فنون في مرايا الاستشراق

لم يعن بها أهلها إلا في مرحلة متأخرة نسبياً

حفل موسيقي في «نجمة الزهراء» قصر البارون ديرلانجير في تونس
حفل موسيقي في «نجمة الزهراء» قصر البارون ديرلانجير في تونس
TT

فنون في مرايا الاستشراق

حفل موسيقي في «نجمة الزهراء» قصر البارون ديرلانجير في تونس
حفل موسيقي في «نجمة الزهراء» قصر البارون ديرلانجير في تونس

لا يكاد الاستشراق لدى البعض، وربما الكثيرين، يتجاوز كونه نشاطاً بحثياً غربياً جيداً ومفيداً في بعض جوانبه، وضاراً مشبوهاً في جوانب أخرى. يعترف البعض للمستشرقين بجهودهم في تحقيق التراث العربي الإسلامي حين كان أهله في غفلة الأمية، ولكنهم يرون أن تلك الجهود لم تخل من سوء نية أو سوء تفسير أدى إلى تشويه الكثير من ذلك الجهد. وجاءت دراسة إدوارد سعيد الشهيرة لتضيف بعداً سياسيا استخباراتياً لتلك الصورة المثقلة بالقتامة أصلاً فلم يكد يتبقى من الاستشراق ما يضيء أو يستضاء به.
والحق أن الصورة القاتمة موجودة وتحيز المستشرقين سواء أكان واعياً أم غير واعٍ ظاهرة بينة لا حاجة للتدليل عليها، لكن تلك الصورة لا تستطيع أن تفسر لنا جوانب من الاستشراق وألواناً من نشاطه حتى إدوارد سعيد اضطر لاستثنائها في مقدمة كتابه حين أشار إلى أنه لم يكن يتحدث عن الاستشراق بكليته. لن يستطيع تصور واحد أن يحيط بتلك الظاهرة الضخمة التي عرفتها الثقافات الأوروبية منذ القرن الثامن عشر ولم تتوقف حتى اليوم وإن تبدلت مظاهرها وتغير حجمها. الاستشراق في أبسط تعريفاته مسعى غربي متعدد الوجوه للتعرف على البلاد الآسيوية والأفريقية واقعاً وتاريخاً وتراثاً، مسعى أفرز تصورات وأعمالاً يختلط فيها العلم بالسياسة والإبداع بالمصالح على النحو الذي يتعسر اختزاله أو تلخيصه في مقالة أو مقالات. آلاف الرحالة والمحققين واللغويين والمؤرخين ودارسي الأدب والأدباء والفنانين التشكيليين بل والموسيقيين اشتركوا في تأليف تلك الظاهرة التي تذكر بما حدث في العالم الإسلامي عند التعرف على الموروث اليوناني والروماني وترجمته ودراسته مع فوارق الحجم وتعدد الاهتمامات وأهم من ذلك الظروف التاريخية التي تميز بها الغرب المعاصر في مختلف الوجوه.
من بين الاهتمامات الاستشراقية الكثيرة ليست الفنون عادة مما يخطر بالبال وإن كانت معروفة ومدروسة، كما في كتاب «تراث الإسلام» مثلاً الذي ترجم أكثر من مرة منها ما صدر ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية. فقد عنيت فئة من العلماء والباحثين الأوروبيين بهذا الجانب من الموروث العربي الإسلامي كما تمثل في فنون العمارة والزخرفة والموسيقى وما إليها. الأدب كان في طليعة الاهتمامات الاستشراقية على النحو المعروف من التحقيقات والدراسات المشهورة، لكن الإشارة هنا إلى الفنون التشكيلية والموسيقية تحديداً الذي تمثل في العديد من الدراسات المستمرة إلى الآن، التي تلفت النظر لما تضيفه لمعرفتنا ليس بالثقافة العربية الإسلامية وإنما أيضاً بالثقافات الأوروبية نفسها.
لعل أول ما يلفت الاهتمام عند الحديث عن هذه الجوانب من الثقافة ما يشير إليه بعض الباحثين الغربيين، أو المستشرقين، أنهم وجدوا أنفسهم يعملون في حقول لم يعن بها أهلها. والحق أن هذا يصدق على معظم وجوه الاستشراق من حيث هو حركة قامت في زمن كانت فيه الشعوب العربية والإسلامية تغط في نوم عميق نتيجة للأمية والركود الحضاري الطويل الذي ترافق مع مجمل العهود المملوكية ثم العثمانية. غير أن الفنون المشار إليها ليست مما عني به أهلها إلا في مرحلة متأخرة نسبياً وبعضها لم يعن به أهلها فيما يبدو حتى الآن.
