«الصحراء الغربية»... مسرح جديد للإرهاب في مصر

ظهر دورها قبل 3 سنوات وشهدت 8 عمليات كبرى أوقعت عشرات القتلى

«الصحراء الغربية»... مسرح جديد للإرهاب في مصر
TT

«الصحراء الغربية»... مسرح جديد للإرهاب في مصر

«الصحراء الغربية»... مسرح جديد للإرهاب في مصر

شكل «حادث الواحات» الإرهابي الذي شهدته صحراء مصر الغربية قبل أيام، وخلف 16 قتيلا في صفوف الشرطة، فصلاً جديداً في سلسلة الهجمات التي ضربت البلاد مؤخراً عبر جبهتها الغربية. ووفقا لمراقبين على صلة بالجهات الأمنية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، باتت هذه المنطقة «مسرحاً جديداً للإرهاب في مصر» يضاف إلى البؤرة التقليدية في شمال شبه جزيرة سيناء حيث يخوض الجيش المصري منذ بعض الوقت حرباً شرسة ضد جماعات مسلحة موالية لتنظيم داعش الإرهابي.

في غضون السنوات الثلاث الماضية فقط شهدت صحراء مصر الغربية، التي تمثل ثلثي مساحة مصر وغير المأهولة سكانياً، ما لا يقل عن 8 عمليات إرهابية كبرى، راح ضحيتها أكثر من 60 جنديا وضابطا مصريا وعشرات المواطنين، ما دفع البعض لاعتبارها خطرا حقيقيا يجب الالتفات إليه.
وتشير طوبوغرافيا الموقع إلى مساحة شاسعة من الصحراء طرقها وعرة، شكلت بيئة ملائمة لتنفيذ الجماعات الإرهابية عملياتها. ثم إن طول الحدود مع ليبيا، التي تشهد بدورها فوضى أمنية، سهل من دخول المسلحين إلى مصر، رغم النجاحات اليومية التي يحققها الجيش في هذا الشأن.
اللواء طارق مهدي، عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة السابق، قال لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «بالطبع لا توجد معسكرات إرهابية أو تجمّعات دائمة هناك، لكن الطبيعة الجغرافية لتلك البقعة الكبيرة، تشكل بين الحين والآخر منطلقا مناسبا لترتيب عمليات إرهابية متنوعة على معظم المحافظات المصرية».
وأضاف اللواء مهدي: «خطورة الصحراء الغربية تأتي بالأساس لكونها ملاصقة للحدود المصرية مع ليبيا، التي تشهد صراعات أمنية وسياسية منذ عدة سنوات، سمحت للمسلحين من الجماعات الإرهابية كـ(داعش) وغيرها المنتشرة بشكل مكثف هناك، بالعبور إلى مصر وتهريب مختلف أنواع الأسلحة».
وحقاً، يسعى الجيش المصري جاهدا للسيطرة على حدوده مع ليبيا، إلا أن ما يزيد الأمر صعوبة أن السيطرة تأتي من جانب واحد فقط، نظراً لعدم وجود جيش ليبي موحّد ومؤهل يمكنه فرض سيطرته على البلاد، وخلال الأشهر الماضية، شهدت الصحراء الغربية مواجهات متعدّدة بين قوات الأمن المصري ومسلحين، تنوّعت ما بين إحباط عمليات تهريب للأسلحة ومواجهات مباشرة قتل فيها العشرات.

سلسلة من الهجمات
لقد لفتت الصحراء الغربية الأنظار إليها بوصفها بؤرة جديدة للعمليات الإرهابية، مع ظهور خلية إرهابية أُطلق عليها اسم «جنوب الجيزة»، تابعة لتنظيم «أنصار بيت المقدس» في سيناء، كان يقودها هشام علي عشماوي، الضابط المفصول من الجيش، وذلك حين نفذت هذه الخلية أضخم عملياتها في 19 يوليو (تموز) 2014، باستهداف «كمين الفرافرة» بالكيلو 100 في مدينة الفرافرة، بمحافظة الوادي الجديد. وأسفر الهجوم حينها عن مقتل 21 من ضباط القوات المسلحة وجنودها.
جهات التحقيق وصفت حينذاك الهجوم بأنه «على مستوى ينبئ بتخطيط وتدريب عسكري جيد للمهاجمين، حيث تم اختيار أماكن الإطلاق والمناطق المستهدفة بعناية وبصفة خاصة استهداف برج المراقبة، ثم مخزن الأسلحة، وتم استغلال وجود الكمين في منطقة منخفضة نسبيا في مواجهة تبات مرتفعة».
وعقب مبايعة تنظيم «أنصار بيت المقدس» «داعش» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 وتغيير اسمه إلى «ولاية سيناء» انشق عشماوي عن التنظيم وفرّ إلى ليبيا، معلنا تأسيس تنظيم «المرابطين»، الموالي لتنظيم «القاعدة»، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من العمليات في هذه المنطقة. في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه أعلن تنظيم «ولاية سيناء» مسؤوليته عن قتل وليم هندرسون، خبير البترول الأميركي بشركة أباتشي، بعد اختطافه من قلب الصحراء الغربية خلال عملية سرقة سيارات، في أغسطس (آب) من العام نفسه.
وفي أغسطس 2015، تحطمت طائرة تابعة للقوات الجوية المصرية أثناء مطاردة مسلحين في منطقة سترة جنوب شرقي واحة سيوة (أقصى غرب مصر)، نتيجة عطل فني مفاجئ أثناء العملية. ويومذاك قتل في الحادث أربعة من عناصر القوات الجوية وأصيب اثنان آخران. وأعلن الجيش حينها أن «القوات تمكنت من تدمير أربع عربات للمسلحين».
وفي الشهر نفسه، أعلن تنظيم «ولاية سيناء» ذبح رهينة كرواتي الجنسية يدعى توميسلاف سلوبك، كان مسلحون قد اختطفوه من مدينة السادس من أكتوبر (تشرين الأول)، أثناء توجهه إلى عمله بأحد المواقع البترولية في منطقة الواحات.
غير أن الحدث الأبرز عالمياً في تلك البقعة، شهده شهر سبتمبر (أيلول) 2015، حين قتلت القوات المسلحة المصرية، عن طريق الخطأ، 12 شخصًا معظمهم من السيّاح المكسيكيين، كانوا في قافلة سياحية بقلب الصحراء الغربية. إذ اشتبهت القوات في كونهم عناصر إرهابية. وفسرّت السلطات ما جرى بأن «السيّاح كانوا يستقلون أربع سيارات دفع رباعي، وجدوا بداخلها في منطقة محظورة، أثناء قيام قوات مشتركة من الشرطة والقوات المسلحة بملاحقة بعض العناصر الإرهابية في منطقة الواحات بالصحراء الغربية».
وفي الشهر التالي، في أكتوبر أثناء عملية عسكرية استمرت لمدة 48 ساعة باستخدام الأسلحة الثقيلة في الظهير الصحراوي لمحافظة آسيوط، داخل الصحراء الغربية، أعلنت الداخلية المصرية مقتل 20 من العناصر المسلحة والقبض على 22 آخرين.

أحداث العام الحالي
وبينما هدأت الأمور بشكل لافت خلال عام 2016 في الصحراء الغربية، حين كان حادث مقتل ضابطين وأربعة مجندين في هجوم لعصابات تهريب مسلحة بمركز الفرافرة، الحادث الأبرز، جاء عام 2017، ليشكل النجاحات الكبرى للجماعات الإرهابية في هجماتها.
لقد بدأ عام 2017 بهجوم مسلح استهدف كمين النقب الواقع على طريق الوادي الجديد - أسيوط السياحي، وقتل فيه ثمانية من عناصر الشرطة وأصيب اثنان. وفي نهاية مايو (أيار) 2017، وقع الهجوم الأكثر دموية، حين استهدف مسلحون ينتمون لتنظيم داعش حافلة تقل مواطنين مسيحيين في طريقهم إلى دير الأنبا صموئيل، أثناء مرور الحافلة بإحدى الطرق الفرعية الصحراوية، قرب الطريق الصحراوي الغربي الواقع بدائرة مركز شرطة العدوة. وأسفر ذلك الهجوم عن مقتل 28 مواطنا مسيحيا.
وعلى إثر ذلك، نفذ الجيش المصري ضربات جوية ضد ما قال إنه «تجمّعات من العناصر الإرهابية بالأراضي الليبية تأكد من اشتراكهم في التخطيط والتنفيذ لحادث المنيا الإرهابي». وتركزت الضربات الجوية المصرية على مدينتي درنة والجفرة، حيث كانت قوات المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي في الشرق، تقوم بحملة عسكرية في ذلك الوقت.
«هجوم المنيا»، أسندته تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا إلى تنظيم جديد أطلق عليه «جنود الخلافة»، يقوده متهم هارب يدعى عزت محمد، قالت التحقيقات إنه خطط ونفذ العملية، وإن التنظيم تلقى تدريبات على العملية في الصحراء الغربية، وكان يقيم معسكراً داخل نطاق قريب من المنطقة.
كذلك كشفت التحقيقات عن أن عزت محمد تواصل مع صاحبه المقرّب إليه المتهم الهارب عمرو سعد، لإنشاء خلية تابعة للتنظيم الجديد تعمل على تنفيذ عمليات في قلب المحافظات المصرية، وأن عمرو سعد تولى تجنيد عشرات الشباب من محافظة المنيا على وجه التحديد، من بينهم الانتحاريان ممدوح أمين ومحمود حسن مبارك اللذان نفذا تفجير كنيستين بمحافظتي الإسكندرية والغربية فيما بعد.
واتساقاً مع سلسلة الهجمات، لقي أربعة من أفراد القوات المسلحة حتفهم في منطقة الواحات الغربية، في 31 مايو الماضي أيضا، وذكرت القوات المسلحة في حينه أن «قوات برية كانت تمشّط المنطقة حينما انفجر أحد الأحزمة الناسفة الخاصة بالعناصر الإرهابية».

«هجوم الواحات»
أما عن تفاصيل «هجوم الواحات» الأخير، الذي وقع في 20 أكتوبر الحالي، فيوضح العميد خالد عكاشة، عضو المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف، أن «جهاز الأمن الوطني وصل إليه معلومات عن وجود خلية إرهابية خطيرة في منطقة الواحات البحرية (جنوب الجيزة)، كانت تعدّ وتجهز لارتكاب مجموعة من العمليات داخل المحافظات، واتخذت هذه المنطقة منطلقا لعملياتها لكونها قريبة من القاهرة والجيزة والمحافظات المركزية بالصعيد».
وأضاف عكاشة لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «كانت هناك خشية أن تنفذ هذه الخلية عملياتها الإرهابية في وقت قريب، فتقرّر التعجل في التوجه إلى هذا المكان لإجهاض العمليات». وأكد أن «العملية كانت مداهمة وإنقاذ في الوقت نفسه». وذكرت وزارة الداخلية أن 11 ضابطا وأربعة مجندين وفرد شرطة قتلوا في الهجوم، وأصيب 13 من الضباط والجنود، كما فقد أحد الضباط، في حين أعلنت الشرطة أنها قتلت 15 من المسلحين. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن هذا الهجوم.

طبيعة وعرة
تتمثل الصحراء الغربية في المنطقة الواقعة ما بين الوادي (وادي النيل) والدلتا من الجهة الشرقية، وحدود مصر مع ليبيا من الجهة الغربية، ويحدها من الجهة الشمالية البحر الأبيض المتوسط وصولاً إلى حدود مصر مع السودان جنوباً.
ويبلغ طول هذه الصحراء من الجنوب إلى الشمال نحو ألف كيلومتر، ومن الغرب إلى الشرق ستمائة كيلومتر، وتبلغ مساحتها الكلية قرابة 681 ألف كيلومتر مربع، ويمكن وصفها بأنها صحراء هضاب ومنخفضات.
ووفق العقيد حاتم صابر، الخبير الأمني والاستراتيجي في مجال الإرهاب الدولي بالقوات المسلحة، الذي تحدث إلى «الشرق الأوسط»، فإن «حادث الواحات يشير إلى نقل العناصر الإرهابية مسرح العمليات من شمال سيناء إلى صحراء الواحات بعد انقطاع الدعم والإمداد للتنظيمات الإرهابية في سيناء، التي يقف خلفها بعض الدول الإقليمية على رأسها قطر». وتابع العقيد صابر أن «نجاحات الجيش المصري في سيناء، وحصاره للجماعات المسلحة في رقعة نسبتها لا تتخطى 1.5 في المائة من أراضي المحافظة، عوامل جعلت هذه التنظيمات تبحث عن مناطق جديدة لاستغلاها وتنفيذ عمليات إرهابية ترهق السلطات الأمنية وتستنفد قواها».
وعن طبيعة تلك الصحارى ودورها في المواجهات الأمنية، أشار العقيد صابر إلى أن «المعلومات الأولية في حادث الواحات الأخير، تشير إلى أن العناصر الإرهابية كانت متمركزة في مناطق مرتفعة، ونجحت في رصد القوات مبكراً فبادرت بإطلاق وابل من الرصاص على القوات بشكل مكثف، ما أسفر عن إلحاق أضرار وخسائر بالغة بجميع أفراد المأمورية الأمنية».
من جهة ثانية، يؤكد اللواء طارق المهدي، عضو المجلس العسكري السابق - وهو أيضاً محافظ سابق للوادي الجديد التابعة للصحراء الغربية -، أن «معظم العناصر الإرهابية التي تنفذ عمليات ضد أكمنة شرطية أو عسكرية في الصحراء الغربية آتية من الخارج، وهي تستغل المساحة الشاسعة للصحراء وعدم وجود اتصالات للاشتباك مع القوات أو تنفيذ عملية إرهابية، كما حدث في واقعة الهجوم على حافلة المسيحيين، عندما هاجم المسلحون الحافلة في نقطة صحراوية تنقطع عندها الاتصالات ولا تسير فيها دوريات أمنية ونجحوا في ارتكاب فعلتهم الشنعاء».
وتابع: «بالطبع لا توجد معسكرات إرهابية أو تجمّعات دائمة هناك، ومن السهولة أن تكشفها الطائرات المصرية التي تقوم بدوريات أمنية على الحدود، إلا أن الطبيعة الجغرافية لتلك البقعة الكبيرة، تشكل بين الحين والآخر منطلقا مناسبا لترتيب عمليات إرهابية متنوعة على معظم المحافظات المصرية».

