«كارتييه» تنقل بريقها الباريسي إلى نيويورك وتخلف أصداء مدوية فيها

«كارتييه» تنقل بريقها الباريسي إلى نيويورك وتخلف أصداء مدوية فيها

تستعرض إرثها وتطورها عبر معرض مفتوح للعامة وعدد غير مسبوق من المجوهرات الرفيعة
الخميس - 29 محرم 1439 هـ - 19 أكتوبر 2017 مـ رقم العدد [14205]
نيويورك: جميلة حلفيشي
علاقة الحب التي تربط الولايات المتحدة الأميركية بالأناقة الفرنسية لا تزال حية لم تتأثر بتذبذبات السوق ولا تغيراته بل بالعكس زادت بريقا في الأسبوع الماضي بفضل «كارتييه». فقد قررت الدار أن تحتفل بمجموعتها الجديدة من المجوهرات الرفيعة «ريزونونس دو كارتييه» في مقرها بنيويورك من خلال حفل ضخم ومعرض مفتوح للعامة يضم نحو 500 قطعة من مجوهراتها الرفيعة في سابقة غير معهودة.

المعرض غير تقليدي على الإطلاق من ناحية أنه مفتوح للعامة، أي لأشخاص تنطبق عليها مقولة: «العين بصيرة واليد قصيرة». لكن الدار، التي ارتبطت تاريخياً بالملوك والمهاراجات والقياصرة والنجوم قررت أن تنزل من بُرجها العاجي لتُدخل العامة عالمها الزاخر بالبريق والتاريخ ودعوتهم للغوص في أرشيفها لأول مرة تقريبا، وإن كان لا بد من التنويه هنا أن «العملية لا علاقة لها بتمجيد الماضي بقدر ما هي نابعة من نظرة مستقبلية تستهدف استقطاب شرائح أكبر من الزبائن وإدخالهم إلى عالمها الخاص» حسب ما قاله أرنو كاريز، مدير التسويق العالمي والاتصالات بالدار. وأضاف: «يمكن القول إن المعرض مفتوح على مصراعيه للكل لكي يدخلوا عالم كارتييه بكل ما يتضمنه من سحر وجمال وإبهار».

يوافقه الرأي بيير رينيرو، مدير الصورة والأسلوب والتراث في كارتييه، مشيرا إلى أن كون اليد قصيرة لا يعني أن العين لا تقدر الجمال وتستمتع بفنونه، و«أكبر دليل على هذا أن الزائر إلى أي متحف فني قد يعشق كل اللوحات ويُعجب بها لكنه لا يشعر بضرورة اقتنائها بل قد لا يخطر الأمر على باله. فهي رائعة كفن يغذي العقل والحواس، وهنا يكمن جمالها... ففي اللحظة التي نتوقف على التعامل مع الفن من هذا المنظور سنتوقف عن زيارة المتاحف بحجة أن اللوحات المعروضة باهظة الثمن». يتابع: «المجوهرات الرفيعة لها التأثير نفسه على العين والقلب. فهي الأخرى تُغني الحواس وتدغدغها كما تفتح للمخيلة آفاقا جديدة تأخذنا إلى عوالم بعيدة وحالمة». لهذا يمكن القول إن المعرض الذي تقيمه الدار في مبناها بنيويورك يسلط الضوء على تاريخها وثقافتها كجزء من إشراك الآخر وإدخاله عالم الترف الذي صاغته بأجود أنواع الأحجار وأجمل التصاميم. «نعم قد لا يكون بمقدور الأغلبية شراء قطعة من هذه المجوهرات الرفيعة إلا أن مفعولها في خلق إحساس بالاعتزاز والفخر بقدرات الإنسان ورغبته المحمومة في الابتكار والتميز لا يخيب. على الأقل سيتعرف الزائر عن قرب على كيف يدفع الإنسان بسقف الابتكار والإبداع إلى أقصى حد».