البارون الفرنسي رودولف ديرلانجير أنموذج لذلك اللون من الاهتمامات. كان الرجل فناناً تشكيلياً وباحثاً في الموسيقى حين أتى إلى تونس في مطلع القرن العشرين ليقيم هناك في قصر بناه في منطقة سيدي بوسعيد المطلة على البحر المتوسط والعاصمة التونسية. عني البارون بالموسيقى العربية في تونس بشكل خاص وأسهم في إحياء لون من الغناء والعزف يعرف بالمالوف وحين توفي عام 1932 كان قد ألف كتاباً من ستة أجزاء حول الموسيقى العربية نشر آخر أجزائه في خمسينات القرن الماضي. لكن إسهام الرجل في تطور المعرفة بالموسيقى العربية تجاوز ذلك إلى جمع ما تحول فيما بعد إلى متحف موسيقي مملوء بأنواع الآلات وصنوف المخطوطات، كما تجاوز ذلك إلى دعم انعقاد أول مؤتمر للموسيقى العربية في القاهرة في العام الذي توفي فيه وذلك بإقناع الملك فؤاد، ملك مصر آنذاك، بأهمية المؤتمر ودعمه له وإرسال فرقة من العازفين التوانسة. وما زال قصر ديرلانجير قائماً بعد أن تحول إلى متحف تولته الحكومة التونسية بالاسم الذي اختاره له وهو «النجمة الزهراء». إنما الواضح أن اهتمام ذلك الفرنسي بالموسيقى العربية أسهم في إحياء الاهتمام بها على المستويات العلمية والرسمية بتحويل العلاقة بالموسيقى والغناء من مجرد أداء وتأليف يقابله سماع واستمتاع إلى حقل من حقول المعرفة التي يعتنى بها في الوطن العربي فتؤلف فيه الكتب وتقام له المعاهد والمتاحف.
أحد مجايلي ديرلانجير هو هنري الآيرلندي جورج فارمر الذي ترك إسهاماً ضخماً في تطوير الاهتمام العلمي بالموسيقى. درس فارمر الموسيقى العربية في بريطانيا ورأس الوفد الإنجليزي إلى مؤتمر الموسيقى العربية المشار إليه، أي الذي انعقد في القاهرة عام 1932 إلى جانب مستشرقين من فرنسا وألمانيا. لقد قضى هذا الرجل جل حياته باحثاً ومؤلفاً في الموسيقى العربية ليترك نحو العشرين مؤلفاً في ذلك الموضوع كما يذكر جرجيس فتح الله في ترجمته لكتاب فارمر «تاريخ الموسيقى العربية حتى القرن الثالث عشر الميلادي» (بغداد: منشورات الجمل، 2015). لقد اشتغل فارمر على المخطوطات العربية في مكتبة البودليان بجامعة أكسفورد فعرّف بها ودارس كتابات الفارابي في الموسيقى كما ترجم القسم الخاص بالموسيقى من كتاب «العقد الفريد» ودرس الموسيقى في «ألف ليلة وليلة» إلى جانب دراسته للتأثير العربي على نظرية الموسيقى.
من الفنون الأخرى التي عني المستشرقون بدراستها وتوثيقها قبل عناية أهلها بها فنون الفولكلور وذلك نتيجة طبيعية لتطور العلوم المتصلة بذلك في الغرب فنجد متخصصين في الشعر باللهجات المحلية وكذلك بالفنون القولية والموسيقية والجسدية الأخرى كالألعاب والرقص والمحاورات الشعرية وما إلى ذلك. وكان الرحالة سباقين إلى رصد كل ذلك وتوفير المادة التي اشتغل عليها باحثون في الجامعات ومحللون في مراكز الدراسات. وتندرج ضمن ذلك دراسة فريدة أنجزتها باحثة اسكوتلندية حول تلاوة القرآن الكريم بعنوان «فن تلاوة القرآن» (نشرت بالإنجليزية عام 1985 ولم تترجم حسب علمي). تقول مؤلفة الدراسة كريستينا نلسن إنها رأت أنها أمام فن ضخم تجنب الباحثون المسلمون دراسته خوفاً من خلطه بالموسيقى لكنها وجدت على الرغم من ذلك كل الدعم في مصر من المؤسسات الجامعية والدينية والإعلامية ومن مشايخ القراء الذين اتصلت بهم. والحق أن الدراسة على قدر عال من الأهمية لمجال من مجالات الإبداع التي تملأ حياتنا ويتجنب باحثونا التعمق في أسرارها وتاريخها ومختلف جوانبها.
إن المحصلة من كل ذلك واضحة، فقد عني الاستشراق، مهما اختلفنا على طبيعته وأهدافه، عناية واضحة بجوانب من الثقافة كان لبعض المستشرقين فضل الريادة فيها. والفنون الموسيقية والأدائية المشار إليها ليست سوى بعض جوانب تلك العناية التي تحتاج إلى المزيد من الوقفات.



