الهند ولعبة التوازنات بين روسيا والولايات المتحدة

العلاقات مع واشنطن تعكس طموحاً... والروابط مع موسكو حقيقة صعبة

تيلرسون قبل توجهه إلى دلهي مع رئيس الوزراء الباكستاني في إسلام آباد (أ.ب)
تيلرسون قبل توجهه إلى دلهي مع رئيس الوزراء الباكستاني في إسلام آباد (أ.ب)
TT

الهند ولعبة التوازنات بين روسيا والولايات المتحدة

تيلرسون قبل توجهه إلى دلهي مع رئيس الوزراء الباكستاني في إسلام آباد (أ.ب)
تيلرسون قبل توجهه إلى دلهي مع رئيس الوزراء الباكستاني في إسلام آباد (أ.ب)

لا يحدث كل يوم أن يلقي وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خطابا يحدد فيه على الملأ ملامح السياسة الخارجية لإدارة ترمب وأسلوب تعاملها مع جنوب آسيا. لكن هذا بالتحديد ما حدث قبل أيام من زيارته المرتقبة إلى دلهي، حين تطرق إلى أن واشنطن تعقد الآمال على الهند في مواجهة الصين بمنطقة المحيطين الهندي والهادي. ومن المقرر أن يقوم تيلرسون بزيارة إلى نيودلهي الأسبوع المقبل.
ففي الكلمة التي ألقاها في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية والأبحاث» بواشنطن، أعلن تيلرسون أن العلاقات الوثيقة مع الهند ستمثل أولوية للولايات المتحدة على مدار المائة عام المقبلة. فبعدما كانا ديمقراطيتين متباعدتين في زمن الحرب الباردة، اليوم أصبحت الهند والولايات المتحدة، وفق تيلرسون، «تمثلان ضفتي الاستقرار على جانبي العالم بدفاعهما عن الأمن والرخاء لمواطنيهما وللناس بمختلف أنحاء العالم». وقال باراث غوبالسوامي، الذي يعمل لدى «ذا أتلانتك كاونسل» (أو المركز الأطلسي) بواشنطن في تعليقات لـ«نشرة السياسة الخارجية»: «أعتقد أنه (خطاب حب)، فهو يشير إلى شراكة بالغة القوة».
كذلك تناولت كلمات تيلرسون الصين التي تعد المنافس الاستراتيجي للهند، وتحديدا مشروع بكين الأكبر الذي يحمل اسم «حزام واحد وطريق واحد» والمقرر أن يستوعب استثمارات ضخمة في وسط وجنوب آسيا لربط الصين بأوروبا عن طريق البر والبحر. وبحسب أنكيتت باندا الذي يكتب بمجلة «ديبلومات»، التي تتخذ من لندن مقرا لها، فهذه «المرة الأولى التي بدأنا نرى فيها بصيص ضوء لاستراتيجية آسيا من إدارة ترمب، القائمة على مواجهة مبادرة (حزام واحد)، التي شرعت الصين في تنفيذها منذ 4 سنوات. فنيودلهي تتابع الأمر مع واشنطن. وعلينا أن نتذكر أن التصريح المشترك الذي صدر عن ترمب ورئيس الوزراء الهندي مودي الصيف الحالي تضمن رفضا ضمنيا للمبادرة الصينية».
ومن المهم هنا أن نذكر أن سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، ذكرت منذ أيام معدودة أن الهند بمقدورها مساعدة الولايات المتحدة في مراقبة باكستان، لأن الولايات المتحدة لن تتسامح مع أي حكومة تدعم الإرهاب.

- الهند تقترب من روسيا أيضاً
وفي إشارة سياسية قوية إلى أن العلاقات الثنائية بين الهند وروسيا حاليا أقوى من أي وقت مضى، فقد شرعت روسيا في تنفيذ أول تدريباتها العسكرية المشتركة التي تضم قواتها البرية والبحرية والجوية، مع الهند، في مناورات بدأت الأسبوع الماضي وتستمر 11 يوما في 3 مواقع داخل وحول مدينة فولدفوسيك الروسية المتاخمة للصين. وصرح السفير الروسي لدى الهند أليكساندر كداكين، بأن روسيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي منحت الهند غواصة نووية. لكن لماذا تستمر الهند في احتضان روسيا رغم أن الولايات المتحدة تقف في صفها؟
يقول الخبراء إن الهند تريد أن توازن علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة وروسيا. ففي السنوات الأخيرة، تقاربت الهند مع الولايات المتحدة واليابان، ويقال إن الهند رفعت من معدل واردات الأسلحة الأميركية وإنها جعلت الولايات المتحدة تحل محل روسيا، بوصفها أكبر مورد لأسلحتها. وتساءل البعض في الهند عما إذا كانت العلاقات بين نيودلهي وواشنطن قد تمثل خطرا على العلاقات بين نيودلهي وموسكو. فالهند تسعى إلى تعزيز نفوذها الإقليمي من خلال التدريبات المشتركة مع روسيا. ومع زيادة حدة التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا، فالهند تعد الهدف المشترك الذي يسعى هذان القطبان إلى كسب وده. فالولايات المتحدة واليابان عملا على تعزيز التعاون مع الهند في مجال الأمن البحري، وكذلك ساهمت التدريبات مع روسيا في تعزيز وجود الهند العسكري في شمال شرقي آسيا. وفي المستقبل ربما يكون للهند مكان في العلاقات مع دول شمال شرقي آسيا، وتقحم نفسها في أزمة كوريا الشمالية النووية.
وقال دبلوماسي هندي طلب عدم ذكر اسمه: «لقد حرصت روسيا على استمرار علاقاتها مع الهند لعقود طويلة، لكن الولايات المتحدة هي المكان الذي يهاجر إليه الهنود سعيا لحياة أفضل. وهذه هي الطريقة التي ينظر بها الهنود إلى القوتين العظميين؛ الأمر بتلك البساطة».

- دورها في أفغانستان
الهند تعمل أيضا مع واشنطن وموسكو لإعادة الاستقرار إلى أفغانستان، على الرغم من محاولات باكستان عرقلة المشروعات التي تدعمها دلهي. وفي بداية الشهر الحالي، كانت هناك اتصالات هندية - أميركية، وهندية - روسية، بشأن أفغانستان، فوزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس والمبعوث الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأفغانستان، زمير كابلوف، كلاهما وصل إلى دلهي لاستكشاف أفق التعاون الثنائي والإقليمي بشأن أفغانستان والإجراءات الممكنة لإعادة الاستقرار والأمن في هذه الدولة. كذلك صرح تيلرسون في خطابه بأن الهند وباكستان، مثلا، عنصران مهمان في الجغرافيا السياسية الأفغانية، وكلتاهما أوحت بتغيير في المسار، في اتجاه مخالف لموقف واشنطن التقليدي؛ التغيير الذي يقول إن تحسن العلاقات الهندية - الباكستانية ستكون له نتائجه الإيجابية على أفغانستان.
وبحسب روي تشاودري، الباحث في «مركز الشرق الأدنى للدراسات الاستراتيجية» التابع لـ«جامعة الدفاع الوطنية» الهندية، فقد مثلت الاستراتيجية الأميركية بشأن أفغانستان فرصة للهند. وأضاف تشاودري: «لم يحدث أن تحدث رئيس أميركي سابق عن باكستان بمثل الحدة التي تحدث بها ترمب»، مضيفا: «وللمرة الأولى، فقد دعا رئيس أميركي الهند علانية لأن تلعب دورا أكبر في تنمية اقتصاد أفغانستان، مما يعطي شرعية لنفوذ الهند في تلك الدولة».

- نشاط مودي في العلاقات الخارجية
فضلت حكومة مودي التقارب الودي بين الرئيس ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
الفئات الموالية لرئيس الوزراء الهندي تزعم أن التدخل الشخصي النشط لمودي على جبهة العلاقات الخارجية هو السبب وراء تحسن العلاقات الثنائية المتنامية حاليا. وخلال السنوات الثلاث الماضية، قضى مودي 146 يوما خارج البلد؛ زار خلالها 49 دولة، منها 8 دول زارها مرتين، و4 دول 3 مرات، وزار الولايات المتحدة وحدها 5 مرات.
وبمقدور الهند أن تنتعش في ظل علاقات أميركية - روسية فاترة، وكذلك في ظل علاقة دافئة بين ترمب والرئيس الصيني، ما دامت واشنطن لا تطالب الهند بالتوقف عن التقارب مع روسيا.
وصرح باهرات كرناد، أستاذ دراسات الأمن القومي في «مركز الأبحاث السياسية» في دلهي، بأن «العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة تعكس طموحا، فيما تعد الروابط مع روسيا حقيقة صعبة». وأفاد المبعوث الهندي السابق لروسيا كانوال سيبال، بأن أمام الهند تحديا دبلوماسيا يتمثل في المحافظة على التوازن بين علاقاتها مع روسيا ومع الولايات المتحدة. وأفاد سيبال بأن «علاقات الدفاع الهندية مع الولايات المتحدة تلبي احتياجاتها في مجالات لن تستطيع روسيا تلبيتها. فالصين تستطيع أن تلعب دورا في الحد من طموحات الهند في مناطق المحيط الهادي والمحيط الهندي، وهو ما لا تستطيع روسيا فعله». وأضاف: «علاقة بلادنا مع الولايات المتحدة تحسنت بدرجة كبيرة في الوقت الذي توترت فيه العلاقات الروسية - الأميركية. فروسيا ينتابها بعض الشك بشأن علاقاتنا مع الولايات المتحدة، خصوصا اعتداءها على قطاع الأمن الهندي، وهو ما يرى الروس أنه جاء على حسابهم. وأمامنا تحدٍّ دبلوماسي يتمثل في المحافظة على توازن علاقاتنا مع روسيا وأميركا»، بحسب سيبال. وشدد على أن الهند تشترك في كثير من الأهداف مع روسيا فيما يخص شمولية الهيمنة الدولية، وإصلاح المؤسسات المالية الدولية، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الدولية للدول واستخدام الديمقراطية ذريعة لزعزعة استقرار الدول.
وعلق الخبير الأميركي آشلي تيليس في محور حديثه عن العلاقات الهندية - الروسية بأن الهند ستحافظ على علاقاتها مع روسيا «بمعزل عن الولايات المتحدة»، حيث تتطلع موسكو إلى تقديم قدرات وتكنولوجيا بالغة التطور لن تقدمها الولايات المتحدة. وما يثير الاهتمام أن الهند تستعد في العام الحالي للاحتفال بمرور 70 عاما على بداية العلاقات مع روسيا والولايات المتحدة.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.