إدوارد سعيد رأى الإمبراطورية برمّتها عارية

في ذكرى رحيل صاحب «الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية»

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد
TT

إدوارد سعيد رأى الإمبراطورية برمّتها عارية

إدوارد سعيد
إدوارد سعيد

إدوارد سعيد (1935 - 2003)، الأكاديمي الفلسطيني - الأميركي الرّفيع، عدو السرديّات الملفقة وصائد مثقفي الاحتلالات، صاحب النصوص المؤسِسة لدراسات ما بعد الكولونياليّة (الاستعماريّة) في جامعات العالم، الذي كان وكأنه جيش من رجل واحد اخترق أقوى حصون الإمبراطوريّات المتقاعدة، وتجرّأ من قلب وارثتها الإمبراطوريّة الأميركيّة على أن يصرخ بالمصفقين جميعاً أن إمبراطوريتكم هذه عارية. يدخل غيابه في سنته الخامسة عشرة، لتصير خسارته لمعركته الأخيرة مع الموت المحتّم حضوراً في وجدان الفكر العالمي، حضوراً ما يلبث يتوهج أضاف عليه الغياب ألقاً يليق بحكماء البشريّة وأبطالها وشهدائها معاً.
سعيد الذي عاش يفاعته في الشرق بين فلسطين ولبنان ومصر، انتقل شاباً إلى العالم الجديد، فدرس الأدب المقارن، وغرق فيه كأي أكاديمي آخر يعيش أيامه متمهلاً في أروقة جامعات أميركا الراقية. لكنه في هدوء السنوات الأولى ومنطلقاً من قراءته النقديّة لأعمال الروائيين الكلاسيكيين كان يصوغ نظريته - العاصفة التي نشرها في «الاستشراق» (1978)، فتغيّر العالم الفكري والثقافي بعدها، ولم يعد أبداً كما كان.
كان سعيد في الاستشراق والنظريّة الثقافيّة كما غاليليو أو تشارلز دارون، أو كارل ماركس، أو أنطونيو غرامشي، مؤسس «برادايم جديد» ونسقٍ مغاير كليّاً لكيفية رؤية العالم.
كتاب «الاستشراق» وبعده «الثقافة والإمبريالية» (1993) يمثلان في مجموعهما ما يمكن اعتباره النص المؤسِس لنظريّة ما بعد الاستعماريّة في دراسات الثقافة التي أزاحت تراكمات من الانحيازات المركبة جعلت من الخطاب الغربي عن المشرق كأنّه جزء لا يتجزأ من المجهود الحربي الموجه للسيطرة على المنطقة والهيمنة عليها وإعادة تشكيلها بما يتوافق مع صورة نقيضة للذات الغربيّة في صورتها وفكرتها الكليّة وشخصيتها الجمعيّة وتجربتها التاريخيّة. ووفقاً لسعيد، فإن المشرق كما يُقرأ في الغرب لم يكن إلا اختراعاً أوروبياً محضاً ليس له رصيد فعلي من الواقع، وهو صريح في اتهامه للغرب بأنه احتاج إلى الممارسة الاستشراقيّة أساساً بحكم حاجته إلى بلورة هويّة ذاتيّة من خلال وضعها مقابل الشرق - الآخر المختلف والهلامي والجمعي.