الصدام يتصاعد بين الممثلين والمنتجين بسبب «الأداء العلني» بمصر

الفنان ياسر جلال (حسابه على فيسبوك)
الفنان ياسر جلال (حسابه على فيسبوك)
TT

الصدام يتصاعد بين الممثلين والمنتجين بسبب «الأداء العلني» بمصر

الفنان ياسر جلال (حسابه على فيسبوك)
الفنان ياسر جلال (حسابه على فيسبوك)

تصاعدت حدة الصدام بين الممثلين المصريين من جهة وبين المنتجين من جهة أخرى حول تفعيل قانون «حق الأداء العلني»، وهو المقترح الذي تقدم به الفنان ياسر جلال، النائب بمجلس الشيوخ، للجنة الثقافة والإعلام بالمجلس خلال شهر مايو (أيار) الماضي.

وبينما دعم نجوم الدراما والنقابات الفنية الممثل والنائب ياسر جلال، رفض بعض المنتجين تفعيل «الأداء العلني»، وفي مقدمتهم أحمد السبكي الذي أكد في تصريحات أن «أي فنان يطالبه بهذا الحق لن يعمل معه».

ودعم نقيب الممثلين أشرف زكي، الاثنين، ياسر جلال عبر بيان وصف ما يفعله ياسر جلال بأنه «معركة نبيلة لإرساء قيم العدالة، وصون كرامة القوى الناعمة المصرية»، مؤكداً أن «أي أصوات معترضة أو مواجهات واهية، هي محض تأكيد على حيوية خطوته وعمق أثرها».

أشرف زكي نقيب الممثلين (حساب النقابة على فيسبوك)

فيما جاء في بيان تأييد نقابة السينمائيين لياسر جلال، الاثنين: «جهود مضنية تبذلونها، بدعم ومساندة النقابات الفنية تأكيداً على تحقيق أهدافها، والعمل على كفالة حقوق أعضاء النقابة في الأداء العلني، ورغم ما تحملته من مواجهات مغلوطة، فإنك ما زلت تدافع عن استحقاق لا يضر أو يخدم أي طرف على حساب آخر في منظومة العمل الفني».

الناقد الفني المصري سمير الجمل، أكد أن «حق الأداء العلني»، هو حق أصيل ومعروف من قديم الأزل في كثير من الدول، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «تضارب المصالح السبب وراء عدم تفعليه، لذلك لا بد من تدخل المؤسسات الثقافية الرسمية لحسم الأمر بآليات محددة».

وكشف سمير الجمل، أن ما يجري حالياً لا محل له من الإعراب، وجدل دون داع، لافتاً إلى أن المحامي عدلي المولد كان يناضل منذ أكثر من 30 عاماً من أجل هذا الموضوع، فمن غير المعقول عرض عمل لمئات المرات من دون مقابل، خصوصاً أن الأجور في الماضي لا تقارن بالفترة الحالية.