ما تعرفه «كارتييه» وغيرها من صناع الترف أن الزمن تغير. والأسواق المترامية في كل أنحاء العالم باتت تتطلب لغة جديدة واستراتيجيات تتماشى مع إيقاع العصر. لهذا ورغم أن تصاميم «كارتييه» لا تتوقف عن إثارة الحلم وتأجيجه منذ عام 1847 فإن تجميل صورتها وتقريبها من الجيل الجديد إضافة مرغوب فيها بغض النظر عن الوسيلة. طبعا المعرض إحدى هذه الوسائل إلى جانب الافتتاحات الضخمة والحفلات الباهرة. فهذه لها تأثير كبير لا سيما إذا كانت بضخامة الحفل الذي نظمته الدار في الأسبوع الماضي واستضافت فيه شخصيات من كل أنحاء العالم من بينهم نجمات من مثيلات صوفيا كوبولا، كاري موليغان، دايان غروغر، مارثا ستيورات وهلم جرا. هذه الضجة الإعلامية مهمة لأنها جزء من لغة العصر، تفتح حوارات فكرية وتفتح العيون على تاريخ الدار وإرثها لجيل ولد بعد إصدار ساعة «تانك» أو مجموعة «توتي فروتي» وغيرها. بيد أن التصاميم وقوتها الإبداعية تبقى أهم ما في العملية حسب رأي بيير رينيرو. فهو يشرح أن إحدى مهامه في الدار هي الإبقاء على «شعلة الحلم ملتهبة للأبد، سواء بالتشجيع على الابتكار من دون قيود أو البحث عن أجود أنواع الأحجار وأكثرها ندرة من حيث الصفاء والوزن والألوان أو فتح حوارات فنية وفكرية مع الآخر».

ما يعرفه هو وغيره من صناع الترف أن البقاء لم يعد ممكنا سوى للأقوى. والأقوى هنا كل من يتمتع بإرث عريق نجح في تطويره عوض الاستكانة لأمجاد الماضي. وهذا ما يشير إليه رينيرو بقوله: «نحن ندين بنجاح الدار إلى حركتها الدائمة. فهي لا تتبنى عملية التطور فحسب بل تسهم فيها. نحن الآن نعيش مرحلة مهمة نحتفل فيها بـ170 عاما من التاريخ، وهذا أمر لا يستهان به ومع ذلك فإن همي الأول ليس الحفاظ على الماضي وتقديسه بقدر ما هو توظيفه لخدمة الحاضر والمستقبل واستعماله كنقطة انطلاق لا أكثر ولا أقل».

وهذا ما أكدته المجموعة الأخيرة Resonances de Cartier وتعني ترجمتها الحرفية «أصداء كارتييه».

