«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!

حكم «الجبهة الإسلامية» شهد حروبا في كل المناطق.. وقسم البلاد وعزلها عن العالم

«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!
TT

«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!

«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!

بحلول الثلاثين من يونيو (حزيران) 2014، يكون قد مر ربع قرن بالتمام والكمال على «حكم» أو تحكم «الجبهة القومية الإسلامية»، التنظيم السياسي لحركة الإسلاميين السودانيين (إخوانية المنشأ)، في السودان.
فمنذ أن دقت الموسيقى العسكرية في الثلاثين من يونيو عام 1989، سيطرت الجبهة على كرسي الحكم، ولم تغادره، ويبدو أنها تقاتل بكل أيديها لتحتفظ به. معروف أن الانقلاب الذي قاده العميد وقتها عمر حسن البشير، انقلب على حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي، التي جاءت للحكم عبر انتخابات ديمقراطية، بعد سنة واحدة من إسقاط حكم الرئيس الأسبق جعفر النميري في أبريل (نيسان) 1985 بثورة شعبية.
الأوضاع في البلاد حاليا لا تشبه مثيلتها حين أتى الانقلاب. كانت هناك حكومة ديمقراطية منتخبة مأزومة، أما هنا فحكومة انقلابية مأزومة ومعزولة سياسيا ودوليا، اقتصادها منهار كليا. الحروب امتدت في مناطق واسعة من البلاد، فيما تفوح رائحة الفساد الإداري والسياسي والمالي من كل مكان.
وفي محصلة ربع قرن، فقد شهد السودان خلال تلك السنوات العجاف حروبا في جنوبه قادته إلى الانفصال، وفي غربه راح ضحيتها عشرات الآلاف، وفي الشرق.. وشهدت البلاد عزلة دولية لم يسبق لها مثيل. وتدهور الاقتصاد، وانهارت المؤسسات التعليمية الحكومية لصالح قيام أخرى في القطاع الخاص استفاد منها مريدو النظام. كما انهار قطاع الزراعة، وجرت تصفية مشروع الجزيرة، أكبر مشروع زراعي في العالم «تحت إدارة واحدة»، واستهلكت ميزانية الدولة وثرواتها لخدمة مشروع الجبهة الإسلامية الأمني، فأنشئت الميليشيات التي حاربت إلى جانب الجيش الذي لم ينج من أعمال التصفية، لصالح كوادر الحزب. ويبدو السودان اليوم ممزقا هشا، قابلا للتفتت، وغريقا يستنجد بغريق.
يقول محللون إن البحث عن مخرج دفع الرئيس عمر البشير إلى الدعوة للحوار الوطني في خطابه الشهير الذي سمي بـ«خطاب الوثبة». محصلات الحوار الآنية تقول إن الحزب الحاكم يحاور نفسه، فقد عاد حزب حسن الترابي، الذي انشق عنه في التسعينات، ليمجد من جديد النظام، فيما يجلس على الطرف الآخر من الحوار أحدث الأحزاب انشقاقا عن الحزب الحاكم «حركة الإصلاح الآن» بقيادة غازي العتباني. وباعتقال المهدي، وعلى الرغم من أنه من دعاة وعرابي الحوار بين نظامي الرئيسيين، فإن رصاصة رحمة أطلقت فدوخت رؤوس دعاة الحوار، وحولته إلى مجرد حوار داخل بيت الإسلام السياسي السوداني ومن حوله «جوقة» من الموالين المستترين.