المنتج أحمد السبكي في اجتماع غرفة صناعة السينما (حساب الغرفة على فيسبوك)

ودعم عدد كبير من الفنانين ياسر جلال عبر حساباتهم الرسمية على «السوشيال ميديا» في معركته لتفعيل «حق الأداء العلني»، من بينهم سماح أنور التي أكدت أنه «ليس رفاهية بل اعتراف بقيمة الفنان، ويضمن حياة كريمة للفنانين وعائلاتهم أسوة بجميع دول العالم».

وكتب أحمد أمين: «(حق الأداء العلني) قانون قديم ومطبق في أغلب دول العالم»، مضيفاً: «أنا مع تفعيله، ولن يكون ضد الاستثمار أو المنتجين وأصحاب الأعمال».

وكتب طه دسوقي: «الحق ليس جديداً بل موجود في العالم كله»، بينما رد عليه المنتج هاني عبد الله في تعليق: «لا بد من تطبيقه بشكل صحيح وبأسس وقواعد، واجتماع بين المنتجين والنقابات وغرفة صناعة السينما لبحث تطبيقه بطريقة عملية وجماعية وليس بطرق فردية».

وأشار المنتج محمد حفظي في منشور له عبر «فيسبوك» إلى أن «هناك فجوة كبيرة بين الطرفين، كما أن بعض المنتجين لا يدركون أن مطالب الفنانين والمؤلفين، من حيث المبدأ مشروعة، إذا تم التوصل إلى مبادئ وآليات عادلة تنظم العلاقة بين جميع الأطراف».

جانب من اجتماع غرفة صناعة السينما (حساب الغرفة على فيسبوك)

وطالب حفظي بـ«حوار جاد بين جميع الأطراف، بدلاً من اتخاذ خطوات أحادية والاستعانة بالخبراء، والاطلاع على التجارب المطبقة في الأسواق العالمية، مع مراعاة خصوصية السوق المصرية».

وأكدت ليلى علوي أن «هذا الحق ليس رفاهية بل خطوة مهمة نحو حفظ حقوق الفنان وتقدير جهده وإبداعه، حيث بدأ كثير من الدول اتخاذ خطوات مهمة نحو تحقيقه».

بينما أكد الفنان يحيى الفخراني في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «تفعيل القانون هو أفضل شيء يمكن للدولة أن تقدمه للفنان»، لافتاً إلى أنه «بعد مشواره الفني الطويل سيكون مطمئناً على أولاده وكرامته، واسمه بعد الرحيل». وشكر الفخراني «كل من يساهم في تحقيق هذا الأمل».

يحيى الفخراني وياسر جلال على خشبة المسرح القومي (حساب ياسر جلال على فيسبوك)

وأكد الفنان المصري شيكو في برنامج «الحكاية»، مع عمرو أديب، الاثنين، أن «تفعيل الأداء العلني حق مشروع للفنانين، ومن المفترض تطبيقه في مصر، وليس له علاقة بالمنتج، بل هو اتفاق بين الممثل وورثته عند عرض العمل على أي وسيط فني»، بينما كتب باسم سمرة: «نعم لـ(حق الأداء العلني)، ولا للبلطجة على الفنانين».

بدوره، أكد الناقد الفني المصري عماد يسري أن «القانون مفعل في العالم كله، لكنه لا يطبق في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن السبب في الوسائط الفنية التي ترفض تنفيذه، باتفاق ومساومات مع المنتجين»، ووصف الناقد الفني ما يحدث بأنه «إرهاب لحقوق فناني الأداء».

وقبل أيام، أكد بيان غرفة صناعة السينما أن «المنتج هو من يتولى إنتاج الشريط ويتحمل مسؤوليته، وأن المنتجين داعمون لأعضاء النقابات الفنية، ولكن لا إلزام عليهم بالتعامل مع نماذج عقود موحدة معدة من أي جهة أو كيان».