مجموعة مجوهرات رفيعة نجحت منذ اليوم الأول من عرضها في خلق أصداء تتراقص على صخب الألوان وبريق الأحجار وأناقة التصاميم. اسمها كان كافيا لشرح أهداف الدار منها: أن تشع أحجارها الكريمة وشبه الكريمة وتتردد أصداؤها إلى الأبد. احتفاليتها بالمجموعة لم تكن استكشافا لتلك العلاقة الوطيدة التي تربطها بالجمال والترف فحسب بل أيضا لعلاقة تربطها بسوق مهمة منذ أكثر من قرن من الزمن. وهذا هو سبب اختيارها نيويورك، الذي يجسد مبناها فيه هذه العلاقة الطويلة والحميمة. فهو يقع على ناصية «فيفث أفينيو» ويمتد عمره إلى مائة عام. ورغم أن ترميمه وتجديده استغرق أكثر من عامين فإنه لا يزال يعبق بروح الزمن الجميل. والحقيقة أنه لو كان لجدرانه لسان لباح لنا بعدة أسرار وحكايا، من الحفلات التي كان يشهدها إلى قصة اقتنائه من قبل دار «كارتييه». قصة مثيرة بكل تفاصيلها تُعطي الانطباع أنها سيناريو لفيلم هوليوودي لولا الوثائق المتوفرة في الأرشيف. تقول القصة إن نيويورك شهدت في بداية القرن العشرين عدة تغيرات، من ظهور السيارات ومزاحمتها العربات التي تجرها الأحصنة إلى تغيرات اقتصادية واجتماعية أخرى. كان شارع «فيفث أفينيو» حينذاك مرتعا للطبقات الثرية ومقر سكناهم؛ إذ لم تكن توجد به محلات تجارية كما هو الحال الآن. في هذه الفترة وصل بيير كارتييه إلى نيويورك حاملا معه عبق الجمال والترف الباريسي. لم يكن مغمورا فقد سبقته سُمعته كمصمم الملوك والقياصرة والمهاراجات، لكنه كان طموحا وطماعا للمزيد. بعد فترة وجيزة شعر أن الصالون الذي كان يستقبل فيه الزبونات الثريات لم يعد يتسع لهن وبأن الدار باتت تستحق ما هو أكبر بكثير. وكان له ما أراد عندما وقعت مايزي بلانت، زوجة الملياردير مورتن بلانت وصاحبة المبنى في غرام قلادة مرصعة باللؤلؤ من تصميم الدار. كان اللؤلؤ في ذلك الوقت أغلى من الماس، نظرا لنُدرته. فاللؤلؤ الاصطناعي لم يكن قد ظهر بعد. لعب الحظ، أو ربما القدر، دوره عندما رفض زوج مايزي أن يشتري لها القلادة وهو ما نتجت عنه عملية مقايضة بينها وبين بيير كارتييه. سلمته البناية مقابل حصولها على العقد إضافة إلى مائة دولار وهو ما لباه بيير من دون أن يتردد دقيقة واحدة. فقد أدرك بحسه التجاري أن المبنى وموقعه مناسبان جدا لتجسيد رؤيته المستقبلية في الولايات المتحدة. قدرت صحيفة «نيويورك تايمز» سعر القلادة آنذاك بمليون دولار بينما البناية بـ925.000 دولار.

هذه القصة المثيرة إلى جانب معروضات أخرى كثيرة تتباين بين مجموعات تاريخية وأخرى معاصرة مثل «ريزونونس دو كارتييه» من بين القصص التي سيعيشها الزائر إلى المعرض إضافة إلى تعرفه على مهارات حرفييها، إذ سيوجد أربعة منهم في عين المكان يتفننون في إنجاز مهماتهم المختلفة أمام العيون.

يُذكرني بيير رينيرو أن هذه أكبر مجموعة مجوهرات رفيعة يتم عرضها في الولايات المتحدة الأميركية على الإطلاق، نحو 500 قطعة تُشكل «كارتييه ريزونونس» جزءا واحدا منها. فبعضها الآخر عبارة عن قطع تاريخية أعادت الدار شراءها من أصحابها أو من ورثتهم أو من المزادات العالمية. بعد صيانتها وربما صياغته من جديد تطرحها للبيع مرة أخرى. «فكما للجديد عشاقه فللقديم هواته أيضا» حسب قوله.

بالنسبة لرينيرو فإن أسلوب «كارتييه» هو مكمن قوتها دائما، وهو ما يظهر جليا في كل تصاميمها، بدءا من مجموعة «توتي فروتي» إلى «بانثر» وأخيرا وليس آخرا «ريزونونس دو كارتييه». مُضادها الحيوي هو فنيتها. فكلما شعرت بأن صناعة الترف والمجوهرات تتعرض لأي تهديدات أو تذبذبات، تزيد من جرعته. مجموعة «كارتييه ريزونونس» مثلا اختارت لها الدار أحجارا نادرة بأحجام كبيرة تنوعت تصاميمها ما بين الورود والأشكال الهندسية أو «الآرت ديكو» وغيرها. ولم يبالغ رينيرو عندما قال إنها تعكس تطور الدار وعدم استكانتها للماضي. فـ«كارتييه» بالنسبة له «كانت ولا تزال رائدة تُحلق في فضائها الخاص من دون أن تخضع لإملاءات السوق أو توجهاتها». يقول هذا وهو يشير إلى أقراط أذن تتدلى منها حبات مربعة من الزمرد والماس والسفير الأزرق بأحجام متنوعة. إنها مستوحاة من الزليج أو الفسيفساء المغربي، مضيفا: «الجمع بين هذه الألوان في قطعة واحدة كان في وقت ما منافيا للذوق لكن كانت لدينا الثقة الكافية لتكسير هذا الاعتقاد ولم تخب نظرتنا».

من يتتبع تاريخ الدار يعرف أن مؤسسها لويس فرنسوا كارتييه نفسه ومن تسلموا المشعل من بعده كانوا سابقين لأوانهم. فهي أول دار مجوهرات تستعمل البلاتينيوم في مجوهراتها في القرن الـ19 عندما لم يكن الأمر يخطر على بال أحد.

لهذا لم يكن غريبا أن يطلق مصممو الدار العنان لخيالهم في مجموعة «ريزونونس دو كارتييه» وأن يمزجوا الأحجار الكريمة بنصف الكريمة مثل الأكوامارين والروبيلايت والتوباز والأوبال، لتكون النتيجة قطعا تحاكي اللوحات الفنية، كما هو الحال في سوار مرصع بالماس والسفير تتوسطه حجرة تورمالين تزن 84 قيراطاً تتلون بين الأحمر والأخضر حسب انعكاسات الضوء عليها. رغم ضخامة الأحجار المستعملة في هذه المجموعة يُنفي بيير رينيرو أن يكون الاستثمار هو الدافع من ورائها. فالتصميم يبقى دائما هو الهدف الأول «لأن فيه تكمن قوة (كارتييه) الاستثمارية بدليل أن كل المزادات العالمية تعترف بأنه عندما تُعرض فيه قطعة تحمل توقيع كارتييه ترتفع قيمتها مباشرة سواء كانت مرصعة بالماس أو الزمرد أو اللؤلؤ أو الياقوت. هناك ثقة تامة ومسبقة بأنها في غاية الجودة من ناحية صفائها وتقطيعها وترصيعها». أرقام المبيعات في هذه المزادات تؤكد أن رينيرو غير مبالغ في حماسه. ففي مزاد سوذبيز الذي أقيم في هونغ كونغ في بداية الشهر الحالي مثلا، حقق سوار من مجموعة «توتي فروتي» سعرا قياسيا يقدر بـ 1,779,200دولار أميركي، وهو ما يمكن اعتباره مبهرا بالنسبة لمجموعة أصدرتها الدار في العشرينات من القرن الماضي قبل أن تجددها في السبعينات. بيد أن الكل يعرف أنها كانت ولا تزال ثورة في عالم المجوهرات نظرا لألوانها الصاخبة وأحجارها المتضاربة التي تمت صياغتها في أشكال مستوحاة من الهند.

ومع ذلك يُكرر رينيرو طوال حديثه أن الماضي ليس هدفا من أهداف الدار، لأنها تركيزها ينصب على الحاضر والمستقبل في المقام الأول، وهو ما يجعلها تواكب إيقاعات العصر وتغيراته لتُجسده في قطع تخاطب المرأة في كل زمان ومكان. امرأة اليوم مثلا مقبلة على الحياة وتتنقل بين القارات، كما أنها أم وسيدة أعمال، الأمر الذي يتطلب رؤية جديدة وصياغة مختلفة للمجوهرات. ترجمة الدار لهذه الرؤية تجسدت في الكثير من القطع التي تقوم بعدة وظائف، مثل قلادة تتحول إلى أقراط أذن وبروش، حتى يسهل استعمالها في كل المناسبات ولكل الأجيال. فالماضي مهم يفرض احترامه لكنه ليس مقدسا أو غير قابل للتغيير، بل هو درس نتعلم فيه عملية التطور والتقدم. فما نعتبره اليوم ماضيا أو «فينتاج» في عالم المجوهرات كان في عصره جديدا وربما ثوريا.

- سيفتح المعرض أبوابه للعامة ما بين 21 إلى 29 من الشهر الحالي في مبناها الواقع بـ«فيفث أفينيو» بنيويورك.
أميركا موضة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة