«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!

حكم «الجبهة الإسلامية» شهد حروبا في كل المناطق.. وقسم البلاد وعزلها عن العالم

«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!
TT

«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!

«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!

بحلول الثلاثين من يونيو (حزيران) 2014، يكون قد مر ربع قرن بالتمام والكمال على «حكم» أو تحكم «الجبهة القومية الإسلامية»، التنظيم السياسي لحركة الإسلاميين السودانيين (إخوانية المنشأ)، في السودان.
فمنذ أن دقت الموسيقى العسكرية في الثلاثين من يونيو عام 1989، سيطرت الجبهة على كرسي الحكم، ولم تغادره، ويبدو أنها تقاتل بكل أيديها لتحتفظ به. معروف أن الانقلاب الذي قاده العميد وقتها عمر حسن البشير، انقلب على حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي، التي جاءت للحكم عبر انتخابات ديمقراطية، بعد سنة واحدة من إسقاط حكم الرئيس الأسبق جعفر النميري في أبريل (نيسان) 1985 بثورة شعبية.
الأوضاع في البلاد حاليا لا تشبه مثيلتها حين أتى الانقلاب. كانت هناك حكومة ديمقراطية منتخبة مأزومة، أما هنا فحكومة انقلابية مأزومة ومعزولة سياسيا ودوليا، اقتصادها منهار كليا. الحروب امتدت في مناطق واسعة من البلاد، فيما تفوح رائحة الفساد الإداري والسياسي والمالي من كل مكان.
وفي محصلة ربع قرن، فقد شهد السودان خلال تلك السنوات العجاف حروبا في جنوبه قادته إلى الانفصال، وفي غربه راح ضحيتها عشرات الآلاف، وفي الشرق.. وشهدت البلاد عزلة دولية لم يسبق لها مثيل. وتدهور الاقتصاد، وانهارت المؤسسات التعليمية الحكومية لصالح قيام أخرى في القطاع الخاص استفاد منها مريدو النظام. كما انهار قطاع الزراعة، وجرت تصفية مشروع الجزيرة، أكبر مشروع زراعي في العالم «تحت إدارة واحدة»، واستهلكت ميزانية الدولة وثرواتها لخدمة مشروع الجبهة الإسلامية الأمني، فأنشئت الميليشيات التي حاربت إلى جانب الجيش الذي لم ينج من أعمال التصفية، لصالح كوادر الحزب. ويبدو السودان اليوم ممزقا هشا، قابلا للتفتت، وغريقا يستنجد بغريق.
يقول محللون إن البحث عن مخرج دفع الرئيس عمر البشير إلى الدعوة للحوار الوطني في خطابه الشهير الذي سمي بـ«خطاب الوثبة». محصلات الحوار الآنية تقول إن الحزب الحاكم يحاور نفسه، فقد عاد حزب حسن الترابي، الذي انشق عنه في التسعينات، ليمجد من جديد النظام، فيما يجلس على الطرف الآخر من الحوار أحدث الأحزاب انشقاقا عن الحزب الحاكم «حركة الإصلاح الآن» بقيادة غازي العتباني. وباعتقال المهدي، وعلى الرغم من أنه من دعاة وعرابي الحوار بين نظامي الرئيسيين، فإن رصاصة رحمة أطلقت فدوخت رؤوس دعاة الحوار، وحولته إلى مجرد حوار داخل بيت الإسلام السياسي السوداني ومن حوله «جوقة» من الموالين المستترين.
أمنيا، مثل الإعلان عن نشر قوات «التدخل السريع» في الخرطوم، (الجنجويد سابقا)، صدمة كبيرة للكل، وعلامة فارقة بين مرحلة ومرحلة، ولا يُعرف سبب لنشرها في وجود قوات الجيش والشرطة المسؤولتين عن بسط الأمن في ربوع الخرطوم. فإذا أضفنا لذلك دورها العسكري في جبهات القتال فإن الصورة تصبح أكثر قتامة، ويلح السؤال «ماذا اعترى الجيش السوداني؟».
يبدو أن المهدي هو آخر ضحايا هذه «القوات الجديدة»، فاتهاماته التي وجهها لها قادته إلى السجن، رغم أن ما قاله جرى على لسان كثيرين، واتهاماته لتلك القوات بممارسة انتهاكات ليست جديدة، بل إنه أقر بعظمة لسانه بأنه تأخر كثيرا في إطلاق تلك الاتهامات، التي سبقه إليها آخرون بعضهم مسؤولون في الحكم، وبعضهم دوليون.
عسكريا، فإن نطاق العمليات اتسع ليشمل كلا من دارفور وجنوب كردفان وبعض أنحاء شمال كردفان والنيل الأزرق، فيما ظلت الخرطوم تردد أن التمرد الذي تقوده «الجبهة الثورية» سيحسم خلال «الصيف الحاسم»، وها قد أوشك الخريف (موسم نزول المطر في السودان) على النهاية، وأصوات البنادق والقتال تسمع على مقربة من «كادوقلي» حاضرة جنوب كردفان.
فبينما تلقي حرب الإخوة الأعداء في جنوب السودان بظلالها وأدخنتها السامة على الأوضاع في السودان، فإن الحوار الدائر بين الحركة الشعبية – الشمال والخرطوم في أديس أبابا يصل لطريق مسدود كل مرة، وتبدو الخرطوم كأنها غير جادة في الوصول إلى نتائج محددة بشأنه، فهي تفاوض من أصدرت أحكاما بالإعدام ضدهم «رئيس الحركة الشعبية وقائد جيشها وكبير مفاوضيها وأمينها العام».
أما قمة «الميلودراما» الإسلامية فقد بلغت ذروتها بإبعاد النظام الحاكم للنائب الأول للرئيس علي عثمان محمد طه، ومساعد الرئيس نافع علي نافع، ووزير النفط عوض أحمد الجاز، ورئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر، عن مناصبهم في «ثورة بيضاء»، على الرغم من أنهم يعدون من صقور الحكم وغلاته طوال ربع القرن الماضي. ويبدو أن نظام الإنقاذ الوطني قرر أن يحتفل بيوبيله «الفضي» دونهم، رغم التصريحات التي تقول إنهم أخلوا وظائفهم طوعا لفتح الباب أمام الأجيال الجديدة، لكن الخرطوم التي لا تعرف الأسرار تمد لسانها ساخرة لتقول «انتهى الدرس».

* حصاد الحقل

* برر النظام الجديد (عام 1989) انقلابه على الحكم الشرعي بفشل حكومة الديمقراطية الاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري، بيد أنه أخفى هويته «الإسلامية» بتمويهات ماكرة، ونسب نفسه إلى «المؤسسة العسكرية، وتضمنت عملية التمويه اعتقال عراب الانقلاب وزعيم الإسلاميين السودانيين حسن الترابي، مع بقية قادة الأحزاب والقوى السياسية الأخرى.
لم تكن هوية الانقلاب الإسلامية خافية على السياسيين والأحزاب السودانية، وفي بيان الحال نقلت طرفة على لسان زعيم الحزب الشيوعي الراحل محمد إبراهيم نقد المشهور بسخريته المريرة، أنه قال للترابي أثناء اعتقالهم في سجن كوبر «كفاك سجنا، فقد جاملتنا أكثر مما يجب. حدث جماعتك ليطلقوا سراحك»، بيد أن التضليل الكثيف الذي مارسه الإسلاميون انطلى على بعض الأنظمة في المنطقة، خاصة نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في مصر الذي أعلن اعترافه بالحكم الجديد، باعتباره انقلابا عسكريا نفذه الجيش السوداني. فور تسلمهم للسلطة، حل الانقلابيون الأحزاب السياسية وسجنوا قادتها، وأوقفوا الصحف، وسيطروا على أجهزة الإعلام الرسمية، وفرضوا رقابة أمنية مشددة على مداخل المدن وجسورها، وظلت المجنزرات على المداخل والمخارج لفترة طويلة بعد نجاح الانقلاب.
ربع قرن من الحكم لم يتسن لحاكم في السودان من قبل.. لكن نظام الإسلاميين فعلها، وعادة يحسب الناس هذه السنوات مستندين إلى «البيان الأول» الذي ألقاه قائد الانقلاب العميد عمر البشير، الجمعة 30 يونيو 1989، ويقارنون بين مبررات الانقلاب والوعود التي جاءت في هذا البيان، وبين حصاد البيدر.
ولتبرير انقلابه، قال البشير في بيانه إن الأحزاب الحاكمة فشلت في قيادة الأمة و«تعرضت البلاد لمسلسل من الهزات السياسية، زلزل الاستقرار، وضيع هيبة الحكم والقانون والنظام»، وأضاف «عشنا في الفترة السابقة ديمقراطية مزيفة، ومؤسسات الحكم الرسمية دستورية فاشلة، وإرادة المواطنين قد تم تزييفها بشعارات براقة مضللة وبشراء الذمم والتهريج السياسي، ومؤسسات الحكم الرسمية لم تكن إلا مسرحا لإخراج قرارات السادة».
واتهم البيان حكومة المهدي بإفشال الديمقراطية وإضاعة الوحدة الوطنية وإثارة النعرات العنصرية والقبلية، مما أدى لحمل أبناء الوطن الواحد للسلاح ضد إخوانهم في دارفور وجنوب كردفان، علاوة على ما يجري في الجنوب في مأساة وطنية وسياسية. واتهم الحكومة بالفشل في إعداد القوات المسلحة لمواجهة التمرد، مما أثر على معنوياتها في معارك القتال ضد المتمردين، وقال «لا تجد من الحكومة عونا على الحرب أو السلام، وقد لعبت الحكومة بشعارات التعبئة العامة دون جهد أو فعالية».
اقتصاديا، حسب البيان فإن الوضع الاقتصادي شهد ترديا مذريا بسبب ما سماه السياسات الرعناء التي فشلت في إيقاف تدهور الاقتصاد، ناهيك عن التنمية «مما زاد حدة التضخيم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل، واستحال على المواطنين الحصول على ضرورياتهم إما لانعدامها أو ارتفاع الأسعار». وأضاف «أصبح السودان في عزلة تامة، والعلاقات مع الدول العربية أصبحت مجالا للصراع الحزبي، وكادت البلاد تفقد كل صداقاتها على الساحة الأفريقية، مما جعل حركة التمرد تتحرك فيها بحرية مكنتها من إيجاد وضع متميز أتاح لها عمقا استراتيجيا تنطلق منه لضرب الأمن والاستقرار في البلاد حتى أصبحت تتطلع إلى احتلال موقع السودان في المنظمات الإقليمية والعالمية».
وتعهد البيان باسم الجيش بعدم التفريط في «شبر من الوطن»، والحفاظ على البلاد واستقلالها، وقال «تحركت قواتكم المسلحة اليوم لإنقاذ بلادنا العزيزة من أيدي الخونة والمفسدين، لا طمعا في مكاسب السلطة، بل تلبية لنداء الواجب الوطني الأكبر في إيقاف التدهور المدمر، ولصون الوحدة الوطنية من الفتنة السياسية، وتأمين الوطن ووقف انهيار كيانه وتمزق أرضه».
هذه هي الوعود التي قدمها العميد عمر البشير وقتها، المشير حاليا، تبريرا لانقلابه على السلطة الشرعية، ولم يشر فيها من قريب أو بعيد إلى جماعة الإسلام السياسي بقيادة الترابي التي خططت ونفذت الانقلاب.

* حصاد البيدر

* بعد الجلوس الطويل على كرسي الحكم، والذي ليس له مثيل في تاريخ السودان الحديث، يصبح من حق الكل القيام بجرد حساب لوعود النظام في بيانه الأول والمحصلات العملية الماثلة الآن.
عسكريا وأمنيا، وهو الجند الأول الذي برر به الرئيس البشير انقلابه، يمكن القول إن النتائج كانت كارثية وغير مسبوقة، فقد استعرت الحرب مع التمرد الجنوبي وقتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، وجيش النظام الجديد كل الشعب لحسم التمرد كما قال، لكن المحصلة كانت أن اضطر النظام لعقد اتفاقية سلام في عام 2005 عرفت باتفاقية «نيفاشا»، اقتسم بموجبها السلطة مع المتمردين، وجلس زعيم التمرد في القصر الرئاسي نائبا أولا للرئيس. ولم يقتصر الأمر على هذا وحده، فقد أفضت تلك الاتفاقية إلى انفصال جنوب السودان عن السودان كليا، وذهب ثلث الأرض والسكان ليكونوا أحدث دول العالم في عام 2011. وبنهجه التبريري، فإن نظام الحكم زعم أن انفصال جنوب السودان كان مهرا للسلام، لكن المحصلات العملية للانفصال ولادة دولتين غير مستقرتين ومتشاكستين، ولم يحصل السودانان على السلام المنشود، ولا استطاع النظام الإيفاء بوعده الأول «عدم التفريط في شبر من الوطن». وقبيل توقيع اتفاقية السلام الشامل «نيفاشا» مع متمردي جنوب السودان أشعل النظام حربا جديدة في إقليم دارفور ما زالت نيرانها تحرق الوطن والمواطنين، وقتل خلالها مئات الآلاف، وشرد من أجلها الملايين، بل بلغت الأمور أن تحولت دارفور إلى أرض حرب عبثية. وجنوبا، ولد الجنوب الجديد، واشتعلت فيه الحرب عشية انفصال جنوب السودان، ودخل النظام في حرب أخرى مع «الحركة الشعبية – الشمال»، المكونة من مواطنين شماليين اختاروا الانحياز لجنوب السودان في الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وما زالت نيران الحرب هذه تقتل الآلاف وتشرد مثلهم.
في ما يتعلق بالسيادة الوطنية، فإن الجيوش الأجنبية أصبحت ترتع في البلاد بالطول والعرض، ففي دارفور الآن أكبر بعثة عسكرية أممية قوامها عشرات الآلاف من الجنود الدوليين الذين جاءت بهم الأمم المتحدة لحماية المدنيين من حكومتهم «يوناميد»، وقبل انفصال الجنوب كانت القوات الأممية «يونميس» هي الحاكم الفعلي في البلاد، إضافة للقوات الإثيوبية في منطقة «أبيي» المتنازعة بين الشمال والجنوب والقوات التشادية التي تمرح في أرض دارفور كيفما اتفق لها.
بل والأدهى والأمر، فإن إسرائيل استباحت التراب والأجواء السودانية، وصار طيرانها يطارد المواطنين في شرق السودان ويقتلهم، بل ودمر مصنعا للسلاح في قلب الخرطوم «مصنع اليرموك الحربي» عام 2012، فأي سيادة تلك التي أتت مع حكم الإسلاميين؟

* الجنائية الدولية

* أصدر المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو في 14 يوليو (تموز) 2008 مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير، وجرى اتهامه بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، وطلبت مثوله أمام المحكمة، في سابقة غير معهودة في تاريخ الشعوب، وهكذا أصبح الرئيس البشير حبيسا داخل جدران البلاد.
وحسب تقارير دولية فإن حرب دارفور أدت لمقتل قرابة 300 ألف شخص، وتشريد 2.5 مليون، فيما تقول الخرطوم إن عدد القتلى لا يتجاوز 10 آلاف، منذ اندلاع النزاع في دارفور. وألحقت المحكمة الجنائية الدولية في 4 مارس (آذار) 2009 مذكرة قبض ثانية ضد الرئيس البشير، في اتهامات بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، مما قيد حركة الرئيس البشير الخارجية في حدود ضيقه جدا.

* الدور الصيني

* ورد في كتاب «سقوط الأقنعة» للكاتب فتحي الضو، ونقلته «الشرق الأوسط» وقتها، أن الحكومة السودانية رأت ألا تخسر الدول العظمى، فعقدت صداقة مع الصين، فتحت الباب أمام الاستثمارات الصينية، لا سيما في مجال النفط، ونجحت شركات النفط الصينية في استخراج البترول، مما أسهم في تحسين الاقتصاد واستقرار صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية.
فبعد أن كان سعر صرف الدولار 12 جنيها عند تولي الإسلاميين للسلطة، ارتفع في عهدهم إلى 3000 في السوق السوداء، ثم بدأ ينخفض ليستقر عند 2000 جنيه، فبدأت الأزمات الاقتصادية في الانفراج تدريجيا، وعلى الرغم من ذلك لم تستقر الحكومة ولم تنعم بالأمن والهناء بسبب سياساتها الخارجية السيئة. وفي جانب علاقتها الدولية، فقد ساءت علاقة الخرطوم مع العالم أجمع، لا سيما بعد أن أشارت أصابع الاتهام لتورط الخرطوم في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في سبتمبر (أيلول) 1995 بالعاصمة الإثيوبية «أديس أبابا»، واتهم السودان بإيواء إرهابيين، من بينهم مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

* المفاصلة

* في ديسمبر (كانون الأول) 1999 بلغ النزاع داخل المجموعة الإسلامية الحاكمة ذروته، بصدور قرار الرئيس بإعلان حالة الطوارئ لثلاثة أشهر، وحل البرلمان للحيلولة دون توصل حوار في البرلمان لإجراء تعديلات دستورية تحد من سلطاته.
وعرفت تلك القرارات بقرارات رمضان، ولاحقا عرفت بـ«المفاصلة» بين الإسلاميين، والتي وقف على أحد طرفيها د.حسن الترابي، والرئيس البشير في الطرف الآخر، يقف إلى جواره نائب الترابي في الحركة الإسلامية علي عثمان محمد طه.
وأدت المفاصلة لتبادل الاتهامات بالفساد والمحسوبية، وخرجت ملفات سرية إلى العلن، في الوقت الذي كانت فيه حرب الجنوب في أشد حالاتها، فضلا عن اندلاع الحرب في دارفور، مما جعل الفساد يطفح على السطح في تصريحات واتهامات متبادلة.

* عودة الأب الضال

* تلقف حزب عراب الإسلاميين «المؤتمر الشعبي» حسن الترابي دعوة الرئيس البشير للحوار في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، ليعود من بابها الخلفي «مصالحا» وداعيا للحوار مع تلاميذه الذين قال فيهم أكثر مما قاله مالك في الخمر.
ربما مهد انحسار موجة حركة الإسلام السياسي في الإقليم الطريق أمام شقي الإسلاميين السودانيين لتوحيد صفهما، ضد خطر ماحق يتهدد وجودهما، خاصة بعد أن تحولت «حركة الإخوان المسلمين» لحركة إرهابية في كل من مصر والسعودية والخليج.

* ملاذ آمن

* المحللون لا يرون أن دعوة الحوار نابعة من قناعة بالحوار والمصالحة الوطنية من قبل النظام، بل مجرد محاولة لكسب الوقت ربما، أو حيلة تعود بها الحركة الإسلامية السودانية إخوانية الميول للتوحد، بما يوفر ملاذا آمنا لـ«إخوان العالم» في السودان، وبعودة الأب إلى أبنائه تكون الإنقاذ قد أكملت دورتها من جديد لتبدأ من النقطة التي بدأت منها قبل 25 عاما، لكن في ظروف مختلفة ومحيط عدائي وأزمات أشد مضاضة مما كانت عليه الأوضاع أول مرة، وهذه المرة صنعوها بأيديهم.

* سقوط الإخوان

* تشهد دول الجوار، التي سيطرت عليها جماعة الإخوان المسلمين ردحا زمانيا، مثل مصر وليبيا وتونس، تغيرات دراماتيكية، فمصر التي حكمها الإخوان لمدة عام قد أكملت انتخاب رئيسها، فيما يقود اللواء خليفة حفتر «عملية كرامة» في ليبيا، لتطهيرها من «ميليشيات إسلامية» وبتفويض شعبي لمحاربة التطرف، فيما أصبحت «حركة الإخوان المسلمين» إرهابية في كل الخليج العربي والمملكة العربية السعودية ومصر، واضطرت حركة «النهضة التونسية» لتقديم تنازلات جوهرية بشأن مشروعها.
هذه الأجواء العاصفة التي تحيط بحركة «الإسلام السياسي» والإخواني منه على وجه الخصوص، ستلقي بتأثيرها حتما على تجربته المزمنة في السودان. المتفائلون يقولون إن الخرطوم ستنحني للعاصفة، وتقدم التنازلات المطلوبة، أما المتشائمون فيخشون من تحولها لمركز «إخواني عالمي»، على الرغم من الجفوة المعلنة بين التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وجماعتهم في السودان، ويعتقدون أن الخرطوم قد تلجأ للقول المأثور «أنا وابن عمي على الغريب».
* محطات في سيرة الإنقاذ
* في يونيو (حزيران) 1989، قاد العميد عمر البشير انقلابا عسكريا مدعوما من الإسلاميين السودانيين بقيادة حسن الترابي، أطلق عليه «ثورة الإنقاذ الوطني».
* 1990.. حاول مجموعة من الضباط الموالين لحزب البعث العربي الاشتراكي تنفيذ انقلاب، بيد أن محاولاتهم فشلت، وجرى إعدام 28 ضابطا عشية عيد الفطر، في عملية فطرت الوجدان السوداني، ودفنوا بليل وما زالت السلطات تتكتم على أماكن دفنهم.
* في عام 1998 لقي النائب الأول للرئيس البشير الفريق الزبير محمد صالح حتفه في حادث تحطم طائرة عسكرية خلال طوافه على جنوب السودان.
* 1999.. حدث أكبر انقسام في تاريخ الإسلاميين السودانيين، أعلن خلاله الرئيس البشير حالة الطوارئ وحل البرلمان الذي كان يتزعمه حسن الترابي الذي خرج مغاضبا، وكون حزبا معارضا.
* في أبريل (نيسان) 2001، لقي وزير الدولة بوزارة الدفاع العقيد إبراهيم شمس الدين، أحد أبرز قادة الإسلاميين، و14 من كبار الضباط، مصرعهم في تحطم طائرة بمطار عدارييل بجنوب السودان.
* 2003.. اندلعت حرب دارفور وقتل فيها نحو 300 ألف حسب الأمم المتحدة.
* 2005.. وقعت حكومة الرئيس البشير اتفاقية السلام السودانية (نيفاشا) مع متمردي الجنوب، وجرى تعيين زعيم التمرد جون قرنق نائبا أول للرئيس.
* في مايو (أيار) 2005 لقي قرنق مصرعه في حادث مروحية رئاسية أوغندية، وأثار مقتله حالة فوضى عارمة وسط إشاعات بأن القتل كان مدبرا.
* 2009.. أصدرت محكمة الجنايات الدولية بلاهاي مذكرة قبض ضد الرئيس البشير، وعدد من معاونيه، باتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على خلفية الحرب في دارفور.
* 2011.. أعلن رسميا عن انفصال جنوب السودان، وفقا لاستفتاء أقرته اتفاقية السلام صوت بموجبه مواطنو جنوب السودان بنسبة فاقت 99 في المائة لصالح الانفصال، وولدت تبعا له أحدث دولة في العالم.
* 2011.. اشتعلت الحرب في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، في ما أطلق عليه الجنوب الجديد.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.