كما أصدرت نقابة السينمائيين، وكذلك «الممثلين»، و«جمعية مؤلفي الدراما»، و«جمعية أبناء الفنانين» بياناً صحافياً، حول ما أثير بشأن «حق الأداء العلني»، مؤكدين تمسكهم بـ«تفعيل قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة، حفاظاً على حقوق وكرامة الفنان».

وأشار البيان إلى أن بيان «غرفة صناعة السينما» «تضمن تفسيرات وتأويلات تهدف إلى تفكيك وحدة العاملين في مجال الدراما، خصوصاً أن تفعيل القانون لن يضر أو يتعارض مع المنتجين».


فوائد صحية غير متوقعة للانخراط في الأنشطة الثقافية

المشاركة المنتظمة في الأنشطة الثقافية تدعم الصحة والرفاهية (جامعة ليدز)
المشاركة المنتظمة في الأنشطة الثقافية تدعم الصحة والرفاهية (جامعة ليدز)
TT

فوائد صحية غير متوقعة للانخراط في الأنشطة الثقافية

المشاركة المنتظمة في الأنشطة الثقافية تدعم الصحة والرفاهية (جامعة ليدز)
المشاركة المنتظمة في الأنشطة الثقافية تدعم الصحة والرفاهية (جامعة ليدز)

كشفت دراسة يابانية أن المشاركة المنتظمة في الأنشطة الثقافية، مثل الذهاب إلى السينما أو المسرح أو المتاحف، قد تسهم في الحد من التدهور الوظيفي المرتبط بالتقدم في العمر، ما يعزز فرص التمتع بشيخوخة أكثر صحة.

وأوضح الباحثون، من معهد طوكيو للعلوم، أن النتائج تدعم إدراج الأنشطة الثقافية ضمن برامج الصحة العامة الموجهة لكبار السن، باعتبارها عنصراً داعماً للصحة والرفاهية. ونُشرت نتائج الدراسة، الثلاثاء، في دورية «Journal of Epidemiology and Community Health».

ويُعد التقدم في العمر عملية طبيعية لا يمكن تجنبها، إلا أن وتيرة الشيخوخة تختلف من شخص لآخر. ويشير العمر الفسيولوجي إلى كفاءة وظائف الجسم، وقد يكون أقل أو أكبر من العمر الزمني، تبعاً للحالة الصحية وأسلوب الحياة. ورغم أن دراسات سابقة ربطت بين المشاركة في الأنشطة الثقافية وتحسن الصحة العامة والرفاهية لدى كبار السن، فإن الدراسة الحالية تُعد الأولى التي تتابع المشاركين لسنوات بهدف فحص العلاقة بين هذه الأنشطة والعمر الفسيولوجي، مع مراعاة العوامل التي قد تؤثر في النتائج.

واعتمد الباحثون على بيانات 1899 شخصاً تبلغ أعمارهم 50 عاماً فأكثر، شاركوا في دراسة سكانية طويلة الأمد لرصد صحة كبار السن. وقاس الفريق 10 مؤشرات فسيولوجية شملت ضغط النبض، وضغط الدم الانبساطي، ووظائف الرئة، وتركيز الهيموغلوبين، ومستويات الفيبرينوجين، والهيموغلوبين السكري، وكوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة (LDL)، ومؤشر كتلة الجسم، وقوة قبضة اليد، وسرعة المشي، ثم جمعها في مؤشر موحد لتقدير العمر الفسيولوجي.

كما قيّم الباحثون مستوى المشاركة الثقافية عبر استبيان تناول معدل ارتياد المشاركين للسينما، والمتاحف أو المعارض الفنية، والمسرح أو الحفلات الموسيقية أو الأوبرا، ومنحوا كل مشارك درجة تعكس مدى انتظام مشاركته في هذه الأنشطة.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين شاركوا في أنشطة ثقافية كل بضعة أشهر أو أكثر بلغ متوسط عمرهم الفسيولوجي 66.9 عام، مقابل 69.9 عام لدى الأقل مشاركة، بفارق يقارب 3 سنوات. كما بينت التحليلات الإحصائية أن كل زيادة بمقدار نقطة واحدة في مؤشر المشاركة الثقافية ارتبطت بانخفاض العمر الفسيولوجي بما يعادل نحو 31 يوماً، حتى بعد أخذ عوامل مثل الدخل، والعمل، والإصابة بالأمراض المزمنة في الحسبان.

تفوق نسائي

ولاحظ الباحثون أن المشاركين الأكثر انخراطاً في الأنشطة الثقافية كانوا في الغالب من النساء، ويتمتعون بمستوى اجتماعي واقتصادي أعلى، وأكثر احتمالاً للعمل، فضلاً عن تمتعهم بحالة صحية أفضل. ويرجح الفريق أن المشاركة في الأنشطة الثقافية قد تساعد في الحفاظ على وظائف الجسم من خلال تعزيز العلاقات الاجتماعية، وتحسين الصحة النفسية، وتشجيع أنماط الحياة الصحية، وهي عوامل ترتبط بإبطاء الشيخوخة الفسيولوجية.

وأكد الباحثون أن الدراسة رصدية؛ لذلك لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة؛ إذ قد يكون الأشخاص الذين يتمتعون بصحة أفضل أكثر قدرة على حضور الأنشطة الثقافية. ومع ذلك، أشاروا إلى أن المشاركة الثقافية تمثل عاملاً يمكن تعزيزه من خلال السياسات العامة، وقد تكون وسيلة فعالة ومنخفضة التكلفة لدعم الشيخوخة الصحية، لافتين إلى أن تأثيرها المحتمل قد يقترب من فوائد ممارسة النشاط البدني بانتظام. كما دعوا إلى تحسين فرص الوصول إلى الفعاليات الثقافية وإجراء مزيد من الدراسات للتحقق من تأثيرها طويل الأمد في الصحة والشيخوخة.


أدوار لا تنسى للممثل الراحل سام نيل

سام نيل في «الحديقة الجوراسية» للمخرج ستيفن سبيلبيرغ (آي إم دي بي)
سام نيل في «الحديقة الجوراسية» للمخرج ستيفن سبيلبيرغ (آي إم دي بي)
TT

أدوار لا تنسى للممثل الراحل سام نيل

سام نيل في «الحديقة الجوراسية» للمخرج ستيفن سبيلبيرغ (آي إم دي بي)
سام نيل في «الحديقة الجوراسية» للمخرج ستيفن سبيلبيرغ (آي إم دي بي)

كان الممثل سام نيل -الذي توفي يوم الاثنين عن عمر ناهز 78 عاماً- ممثلاً غزير الإنتاج، إذ شارك في أكثر من 150 فيلماً وعملاً تلفزيونياً على مدار خمسة عقود. وُلد نيل في آيرلندا الشمالية ونشأ في نيوزيلندا، وتميز بقدرته على توظيف جاذبيته ذات الطابع الخشن (ولكنته الفريدة) في أدوار متنوعة شملت أفلام الحركة (الأكشن) الضخمة وأفلام الرعب الكلاسيكية التي تحظى بشعبية وجماهيرية واسعة. وفي تصريح لصحيفة «شيكاغو تريبيون» عام 1995، قال نيل: «لم تكن لدي صورة نمطية محددة، ولم أسعَ يوماً لخلقها أو امتلاكها؛ مما منحني حرية هائلة في اختيار ما يروق لي في أي وقت». وتلك الروح المفعمة بالفضول والمرونة هي التي لازمته طوال مسيرته المهنية.

فيما يلي قائمة ببعض أبرز أعماله التي لا تُنسى.

فيلم «الحديقة الجوراسية» (1993)

انطلق نيل نحو النجومية بفضل أدائه لشخصية عالم الحفريات الدكتور آلان غرانت -الواقعي والمشاكس المحبب- في فيلم «الحديقة الجوراسية» (Jurassic Park)؛ وهو العمل الذي حقق نجاحاً عالمياً ساحقاً للمخرج ستيفن سبيلبيرغ، وكان بمثابة انطلاقة لواحدة من أكثر سلاسل الأفلام استمراراً ونجاحاً في تاريخ هوليوود. في هذا الفيلم الذي يتمحور حول المخلوقات الضخمة والمقتبس عن رواية لمايكل كرايتون، شارك نيل البطولة كل من لورا ديرن، وجيف غولدبلوم، وريتشارد أتينبورو، وصامويل إل جاكسون؛ وهي مجموعة متنوعة من الشخصيات اجتمعت لتقييم حديقة ترفيهية سرية للغاية، أُعيد فيها إحياء الديناصورات لأغراض علمية «نظرياً»، ولكن بهدف تحقيق الربح في المقام الأول. وحينما تسوء الأمور وتخرج عن السيطرة، يجد هؤلاء أنفسهم مضطرين للنجاة بحياتهم والهروب من تلك الوحوش التي تعود لعصور ما قبل التاريخ.

