عالمية جديدة بقدر ما يعتمد على تنسيق الأطر التنظيمية القائمة، وتعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، مع اضطلاع الأمم المتحدة بدور تنسيقي يجمع هذه الجهود ضمن إطار مشترك.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاب الافتتاح لأول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في جنيف بسويسرا يوم 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مقاربات القوى الكبرى

تدرك واشنطن أن الحفاظ على موقعها في قطاع الذكاء الاصطناعي يمنحها تفوقاً اقتصادياً وأمنياً طويل الأمد. وقد استخدمت القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة والتقنيات المرتبطة بها ضمن محاولاتها لإبطاء تقدّم الصين وحماية الصناعات الأميركية الحساسة.

في المقابل، تعمل بكين على تعزيز قدراتها المحلية في تصنيع الرقائق وتطوير النماذج مفتوحة المصدر، بما يسمح للمطورين بالبناء عليها وتطويرها. كما تقدّم نفسها بوصفها مدافعاً عن توسيع استفادة الدول النامية من التكنولوجيا، في إطار سعيها إلى تعزيز نفوذها في رسم مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

أما الاتحاد الأوروبي، فيسعى إلى تثبيت حضوره عبر التشريع، مستفيداً من حجم سوقه، وقدرته على فرض معايير تجد الشركات العالمية نفسها مضطرة إلى مراعاتها. ويمنحه هذا النهج تأثيراً ملموساً في صياغة البيئة التنظيمية العالمية، حتى من دون امتلاكه الريادة في تطوير النماذج الكبرى، الأمر الذي يعكس اتجاه العالم نحو منظومات تنظيمية متعددة، لكل منها أولوياتها السياسية والاقتصادية.

شرعية دولية تواجه تحديات التنفيذ

ضمن هذه البيئة، تحاول الأمم المتحدة بناء شرعية دولية لمسار الحوكمة من خلال الحوار بين الحكومات والخبراء والشركات والمجتمع المدني. ويمنحها تمثيل معظم دول العالم ميزة لا تملكها التحالفات المحدودة، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ستؤثر في دول لا تمتلك شركات كبرى أو قدرات حوسبة متقدّمة.

لكن جمع الدول حول طاولة واحدة يختلف عن القدرة على إلزامها بتطبيق ما يُتفق عليه. فالأمم المتحدة تعتمد على إرادة الدول الأعضاء، ولا تملك سلطة مباشرة لإجبار القوى الكبرى أو شركات التكنولوجيا على تطبيق قواعد موحدة. كما أن الانقسامات داخل مجلس الأمن، والتوتر بين واشنطن وبكين يحدّان من فرص إنشاء نظام دولي ملزم خلال فترة قريبة.

وفي رسالة نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، دعا خبيران شاركا في الهيئة الاستشارية للأمم المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي، إلى إنشاء وكالة دولية مستقلة وعلمية، تتولى دعم معايير السلامة ومساعدة الحكومات على تطوير قدراتها التنظيمية، محذّرين من ترك صياغة القواعد في يد عدد محدود من الدول والشركات.

شعار أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

دور أممي لتقليص الفجوة الرقمية

تمثل قضية التفاوت الرقمي أحد أهم الملفات التي قد تمنح الأمم المتحدة دوراً عملياً. فمعظم الدول لا تملك الموارد المالية أو الطاقة أو البيانات اللازمة لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدّمة، وقد تجد نفسها معتمدة على تقنيات تنتجها شركات أجنبية وفق أولويات لا تشارك في تحديدها.

ويمنح هذا الواقع الأمم المتحدة فرصة للتركيز على بناء القدرات، وتدريب الجهات التنظيمية، وتوسيع الوصول إلى البنية التحتية الرقمية، ووضع معايير تحد من التحيّز في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وحماية الخصوصية، والحد من التضليل، بما يساعد على تضييق الفجوة الرقمية بين الدول.

نفوذ مرهون بقبول القوى الكبرى

يصعب تصور معاهدة عالمية شاملة للذكاء الاصطناعي في ظل المرحلة الحالية من المنافسة الدولية. ويبدو المسار الأكثر واقعية قائماً على مبادئ مشتركة، ومعايير فنية، وتفاهمات جزئية تتطور تدريجياً وفق طبيعة المخاطر.