الحدود مدخل للإرهابيين
يبلغ طول الحدود بين مصر وليبيا نحو 1100 كيلومتر، ويقع العبء الأكبر في تأمينها على الجانب المصري بسبب ضعف إمكانيات الجيش الليبي في الشرق، وانشغاله بمحاولة فرض الأمن والاستقرار وهزيمة الجماعات الإرهابية داخل عموم ليبيا.
وكما يوضح اللواء سمير فرج، رئيس الشؤون المعنوية السابق بالقوات المسلحة المصرية، فإن «ليبيا تمثل خطرا مباشرا للأمن القومي المصري»، ويستطرد في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «جزءاً كبيراً من العناصر الإرهابية الآتية من عدة دول في العالم، وتقاتل حاليا في ليبيا، يحاول الدخول إلى الأراضي المصرية عبر المناطق الحدودية الهشة».
وباستثناء السلوم وسيوة، لا توجد مدن أو أي تجمّعات سكانية على طول الحدود المصرية الليبية. وتعدّ منطقة بحر الرمال - بمحاذاة الحدود مع ليبيا - التي يبلغ طولها نحو 150 كيلومترا وعرضها نحو 75 كيلومترا، أصعب ممر للعبور إلى داخل مصر.
وخلال السنوات الأخيرة الماضية أعلنت مصر عن إحباطها عدداً من عمليات إحباط تهريب أسلحة وسيارات دفع رباعي عبر الحدود مع ليبيا. وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي عقب حادثة حافلة أقباط المنيا، في مايو الماضي، إن «مصر تمكنت خلال العامين الماضيين من تدمير ألف سيارة دفع رباعي حين حاولت التسلل من ليبيا».
الإعلان عن إحباط تهريب أسلحة وتدمير سيارات دفع رباعي آتية من ليبيا، ازداد بشكل ملحوظ خلال العام الحالي، إذ أعلنت القوات المسلحة خلال مايو الماضي عن تدمير القوات الجوية المصرية 15 سيارة دفع رباعي محملة بالأسلحة على الحدود المصرية داخل ليبيا في عملية عسكرية استمرت قرابة الـ48 ساعة.
وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت القوات المسلحة المصرية عن إحباط محاولة مشابهة لتهريب أسلحة عبر الحدود مع ليبيا، بعد تدمير القوات الجوية 12 سيارة دفع رباعي محملة بالأسلحة والذخائر.
ويوم 23 أكتوبر الحالي أعلن الجيش إحباط القوات الجوية محاولة جديدة لاختراق الحدود الغربية، وتدمير 8 سيارات دفع رباعي محملة بكميات من الأسلحة والذخائر والمواد الشديدة الانفجار، والقضاء على العناصر الإرهابية الموجودة بداخلها. وذكر أن ذلك يأتي «مع استمرار تنفيذ القوات الجوية وعناصر حرس الحدود مهامهما بكل عزيمة وإصرار لتأمين حدود الدولة ومنع أي محاولة للتسلل أو اختراق الحدود على الاتجاهات الاستراتيجية كافة»، بالتزامن مع أعمال التمشيط والمداهمة للدروب والمناطق الجبلية لتتبع العناصر الإرهابية المنفذة للهجوم الإرهابي بمنطقة الواحات، واستمرارا للجهود المبذولة لتأمين حدود الدولة على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

تفاؤل بقرب الحسم
أخيراً، العقيد صابر يرى أنه رغم ضخامة العملية الإرهابية الأخيرة، فإنها «ستكون سبباً في القضاء بشكل كامل على العناصر الإرهابية في المنطقة بشكل عاجل». وهو يعتقد أن القوات المسلحة والفرق الأمنية «أحكمت قبضتها على المنطقة الجبلية بشكل كامل وبسطت سيطرتها على الأرض، وجارية حالياً عمليات ملاحقة المتهمين في الدروب الجبلية من أجل القضاء عليهم»، مؤكدا أنه «من السهل على القوات اصطياد تلك العناصر نظراً لوجودهم في ظهير صحراوي مكشوف بدلاً من أن يكونوا مختبئين في مناطق سكنية يصعب التعامل العسكري فيها». وحقاً، افتتحت مصر في يوليو الماضي «قاعدة محمد نجيب» العسكرية بمدينة الحمام، في محافظة مطروح بشمال غربي مصر، وهي القاعدة التي توصف بأنها الأكبر عسكريا في مصر وشمال أفريقيا، فيما بدا كمحاولة للتعامل مع الخطر القادم من الغرب.

أبرز الهجمات الإرهابية في مصر خلال عام 2017
شهد عام 2017 سلسلة هجمات استهدفت في معظمها قوات الأمن في شمال سيناء، إضافة إلى تجمّعات مسيحية متفرقة. ورغم سقوط عدد من الشهداء فإن قوات الأمن نجحت في تكبيد الجماعات المسلحة خسائر فادحة أيضاً.
> 9 أبريل (نيسان): تفجيران انتحاريان متزامنان يضربان كنيستي مار جرجس في طنطا والكاتدرائية المرقسية في الإسكندرية، أسفرا عن مقتل 46 شخصا وإصابة 126 آخرين، تبناهما تنظيم داعش.
> 19 أبريل: مقتل شرطي وإصابة أربعة في هجوم بالقرب من دير سانت كاترين بجنوب سيناء.
> 14 مايو: مقتل عسكريين مصريين، بينهم مقدم، في هجومين منفصلين بشمال سيناء.
> 26 مايو: هجوم مسلح على الطريق الصحراوي الغربي، استهدف عشرات الأقباط كانوا يستقلون 3 حافلات في طريقهم إلى دير الأنبا صموئيل في محافظة المنيا، وأسفر الهجوم عن مقتل 28 شخصاً وإصابة 24 آخرين.
> 18 يونيو: مقتل ضابط شرطة وإصابة 4 في انفجار عبوة ناسفة بالعاصمة المصرية القاهرة.
> 8 يوليو: مقتل 23 وإصابة 32 من الجيش المصري في هجمات بسيارات مفخخة في شمال سيناء.
> 9 أغسطس: مقتل 4 رجال شرطة مصريين في هجوم مسلح بشمال سيناء.
> 11 سبتمبر: مقتل 18 شرطيا في هجوم على قافلة أمنية بمدينة العريش كبرى مدن شمال سيناء.
> 13 أكتوبر: مقتل ستة مجندين وإصابة أربعة في هجوم بمدينة العريش.
> 15 أكتوبر: مقتل ستة جنود في هجوم على حاجزين للجيش في شمال سيناء.
> 20 أكتوبر: 16 قتيلا من الشرطة في مواجهات بين الأمن ومسلحين في الواحات بالصحراء الغربية.


مقالات ذات صلة

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية في باريس (رويترز)

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوقفت السلطات الفرنسية مراهقَين أقرّ أحدهما، وهو متأثر بالتوجهات الإرهابية، بإعداد مشروع «عمل عنيف» كان سيستهدف «مركزاً تجارياً أو قاعة حفلات».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)

تركيا: الموافقة على تقرير برلماني يدفع عملية السلام مع الأكراد

وافقت لجنة في البرلمان التركي على تقرير يتضمن اقتراحات لوضع قانون انتقالي لعملية السلام بالتزامن مع عملية نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منسّق حزب «فرنسا الأبية» مانويل بومبار (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» اليساري يخلي مقره في باريس بعد «تهديد بوجود قنبلة»

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي الأربعاء أنه اضطر إلى إخلاء مقره الرئيس في باريس بعد تلقيه «تهديداً بوجود قنبلة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية أكراد خلال مسيرة في ألمانيا للمطالبة بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا بعدما أطلق نداءً من أجل السلام (د.ب.أ)

تركيا: أوجلان يعلن بدء «الاندماج الديمقراطي»

عد زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان أن مرحلة جديدة من «عملية السلام» بدأت في تركيا بينما يستعد البرلمان للتصويت على تقرير يحدد إطارها القانوني.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا مسيحيون بعد عودتهم إلى ولاية كادونا كانوا قد اختُطفوا من قِبل مجموعات مسلحة في كومين والي (أ.ب)

نيجيريا: وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب

وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب في نيجيريا و«داعش» يكثّف هجماته وحديث عن مقتل 1300 نيجيري خلال 41 يوماً.

الشيخ محمد (نواكشوط)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.