وقد عاد نيل لاحقاً لتجسيد الشخصية ذاتها في فيلمي «الحديقة الجوراسية 3» (2001) و«العالم الجوراسي: الهيمنة» (2022). وفي تصريح لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2022، قال نيل: «غالباً ما تُعرف أفلام «الحديقة الجوراسية» بأنها أفلام ديناصورات، لكن إذا لم تكن مهتماً بالشخصيات البشرية، فلن تنجح هذه الأفلام. فالديناصورات تلعب أدواراً ثانوية، وإن كانت أدواراً مذهلة».

فيلم «إيفينت هورايزن» (Event Horizon) 1997

وظّف نيل مواهبه في رحلة إلى الفضاء الخارجي ضمن هذا الفيلم الذي يمزج بين الخيال العلمي والرعب ويحمل طابعاً يثير الذهول؛ وهو من إخراج بول دبليو. إس. أندرسون. ورغم أن الفيلم مُني بفشل تجاري ونقدي عند طرحه -إذ كتب ناقد نيويورك تايمز أن أندرسون «يُغرق كل مشهد تقريباً بمؤثرات بصرية مبهرجة في محاولة عقيمة للتغطية على فقر المضمون الفكري»- فإنه تحول لاحقاً إلى عمل كلاسيكي يحظى بتقدير كبير لدى شريحة واسعة من الجماهير.

تدور أحداث الفيلم في عام 2047، حيث يلعب نيل دور «الدكتور وير»، وهو عالم مختل عقلياً فقد زوجته التي انتحرت مؤخراً. يُستدعى «وير» للمشاركة في مهمة إنقاذ سرية للعثور على سفينة الفضاء «إيفنت هورايزن» (Event Horizon) - وهي سفينة صممها بنفسه وفُقدت قبل سنوات خلال رحلتها الأولى، قبل أن تظهر فجأة وبشكل غامض بالقرب من كوكب نبتون. وكان «وير» قد جهّز السفينة بجهاز مغناطيسي لطيّ الفضاء، يتيح قطع مسافات شاسعة في لمح البصر. لم يكن أعضاء المهمة يدركون أن السفينة قد وقعت تحت سيطرة قوة واعية وشريرة، ستشرع قريباً في ممارسة إرهاب نفسي ضدهم. ويُعد أداء نيل -الذي جسّد شخصية رجل محطم تحول إلى تجسيد للشر المطلق، في تحول جذري ومذهل يبتعد تماماً عن شخصية «الدكتور غرانت» الرصينة والموثوقة التي قدمها في فيلم «Jurassic Park»- أداءً صادماً، بل وأسطورياً في نظر عشاق هذا النوع من الأفلام.

في فيلم «صيد أكتوبر الأحمر» (آي إم دي بي)

فيلم «صيد أكتوبر الأحمر» (The Hunt for Red October) 1990

قبل بضع سنوات من تحقيقه نجاحاً جماهيرياً ساحقاً، شارك نيل في بطولة فيلم الإثارة والتجسس هذا -الذي تدور أحداثه حول الغواصات إبان الحرب الباردة- إلى جانب كل من شون كونري، وأليك بالدوين، وسكوت غلين، وجيمس إيرل جونز. الفيلم مقتبس عن رواية للكاتب توم كلانسي ومن إخراج جون مكتيرنان.

يؤدي نيل دور القائد السوفياتي «بورودين» -وهو شخصية مثالية تتسم بوقار هادئ- بصفته الرجل الثاني بعد القائد «ماركو راميوس» (الذي لعب دوره شون كونري). ويقود راميوس تمرداً على متن الغواصة «أكتوبر الأحمر»، وهي غواصة مجهزة بصواريخ تكفي لتدمير معظم المدن الأميركية الكبرى، فضلاً عن تزويدها بنظام تقني متطور للغاية يتيح لها الإفلات من الرصد. ولعل أبرز ما يُذكر عن أداء نيل -الذي جسّد شخصية الضابط المخلص لرفيقه حتى الرمق الأخير- هو إلقاؤه لما يُعد ربما أكثر عبارات الفيلم رسوخاً في الذاكرة: «كنت أود رؤية مونتانا».

من فيلم «في فم الجنون» (آي إم دي بي)

فيلم «في فم الجنون» (In the Mouth of Madness) (1995)

يُعد هذا الفيلم الجزء الثالث والأخير مما أطلق عليه المخرج جون كاربنتر اسم «ثلاثية نهاية العالم» (Apocalypse Trilogy)، والتي سبقتها أفلام «الشيء» (The Thing) عام 1982 و«أمير الظلام» (Prince of Darkness) عام 1987. يلعب الممثل نيل دور «جون ترينت»، وهو محقق تأمين يتسم بالغطرسة والتشكيك، يُكلَّف بمهمة العثور على الكاتب الشهير «ساتر كين» -مؤلف قصص الرعب الذي يحاكي أسلوب ستيفن كينغ- بعد اختفائه مؤخراً. في هذه القصة التي تستكشف موضوعات تتعلق بحدود الواقع وقوة وسائل الإعلام الجماهيرية، نجد أن قراء «كين» يصابون بالجنون بشكل متزايد نتيجة تأثرهم بأسلوبه القصصي. لا يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى يبدأ «ترينت» في فقدان توازنه العقلي مع تغلغل هذه الظاهرة الغريبة في كيانه؛ مما يتيح للممثل نيل فرصة أخرى لاستعراض قدرته الفائقة على الانتقال بالشخصية من نقيض إلى نقيض - وهو أداء يبعث على القشعريرة والرهبة، على غرار ما قدمه في فيلمي «أفق الحدث» (Event Horizon) و«البيانو» (The Piano).

شارك سام نيل في موسمين من مسلسل «بيكي بلايندرز» (آي إم دي بي)

مسلسل «بيكي بلايندرز» (Peaky Blinders) (2013-2014)

في مسلسل درامي تاريخي من إنتاج هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) يدور حول عالم العصابات في أوائل القرن العشرين، لعب نيل دور المفتش «تشيستر كامبل» خلال الموسمين الأولين من المسلسل الذي امتد لستة مواسم. يُجسّد نيل شخصية «كامبل»، وهو شرطي بروتستانتي من أيرلندا الشمالية يُرسَل لفرض النظام في مدينة برمنغهام الإنجليزية، حيث يواجه «تومي شيلبي» (الذي يؤدي دوره كيليان مورفي)؛ تلك الشخصية الغامضة والخطيرة التي تتزعم عائلة «شيلبي» الإجرامية. وقد كتب الناقد مايك هيل عن الموسم الأول للمسلسل قائلاً: «يتمحور العمل في الغالب حول التناقض بين طبع شيلبي المتقلب والآسر -حيث تلعب عينا مورفي المميزتان دوراً محورياً في التعبير عن ذلك- وبين التعصب الأخلاقي الصارم لدى كامبل». وفي عام 2012، استذكر نيل كيف طُلب منه تخفيف حدة لهجة أيرلندا الشمالية، نظراً لأن المسلسل كان موجهاً للسوق الأميركية. وصرح لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) قائلاً: «طلب مني المنتجون ألا تكون لهجتي قوية للغاية لضمان سهولة فهمي من قبل الجمهور، لكن لهجة آيرلندا الشمالية بحد ذاتها صعبة للغاية». وأضاف: «ربما كانت لدي تلك اللهجة يوماً ما، لكنها تلاشت تماماً بفعل الاحتكاك مع أقراني في ساحات اللعب بنيوزيلندا؛ فلم يعد لها أي أثر الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز»