«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!

حكم «الجبهة الإسلامية» شهد حروبا في كل المناطق.. وقسم البلاد وعزلها عن العالم

«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!
TT

«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!

«إخوان السودان».. حسابات ربع قرن!

بحلول الثلاثين من يونيو (حزيران) 2014، يكون قد مر ربع قرن بالتمام والكمال على «حكم» أو تحكم «الجبهة القومية الإسلامية»، التنظيم السياسي لحركة الإسلاميين السودانيين (إخوانية المنشأ)، في السودان.
فمنذ أن دقت الموسيقى العسكرية في الثلاثين من يونيو عام 1989، سيطرت الجبهة على كرسي الحكم، ولم تغادره، ويبدو أنها تقاتل بكل أيديها لتحتفظ به. معروف أن الانقلاب الذي قاده العميد وقتها عمر حسن البشير، انقلب على حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي، التي جاءت للحكم عبر انتخابات ديمقراطية، بعد سنة واحدة من إسقاط حكم الرئيس الأسبق جعفر النميري في أبريل (نيسان) 1985 بثورة شعبية.
الأوضاع في البلاد حاليا لا تشبه مثيلتها حين أتى الانقلاب. كانت هناك حكومة ديمقراطية منتخبة مأزومة، أما هنا فحكومة انقلابية مأزومة ومعزولة سياسيا ودوليا، اقتصادها منهار كليا. الحروب امتدت في مناطق واسعة من البلاد، فيما تفوح رائحة الفساد الإداري والسياسي والمالي من كل مكان.
وفي محصلة ربع قرن، فقد شهد السودان خلال تلك السنوات العجاف حروبا في جنوبه قادته إلى الانفصال، وفي غربه راح ضحيتها عشرات الآلاف، وفي الشرق.. وشهدت البلاد عزلة دولية لم يسبق لها مثيل. وتدهور الاقتصاد، وانهارت المؤسسات التعليمية الحكومية لصالح قيام أخرى في القطاع الخاص استفاد منها مريدو النظام. كما انهار قطاع الزراعة، وجرت تصفية مشروع الجزيرة، أكبر مشروع زراعي في العالم «تحت إدارة واحدة»، واستهلكت ميزانية الدولة وثرواتها لخدمة مشروع الجبهة الإسلامية الأمني، فأنشئت الميليشيات التي حاربت إلى جانب الجيش الذي لم ينج من أعمال التصفية، لصالح كوادر الحزب. ويبدو السودان اليوم ممزقا هشا، قابلا للتفتت، وغريقا يستنجد بغريق.
يقول محللون إن البحث عن مخرج دفع الرئيس عمر البشير إلى الدعوة للحوار الوطني في خطابه الشهير الذي سمي بـ«خطاب الوثبة». محصلات الحوار الآنية تقول إن الحزب الحاكم يحاور نفسه، فقد عاد حزب حسن الترابي، الذي انشق عنه في التسعينات، ليمجد من جديد النظام، فيما يجلس على الطرف الآخر من الحوار أحدث الأحزاب انشقاقا عن الحزب الحاكم «حركة الإصلاح الآن» بقيادة غازي العتباني. وباعتقال المهدي، وعلى الرغم من أنه من دعاة وعرابي الحوار بين نظامي الرئيسيين، فإن رصاصة رحمة أطلقت فدوخت رؤوس دعاة الحوار، وحولته إلى مجرد حوار داخل بيت الإسلام السياسي السوداني ومن حوله «جوقة» من الموالين المستترين.
أمنيا، مثل الإعلان عن نشر قوات «التدخل السريع» في الخرطوم، (الجنجويد سابقا)، صدمة كبيرة للكل، وعلامة فارقة بين مرحلة ومرحلة، ولا يُعرف سبب لنشرها في وجود قوات الجيش والشرطة المسؤولتين عن بسط الأمن في ربوع الخرطوم. فإذا أضفنا لذلك دورها العسكري في جبهات القتال فإن الصورة تصبح أكثر قتامة، ويلح السؤال «ماذا اعترى الجيش السوداني؟».
يبدو أن المهدي هو آخر ضحايا هذه «القوات الجديدة»، فاتهاماته التي وجهها لها قادته إلى السجن، رغم أن ما قاله جرى على لسان كثيرين، واتهاماته لتلك القوات بممارسة انتهاكات ليست جديدة، بل إنه أقر بعظمة لسانه بأنه تأخر كثيرا في إطلاق تلك الاتهامات، التي سبقه إليها آخرون بعضهم مسؤولون في الحكم، وبعضهم دوليون.
عسكريا، فإن نطاق العمليات اتسع ليشمل كلا من دارفور وجنوب كردفان وبعض أنحاء شمال كردفان والنيل الأزرق، فيما ظلت الخرطوم تردد أن التمرد الذي تقوده «الجبهة الثورية» سيحسم خلال «الصيف الحاسم»، وها قد أوشك الخريف (موسم نزول المطر في السودان) على النهاية، وأصوات البنادق والقتال تسمع على مقربة من «كادوقلي» حاضرة جنوب كردفان.
فبينما تلقي حرب الإخوة الأعداء في جنوب السودان بظلالها وأدخنتها السامة على الأوضاع في السودان، فإن الحوار الدائر بين الحركة الشعبية – الشمال والخرطوم في أديس أبابا يصل لطريق مسدود كل مرة، وتبدو الخرطوم كأنها غير جادة في الوصول إلى نتائج محددة بشأنه، فهي تفاوض من أصدرت أحكاما بالإعدام ضدهم «رئيس الحركة الشعبية وقائد جيشها وكبير مفاوضيها وأمينها العام».
أما قمة «الميلودراما» الإسلامية فقد بلغت ذروتها بإبعاد النظام الحاكم للنائب الأول للرئيس علي عثمان محمد طه، ومساعد الرئيس نافع علي نافع، ووزير النفط عوض أحمد الجاز، ورئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر، عن مناصبهم في «ثورة بيضاء»، على الرغم من أنهم يعدون من صقور الحكم وغلاته طوال ربع القرن الماضي. ويبدو أن نظام الإنقاذ الوطني قرر أن يحتفل بيوبيله «الفضي» دونهم، رغم التصريحات التي تقول إنهم أخلوا وظائفهم طوعا لفتح الباب أمام الأجيال الجديدة، لكن الخرطوم التي لا تعرف الأسرار تمد لسانها ساخرة لتقول «انتهى الدرس».

* حصاد الحقل

* برر النظام الجديد (عام 1989) انقلابه على الحكم الشرعي بفشل حكومة الديمقراطية الاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري، بيد أنه أخفى هويته «الإسلامية» بتمويهات ماكرة، ونسب نفسه إلى «المؤسسة العسكرية، وتضمنت عملية التمويه اعتقال عراب الانقلاب وزعيم الإسلاميين السودانيين حسن الترابي، مع بقية قادة الأحزاب والقوى السياسية الأخرى.
لم تكن هوية الانقلاب الإسلامية خافية على السياسيين والأحزاب السودانية، وفي بيان الحال نقلت طرفة على لسان زعيم الحزب الشيوعي الراحل محمد إبراهيم نقد المشهور بسخريته المريرة، أنه قال للترابي أثناء اعتقالهم في سجن كوبر «كفاك سجنا، فقد جاملتنا أكثر مما يجب. حدث جماعتك ليطلقوا سراحك»، بيد أن التضليل الكثيف الذي مارسه الإسلاميون انطلى على بعض الأنظمة في المنطقة، خاصة نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في مصر الذي أعلن اعترافه بالحكم الجديد، باعتباره انقلابا عسكريا نفذه الجيش السوداني. فور تسلمهم للسلطة، حل الانقلابيون الأحزاب السياسية وسجنوا قادتها، وأوقفوا الصحف، وسيطروا على أجهزة الإعلام الرسمية، وفرضوا رقابة أمنية مشددة على مداخل المدن وجسورها، وظلت المجنزرات على المداخل والمخارج لفترة طويلة بعد نجاح الانقلاب.
ربع قرن من الحكم لم يتسن لحاكم في السودان من قبل.. لكن نظام الإسلاميين فعلها، وعادة يحسب الناس هذه السنوات مستندين إلى «البيان الأول» الذي ألقاه قائد الانقلاب العميد عمر البشير، الجمعة 30 يونيو 1989، ويقارنون بين مبررات الانقلاب والوعود التي جاءت في هذا البيان، وبين حصاد البيدر.
ولتبرير انقلابه، قال البشير في بيانه إن الأحزاب الحاكمة فشلت في قيادة الأمة و«تعرضت البلاد لمسلسل من الهزات السياسية، زلزل الاستقرار، وضيع هيبة الحكم والقانون والنظام»، وأضاف «عشنا في الفترة السابقة ديمقراطية مزيفة، ومؤسسات الحكم الرسمية دستورية فاشلة، وإرادة المواطنين قد تم تزييفها بشعارات براقة مضللة وبشراء الذمم والتهريج السياسي، ومؤسسات الحكم الرسمية لم تكن إلا مسرحا لإخراج قرارات السادة».
واتهم البيان حكومة المهدي بإفشال الديمقراطية وإضاعة الوحدة الوطنية وإثارة النعرات العنصرية والقبلية، مما أدى لحمل أبناء الوطن الواحد للسلاح ضد إخوانهم في دارفور وجنوب كردفان، علاوة على ما يجري في الجنوب في مأساة وطنية وسياسية. واتهم الحكومة بالفشل في إعداد القوات المسلحة لمواجهة التمرد، مما أثر على معنوياتها في معارك القتال ضد المتمردين، وقال «لا تجد من الحكومة عونا على الحرب أو السلام، وقد لعبت الحكومة بشعارات التعبئة العامة دون جهد أو فعالية».
اقتصاديا، حسب البيان فإن الوضع الاقتصادي شهد ترديا مذريا بسبب ما سماه السياسات الرعناء التي فشلت في إيقاف تدهور الاقتصاد، ناهيك عن التنمية «مما زاد حدة التضخيم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل، واستحال على المواطنين الحصول على ضرورياتهم إما لانعدامها أو ارتفاع الأسعار». وأضاف «أصبح السودان في عزلة تامة، والعلاقات مع الدول العربية أصبحت مجالا للصراع الحزبي، وكادت البلاد تفقد كل صداقاتها على الساحة الأفريقية، مما جعل حركة التمرد تتحرك فيها بحرية مكنتها من إيجاد وضع متميز أتاح لها عمقا استراتيجيا تنطلق منه لضرب الأمن والاستقرار في البلاد حتى أصبحت تتطلع إلى احتلال موقع السودان في المنظمات الإقليمية والعالمية».
وتعهد البيان باسم الجيش بعدم التفريط في «شبر من الوطن»، والحفاظ على البلاد واستقلالها، وقال «تحركت قواتكم المسلحة اليوم لإنقاذ بلادنا العزيزة من أيدي الخونة والمفسدين، لا طمعا في مكاسب السلطة، بل تلبية لنداء الواجب الوطني الأكبر في إيقاف التدهور المدمر، ولصون الوحدة الوطنية من الفتنة السياسية، وتأمين الوطن ووقف انهيار كيانه وتمزق أرضه».
هذه هي الوعود التي قدمها العميد عمر البشير وقتها، المشير حاليا، تبريرا لانقلابه على السلطة الشرعية، ولم يشر فيها من قريب أو بعيد إلى جماعة الإسلام السياسي بقيادة الترابي التي خططت ونفذت الانقلاب.

* حصاد البيدر

* بعد الجلوس الطويل على كرسي الحكم، والذي ليس له مثيل في تاريخ السودان الحديث، يصبح من حق الكل القيام بجرد حساب لوعود النظام في بيانه الأول والمحصلات العملية الماثلة الآن.
عسكريا وأمنيا، وهو الجند الأول الذي برر به الرئيس البشير انقلابه، يمكن القول إن النتائج كانت كارثية وغير مسبوقة، فقد استعرت الحرب مع التمرد الجنوبي وقتها «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، وجيش النظام الجديد كل الشعب لحسم التمرد كما قال، لكن المحصلة كانت أن اضطر النظام لعقد اتفاقية سلام في عام 2005 عرفت باتفاقية «نيفاشا»، اقتسم بموجبها السلطة مع المتمردين، وجلس زعيم التمرد في القصر الرئاسي نائبا أولا للرئيس. ولم يقتصر الأمر على هذا وحده، فقد أفضت تلك الاتفاقية إلى انفصال جنوب السودان عن السودان كليا، وذهب ثلث الأرض والسكان ليكونوا أحدث دول العالم في عام 2011. وبنهجه التبريري، فإن نظام الحكم زعم أن انفصال جنوب السودان كان مهرا للسلام، لكن المحصلات العملية للانفصال ولادة دولتين غير مستقرتين ومتشاكستين، ولم يحصل السودانان على السلام المنشود، ولا استطاع النظام الإيفاء بوعده الأول «عدم التفريط في شبر من الوطن». وقبيل توقيع اتفاقية السلام الشامل «نيفاشا» مع متمردي جنوب السودان أشعل النظام حربا جديدة في إقليم دارفور ما زالت نيرانها تحرق الوطن والمواطنين، وقتل خلالها مئات الآلاف، وشرد من أجلها الملايين، بل بلغت الأمور أن تحولت دارفور إلى أرض حرب عبثية. وجنوبا، ولد الجنوب الجديد، واشتعلت فيه الحرب عشية انفصال جنوب السودان، ودخل النظام في حرب أخرى مع «الحركة الشعبية – الشمال»، المكونة من مواطنين شماليين اختاروا الانحياز لجنوب السودان في الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وما زالت نيران الحرب هذه تقتل الآلاف وتشرد مثلهم.
في ما يتعلق بالسيادة الوطنية، فإن الجيوش الأجنبية أصبحت ترتع في البلاد بالطول والعرض، ففي دارفور الآن أكبر بعثة عسكرية أممية قوامها عشرات الآلاف من الجنود الدوليين الذين جاءت بهم الأمم المتحدة لحماية المدنيين من حكومتهم «يوناميد»، وقبل انفصال الجنوب كانت القوات الأممية «يونميس» هي الحاكم الفعلي في البلاد، إضافة للقوات الإثيوبية في منطقة «أبيي» المتنازعة بين الشمال والجنوب والقوات التشادية التي تمرح في أرض دارفور كيفما اتفق لها.
بل والأدهى والأمر، فإن إسرائيل استباحت التراب والأجواء السودانية، وصار طيرانها يطارد المواطنين في شرق السودان ويقتلهم، بل ودمر مصنعا للسلاح في قلب الخرطوم «مصنع اليرموك الحربي» عام 2012، فأي سيادة تلك التي أتت مع حكم الإسلاميين؟

* الجنائية الدولية

* أصدر المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو في 14 يوليو (تموز) 2008 مذكرة توقيف بحق الرئيس عمر البشير، وجرى اتهامه بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور، وطلبت مثوله أمام المحكمة، في سابقة غير معهودة في تاريخ الشعوب، وهكذا أصبح الرئيس البشير حبيسا داخل جدران البلاد.
وحسب تقارير دولية فإن حرب دارفور أدت لمقتل قرابة 300 ألف شخص، وتشريد 2.5 مليون، فيما تقول الخرطوم إن عدد القتلى لا يتجاوز 10 آلاف، منذ اندلاع النزاع في دارفور. وألحقت المحكمة الجنائية الدولية في 4 مارس (آذار) 2009 مذكرة قبض ثانية ضد الرئيس البشير، في اتهامات بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، مما قيد حركة الرئيس البشير الخارجية في حدود ضيقه جدا.

* الدور الصيني

* ورد في كتاب «سقوط الأقنعة» للكاتب فتحي الضو، ونقلته «الشرق الأوسط» وقتها، أن الحكومة السودانية رأت ألا تخسر الدول العظمى، فعقدت صداقة مع الصين، فتحت الباب أمام الاستثمارات الصينية، لا سيما في مجال النفط، ونجحت شركات النفط الصينية في استخراج البترول، مما أسهم في تحسين الاقتصاد واستقرار صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية.
فبعد أن كان سعر صرف الدولار 12 جنيها عند تولي الإسلاميين للسلطة، ارتفع في عهدهم إلى 3000 في السوق السوداء، ثم بدأ ينخفض ليستقر عند 2000 جنيه، فبدأت الأزمات الاقتصادية في الانفراج تدريجيا، وعلى الرغم من ذلك لم تستقر الحكومة ولم تنعم بالأمن والهناء بسبب سياساتها الخارجية السيئة. وفي جانب علاقتها الدولية، فقد ساءت علاقة الخرطوم مع العالم أجمع، لا سيما بعد أن أشارت أصابع الاتهام لتورط الخرطوم في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في سبتمبر (أيلول) 1995 بالعاصمة الإثيوبية «أديس أبابا»، واتهم السودان بإيواء إرهابيين، من بينهم مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

* المفاصلة

* في ديسمبر (كانون الأول) 1999 بلغ النزاع داخل المجموعة الإسلامية الحاكمة ذروته، بصدور قرار الرئيس بإعلان حالة الطوارئ لثلاثة أشهر، وحل البرلمان للحيلولة دون توصل حوار في البرلمان لإجراء تعديلات دستورية تحد من سلطاته.
وعرفت تلك القرارات بقرارات رمضان، ولاحقا عرفت بـ«المفاصلة» بين الإسلاميين، والتي وقف على أحد طرفيها د.حسن الترابي، والرئيس البشير في الطرف الآخر، يقف إلى جواره نائب الترابي في الحركة الإسلامية علي عثمان محمد طه.
وأدت المفاصلة لتبادل الاتهامات بالفساد والمحسوبية، وخرجت ملفات سرية إلى العلن، في الوقت الذي كانت فيه حرب الجنوب في أشد حالاتها، فضلا عن اندلاع الحرب في دارفور، مما جعل الفساد يطفح على السطح في تصريحات واتهامات متبادلة.

* عودة الأب الضال

* تلقف حزب عراب الإسلاميين «المؤتمر الشعبي» حسن الترابي دعوة الرئيس البشير للحوار في يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، ليعود من بابها الخلفي «مصالحا» وداعيا للحوار مع تلاميذه الذين قال فيهم أكثر مما قاله مالك في الخمر.
ربما مهد انحسار موجة حركة الإسلام السياسي في الإقليم الطريق أمام شقي الإسلاميين السودانيين لتوحيد صفهما، ضد خطر ماحق يتهدد وجودهما، خاصة بعد أن تحولت «حركة الإخوان المسلمين» لحركة إرهابية في كل من مصر والسعودية والخليج.

* ملاذ آمن

* المحللون لا يرون أن دعوة الحوار نابعة من قناعة بالحوار والمصالحة الوطنية من قبل النظام، بل مجرد محاولة لكسب الوقت ربما، أو حيلة تعود بها الحركة الإسلامية السودانية إخوانية الميول للتوحد، بما يوفر ملاذا آمنا لـ«إخوان العالم» في السودان، وبعودة الأب إلى أبنائه تكون الإنقاذ قد أكملت دورتها من جديد لتبدأ من النقطة التي بدأت منها قبل 25 عاما، لكن في ظروف مختلفة ومحيط عدائي وأزمات أشد مضاضة مما كانت عليه الأوضاع أول مرة، وهذه المرة صنعوها بأيديهم.

* سقوط الإخوان

* تشهد دول الجوار، التي سيطرت عليها جماعة الإخوان المسلمين ردحا زمانيا، مثل مصر وليبيا وتونس، تغيرات دراماتيكية، فمصر التي حكمها الإخوان لمدة عام قد أكملت انتخاب رئيسها، فيما يقود اللواء خليفة حفتر «عملية كرامة» في ليبيا، لتطهيرها من «ميليشيات إسلامية» وبتفويض شعبي لمحاربة التطرف، فيما أصبحت «حركة الإخوان المسلمين» إرهابية في كل الخليج العربي والمملكة العربية السعودية ومصر، واضطرت حركة «النهضة التونسية» لتقديم تنازلات جوهرية بشأن مشروعها.
هذه الأجواء العاصفة التي تحيط بحركة «الإسلام السياسي» والإخواني منه على وجه الخصوص، ستلقي بتأثيرها حتما على تجربته المزمنة في السودان. المتفائلون يقولون إن الخرطوم ستنحني للعاصفة، وتقدم التنازلات المطلوبة، أما المتشائمون فيخشون من تحولها لمركز «إخواني عالمي»، على الرغم من الجفوة المعلنة بين التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وجماعتهم في السودان، ويعتقدون أن الخرطوم قد تلجأ للقول المأثور «أنا وابن عمي على الغريب».
* محطات في سيرة الإنقاذ
* في يونيو (حزيران) 1989، قاد العميد عمر البشير انقلابا عسكريا مدعوما من الإسلاميين السودانيين بقيادة حسن الترابي، أطلق عليه «ثورة الإنقاذ الوطني».
* 1990.. حاول مجموعة من الضباط الموالين لحزب البعث العربي الاشتراكي تنفيذ انقلاب، بيد أن محاولاتهم فشلت، وجرى إعدام 28 ضابطا عشية عيد الفطر، في عملية فطرت الوجدان السوداني، ودفنوا بليل وما زالت السلطات تتكتم على أماكن دفنهم.
* في عام 1998 لقي النائب الأول للرئيس البشير الفريق الزبير محمد صالح حتفه في حادث تحطم طائرة عسكرية خلال طوافه على جنوب السودان.
* 1999.. حدث أكبر انقسام في تاريخ الإسلاميين السودانيين، أعلن خلاله الرئيس البشير حالة الطوارئ وحل البرلمان الذي كان يتزعمه حسن الترابي الذي خرج مغاضبا، وكون حزبا معارضا.
* في أبريل (نيسان) 2001، لقي وزير الدولة بوزارة الدفاع العقيد إبراهيم شمس الدين، أحد أبرز قادة الإسلاميين، و14 من كبار الضباط، مصرعهم في تحطم طائرة بمطار عدارييل بجنوب السودان.
* 2003.. اندلعت حرب دارفور وقتل فيها نحو 300 ألف حسب الأمم المتحدة.
* 2005.. وقعت حكومة الرئيس البشير اتفاقية السلام السودانية (نيفاشا) مع متمردي الجنوب، وجرى تعيين زعيم التمرد جون قرنق نائبا أول للرئيس.
* في مايو (أيار) 2005 لقي قرنق مصرعه في حادث مروحية رئاسية أوغندية، وأثار مقتله حالة فوضى عارمة وسط إشاعات بأن القتل كان مدبرا.
* 2009.. أصدرت محكمة الجنايات الدولية بلاهاي مذكرة قبض ضد الرئيس البشير، وعدد من معاونيه، باتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على خلفية الحرب في دارفور.
* 2011.. أعلن رسميا عن انفصال جنوب السودان، وفقا لاستفتاء أقرته اتفاقية السلام صوت بموجبه مواطنو جنوب السودان بنسبة فاقت 99 في المائة لصالح الانفصال، وولدت تبعا له أحدث دولة في العالم.
* 2011.. اشتعلت الحرب في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، في ما أطلق عليه الجنوب الجديد.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.