أمنيا، مثل الإعلان عن نشر قوات «التدخل السريع» في الخرطوم، (الجنجويد سابقا)، صدمة كبيرة للكل، وعلامة فارقة بين مرحلة ومرحلة، ولا يُعرف سبب لنشرها في وجود قوات الجيش والشرطة المسؤولتين عن بسط الأمن في ربوع الخرطوم. فإذا أضفنا لذلك دورها العسكري في جبهات القتال فإن الصورة تصبح أكثر قتامة، ويلح السؤال «ماذا اعترى الجيش السوداني؟».
يبدو أن المهدي هو آخر ضحايا هذه «القوات الجديدة»، فاتهاماته التي وجهها لها قادته إلى السجن، رغم أن ما قاله جرى على لسان كثيرين، واتهاماته لتلك القوات بممارسة انتهاكات ليست جديدة، بل إنه أقر بعظمة لسانه بأنه تأخر كثيرا في إطلاق تلك الاتهامات، التي سبقه إليها آخرون بعضهم مسؤولون في الحكم، وبعضهم دوليون.
عسكريا، فإن نطاق العمليات اتسع ليشمل كلا من دارفور وجنوب كردفان وبعض أنحاء شمال كردفان والنيل الأزرق، فيما ظلت الخرطوم تردد أن التمرد الذي تقوده «الجبهة الثورية» سيحسم خلال «الصيف الحاسم»، وها قد أوشك الخريف (موسم نزول المطر في السودان) على النهاية، وأصوات البنادق والقتال تسمع على مقربة من «كادوقلي» حاضرة جنوب كردفان.
فبينما تلقي حرب الإخوة الأعداء في جنوب السودان بظلالها وأدخنتها السامة على الأوضاع في السودان، فإن الحوار الدائر بين الحركة الشعبية – الشمال والخرطوم في أديس أبابا يصل لطريق مسدود كل مرة، وتبدو الخرطوم كأنها غير جادة في الوصول إلى نتائج محددة بشأنه، فهي تفاوض من أصدرت أحكاما بالإعدام ضدهم «رئيس الحركة الشعبية وقائد جيشها وكبير مفاوضيها وأمينها العام».
أما قمة «الميلودراما» الإسلامية فقد بلغت ذروتها بإبعاد النظام الحاكم للنائب الأول للرئيس علي عثمان محمد طه، ومساعد الرئيس نافع علي نافع، ووزير النفط عوض أحمد الجاز، ورئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر، عن مناصبهم في «ثورة بيضاء»، على الرغم من أنهم يعدون من صقور الحكم وغلاته طوال ربع القرن الماضي. ويبدو أن نظام الإنقاذ الوطني قرر أن يحتفل بيوبيله «الفضي» دونهم، رغم التصريحات التي تقول إنهم أخلوا وظائفهم طوعا لفتح الباب أمام الأجيال الجديدة، لكن الخرطوم التي لا تعرف الأسرار تمد لسانها ساخرة لتقول «انتهى الدرس».

* حصاد الحقل

* برر النظام الجديد (عام 1989) انقلابه على الحكم الشرعي بفشل حكومة الديمقراطية الاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري، بيد أنه أخفى هويته «الإسلامية» بتمويهات ماكرة، ونسب نفسه إلى «المؤسسة العسكرية، وتضمنت عملية التمويه اعتقال عراب الانقلاب وزعيم الإسلاميين السودانيين حسن الترابي، مع بقية قادة الأحزاب والقوى السياسية الأخرى.
لم تكن هوية الانقلاب الإسلامية خافية على السياسيين والأحزاب السودانية، وفي بيان الحال نقلت طرفة على لسان زعيم الحزب الشيوعي الراحل محمد إبراهيم نقد المشهور بسخريته المريرة، أنه قال للترابي أثناء اعتقالهم في سجن كوبر «كفاك سجنا، فقد جاملتنا أكثر مما يجب. حدث جماعتك ليطلقوا سراحك»، بيد أن التضليل الكثيف الذي مارسه الإسلاميون انطلى على بعض الأنظمة في المنطقة، خاصة نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في مصر الذي أعلن اعترافه بالحكم الجديد، باعتباره انقلابا عسكريا نفذه الجيش السوداني. فور تسلمهم للسلطة، حل الانقلابيون الأحزاب السياسية وسجنوا قادتها، وأوقفوا الصحف، وسيطروا على أجهزة الإعلام الرسمية، وفرضوا رقابة أمنية مشددة على مداخل المدن وجسورها، وظلت المجنزرات على المداخل والمخارج لفترة طويلة بعد نجاح الانقلاب.
ربع قرن من الحكم لم يتسن لحاكم في السودان من قبل.. لكن نظام الإسلاميين فعلها، وعادة يحسب الناس هذه السنوات مستندين إلى «البيان الأول» الذي ألقاه قائد الانقلاب العميد عمر البشير، الجمعة 30 يونيو 1989، ويقارنون بين مبررات الانقلاب والوعود التي جاءت في هذا البيان، وبين حصاد البيدر.
ولتبرير انقلابه، قال البشير في بيانه إن الأحزاب الحاكمة فشلت في قيادة الأمة و«تعرضت البلاد لمسلسل من الهزات السياسية، زلزل الاستقرار، وضيع هيبة الحكم والقانون والنظام»، وأضاف «عشنا في الفترة السابقة ديمقراطية مزيفة، ومؤسسات الحكم الرسمية دستورية فاشلة، وإرادة المواطنين قد تم تزييفها بشعارات براقة مضللة وبشراء الذمم والتهريج السياسي، ومؤسسات الحكم الرسمية لم تكن إلا مسرحا لإخراج قرارات السادة».
واتهم البيان حكومة المهدي بإفشال الديمقراطية وإضاعة الوحدة الوطنية وإثارة النعرات العنصرية والقبلية، مما أدى لحمل أبناء الوطن الواحد للسلاح ضد إخوانهم في دارفور وجنوب كردفان، علاوة على ما يجري في الجنوب في مأساة وطنية وسياسية. واتهم الحكومة بالفشل في إعداد القوات المسلحة لمواجهة التمرد، مما أثر على معنوياتها في معارك القتال ضد المتمردين، وقال «لا تجد من الحكومة عونا على الحرب أو السلام، وقد لعبت الحكومة بشعارات التعبئة العامة دون جهد أو فعالية».
اقتصاديا، حسب البيان فإن الوضع الاقتصادي شهد ترديا مذريا بسبب ما سماه السياسات الرعناء التي فشلت في إيقاف تدهور الاقتصاد، ناهيك عن التنمية «مما زاد حدة التضخيم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل، واستحال على المواطنين الحصول على ضرورياتهم إما لانعدامها أو ارتفاع الأسعار». وأضاف «أصبح السودان في عزلة تامة، والعلاقات مع الدول العربية أصبحت مجالا للصراع الحزبي، وكادت البلاد تفقد كل صداقاتها على الساحة الأفريقية، مما جعل حركة التمرد تتحرك فيها بحرية مكنتها من إيجاد وضع متميز أتاح لها عمقا استراتيجيا تنطلق منه لضرب الأمن والاستقرار في البلاد حتى أصبحت تتطلع إلى احتلال موقع السودان في المنظمات الإقليمية والعالمية».
وتعهد البيان باسم الجيش بعدم التفريط في «شبر من الوطن»، والحفاظ على البلاد واستقلالها، وقال «تحركت قواتكم المسلحة اليوم لإنقاذ بلادنا العزيزة من أيدي الخونة والمفسدين، لا طمعا في مكاسب السلطة، بل تلبية لنداء الواجب الوطني الأكبر في إيقاف التدهور المدمر، ولصون الوحدة الوطنية من الفتنة السياسية، وتأمين الوطن ووقف انهيار كيانه وتمزق أرضه».
هذه هي الوعود التي قدمها العميد عمر البشير وقتها، المشير حاليا، تبريرا لانقلابه على السلطة الشرعية، ولم يشر فيها من قريب أو بعيد إلى جماعة الإسلام السياسي بقيادة الترابي التي خططت ونفذت الانقلاب.

* حصاد البيدر

* بعد الجلوس الطويل على كرسي الحكم، والذي ليس له مثيل في تاريخ السودان الحديث، يصبح من حق الكل القيام بجرد حساب لوعود النظام في بيانه الأول والمحصلات العملية الماثلة الآن.
عسكريا وأمنيا، وهو الجند الأول الذي برر به الرئيس البشير انقلابه، يمكن القول إن النتائج كانت كارثية وغير مسبوقة، فقد استعرت الحرب مع التمرد الجنوبي وقتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، وجيش النظام الجديد كل الشعب لحسم التمرد كما قال، لكن المحصلة كانت أن اضطر النظام لعقد اتفاقية سلام في عام 2005 عرفت باتفاقية «نيفاشا»، اقتسم بموجبها السلطة مع المتمردين، وجلس زعيم التمرد في القصر الرئاسي نائبا أولا للرئيس. ولم يقتصر الأمر على هذا وحده، فقد أفضت تلك الاتفاقية إلى انفصال جنوب السودان عن السودان كليا، وذهب ثلث الأرض والسكان ليكونوا أحدث دول العالم في عام 2011. وبنهجه التبريري، فإن نظام الحكم زعم أن انفصال جنوب السودان كان مهرا للسلام، لكن المحصلات العملية للانفصال ولادة دولتين غير مستقرتين ومتشاكستين، ولم يحصل السودانان على السلام المنشود، ولا استطاع النظام الإيفاء بوعده الأول «عدم التفريط في شبر من الوطن». وقبيل توقيع اتفاقية السلام الشامل «نيفاشا» مع متمردي جنوب السودان أشعل النظام حربا جديدة في إقليم دارفور ما زالت نيرانها تحرق الوطن والمواطنين، وقتل خلالها مئات الآلاف، وشرد من أجلها الملايين، بل بلغت الأمور أن تحولت دارفور إلى أرض حرب عبثية. وجنوبا، ولد الجنوب الجديد، واشتعلت فيه الحرب عشية انفصال جنوب السودان، ودخل النظام في حرب أخرى مع «الحركة الشعبية – الشمال»، المكونة من مواطنين شماليين اختاروا الانحياز لجنوب السودان في الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وما زالت نيران الحرب هذه تقتل الآلاف وتشرد مثلهم.
في ما يتعلق بالسيادة الوطنية، فإن الجيوش الأجنبية أصبحت ترتع في البلاد بالطول والعرض، ففي دارفور الآن أكبر بعثة عسكرية أممية قوامها عشرات الآلاف من الجنود الدوليين الذين جاءت بهم الأمم المتحدة لحماية المدنيين من حكومتهم «يوناميد»، وقبل انفصال الجنوب كانت القوات الأممية «يونميس» هي الحاكم الفعلي في البلاد، إضافة للقوات الإثيوبية في منطقة «أبيي» المتنازعة بين الشمال والجنوب والقوات التشادية التي تمرح في أرض دارفور كيفما اتفق لها.
بل والأدهى والأمر، فإن إسرائيل استباحت التراب والأجواء السودانية، وصار طيرانها يطارد المواطنين في شرق السودان ويقتلهم، بل ودمر مصنعا للسلاح في قلب الخرطوم «مصنع اليرموك الحربي» عام 2012، فأي سيادة تلك التي أتت مع حكم الإسلاميين؟

* الجنائية الدولية

* أصدر المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو في 14 يوليو (تموز) 2008 مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير، وجرى اتهامه بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، وطلبت مثوله أمام المحكمة، في سابقة غير معهودة في تاريخ الشعوب، وهكذا أصبح الرئيس البشير حبيسا داخل جدران البلاد.
وحسب تقارير دولية فإن حرب دارفور أدت لمقتل قرابة 300 ألف شخص، وتشريد 2.5 مليون، فيما تقول الخرطوم إن عدد القتلى لا يتجاوز 10 آلاف، منذ اندلاع النزاع في دارفور. وألحقت المحكمة الجنائية الدولية في 4 مارس (آذار) 2009 مذكرة قبض ثانية ضد الرئيس البشير، في اتهامات بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، مما قيد حركة الرئيس البشير الخارجية في حدود ضيقه جدا.

* الدور الصيني

* ورد في كتاب «سقوط الأقنعة» للكاتب فتحي الضو، ونقلته «الشرق الأوسط» وقتها، أن الحكومة السودانية رأت ألا تخسر الدول العظمى، فعقدت صداقة مع الصين، فتحت الباب أمام الاستثمارات الصينية، لا سيما في مجال النفط، ونجحت شركات النفط الصينية في استخراج البترول، مما أسهم في تحسين الاقتصاد واستقرار صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية.
فبعد أن كان سعر صرف الدولار 12 جنيها عند تولي الإسلاميين للسلطة، ارتفع في عهدهم إلى 3000 في السوق السوداء، ثم بدأ ينخفض ليستقر عند 2000 جنيه، فبدأت الأزمات الاقتصادية في الانفراج تدريجيا، وعلى الرغم من ذلك لم تستقر الحكومة ولم تنعم بالأمن والهناء بسبب سياساتها الخارجية السيئة. وفي جانب علاقتها الدولية، فقد ساءت علاقة الخرطوم مع العالم أجمع، لا سيما بعد أن أشارت أصابع الاتهام لتورط الخرطوم في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في سبتمبر (أيلول) 1995 بالعاصمة الإثيوبية «أديس أبابا»، واتهم السودان بإيواء إرهابيين، من بينهم مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

* المفاصلة

* في ديسمبر (كانون الأول) 1999 بلغ النزاع داخل المجموعة الإسلامية الحاكمة ذروته، بصدور قرار الرئيس بإعلان حالة الطوارئ لثلاثة أشهر، وحل البرلمان للحيلولة دون توصل حوار في البرلمان لإجراء تعديلات دستورية تحد من سلطاته.
وعرفت تلك القرارات بقرارات رمضان، ولاحقا عرفت بـ«المفاصلة» بين الإسلاميين، والتي وقف على أحد طرفيها د.حسن الترابي، والرئيس البشير في الطرف الآخر، يقف إلى جواره نائب الترابي في الحركة الإسلامية علي عثمان محمد طه.
وأدت المفاصلة لتبادل الاتهامات بالفساد والمحسوبية، وخرجت ملفات سرية إلى العلن، في الوقت الذي كانت فيه حرب الجنوب في أشد حالاتها، فضلا عن اندلاع الحرب في دارفور، مما جعل الفساد يطفح على السطح في تصريحات واتهامات متبادلة.

* عودة الأب الضال

* تلقف حزب عراب الإسلاميين «المؤتمر الشعبي» حسن الترابي دعوة الرئيس البشير للحوار في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، ليعود من بابها الخلفي «مصالحا» وداعيا للحوار مع تلاميذه الذين قال فيهم أكثر مما قاله مالك في الخمر.
ربما مهد انحسار موجة حركة الإسلام السياسي في الإقليم الطريق أمام شقي الإسلاميين السودانيين لتوحيد صفهما، ضد خطر ماحق يتهدد وجودهما، خاصة بعد أن تحولت «حركة الإخوان المسلمين» لحركة إرهابية في كل من مصر والسعودية والخليج.

* ملاذ آمن

* المحللون لا يرون أن دعوة الحوار نابعة من قناعة بالحوار والمصالحة الوطنية من قبل النظام، بل مجرد محاولة لكسب الوقت ربما، أو حيلة تعود بها الحركة الإسلامية السودانية إخوانية الميول للتوحد، بما يوفر ملاذا آمنا لـ«إخوان العالم» في السودان، وبعودة الأب إلى أبنائه تكون الإنقاذ قد أكملت دورتها من جديد لتبدأ من النقطة التي بدأت منها قبل 25 عاما، لكن في ظروف مختلفة ومحيط عدائي وأزمات أشد مضاضة مما كانت عليه الأوضاع أول مرة، وهذه المرة صنعوها بأيديهم.

* سقوط الإخوان

* تشهد دول الجوار، التي سيطرت عليها جماعة الإخوان المسلمين ردحا زمانيا، مثل مصر وليبيا وتونس، تغيرات دراماتيكية، فمصر التي حكمها الإخوان لمدة عام قد أكملت انتخاب رئيسها، فيما يقود اللواء خليفة حفتر «عملية كرامة» في ليبيا، لتطهيرها من «ميليشيات إسلامية» وبتفويض شعبي لمحاربة التطرف، فيما أصبحت «حركة الإخوان المسلمين» إرهابية في كل الخليج العربي والمملكة العربية السعودية ومصر، واضطرت حركة «النهضة التونسية» لتقديم تنازلات جوهرية بشأن مشروعها.
هذه الأجواء العاصفة التي تحيط بحركة «الإسلام السياسي» والإخواني منه على وجه الخصوص، ستلقي بتأثيرها حتما على تجربته المزمنة في السودان. المتفائلون يقولون إن الخرطوم ستنحني للعاصفة، وتقدم التنازلات المطلوبة، أما المتشائمون فيخشون من تحولها لمركز «إخواني عالمي»، على الرغم من الجفوة المعلنة بين التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وجماعتهم في السودان، ويعتقدون أن الخرطوم قد تلجأ للقول المأثور «أنا وابن عمي على الغريب».
* محطات في سيرة الإنقاذ
* في يونيو (حزيران) 1989، قاد العميد عمر البشير انقلابا عسكريا مدعوما من الإسلاميين السودانيين بقيادة حسن الترابي، أطلق عليه «ثورة الإنقاذ الوطني».
* 1990.. حاول مجموعة من الضباط الموالين لحزب البعث العربي الاشتراكي تنفيذ انقلاب، بيد أن محاولاتهم فشلت، وجرى إعدام 28 ضابطا عشية عيد الفطر، في عملية فطرت الوجدان السوداني، ودفنوا بليل وما زالت السلطات تتكتم على أماكن دفنهم.
* في عام 1998 لقي النائب الأول للرئيس البشير الفريق الزبير محمد صالح حتفه في حادث تحطم طائرة عسكرية خلال طوافه على جنوب السودان.
* 1999.. حدث أكبر انقسام في تاريخ الإسلاميين السودانيين، أعلن خلاله الرئيس البشير حالة الطوارئ وحل البرلمان الذي كان يتزعمه حسن الترابي الذي خرج مغاضبا، وكون حزبا معارضا.
* في أبريل (نيسان) 2001، لقي وزير الدولة بوزارة الدفاع العقيد إبراهيم شمس الدين، أحد أبرز قادة الإسلاميين، و14 من كبار الضباط، مصرعهم في تحطم طائرة بمطار عدارييل بجنوب السودان.
* 2003.. اندلعت حرب دارفور وقتل فيها نحو 300 ألف حسب الأمم المتحدة.
* 2005.. وقعت حكومة الرئيس البشير اتفاقية السلام السودانية (نيفاشا) مع متمردي الجنوب، وجرى تعيين زعيم التمرد جون قرنق نائبا أول للرئيس.
* في مايو (أيار) 2005 لقي قرنق مصرعه في حادث مروحية رئاسية أوغندية، وأثار مقتله حالة فوضى عارمة وسط إشاعات بأن القتل كان مدبرا.
* 2009.. أصدرت محكمة الجنايات الدولية بلاهاي مذكرة قبض ضد الرئيس البشير، وعدد من معاونيه، باتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على خلفية الحرب في دارفور.
* 2011.. أعلن رسميا عن انفصال جنوب السودان، وفقا لاستفتاء أقرته اتفاقية السلام صوت بموجبه مواطنو جنوب السودان بنسبة فاقت 99 في المائة لصالح الانفصال، وولدت تبعا له أحدث دولة في العالم.
* 2011.. اشتعلت الحرب في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، في ما أطلق عليه الجنوب الجديد.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.