وتملك الأمم المتحدة قدرة على منح هذا المسار شرعية أوسع، إلا أن نجاحها سيعتمد على إقناع القوى الكبرى بأن وجود قواعد مشتركة يخدم مصالحها، ويسهم في الحد من المخاطر المرتبطة بسباق الذكاء الاصطناعي. ومن دون هذا الاقتناع، ستبقى الحوكمة ساحة للتنافس بين واشنطن وبكين، فيما تظل المنظمة الدولية منصة للحوار أكثر من كونها جهة قادرة على توجيه سباق الذكاء الاصطناعي.

ويبقى نجاح جهود الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي مرهوناً بقدرتها على تحويل ما أطلقه الحوار العالمي الأول إلى خطوات عملية تواكب سرعة التطور التقني، وتحدّ من اتساع الفجوة بين التنافس الدولي ومتطلبات التعاون العالمي.


لولا: أميركا ستتحول «قرصاناً» إذا فرضت ضريبة على السفن التي تعبر «هرمز»

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)
TT

لولا: أميركا ستتحول «قرصاناً» إذا فرضت ضريبة على السفن التي تعبر «هرمز»

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)
الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (إ.ب.أ)

اعتبر الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الاثنين، أن الولايات المتحدة ستتحول إلى «قرصان» إذا فرضت ضريبة على السفن التي تعبر مضيق هرمز، كما صرح في وقت سابق دونالد ترمب.

وفي منشور عبر منصته «تروث سوشيال»، اقترح الرئيس الأميركي فرض ضريبة تحصلها الولايات المتحدة تعادل «20 في المائة من قيمة شحنات» السفن التي ترغب في عبور المضيق.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، قال لولا خلال فعالية عامة في ساو كايتانو دو سول في ولاية ساو باولو: «في الماضي، كان يعتبر ذلك قرصنة». وأضاف: «إن الولايات المتحدة بلد مهم، وأعتقد أنها حاربت القرصنة لفترة طويلة، ولا يمكنها اليوم أن تتصرف كالقراصنة».

بدوره، رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الاثنين، على اقتراح الرئيس الأميركي فرض رسوم على البضائع المنقولة بحراً عبر المضيق، مؤكداً أن إيران كانت وستبقى حارسة المضيق.

وكتب الوزير على منصة «إكس»: «الرئيس الأميركي محق تماماً. يجب تعويض كل من يضمن المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز. لطالما كانت إيران حارسة المضيق وستبقى كذلك»، مضيفاً بنبرة ساخرة: «من الواضح أن نسبة 20 في المائة مبالغ فيها. سنكون منصفين».

وقال ‌ترمب، الاثنين، إن الولايات المتحدة قررت فرض الحصار البحري على إيران مجدداً وتحصيل رسوم 20 في المائة على جميع البضائع المشحونة عبر مضيق ​هرمز، وذلك بعد أن أعلنت طهران إغلاق هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف: «مضيق هرمز مفتوح، وسيظل مفتوحاً، سواء بإيران أو بدونها. سنعيد فرض الحصار على إيران». واستطرد: «ستحصل أميركا على 20 في المائة على جميع الشحنات المنقولة لتغطية جميع التكاليف اللازمة لتوفير الأمن والسلامة لهذه المنطقة المضطربة من العالم». وأكد أن العملية ستبدأ على الفور، دون الخوض في تفاصيل.

وكان ترمب قال في مقابلة هاتفية ‌مع برنامج «فوكس ‌آند فريندز» على قناة «فوكس نيوز» في ​وقت ‌سابق إن ​الولايات ⁠المتحدة ستسيطر على الأرجح على مضيق هرمز، وإنه يجب تعويضها عن نفقات إدارته.

وأضاف: «سنسيطر على المضيق، وربما سنديره. سنصبح حُماة المضيق. ربما سنُسمى الملاك الحارس للمضيق. ويجب أن نحصل على تعويض مقابل ذلك».


مزيد من الدول لحظر منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال

تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)
تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)
TT

مزيد من الدول لحظر منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال

تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)
تسود مخاوف من أن تمضية الأطفال وقتاً طويلاً أمام الشاشات تؤدي إلى جعلهم أكثر خمولاً (شاترستوك)

ترفع لجنة خبراء، يوم الاثنين، توصياتها إلى المفوضية الأوروبية بشأن احتمال فرض حظر على استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي في دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين، في إطار خطة لتنظيم وصول الأطفال إلى هذه التطبيقات، بعد اعتماد أو اقتراح إجراءات مماثلة في أكثر من 20 دولة حول العالم.

ومن بين الدول العشرين التي أحصتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، دخلت قيود على منصات التواصل الاجتماعي حيز التنفيذ في خمس دول.

وفي معظم هذه الدول، تُعد الإجراءات حديثة العهد، وتستهدف الأطفال دون سنّ 15 أو 16 عاماً.

دول تفرض قيوداً

حُظرت منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 16 عاماً في أستراليا منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، بينما سنَّت البرازيل قانوناً في مارس (آذار) يُلزم المنصات بربط حسابات المستخدمين دون سنّ 16 بحسابات آبائهم، بالإضافة إلى إلزامها بالتحقق من أعمار المستخدمين.

وفي الصين، حيث تخضع شبكة الإنترنت لرقابة حكومية صارمة، فُرضت قيود تدريجية على وصول القاصرين منذ عام 2019.

وفرضت الإجراءات الصينية الأولية حدوداً زمنية وحظراً على الألعاب الإلكترونية، قبل أن تُعمم قيود مماثلة في 2023 لتشمل منصات التواصل الاجتماعي ومنصات البث المباشر.

وحظرت إندونيسيا استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون سنّ 16 عاماً منذ مارس، بينما أقرت ماليزيا خلال يونيو (حزيران) تشريعاً مماثلاً يمنع هذه الفئة العمرية من استخدام المنصات الرئيسية.

ويُنتظر أن تنضم تركيا إلى القائمة بعد إقرارها تشريعاً في أبريل (نيسان) يمنع من هم دون سنّ 15 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي. ومن المتوقع أن يدخل القانون حيز التنفيذ في أواخر 2026.

وأعلنت دولة الإمارات، الشهر الماضي، حظر منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً، على أن يبدأ تطبيق القرار بعد نحو عام.

دول تعتزم فرض قيود

داخل الاتحاد الأوروبي، أعلنت الحكومة اليونانية مطلع أبريل عزمها حظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً، اعتباراً من الأول من يناير (كانون الثاني) 2027.

وتستعد كل من النمسا وسلوفينيا أيضاً لإقرار تشريعات تحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 14 و15 عاماً على التوالي.

وفي ألمانيا، حيث يدعم المستشار فريدريش ميرتس فرض قيود، بل حتى حظر استخدام منصات التواصل للأطفال، اقترحت لجنة خبراء خيارين، إما فرض حظر مُتدرج حسب العمر أو فرض قيود خاصة بكل منصة.

ويجري نقاش مماثل في السويد، حيث اقترحت لجنة حكومية حظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً بحلول أوائل عام 2028.

وأعلنت الحكومة الآيرلندية أنها تدرس سنّ تشريع في حال عدم صدور قرار من الاتحاد الأوروبي.

وفي الدنمارك، أعلنت الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أنها ستقترح حظر «عدة منصات للتواصل الاجتماعي» للأطفال دون سنّ 15 عاماً.

وخارج الاتحاد الأوروبي، ستقدم الحكومة النرويجية مشروع قانون بنهاية العام لحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون 15 عاماً.

وتسعى المملكة المتحدة إلى حظر استخدام منصات التواصل للأطفال دون سن 16 بحلول أوائل 2027. وتعتزم كندا أيضاً تحديد سنّ دنيا لاستخدام المنصات عند 16 عاماً.

وتدرس عدة ولايات في الهند فرض قيود على استخدام الأطفال لمنصات التواصل، بينما أعلنت الحكومة المركزية أنها تجري مناقشات مع منصات بشأن إجراءات محتملة.

إجراءات قيد الدرس

يُناقش البرلمان الفرنسي حالياً مقترحاً لحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سنّ 15 عاماً.

وكانت الجمعية الوطنية قد أقرت مشروع القانون في القراءة الأولى في يناير، قبل أن يُدخل مجلس الشيوخ تعديلات عليه ليقتصر على المنصات الأكثر ضرراً، الأمر الذي أثار مخاوف لدى الاتحاد الأوروبي.

ويُنتظر إقرار النسخة النهائية من التشريع خلال الأسابيع المقبلة، على أن يدخل حيز التنفيذ في سبتمبر (أيلول)، بحسب ما تأمل الحكومة.

وتدرس البرتغال مشروع قانون يحدد سنّ الوصول إلى المنصات والخدمات والألعاب والتطبيقات من دون موافقة ولي الأمر عند 16 عاماً.

واقترحت إسبانيا رفع الحد الأدنى لسنّ التسجيل في منصات التواصل الاجتماعي من 14 إلى 16 عاماً. وفي إيطاليا، يدرس البرلمان مشروع قانون يحظر استخدام منصات التواصل للأطفال دون سنّ 15 عاماً.