العلمين... قبلة عشاق سياحة الحروب والباحثين عن الاستجمام

من أرض لمعركة الحلفاء إلى أفخم المنتجعات السياحية

تشهد العلمين احتفالية عالمية بمرور 75 عاماً على معركة العلمين الثانية - تزخر العلمين بمزارات توثق لمعركتها من حيث الملابس العسكرية والعتاد - المسلة تتوسط المقبرة الألمانية كنصب تذكاري
تشهد العلمين احتفالية عالمية بمرور 75 عاماً على معركة العلمين الثانية - تزخر العلمين بمزارات توثق لمعركتها من حيث الملابس العسكرية والعتاد - المسلة تتوسط المقبرة الألمانية كنصب تذكاري
TT

العلمين... قبلة عشاق سياحة الحروب والباحثين عن الاستجمام

تشهد العلمين احتفالية عالمية بمرور 75 عاماً على معركة العلمين الثانية - تزخر العلمين بمزارات توثق لمعركتها من حيث الملابس العسكرية والعتاد - المسلة تتوسط المقبرة الألمانية كنصب تذكاري
تشهد العلمين احتفالية عالمية بمرور 75 عاماً على معركة العلمين الثانية - تزخر العلمين بمزارات توثق لمعركتها من حيث الملابس العسكرية والعتاد - المسلة تتوسط المقبرة الألمانية كنصب تذكاري

بقعة ساحرة تتوسط الساحل الشمالي لمصر، أجبرت على الحرب مع الحلفاء، خضبت بالدماء وزرعت فيها الألغام؛ إنها مدينة العلمين الوادعة التي كان أزيز الطائرات يقض مضاجع سكانها، وتفزعهم القنابل المدمرة، وتسببت المعارك التي دارت رحاها عام 1945 في جرح ومقتل 80 ألف جندي. أما الآن، فباتت حلم راغبي الاستجمام والاستمتاع بالهدوء والطبيعة الساحرة. للمدينة هيبة غريبة مشوبة بالغموض الأخاذ، تلك الهيبة التي ربما استمدت من هيبة الموت والمقابر المتراصة في وداعة وسكون، وأفضل وصف لها هو الذي أطلقه الروائي إبراهيم عبد المجيد «أرض قتل إلهية».
تبعد العلمين نحو 106 كيلومترات عن الإسكندرية، ويؤمها الملايين باعتبارها الوجهة المفضلة لقضاء الإجازة الصيفية والاستمتاع بالمنتجعات والقرى السياحية الممتدة على مئات الكيلومترات ما بين الإسكندرية ومرسى مطروح. وسنوياً، يزورها المحاربون القدماء أو أسرهم، من إنجلترا وفرنسا وكندا واليونان والهند وألمانيا وإيطاليا، للمشاركة في حفل التأبين السنوي لضحايا الحرب، حيث تودع أكاليل الزهور، وتطلق الأبواق العسكرية، وتقام الصلوات، وتقرأ الترانيم.
وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، تمر ذكرى 75 عاماً على معركة العلمين الثانية، التي قلبت موازين الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب ما بقي منها الآن هو رفات أو مقابر لجنود اقتتلوا فيما بينهم، لكن جمعتهم أرض العلمين، وأصبحت مقابرهم مزارات سياحية تعطي العبرة بأن الحروب لا جدوى منها، وأن السلام خير وأبقى.
وسوف تقام احتفالية كبرى، بحضور الرئيس المصري ورؤساء الدول التي خاضت معركة العلمين، بمناسبة هذه الذكرى، لكن هذه الاحتفالية سيكون لها مذاق آخر، حيث يدشن الرئيس عبد الفتاح السيسي مدينة (العلمين الجديدة)، لتكون منتجعاً سياحياً عالمياً وأيقونة للتنمية السياحية والاقتصادية، بعد أن أزيل نحو 20 مليون لغم وجسم قابل للانفجار منتشرة من غرب الإسكندرية حتى الحدود الليبية. ومعركة العلمين الثانية هي المعركة التي دارت في الفترة من 23 أكتوبر إلى 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 1942، خلال أحداث الحرب العالمية الثانية، على أرض مدينة العلمين، بين الجيش الثامن البريطاني والفيلق الأفريقي. وقد انتهت المعركة بانتصار البريطانيين، نتيجة لتفوقهم من حيث العدد والعتاد، حيث حشدت القوات البريطانية أكثر من ألف دبابة، وهو ضعف عدد الدبابات الألمانية، و450 مدفعاً، بالإضافة إلى التفوق الجوي للقاذفات البريطانية، في حين افتقدت القوات الألمانية لغطاء جوي مناسب، وعانت من قدم طراز مدفعيتها، بالإضافة إلى ضعف الإمدادات.
ولقد نفضت العلمين عن نفسها غبار الحرب العالمية وأهوالها منذ تسعينات القرن الماضي، وبدأت تنمو تدريجياً، وفق خطة جهاز تعمير الساحل الشمالي، وشيدت القرى والمنتجعات، وباتت نقطة ارتكاز السياحة الداخلية، لكن «العلمين الجديدة» تنشد الرواج العالمي، خصوصاً في ظل وجود مطار العلمين، وقربها من محطة الضبعة النووية وعدد من شركات إنتاج وتكرير البترول، فضلاً عن أنها من أكثر المدن تأميناً، حيث تقع بالقرب من قاعدة محمد نجيب العسكرية، أكبر قاعدة عسكرية مصرية. وسوف تفتتح فيها عدة فنادق عالمية، على رأسها «فورسيزونز»، إلى جانب فنادق «ريكسوس» العلمين و«سيتي ستارز» وغيرها.
وكشف رئيس مدينة العلمين الجديدة، أسامة عبد الغني، لـ«الشرق الأوسط» أن المدينة الجديدة تهدف لجذب السياحة العالمية على مدار العام، من خلال توفير كل المرافق والخدمات، وأنها ستقام على مساحة نحو 50 ألف فدان، وستبدأ إدارياً من الحمام حتى الضبعة في مرسى مطروح، على مساحة 169 ألف كيلومتر مربع، لتستوعب نحو 32 مليون نسمة، وبطول 13 كيلومتراً على ساحل البحر.
وبدأت ملامح المدينة الجديدة في التشكل، وتم الانتهاء من كورنيش العلمين الجديدة، الذي يماثل كورنيش مدينة الإسكندرية، الممتد على مسافة 14 كيلومتراً. ويتم تجهيز ممشى سياحي، إلى جانب مجموعة بحيرات صناعية ومرسى لليخوت، ومخطط رائع لمجموعة قصور وفيلات على البحر مباشرة، من الكيلو 106 حتى 119، إلى جانب وحدات سكنية سياحية على البحيرات الصناعية.
وأثناء مروري على موقع المدينة الجديدة، وجدت العمال والشاحنات تجوب الصحراء وكأنها خلية نحل لا تهدأ، بل تصارع الزمن. هذه المنطقة تتحول من مجرد صحراء جرداء لمناطق عامرة، وهو ما تمناه أهل العلمين الذين وجدوا الدولة المصرية أخيراً تهتم بتطوير مدينتهم، وخلق فرص عمل لهم، حيث يقطن نحو 11 ألف نسمة في مدينة العلمين القديمة. وفي سنوات عمري الأولى، كنت دائمة الترحال عبر الطريق الصحراوي الواصل بين الإسكندرية ومرسى مطروح، حيث كان أبي يصطحبنا معه لظروف عمله بالجيش المصري، فقد اقتضى ذلك أن نقضي 4 سنوات ذهاباً وإياباً قبل تعمير الساحل الشمالي، قبل كل تلك المنتجعات، كان منظر سلاسل الكثبان الرملية الناصعة البياض مع الصفراء والبنية التي تظهر المياه اللازوردية من خلفها على استحياء، منظراً لا يمكن نسيانه، ومعه العواصف الرملية التي كانت تعصف بنا في الطريق دون أي خدمات أو مساعدة سوى الحماية الإلهية.

العلمين عبر العصور

ما يبعث حقاً على التأمل والدهشة هو أنه على الرغم من أن تلك البقعة في الصحراء الغربية المصرية تبعد عن المدن القديمة، كالقاهرة والإسكندرية، مئات الكيلومترات، فإنك أثناء التنقل عبر طريق الساحل الشمالي ستلمح آثار لأعمدة ذات تيجان رومانية، تحديداً ما بين «مارينا 3» و«مارينا 4»، مما يثير لديك التساؤل الملح: كيف وصل الرومان إلى هنا؟ ونحن نصل إليها بسيارات مكيفة ونعاني من عناء السفر؟
في الحقيقة، يعود تاريخ العلمين إلى العصر الروماني، حيث كانت تقع على أرضها قديماً مدينة «ليوكاسبيس»، وهي مدينة ساحلية رومانية قديمة، وصل عدد سكانها إلى 15 ألف نسمة آنذاك. لكن تلك المدينة الرومانية دمرتها موجة تسونامي عام 365، ناتجة عن زلزال وقع بالقرب من جزيرة كريت. وفي عام 1986، حينما شرع البدء في تشييد مارينا العلمين وتمهيد الطرق، عثر المهندسون على منازل ومقابر قديمة. وبدأت عمليات التنقيب عن الآثار في فترة التسعينات من القرن الماضي، وتحتوي المنطقة على بقايا ما يشبه الأحياء السكنية، ومنازل على الطراز اليوناني الروماني، وحمامات وسراديب ومقابر هللينستية تم نحتها في الصخور. ولا تزال البعثة البولندية الأثرية تعمل على الكشف والتنقيب عن أسرار تلك المدينة المندثرة، فهل كان الرومان يستمتعون مثلنا بالساحل الشمالي؟! ربما نحتاج لخرائط تخيلية ثلاثية الأبعاد تجسد الحياة في العلمين في زمن العالم القديم، وبالتأكيد فذلك يمكن أن يجذب الملايين من السائحين.

سياحة الحروب وسياحة المقابر

بعد أن تستجم وتستمتع بأجواء العلمين الرائعة، حتى في قيظ الصيف، فهناك كثير من المزارات السياحية والتاريخية التي توثق لمعركة العلمين، التي كانت نقطة تحول لمصلحة قوات الحلفاء بقيادة الجنرال مونتغمري، على قوات المحور بقيادة ثعلب الصحراء روميل. وقد قمت بتلك الجولة بعد عشرات السنين، ووجدت شغفي بها لم يخفت، بل إنها لا تزال تثير المخيلة مع الصمت المهيب الآتي من العالم الآخر الذي يلف مزاراتها. ويمكنك أن تصطحب أطفالك، كما فعلت وكما فعل والدي من قبل، وسوف تنبهر بكم الأسئلة التي سوف يطرحونها عليك لمعرفة أسباب الحرب والاقتتال، ومن انتصر، وأنواع الأسلحة، فضلاً عما تثيره الملابس العسكرية الحقيقية والعتاد والصور من فضول لديهم. هذه الزيارة ستجعل لديهم تصوراً لما سوف يقومون بدراسته في كتب التاريخ، تماماً كما فعل معي والدي، سوف تتداعى صور ولقطات من ذاكرتهم وتتضافر مع ما سيشاهدونه من أفلام تسجيلية عن الحرب العالمية الثانية، سوف تمنحهم أعماراً إضافية لأعمارهم.
وتنظم شركات السياحة المصرية رحلات لأقارب ضحايا الحرب، وكان هناك مسار لرحلة الحرب العالمية يبدأ من طبرق في ليبيا وينتهي في الإسكندرية أو القاهرة عند مقابر الكومنولث بها. وقد قام الأمير تشارلز وزوجته كاميلا بجولة مماثلة لزيارة مقابر العلمين، وقبله الفيلد مارشال مونتغمري، ونجل روميل ثعلب الصحراء.
وتقول المرشدة السياحية الزهراء عادل عوض، لـ«الشرق الأوسط»: «تلك الجولة كانت تصمم خصيصاً للقادة العسكريين من مختلف أنحاء العالم، وأيضاً لأبناء الجنود والضباط الذين شاركوا في الحرب العالمية، كنا نبدأها من طبرق في ليبيا، ثم السلوم حيث مقابر جنود الحرب، ثم مرسى مطروح حيث متحف كهف روميل ومسار القوات حتى العلمين، ثم الإسكندرية حيث مقابر الكومنولث بالشاطبي، ثم مقابر الكومنولث في البساتين بالقاهرة».

المعظمة الألمانية

هي أول المقابر في جدول زيارة مقابر العلمين، ويفضل أن تكون معك سيارتك حيث تقع المقبرة على تلة بعيدة قليلاً عن الطريق، ويمكنك التعرف على موقعها عبر «غوغل مابس»، وتوجد لافتة على الطريق بالعربية والألمانية تدل عليها. وبعد 3 دقائق بالسيارة، ستجد مبنى المقابر الحربية الألمانية يشبه قلاع العصور الوسطى، يرفرف عليها العلمين المصري والألماني.
وصلت إلى البوابة هناك، والتقيت بالمسؤول عن المقبرة الألمانية، عبد المنعم عبد الرؤوف، الذي يفتخر بزيه البدوي، على الرغم من إتقانه لعدة لغات، على رأسها الألمانية. يأخذك الأستاذ «منعم» في جولة مصحوبة بشرح ومعلومات عن المقبرة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ظل الجنود الألمان والإيطاليون مدفونين بمقبرة واحدة حتى عام 1956، حين قررت الحكومة الألمانية بناء مقبرة خاصة للألمان، قام بتصميمها المهندس الألماني روبيرت تيسغلير، وتم افتتاحها في أكتوبر‏ 1959‏، وهي تضم رفات 4280 جندياً ألمانياً، وتقسم إلى 8 غرف، بواقع 7 غرف تضم كل واحدة منها 600 جندي، في حين تضم الغرفة الثامنة 80 جندياً مجهولاً». واصطحبني منعم إلى غرفة جانبية بها أكاليل زهور نضرة لم تذبل بعد، وزهور بلاستيكية على هيئة أطواق، وبعض النياشين العسكرية والصور الفوتوغرافية، ولوحة تذكارية تخلد ذكرى روميل، إلى جانب «أوتوغراف الزيارات» الموقع من كبار العسكريين من مختلف أنحاء العالم.
وتتوسط المقبرة الألمانية ما يشبه المسلة كنصب تذكاري، كتب عليها «هنا ينعم 4300 جندي بالراحة الأبدية». ويروي منعم الذي توارث العمل في المقبرة من والده أن هيئة خدمات قوات الكومنولث البريطانية قامت بالبحث عن رفات الجنود، وإعادة دفنهم في الفترة ما بين عامي 1943 و1947، وقامت بدفن 3 آلاف جندي ألماني و1800 إيطالي من الذين سقطوا في المعارك في مقبرة مؤقتة بمنطقة تل العيس. وفي عام 1953، تمت إعادة دفن هؤلاء الجنود، مع 1200 آخرين تم العثور على مقابرهم في صحراء العلمين. وفي جنبات أسوار القلعة، دونت أسماء الجنود. ويقول منعم: «سنوياً، يأتي كبار العسكريين الأوروبيين لإحياء ذكرى ضحايا الحرب، مع عدد من ذويهم وأقاربهم، فهم يولون اهتماماً كبيراً بها حتى الآن. وقبل عام 2011، كانت تنظم هيئة الكومنولث رحلتين: واحدة في فبراير (شباط)، والأخرى في نوفمبر». وتركت المعظمة الألمانية بعد أن التقطت الصور التذكارية تودعني لافتة «هذه الأرض المقامة عليها المعظمة الألمانية مهداة من الشعب المصري».

المقابر الإيطالية

«كرس لمثوى 4600 جندي وبحار إيطالي... الصحراء والبحر لا يعيدان الـ3800 المفقودين»، بهذه العبارة المؤثرة تستقبلك المقابر الإيطالية وهي تقف كبرج أسطواني ضخم أبيض اللون. وقد قام بتصميمها المهندس الإيطالي باولو كاشيا دومينيوني، وهو نبيل إيطالي شارك في معركة العلمين، وقام بافتتاح المقابر رئيس وزراء إيطاليا أمينتوري فانفاني في ‏9‏ يناير (كانون الثاني)‏ 1959‏‏.‏ وتقع المقابر على مسافة 5 كم غرب العلمين، وتتميز بالفخامة وفن المعمار. وأسفل البرج، يستقبلك رجل بلحية بيضاء طويلة تشبه ملامحه أنطوني كوين في دور عمر المختار، يفتح أبواب المقبرة التي يغمرها ضوء الشمس من كل جانب، لكنها مع تردد صدى الأصوات في أعلى البرج تثير الرهبة والوجل. أما الشعور بالأسى، فهو يتسرب إلى الزائر الذي سيجد رفات آلاف الجنود مقبورة في حوائط المقبرة. وفي المنتصف، يوجد مذبح صغير تقام أمامه الصلوات والقداس السنوي، كما يوجد تمثال يخلد ذكرى المعماري الذي شيد المقبرة. وتذكرك لوحة تذكارية «الصحراء قد ابتلعت أجساد 38 ألف شخص من الضحايا». وقبل أن تخرج من المقبرة، ستجد متحفاً مصغراً، لكنه يحتوى على عدد كبير من القطع والملابس والأسلحة للجيش الإيطالي، وخرائط وصور فوتوغرافية تجسد مراحل الحرب. إلى اليسار، ستجد نصباً تذكارياً للجنود الليبيين الذين شاركوا في الحرب. وقبل أن تغادر المقبرة، ستجد لوحات نقشت عليها أسماء جميع الإيطاليين الذي لقوا حتفهم في مصر، ومن بينهم من شاركوا في بناء سدود أسوان وإسنا وأدفينا في القرنين الماضيين، وقد أثرني ذلك التكريم والإجلال للمواطن الأوروبي، حتى وهو في بلد آخر يبعد آلاف الأميال، في حين أن المواطن العربي لا تقدره دولته في الداخل، فما بالك في الخارج؟!

مقابر الكومنولث

هي أشهر المقابر وأكبرها بين مقابر العلمين، وهي التي تم تصوير عدد من الأعمال السينمائية العربية والأجنبية فيها. وقد قام بتصميمها النبيل البريطاني السير هيبير ورثينجتون‏، وافتتحها برنارد مونتغمري في أكتوبر‏ 1954‏، مصطحباً معه عدداً من جنوده وعدداً كبيراً من المدنيين. وعلى جدران البوابة التذكارية، نقشت أسماء 11945 من الجنود الذين لم يتم العثور على أشلائهم. وتضم المقابر رفات 7367 ضحية من بريطانيا ونيوزيلندا وأستراليا وجنوب أفريقيا وفرنسا والهند وماليزيا، الذين لم تزد أعمارهم على 20 عاماً، وقد شارك من الهند وحدها نحو 25 ألف جندي وضابط.
وتعتبر مقبرة الكومنولث بالعلمين واحدة من بين 16 مقبرة في مصر لضحايا قوات الكومنولث البريطاني بمختلف الجنسيات، في الحربين العالميتين الأولى والثانية، التي تضم رفات 25120 قتيلاً. وأثناء التجول بين شواهد القبور التي تحفها الأزهار والنباتات الصحراوية، ستجد مجموعة من الشواهد ذات العبارات المؤثرة للجنود المجهولين، كتب عليها: «نون أنتو غاد» أي «يعرفه الرب».

متحف العلمين الحربي

اعتبر هذا المتحف بمثابة بانوراما تاريخية للحرب العالمية الثانية، وهو يلقي الضوء على الدول الأربع الرئيسية (بريطانيا وألمانيا وإيطاليا ومصر) التي شاركت في معركة العلمين، وتعرض مقتنيات المتحف في عدة لغات، هي: العربية والإنجليزية والألمانية والإيطالية، فيما تضم حديقة المتحف عدداً من الدبابات والمدافع وغيرها من المركبات العسكرية، ويتضمن المتحف أيضاً مهبط طيران ومكتبة وقاعة فيديو.
وقد قمت بزيارة متحف العلمين الذي كنت أمر عليه في طفولتي قبل 30 عاماً كاستراحة مفعمة بالمعلومات والتماثيل الشمعية للجنود، وقد وجدته في حلة جديدة بتصميم متحفي منظم مقسم وفقاً للدول التي شاركت في الحرب. وفي كل دولاب عرض لوحات تروي دور كل دولة، وعرض لمخططاتها الحربية، ومعروضات من بقايا الأسلحة والمعدات وأوعية حفظ الطعام والبزات العسكرية لكل سلاح، سواء مشاة أو طيران أو مدفعية أو بحرية. وبالحديث إلى أحد المرشدين بالمتحف، قال لـ«الشرق الأوسط»: «هنا، أحدث دولاب عرض أهدته دولة اليونان، ويضم مجموعة أسلحة ومعدات والزي العسكري اليوناني في الحرب. أيضاً الجزء الخاص بمصر هو الأحدث، وبه تأريخ لتاريخ الجيش المصري منذ عهد محمد علي باشا، ودور مصر في الحرب العالمية وصولاً إلى حرب أكتوبر المجيدة». أما أكثر المعروضات تأثيراً في الوجدان، فمجموعة قصاصات وخطابات وصور ومقتنيات شخصية التقطت أثناء الحرب، وهي مهداه من أسر الجنود والقادة الذين شاركوا في معركة العلمين؛ يوثق بعضها انطباعاتهم عنها، ومن فقدوهم من أصدقاء كانوا ضحايا لتلك الحرب الضروس.
ويتبع متحف العلمين العسكري إدارة المتاحف العسكرية في وزارة الدفاع المصرية، وقد افتتح للمرة الأولى في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، في 16 ديسمبر (كانون الأول) عام 1965، ليكون شاهداً على معركة العلمين، وتم تطوير المتحف بالتنسيق مع الدول التي شاركت في الحرب، وأضيفت قاعة توضح دور مصر خلال تلك الحقبة التاريخية، وتم افتتاحه بعد التطوير أثناء الذكرى الخمسين لمعركة العلمين، في أكتوبر 1992. وسيتم افتتاح التجديدات الأخيرة مع زيارة الرئيس السيسي لافتتاح مدينة العلمين الجديدة في أكتوبر الحالي.

المقابر اليونانية

في طريق العودة إلى الإسكندرية، ستجد بوابة عليها العلم اليوناني، ومقبرة يتوسطها هيكل أو نصب تذكاري يوناني تميز الأعمدة والتيجان، يخلد ذكرى الجنود والضباط اليونانيين الذين شاركوا في الحرب.

أين تقيم؟

هناك كثير من المنتجعات والقرى السياحية والفنادق العالمية التي تمتد بطول الساحل الشمالي، الواصل بين الإسكندرية ومرسى مطروح، وغالبيتها تتمتع بقدر كبير من الفخامة التي تضمن أعلى درجة من الرفاهية وتحقق الاستجمام التام، ناهيك بكونها تتمدد على رمال بيضاء ناعمة، وتطل على أروع شواطئ العالم.
وعلى مقربة من العلمين منطقة سيدي عبد الرحمن، وبها منتجع «مراسي» الفاخر، حيث يصل إيجار الفيلات فيها إلى 8 آلاف جنيه في اليوم الواحد، وبها فندق يصل سعر الليلة فيه إلى نحو 3500 جنيه في الليلة. كما توجد قرى وفنادق فاخرة، مثل ريكسوس العلمين، ويصل سعر الليلة فيه إلى 5 آلاف جنيه مصري. كما تضم قرية مارينا بمراحلها شاليهات يصل إيجارها إلى ألفي جنيه في الليلة، وفنادق يتراوح سعر الليلة فيها ما بين 4 آلاف وألف جنيه، وهناك كثير من الاختيارات التي تناسب الجميع.
ويمكنك أيضاً القيام بزيارة العلمين من الإسكندرية، حيث تستغرق الرحلة نحو الساعة، ولكن من الأفضل الإقامة في أحد الفنادق القريبة من المزارات، إذ إن السير والتنقل من واحدة لأخرى قد يصيبك بالإرهاق، كما أنك إذا أردت الاستمتاع بالمياه اللازوردية النقية لن تجد كثيراً من الشواطئ المفتوحة؛ فقط بعض الشواطئ المتناثرة من دون أي خدمات، وتصلح لعشاق التخييم. ويمكن للمرشد السياحي المرافق لك التنسيق مع بدو العلمين للتخييم على الشاطئ، لكن هذا متاح صباحاً فقط لأن حرس الحدود المصري لا يسمح بالمبيت على الشواطئ.

إرشادات ونصائح

يجب أن تبدأ الرحلة مبكراً، فزيارة هذه المزارات والمتحف تستغرق نحو 4 إلى 5 ساعات، ويجب أن ترتدي ملابس خفيفة وحذاءً رياضياً مريحاً، مع اصطحاب الماء والعصائر، لأن التجول في الصحراء يوحي حقاً بالعطش، حتى لو كان الجو معتدلاً. واحرص على وجود مساحة كبيرة في هاتفك تكفي لالتقاط صور الرحلة. وسيكون من المفيد جداً القراءة عن الحرب العالمية الثانية قبل رؤية ما آلت إليه.


مقالات ذات صلة

موسم واعد... جولة على أهم عناوين التزلج في لبنان

سفر وسياحة مركز المزار في كفردبيان الأشهر في موسم التزلج (فيسبوك)

موسم واعد... جولة على أهم عناوين التزلج في لبنان

تُعدّ رياضة التزلج في لبنان تجربة فريدة، تجمع بين جمال الطبيعة الجبلية وروح المغامرة، وتؤكد أن هذا البلد الصغير بمساحته غنيّ بتنوّعه المناخي والسياحي.

فيفيان حداد (بيروت)
سفر وسياحة صورة ترويجية للسياحة في مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية - فيسبوك)

هل تغيّرت تركيبة الوافدين إلى منتجعات البحر الأحمر في مصر؟

لاحظ الشاب الثلاثيني حسن عبد الحكيم، والذي يعمل منذ سنوات في السياحة بمدينة دهب الساحلية المطلة على البحر الأحمر، تغيراً في تركيبة السياح الوافدين إلى المدينة.

رحاب عليوة (القاهرة)
الاقتصاد شعار منظمة الأمم المتحدة للسياحة (المنظمة)

السياحة العالمية تسجل مستوى قياسياً جديداً في 2025

سجلت السياحة العالمية مستوى قياسياً جديداً خلال عام 2025، مع وصول عدد السياح الدوليين إلى 1.52 مليار حول العالم، مدفوعاً بزيادات قوية في آسيا وأفريقيا.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يوميات الشرق الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى افتتاحه توسعة المطار الدولي (الهيئة الملكية لمحافظة العلا)

افتتاح توسعة مطار العلا الدولي لمواكبة نمو المسافرين

افتتح الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة محافظ الهيئة الملكية لمحافظة العلا، مشروع توسعة صالات مطار العلا الدولي.

«الشرق الأوسط» (العلا)
سفر وسياحة أغاثا كريستي تُكرّم على ضفاف النيل

أغاثا كريستي تُكرّم على ضفاف النيل

صادف الثاني عشر من هذا الشهر حدثاً أدبياً مهماً، حيث يحتفل العالم بالذكرى الخمسين لوفاة أغاثا كريستي، التي تركت إرثاً أدبياً استثنائياً يضم ما يقرب من 70 رواية

«الشرق الأوسط» (لندن)

موسم واعد... جولة على أهم عناوين التزلج في لبنان

مركز المزار في كفردبيان الأشهر في موسم التزلج (فيسبوك)
مركز المزار في كفردبيان الأشهر في موسم التزلج (فيسبوك)
TT

موسم واعد... جولة على أهم عناوين التزلج في لبنان

مركز المزار في كفردبيان الأشهر في موسم التزلج (فيسبوك)
مركز المزار في كفردبيان الأشهر في موسم التزلج (فيسبوك)

تُعدّ رياضة التزلج في لبنان تجربة فريدة، تجمع بين جمال الطبيعة الجبلية وروح المغامرة، وتؤكد أن هذا البلد الصغير بمساحته غنيّ بتنوّعه المناخي والسياحي. فلبنان، الذي يجاور البحر الأبيض المتوسط، يحتضن في قلب جباله منتجعات شتوية تضاهي أشهر المراكز العالمية، مستقطباً عشّاق الرياضات الشتوية من الداخل والخارج. ومع كل موسم شتاءٍ، تتحوّل القمم المكسوّة بالثلوج مساحات نابضة بالحياة، حيث الرياضة، والسياحة، والثقافة، تلتقي في مشهد واحد.ومنذ مطلع عام 2026 شهد لبنان موسم شتاء قارس؛ وهو ما أدّى إلى تساقط الثلوج على الجبال ابتداءً من ارتفاع 1100 متر، فانطلق موسم تزلج واعد في مختلف المناطق اللبنانية.

«الشرق الأوسط» اختارت ثلاثة مراكز تزلّج في لبنان: كفردبيان والأرز والزعرور، لتكون بمثابة دليل سياحي لممارسة هذه الرياضة التي يهواها الكبار والصغار.

رياضة التزلج يحبّها الكبار والصغار (فيسبوك)

كفردبيان: عاصمة التزلج في لبنان

تُعدّ كفردبيان الوجهة الأولى لعشّاق التزلج في لبنان، بل تُلقّب غالباً بعاصمة الرياضات الشتوية. تقع في قضاء كسروان على ارتفاع يتجاوز 2000 متر. وتتميّز بمساحتها الواسعة وتنوّع منحدراتها التي تناسب المبتدئين والمحترفين على حدّ سواء. يضمّ مركز كفردبيان شبكة حديثة من المصاعد الهوائية، ومسارات طويلة تسمح للمتزلجين بخوض تجارب ممتعة وآمنة.

لا تقتصر كفردبيان على التزلج فقط، بل تشكّل وجهة سياحية متكاملة. فالفنادق والمطاعم والمقاهي تنتشر في محيطها، مقدّمة أجواءً شتوية دافئة بعد يوم حافل على الثلج. كما تتميّز بإمكانية التزلج مع إطلالة بحرية في الأيام الصافية، وهي ميزة نادرة تجعل التجربة أكثر فرادة. وتستقطب كفردبيان سنوياً مسابقات ونشاطات رياضية تسهم في ترسيخ مكانتها على الخريطة السياحية الإقليمية.

ويعدّ مركز المزار في كفردبيان أكبر وأشهر منتجع تزلج في لبنان. يتألف من شبكة واسعة من المنحدرات والطرق المتنوعة من السهلة حتى المتوسطة والصعبة.

تتراوح أسعار بطاقات الدخول لقضاء يوم كامل ما بين 55 دولاراً للكبار و50 دولاراً للأولاد أيام الأسبوع العادية. وترتفع إلى 80 دولاراً للكبار و65 دولاراً للأولاد في أيام عطلة نهاية الأسبوع. ومن المنحدرات المعروفة فيها «روفوج» و«دومين دي سولاي» للمبتدئين ومتوسطي المستوى في هذه الرياضة.

ومن المنحدرات المتوسطة المعروفة هناك أيضاً «وردة»، وتتضمن مقاعد للمشاة غير المتزلجين. ويمكن لهواة التزلج شراء تذاكر دخول حسب الرغبة. وتنقسم إلى تذاكر نصف يوم ويوم كامل وأخرى موسمية.

موسم التزلج في لبنان ينتظره رواد هذه الرياضة بفارغ الصبر (الشرق الأوسط)

الأرز: التزلج بين التاريخ والطبيعة

في شمال لبنان، وتحديداً في قضاء بشري، يقع مركز الأرز للتزلج، محاطاً بغابة الأرز الشهيرة التي تُعدّ رمزاً وطنياً خالداً. هنا، لا تكون تجربة التزلج رياضية فحسب، بل ثقافية أيضاً؛ إذ يتزلج الزائر بين قمم تحمل عبق التاريخ وجذور الحضارة اللبنانية.

يتميّز مركز الأرز بطبيعته الهادئة وأجوائه العائلية؛ ما يجعله مقصداً مثالياً للباحثين عن الاستجمام إلى جانب الرياضة. ورغم أن مساحته أصغر مقارنة بكفردبيان، فإن نوعية الثلوج فيه غالباً ما تكون ممتازة، خصوصاً في ذروة الشتاء. كما يشتهر بمساراته الطبيعية التي تمنح المتزلج إحساساً بالاندماج الكامل مع الجبل. ويلقب بـ«عراب» مراكز التزلج في لبنان؛ إذ يعود تاريخه إلى الثلاثينات من القرن الماضي. وفي منتصف الخمسينات شهد إنشاء أول مصعد (تيليسياج) على حلبته.

يشكل ارتياد هذا المركز بمساراته الثلجية الشاسعة وتعرجاته تحدياً لممارسي هذه الرياضة. يبعد نحو الساعتين عن بيروت، ويمكن الوصول إليه من البقاع أو من الساحل. وأول ما يطالع الزائر لدى وصوله إلى «الأرز» سلسلة الفنادق والمطاعم والملاهي التي تشكل مراكز استجمام تعمل على مدار السنة. ولا تبعد غابة الأرز أكثر من كيلومتر واحد عن هذا المركز، عبر طريق تقوم على جانبيها المطاعم الصغيرة ودكاكين التذكارات. وتؤدي هذه الطريق عينها إلى مركز التزلج الذي يبلغ ارتفاعه 2066 متراً فوق سطح البحر.

تكمن جاذبيته بالنسبة لهواة التزلج في منحدراته الفريدة التي يمكن الوصول إليها عبر المصعد الكهربائي. وتجدر الإشارة إلى أنه يؤمّن كغيره من مراكز التزلج في لبنان فريقاً طبياً في حال إصابة أي شخص. تبلغ أسعار تذاكر الدخول إلى هذا المركز ما بين 30 دولاراً للكبار و20 دولاراً للصغار خلال أيام الأسبوع، وترتفع إلى 40 و35 دولاراً في عطلات نهاية الأسبوع.

في لبنان رياضة يهواها الكبار والصغار (فيسبوك)

زعرور: تجربة قريبة وسهلة المنال

أما مركز زعرور للتزلج، فيقع في قضاء المتن، ويُعدّ من أقرب المنتجعات الشتوية إلى العاصمة بيروت. هذا القرب الجغرافي يجعله خياراً مفضّلاً للراغبين في قضاء يوم واحد على الثلج من دون عناء السفر الطويل. يتميّز زعرور بأجوائه الشبابية والحيوية، وغالباً ما يستقطب مجموعات الأصدقاء والعائلات.

يقدّم المركز منحدرات مناسبة للمبتدئين والمتوسّطي المستوى، إضافة إلى نشاطات شتوية متنوّعة مثل التزلج على الزلاجات (Snow Tubing) والمشي على الثلج. كما تنتشر حوله مطاعم صغيرة تقدّم المأكولات اللبنانية التقليدية؛ ما يعزّز الطابع المحلي للتجربة.

ويبلغ سعر التذاكر للكبار أيام الأسبوع 35 دولاراً و30 للأولاد. بينما ترتفع لتصل إلى 55 و45 دولاراً أيام عطلة الأسبوع.

أهم المسارات في الزعرور هي «بلو تراك» و«ماجيك كاربت» و«لا كابان».

في المحصّلة، يشكّل التزلج في لبنان أكثر من مجرّد رياضة شتوية؛ إنه مساحة لقاء بين الطبيعة والإنسان، وبين الترفيه والهواية. ومن كفردبيان إلى الأرز وزعرور، تظلّ الجبال اللبنانية شاهدة على قدرة هذا البلد على تقديم تجارب سياحية غنية، حتى في أصعب الظروف.


هل تغيّرت تركيبة الوافدين إلى منتجعات البحر الأحمر في مصر؟

صورة ترويجية للسياحة في مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية - فيسبوك)
صورة ترويجية للسياحة في مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية - فيسبوك)
TT

هل تغيّرت تركيبة الوافدين إلى منتجعات البحر الأحمر في مصر؟

صورة ترويجية للسياحة في مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية - فيسبوك)
صورة ترويجية للسياحة في مصر (وزارة السياحة والآثار المصرية - فيسبوك)

لاحظ الشاب الثلاثيني حسن عبد الحكيم، والذي يعمل منذ سنوات في السياحة بمدينة دهب الساحلية المطلة على البحر الأحمر، تغيراً في تركيبة السياح الوافدين إلى المدينة؛ إذ بدا لافتاً له وجود الآسيويين هذا العام من اليابانيين والكوريين والصينيين؛ لتعلم الغطس، وهم شريحة جديدة لم تكن موجودة من قبل في المدينة التي تعتمد بشكل أساسي على السياحة الداخلية.

ملاحظة عبد الحكيم أكدها أيضاً رئيس النقابة الفرعية للمرشدين السياحيين بجنوب سيناء، هشام محيي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الآسيويون يوجدون، لكن بصورة فردية عادة في دهب وشرم الشيخ، فالشركات السياحية لم تستهدف هذه السوق بعد حتى نشهد أفواجاً كبيرة منها تغير طبيعة التركيبة التي تقوم حالياً في مدن جنوب سيناء على الأوروبيين والروس».

طفرة في السياحة الوافدة إلى مصر خلال العام الماضي (هيئة تنشيط السياحة)

ويهيمن الأوربيون على سوق السياحة الشاطئية في منتجعات البحر الأحمر منذ نحو 4 أعوام، ويختلف ترتيب الجنسيات وفق الوجهة، فبينما يتصدر الألمان مدن محافظة البحر الأحمر في الجونة والغردقة وغيرهما، يوجد الإيطاليون والبولنديون بكثرة في مدن جنوب سيناء، وفق تصريحات متخصصين في السياحة لـ«الشرق الأوسط».

يأتي ذلك في وقت تسعى مصر إلى زيادة أعداد سائحيها، هادفة للوصول إلى 30 مليون سائح، وذلك سنوياً من خلال «المشاريع السياحية الجديدة في الساحل الشمالي والبحر الأحمر وافتتاح المتحف المصري الكبير الذي حقق رواجاً لمصر وجذب سائحاً لم يكن يأتي من قبل» وفق رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، مضيفاً خلال مؤتمر صحافي في 6 يناير (كانون الثاني) الحالي، إلى عملهم على تحسين المطارات وتيسير الإجراءات لجذب مزيد من السياح.

منتجعات البحر الأحمر تجذب سياح من جنسيات مختلفة (هيئة تنشيط السياحة)

تصدر الأوروبيين

تصدر الأوربيون للسياحة في منتجعات البحر الأحمر منذ أعوام عدة، بدلاً من السياح الروس، والذين كانوا الأكثر حضوراً حتى عام 2015، حين شهدت السياحة المصرية أزمة مع توقف الطيران الروسي إلى مصر إثر سقوط طائرة روسية في سيناء، ثم اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية عام 2022؛ ما «فرض ضرورة تنويع الجنسيات المتجهة إلى مصر؛ لعدم تأثر السوق عند تذبذب أي جنسية منها»، وفقاً لرئيس النقابة الفرعية للمرشدين السياحيين بجنوب سيناء.

وخسرت السياحة المصرية في عام 2015 نحو 1.3 مليار دولار (الدولار كان يساوي نحو 8 جنيهات آنذاك) إثر تراجع السياحة الروسية، وفق تقديرات رسمية سابقة.

وأوضح محيي أن «سوق السياحة كانت تعتمد على السائح الروسي، وبعد قصة الطائرة توجهنا للسائح الأوكراني، والذي عوض جزءاً كبيراً من غياب الروس، وبعد الحرب في فبراير (شباط) 2022 فقدنا السائحين، فركزنا على الأسواق الأوربية والتي تشهد رواجاً منذ سنوات».

إحدى القرى السياحية في الغردقة (وزارة السياحة المصرية - فيسبوك)

ويعدّ الألمان الأكثر حضوراً في منتجعات البحر الأحمر حالياً، وتحديداً داخل «الجونة، الغردقة، سهل حشيش، مكادي، سوما باي، سفاجا، القصير، مرسى علم»، وفق عضو غرفة المنشآت الفندقية، رامي فايز، مشيراً إلى أن البولنديين يأتون في المرتبة الثانية ثم الروس ثم التشيكيون ثم البلجيكيون والهولنديون، بنسبة إشغال للفنادق تصل إلى نحو 85 في المائة.

ويرجع فايز في حديثه لـ«الشرق الأوسط» هذا التنوع إلى الخطط التسويقية للشركات السياحية واستهدافها أسواقاً مختلفة، بالإضافة إلى الطيران منخفض التكلفة الموجود في نطاق البحر الأحمر حالياً.

وفي جنوب سيناء، يشير نقيب المرشدين هشام محيي إلى أن الإيطاليين بوصفهم أكثر السياح الذين يتوافدون على منتجعات شرم الشيخ ودهب خلال فترات عدة في العام، والمرتبطة بموسم الإجازات الإيطالية، لافتاً إلى أنهم كانوا الأكثر حضوراً في شرم الشيخ خلال احتفالات العام الجديد.

وبخلاف الأوروبيين، يقصد شواطئ جنوب سيناء أتراك وعرب من الجنسيات الجزائرية والتونسية وسياح من دول الاتحاد السوفياتي السابق مثل بيلاروسيا ولاتفيا، بنسب إشغال تتراوح بين 45 و60 في المائة، وفق محيي.

إحدى الفنادق في مدينة الغردقة عام 2024 (الشرق الأوسط)

أسواق واعدة

تستهدف مصر زيادة أعداد السياح فيها خلال عام 2026 إلى 21 مليون سائح، بعدما وصلت إلى 19 مليون سائح، وفق تقديرات رسمية خلال عام 2025، بزيادة نحو 21 في المائة عن عام 2024.

ويرى رئيس النقابة الفرعية للمرشدين السياحيين بالغردقة بشار أبو طالب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة تنويع الأسواق السياحية بشكل أكبر في الفترة المقبلة، وعدم الاعتماد على جنسية واحدة، لافتاً إلى أنه مع هيمنة الألمان على سوق السياحة في الغردقة لفترة، غير أن إفلاس إحدى الشركات التي كانت تنظم رحلات في الغردقة قبل شهور، أثر على حضور السياح الألمان للمدينة.

كما ذكّر أبو طالب بما حدث من قبل مع السوق الروسية، مشيراً إلى وجود الكثير من الأسواق الواعدة مثل السوق الرومانية التي تتزايد أعداد سائحيها في الغردقة عن ذي قبل، والسوق المجرية، داعياً الشركات السياحية إلى زيادة الاهتمام بهذه الأسواق.

بينما يرى رئيس نقابة المرشدين الفرعية في جنوب سيناء فرصاً واعدة في أسواق مثل أميركا اللاتينية وتحديداً البرازيل، وأسواق أخرى في أوروبا مثل الإسبان، خصوصاً أن الزوار من هذين البلدين يمكن استهدافهم من خلال السياحة الدينية في سانت كاترين، ثم توجيههم إلى السياحة الشاطئية.

وبخلاف الوجهات الجديدة، يطالب رئيس جمعية مستثمري طابا ونويبع سامي سليمان، بإعادة تشغيل مطار طابا الدولي، لعودة الأفواج السياحية للمدينة وتنويعها، وكذلك فتح الطريق الأوسطي أمام السيارات دون رسوم، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى تراجع حركة السياحة بالمدينتين رغم توقف الحرب في غزة، بسبب إغلاق المطار.


أغاثا كريستي تُكرّم على ضفاف النيل

"سودان" آخر سفينة متبقية من أسطول البواخر النيلية (الشرق الاوسط)
"سودان" آخر سفينة متبقية من أسطول البواخر النيلية (الشرق الاوسط)
TT

أغاثا كريستي تُكرّم على ضفاف النيل

"سودان" آخر سفينة متبقية من أسطول البواخر النيلية (الشرق الاوسط)
"سودان" آخر سفينة متبقية من أسطول البواخر النيلية (الشرق الاوسط)

صادف الثاني عشر من هذا الشهر حدثاً أدبياً مهماً، حيث يحتفل العالم بالذكرى الخمسين لوفاة أغاثا كريستي، التي تركت إرثاً أدبياً استثنائياً يضم ما يقرب من 70 رواية بوليسية، وأكثر من 150 قصة قصيرة، وأكثر من 25 مسرحية. وبمبيعات كتبها التي لا يتفوق عليها سوى ويليام شكسبير، تظل كريستي -دون شك- واحدة من أعظم كُتّاب الجريمة استمرارية، وأعمقهم تأثيراً على مر العصور.

تزامناً مع هذه الذكرى، يعاد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الوجهات التي أحبتها كريستي، والتي كانت مصدر إلهام لواحدة من أكثر رواياتها شهرة، وهي «جريمة على ضفاف النيل».

سافرت كريستي إلى مصر للمرة الأولى في عام 1907، ثم عادت إليها مرات عدة قبل رحلتها الحاسمة في عام 1933، عندما انطلقت في رحلة نيلية على متن السفينة البخارية «سودان» التابعة لشركة «توماس كوك». كانت تلك الرحلة مصدر إلهام لواحدة من أشهر قضايا المُحقق الفذ «هيركيول بوارو».

رحلة مثالية لمحبي روايات أغاثا كريستي (الشرق الاوسط)

دُشنت السفينة البخارية «سودان» في عشرينات القرن الماضي، وهي آخر سفينة باقية من أسطول البواخر النيلية الأصلي لشركة «توماس كوك» التي كانت تبحر بين الأقصر وأسوان خلال ما يُعرف بالعصر الذهبي للسفر.

في السنوات التي سافرت فيها كريستي عبر مصر، رفقة زوجها عالم الآثار ماكس مالوان، كانت هذه السفن الفاخرة تمثل ذروة الأناقة، والرقي، والاستكشاف.

ولقد ولّت تلك الحقبة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وبعدها تدهورت حالة الأسطول تدريجياً، وراح في غياهب النسيان.

إلا أنه مع مطلع القرن الحادي والعشرين، أعاد مالك سفن مصري اكتشاف السفينة البخارية «سودان»، وعمل على ترميمها بعناية لتكون صالحة للعمل.

واليوم، تستحضر السفينة البخارية «سودان» رونق عصر مضى، فهي لا تزال تحتفظ بأرضياتها الأصلية المصنوعة من خشب الساج، مع تصميماتها الداخلية التي تعود إلى حقبة «بيل إيبوك»، مع المرايا الزئبقية العتيقة، وأسرّة مزخرفة مصنوعة من الحديد، وصالون مزود برفوف الكتب، وكراسي جلدية أنيقة، وبار كلاسيكي قديم يعمل عليه طاقم يرتدي الطرابيش.

يرتفع الطلب للحجز على السفينة البخارية «سودان» أعلى من أي وقت مضى، وغالباً ما يحجز المسافرون رحلاتهم قبلها بسنوات. أما بالنسبة لعشاق أغاثا كريستي، فإن الإبحار على متن السفينة هو تجربة لا تُفوّت، حتى إن بعض الضيوف يجلبون معهم خزائن ملابس من حقبة العشرينات ليغمروا أنفسهم تماماً في رومانسية العصر الذهبي للرحلات على نهر النيل.

وقد ترسخت المكانة المميزة للسفينة بوصف أنها رمز ثقافي بظهورها في فيلم «جريمة على ضفاف النيل» إنتاج عام 2004، من بطولة ديفيد سوشيه، حيث ظهرت تحت اسمها الخيالي: السفينة البخارية «الكرنك». ولا تزال هذه السفينة الرائعة من عصر آخر تجذب المعجبين من كافة أنحاء العالم.

وبالنسبة لأولئك الذين يرغبون في الاحتفال بذكرى كريستي داخل بريطانيا، ستُنظم احتفالات تكريمية في المكتبة البريطانية، التي ستستضيف أكبر معرض لأغاثا كريستي منذ أكثر من 20 عاماً. ومن المقرر افتتاح المعرض في أكتوبر (تشرين الأول) 2026،

ويجري تنظيمه بالشراكة مع شركة «أغاثا كريستي» المحدودة، وصندوق أرشيف كريستي، وسيضم مجموعة غنية وكاشفة من المقتنيات الشخصية، والرسائل، والصور الفوتوغرافية من حياة الكاتبة.