بالطبع فإن سعيد الذّي استخلص استشراقه من قراءة الأدب المتعلق بالشرق، انتقل في مطاردته للسرديات الغربيّة شديدة الأدلجة في كتابه الأقوى (الثقافة والإمبرياليّة) إلى قراءة نسق أكثر شموليّة في فهم العلاقات بين الغرب المتحضر الحديث وأصقاعه الواقعة ما وراء البحار. عند سعيد الاستشراق نظام من «السرد الآيديولوجي» متداخل مع مسألة السلطة، والهيمنة وعلاقات القوّة. إنه إحدى أهم الآليات التي يكرس بها الغرب نفوذه على الشرق، وهي تتحوّل بحكم تعقدها الشديد إلى «نظام للحقيقة» يعتنقه الطرفان بوعي أو من غير وعي، لتترتب عليه إجراءات ماديّة تكرّس هذه «الحقيقة المتخيّلة»، ليصير لها تاريخها الذاتي الواقعي ولتأخذ مواقع مستقرة في العقل الجمعي للمجتمع.
تطورت النظريّة كما في «الاستشراق» بعد سعيد، وأصبحت نسقاً فكريّاً ومنهجاً له تطبيقات عامة ليست مقتصرة على علاقات الغرب - شرق، بل قراءة ممكنة لكل هويّة متخيّلة على أساس التناقض مع الآخر المختلف، وتعددت تطبيقاتها الإقليميّة في قراءة تواريخ مناطق من العالم وفق ذات الجدليّة من الهند إلى الصين فأوروبا الشرقيّة وأميركا اللاتينيّة، كما توسعت في تعريف مفهوم السرديّة المؤدجلة إلى ما بعد الأنواع الأدبيّة ومختلف أدوات التواصل الإنساني من فنون ومسرح وسينما وعمارة ولغة وموسيقى وثقافات شعبيّة ومرويات دينيّة (لا سيما تلك التوراتيّة)، وحتى تجارة واستراتيجيا وإعلام، لدرجة أنه لم يعد ممكناً مثلاً فهمُ كيف يرى الإسرائيليون جيرانهم الفلسطينيين، أو ذوو البشرة البيضاء أبناء مجتمعهم السود دون منهجيّة منطلقة من استشراق سعيد لتفكيك الهويّات الجمعيّة المتخيّلة التي لا تتشكل إلا من خلال تلفيق هويّة ذلك المختلف عنهم كآخر كلّي يفتقد إلى الملامح الفرديّة، فيبقى باهتاً وبعيداً وقابلاً دوماً لإعادة التشكيل ضمن تحوّلات معادلة علاقات القوّة في المجتمعات.
سعيد الذي انتزعته من برجه الأميركي العاجي المترف صدمته من السرديّة الغربيّة لأحداث عام 1967، كما كانت تروى على الملأ في وسائل الإعلام الأميركيّة، تحوّل بفضل تطوره الفكري بشأن «الاستشراق» إلى ناشط سياسي من الطراز الأول في مواجهة الصياغات الغربيّة والإسرائيليّة العمياء للمسألة الفلسطينيّة. وهو وإن بقي دائماً متحديّاً عنيداً ضد أوهام الإمبراطوريّة الأميركيّة تحديداً، فإنه اختار أن يقاتل من داخل أرض العدو وبلغته وأدواته، الأمر الذي اعتبره البعض تناقضاً حاول هو التّصدي له في كتابه عن «تمثلات المثقف» (1994)، وإن كان جداله بقي دون صرامة غرامشي في تعريفه المثقف العضوي الذي لا يمكنه إلا أن ينحاز في المطلق لطبقة ما ويصبح خادماً ثقافيّاً لمصالحها بشكل أو بآخر.
كان سعيد رغم دماثته الشخصيّة، وتمكنه الأنيق من اللغة، واشتغاله بالموسيقات الكلاسيكيّة، يطلق نيراناً لا ترحم على تجار الاستشراق ومثقفي السّلطة والمتعلمين أذناب الاحتلالات الذين كانوا يسترزقون من خلال نسج الثياب الموهومة للإمبراطوريّة التي كانت تدفع لهم مقابل خداعهم أجوراً طائلة. وحده هو كان في مواجهتهم جميعاً، صارخاً بأعلى صوته بأن الإمبراطوريّة عارية، وأن سوءاتها بادية للجميع، ولذا فأنت تجد أكواماً من التضليل والكذب والمبالغات في نصوص كتبها متضررون ضد سعيد. يقول غوديث بتلر الفيلسوف البريطاني المعاصر إن رؤى سعيد العميقة وامتلاكه قدرة استثنائيّة على تخيّل عوالم بديلة ممكنة للصور الديماغوجيّة التي تروجها الإمبراطوريّات هي التي مكّنته من كشف آليات الاستشراق المعقدّة، ولاحقاً من تقديم حلول واقعيّة للقضيّة الفلسطينيّة في ضوء الاستحالة الأكيدة لإمكان الإلغاء التام لأي من طرفي معادلة الصراع. لكن ذلك تسبب له بأعداء من قصار النظر على الجانبين. ورغم الفتوحات المجيدة لسعيد في تقويض التصورات الاختزاليّة المتوارثة والصور النمطيّة عن الآخر، فإنه كذلك أصبح هدفاً لمثقفين اتهموه بتجاهل حقيقة أن الهويّات الموهومة التي يختلقها البشر لنزع الأنسنة عن الآخر المختلف إنما هدفت دائماً لتبرير الاستغلال الاقتصادي أساساً، وخلق نوع من تحالفات عابرة للطبقات تكرّس أسس الهيمنة القائمة وتضمن استدامتها من خلال نسج عدو مشترك - نقيض. وقال آخرون إنه جعل من الشرق بمثابة ضحيّة بلهاء، تسبب بتخلفِها المستعمر المقبل من وراء البحار، لا عهود متطاولة من التخلّف الاجتماعي والثقافي والصراعات السياسيّة والآيديولوجيّة الدمويّة العقيمة. سعيد رحل دون أن يردّ شخصيّاً على كثرة من هؤلاء. لكنّ ما حققه في حياته كان أكبر من أن يُساء إليه في تفصيل جانبي هنا أو هناك. لقد علّمنا هذا الرّجل أن نمتلك العقل النقدي والقدرة على تحدي السرديّات المسمومة في مواجهة غطرسة الإمبراطوريّات، وأنه يمكننا دائماً تخيّل عوالم ممكنة لا تحكمها التصورات المسبقة ومصالح المهيمنين. كما نجح وحيداً تقريباً في فرض صورة أكثر صدقاً في ذهن المجتمع الغربي عن المشروع الاستعماري الإسرائيلي في قلب فلسطين الذي تمتع قبل سعيد باحتكار تام للسرديّة، وبالتالي للتحالفات وردود الأفعال الممكنة. وفوق ذلك كله، فإن أفكاره صارت اليوم ملجأ لتحالف المتضررين العريض من سياسة الإمبراطوريّة المعولمة الغاشمة ونقطة انطلاقه لتفكيك الخطابات الاستعمارية والشعبوية والعنصرية في صيغها المتجددة.
نُقل عن إدوارد سعيد قوله: «أنا مجرد أستاذ يعلّم استخدامات اللغة وسوء استخداماتها أيضاً». وكأنه يقول إن الإمبراطوريات تكبر في فضاء سوء الاستخدام المتعمد للكلمات. أليست تلك هي خلاصة التاريخ البشري كلّه؟



«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
TT

7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

كشف مسؤولون في ​الهند، اليوم الثلاثاء، أن جميع الركاب السبعة الذين كانوا على متن طائرة إسعاف ‌من طراز ‌«بيتشكرافت» ​لقوا ‌حتفهم ⁠بعد سقوطها ​في ولاية ⁠جاركاند أمس الاثنين.

وكان على متن الطائرة اثنان من أفراد الطاقم ⁠ومريض وأقاربه.

حطام طائرة الإسعاف الجوي التي سقطت بالقرب من غابة في منطقة تشاترا بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

وقالت ‌المديرية ‌العامة للطيران ​المدني ‌في الهند ‌أمس الاثنين إن طائرة «بيتشكرافت سي 90»، التي تشغلها شركة ‌«ريد بيرد إيرويز»، أقلعت من رانشي في ⁠جاركاند، ⁠لكنها طلبت تغيير مسارها بسبب الأحوال الجوية.

وأضافت المديرية أن الطائرة فقدت الاتصال بعد ذلك واختفت ​من على ​شاشات الرادار.


بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
TT

بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)

بين محاولات عزيزة ترميم صورتها، وتورّط والدها وجارتهما في عاصفة من الإشاعات، تتشكّل ملامح الموسم الثاني من مسلسل «شارع الأعشى». هنا لا تبدو السمعة مجرد قيمة اجتماعية، بل ساحة صراع مفتوحة تُختبر فيها الشخصيات تحت ضغط مجتمع يضيق فيه هامش الخطأ وتتعاظم التأويلات.

مع انقضاء الأسبوع الأول من رمضان، يواصل المسلسل تصدّر قائمة الأعمال الأكثر متابعة في السعودية وعدد من الدول العربية، مستفيداً من العلاقة التي بناها مع جمهوره منذ الموسم الأول. غير أن العودة هذه المرة لا تكتفي باستثمار النجاح السابق، بل تدفع الشخصيات إلى مرحلة أشد قسوة؛ إذ تنتقل الحكاية من التعريف إلى الاختبار، ومن البناء إلى المواجهة، حيث تتحول النيات الحسنة نقاطَ اشتباك، وتصبح الشائعة أداة تدفع الأحداث نحو مسارات جديدة.

عزيزة... من الاندفاع إلى الاتزان

مشهد من ليلة زواج عزيزة الذي شهد مرحلة انتقالية للشخصية (شاهد)

تتمحور حكاية الموسم الأول حول الشابة المتهورة عزيزة (لمى عبد الوهاب)، التي تدفع نفسها باستمرار إلى قلب المتاعب، واضعة سمعتها على المحك. فبين محاولات الهروب المتكررة والبحث عن الحب بوصفه خلاصاً سريعاً من واقع ضاغط، تنجرف الشخصية نحو سلسلة من القرارات التي تقودها إلى نتائج قاسية. ويبلغ هذا المسار ذروته حين تفكر في الهرب مع حبيبها، قبل أن تنتهي الحكاية بمقتله في ختام الموسم الأول.

في الموسم الثاني، تعود عزيزة بقدر أكبر من الاتزان، مدفوعة بإحساس متزايد بالمسؤولية تجاه حياتها وخياراتها. وتبدأ ملامح التحول مع زواجها من خالد (ناصر الدوسري)، وهي تجربة تضعها أمام واقع مختلف تماماً؛ إذ تواجه علاقة يغلب عليها الطابع العملي والقسوة، بعيداً عن الأحلام الرومانسية التي سعت إليها في السابق.

ورغم صعوبة هذا التحول، تختار عزيزة الصبر والتحمّل، محاولة الحفاظ على ما تبقّى من ثقة عائلتها وإثبات قدرتها على التكيّف داخل الإطار الاجتماعي الذي سعت يوماً إلى التمرد عليه وكسره. بذلك، ينتقل مسار الشخصية من الهروب الدائم إلى مواجهة يومية مع الواقع، في رحلة إعادة بناء الصورة أمام الأهل والمجتمع.

وضحى... مواجهة الثمن الأعلى

إلهام علي تؤدي شخصية وضحى التي تتعرض لمتاعب كبيرة في الموسم الثاني (شاهد)

على خط درامي موازٍ، تتقدّم شخصية وضحى (إلهام علي) إلى واجهة الأحداث بمساحة أوسع وتأثير أشد. وتبدأ افتتاحية المسلسل بالتحدّي المصيري الذي تواجهه بعد سجن ابنها متعب (باسل الصلي)؛ ما يدفعها إلى اتخاذ قرار قاسٍ ببيع منزلها من أجل تأمين إطلاق سراحه. ويحمل هذا القرار تضحية مضاعفة؛ إذ لا يمسّ الاستقرار المادي فحسب، بل يطول الذاكرة العائلية في عمقها.

وتتجلَّى المفارقة حين يكون المشتري جارها أبو إبراهيم (خالد صقر). ومنذ تلك اللحظة، تبدأ الأقاويل بالانتشار داخل الحارة، وتتحول الصفقة من موقف شهم إلى مادة للشك والنميمة. ويجد أهل الحي في تصرفاتهما مساحة للتأويل والمراقبة، في حين يسبق الكلامُ الوقائع بخطوات، لتجد وضحى نفسها في قلب عاصفة اجتماعية تتَّسع دائرتها مع كل حلقة، وتتحول فيها النية الحسنة عبئاً يتطلب دفاعاً يومياً.

الخلوة... لحظة تغيّر المسار

خالد صقر يمر بتحولات جديدة في الموسم الثاني (حساب الفنان في إكس)

تبلغ هذه الحبكة ذروتها في الحلقة السادسة، حين يجتمع أبو إبراهيم ووضحى صدفة في منتصف الليل داخل محل ابنها. ويتحوَّل هذا اللقاء العابر أزمةً كبيرة بعد اقتحام الشرطة المكان والقبض عليهما بتهمة الخلوة غير الشرعية، وهي تهمة كانت تُواجَه بحزم شديد في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهي الفترة الزمنية التي يستلهم منها المسلسل عالمه الاجتماعي خلال الموسم الثاني.

ومنذ تلك اللحظة، تتَّسع دائرة الأقاويل، ويتعرض الاثنان إلى هجوم مباشر من أهل الحارة الذين يرتابون من سلوكهما، لتتحول النظرات والهمسات تدريجياً موقفاً علنياً يضعهما تحت ضغط اجتماعي كثيف.

أمام هذا الواقع، يقرِّر أبو إبراهيم الزواج من وضحى، في خطوة تهدف إلى ردع الأقاويل ووضع حد للتأويلات المتزايدة؛ سعياً إلى حماية السمعة قبل أي اعتبار آخر. غير أن هذه الخطوة تفتح جبهة جديدة داخل بيته، وتضع أسرته أمام اختبار صعب تتداخل فيه المشاعر مع ضغط المجتمع ونظرته.

وتدخل زوجته نورة (عائشة كاي) في تحدٍّ مختلف عمَّا عاشته في الموسم الأول؛ فبعدما تمحورت أزماتها سابقاً حول أبنائها وبناتها، تجد نفسها اليوم أمام أزمة تمس علاقتها الزوجية مباشرة. ومع تراكم الضغوط وتصاعد الكلام داخل الحارة، يلحظ الجمهور بداية تصدّع في هذه العلاقة، تحت وطأة المجتمع وثقل سمعته.

سعد... عودة بوجه مزدوج

براء عالم ملثماً في دور الهارب سعد (حساب الفنان في إكس)

في سياقٍ آخر، يعود الشاب سعد (براء عالم) بعد المسار الذي اتخذه في الموسم الأول، حين انحرف وانضم إلى فئات فكرية ضالّة، وانتشر خبر مقتله. غير أن الموسم الثاني يكشف عن أن سعد ما زال حياً، وأنه يتعامل سراً مع الشرطة للقبض على المطلوبين، ليتحرك بين أزقة الحي متلثماً بشماغه، ويظهر في صورة تجمع بين الغموض والخطر.

ويجعل هذا الحضور الملتبس بعضَ سكان الحارة يلمحونه ويشكّون في هويته، كما يضيف خط سعد طبقة جديدة من التوتر إلى عالم «شارع الأعشى». ويعزّز هذا المسار فكرة السمعة والذاكرة والهوية بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل مصائر الشخصيات، مانحاً الموسم بُعداً إضافياً يتجاوز الصراع العائلي إلى صراع مع الماضي وصورته في عيون الآخرين.

وجوه جديدة... وشخصيات تتبدّل

وكذلك، يشهد الموسم الجديد تحولاً في شخصية فواز (محمد الحربي)، الذي كان حضوره هامشياً ومحدوداً في الموسم الأول بوصفه صبياً صغيراً، ليظهر اليوم في صورة مراهق يحاول فرض سيطرته على تصرفات أخواته، ويغار عليهن من شباب الحي، في محاولة لمحاكاة التحولات التي يمر بها الصبيان خلال مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب.

ويبدو لافتاً ما يحمله الموسم الثاني من «شارع الأعشى» من مشاركة جديدة لعدد من النجوم الذين انضموا إلى العمل، مثل ناصر الدوسري، ومهند الحمدي، ومها محمد، ومحمد الحجي إلى جانب أسماء أخرى؛ وهو ما أسهم في توسيع عالم الحكاية وفتح مسارات درامية جديدة، ومنح الحارة وجوهاً أخرى تتقاطع مع الشخصيات الأساسية.

في المقابل، شهد الموسم الثاني استبدال شخصية ضاري، التي كان يؤديها الممثل عبد الرحمن بن نافع في الجزء الأول، ليحل محله مصعب المالكي. وأثار هذا التغيير جدلاً واسعاً بين الجمهور خلال الأسبوع الأول من العرض، وفتحِ باب المقارنات بين أداء الممثلين، في نقاش يعكس حجم ارتباط المشاهدين بالشخصيات وتفاصيلها.

ديكور وأزياء أكثر ثراءً

على المستوى البصري، يبرز في هذا الموسم تطور واضح في ديكور الحارة؛ إذ جاء أكثر إتقاناً وغنًى بالتفاصيل، بما يعزّز الإحساس بالمكان والزمن، ويمنح المشاهد شعوراً أعمق بالاندماج في العالم الدرامي. فقد بدت الأزقة والبيوت والمحال وكأنها تحمل طبقات من الذاكرة، وتخدم فكرة الحارة بوصفها كائناً حيّاً يراقب ويحتفظ بالأسرار.

وينسجم هذا التطور مع عناية أكبر بتفاصيل الأزياء، التي جاءت مشغولة بدقة بمشاركة مستشارة الأزياء فوزية بن خميس. كما برز فستان زواج عزيزة من خالد، باللون الوردي المنفوش والمشغولات الذهبية، بوصفه أحد أكثر العناصر البصرية لفتاً للانتباه في الحلقات الأولى.

إلى جانب ذلك، يظهر جانب آخر في شخصية الجازي (أميرة الشريف)، يتمثل في اهتمامها بتصميم الأزياء لسيدات الحارة، وهو تفصيل يضيف بُعداً إنسانياً واجتماعياً جديداً إلى نسيج العمل، ويمنحه مساحة أوسع للتعبير عن الأذواق والطبقات والهوية البصرية للشخصيات.

الحارة... محكمة مفتوحة

إجمالاً، يكشف الموسم الثاني عن تحوّل المكان نفسه إلى سلطة قائمة بذاتها؛ فالحارة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل محكمة مفتوحة لا تتوقف عن المراقبة وإصدار الأحكام. تتحول النظرات اتهاماً، والكلمات قرارات مصيرية، في حين تكتسب الشائعات قوة تفوق الحقيقة أحياناً، لتدفع الشخصيات نحو اختيارات قاسية لا يفرضها القدر بقدر ما يفرضها المجتمع.

ومع مواصلة المسلسل تصدُّر المشاهدة منذ أسبوعه الأول، يتضح أن الجمهور يتابع هذه التحولات بوصفها امتداداً طبيعياً لعالم تعرّف إليه سابقاً، ويراه اليوم في مواجهة أكثر حدة مع اختياراته ونتائجها. وهكذا يقدّم «شارع الأعشى» في موسمه الثاني حكاية شارع يحتفظ بذاكرته، وأشخاص يخوضون سباقاً يومياً على السمعة، ومجتمعاً يجعل من الصورة العامة ساحة صراع مفتوحة، تتقاطع فيها النيات الحسنة مع قسوة التأويل.