«قوات سوريا الديمقراطية» قد تنهي عملية الرقة اليوم وسط قتال شرس

ابتكرت تقنيات بدائية لمواجهة تنظيم «داعش»

مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» يسيرون على طول طريق بخط المواجهة في الرقة (رويترز)
مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» يسيرون على طول طريق بخط المواجهة في الرقة (رويترز)
TT

«قوات سوريا الديمقراطية» قد تنهي عملية الرقة اليوم وسط قتال شرس

مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» يسيرون على طول طريق بخط المواجهة في الرقة (رويترز)
مقاتلون من «قوات سوريا الديمقراطية» يسيرون على طول طريق بخط المواجهة في الرقة (رويترز)

تخوض قوات سوريا الديمقراطية معارك هي «الأقوى» ضد تنظيم داعش في مدينة الرقة في هجومها الأخير ضد جيوب المتطرفين المتبقية في معقلهم الأبرز سابقا.
ويأتي ذلك بعد خروج نحو ثلاثة آلاف مدني، فضلاً عن عشرات المقاتلين المحليين في صفوف التنظيم المتطرف من المدينة بموجب اتفاق بوساطة وجهاء العشائر. ويقدر عدد المتطرفين المتبقين بنحو 300 في آخر عشرة في المائة ما زالوا يسيطرون عليها في المدينة.
وقالت المتحدثة باسم حملة «غضب الفرات» جيهان شيخ أحمد: «تخوض قوات سوريا الديمقراطية حاليا معارك هي الأقوى في مدينة الرقة»، مشيرة إلى أنه «من خلال هذه المعركة سيكون إنهاء الوجود الداعشي وهذا بحد ذاته يعني إما موت «داعش» أو استسلامه، أي القضاء عليه» في كلتا الحالتين.
وقال قائد ميداني في «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من الولايات المتحدة إن التحالف ينفذ عمليات تطهير ضد مواقع تنظيم داعش في مدينة الرقة، ومن المتوقع أن يسيطر على المدينة بنهاية اليوم (الاثنين).
وقالت الزعيمة السياسية في «قوات سوريا الديمقراطية» إلهام أحمد إنها تتوقع الإعلان عن انتهاء الحملة ضد التنظيم المتطرف بالرقة في غضون ساعات أو أيام، إلا أن ناطق باسم قوات التحالف قال إنه لا يمكنه تحديد توقيت لانتهاء العملية.
إلى ذلك، أكد الناطق باسم التحالف بقيادة الولايات المتحدة الكولونيل رايان ديلون أن الضربات الجوية مستمرة على المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش في مدينة الرقة السورية وستزيد مع تقدم «قوات سوريا الديمقراطية» نحو ما تبقى من مناطق لا تزال في قبضة التنظيم.
وقال ديلون: «نفذنا بعض الضربات في الساعات الـ24 الماضية لكنني أتوقع أن تتكثف سريعاً مع تقدم قوات سوريا الديمقراطية إلى المناطق الأخيرة المتبقية في المدينة».
وقال الناطق باسم «قوات سوريا الديمقراطية» طلال سيلو إن الهجوم الذي شنته القوات أمس لا يستهدف أكثر مما يراوح بين 200 و300 متطرف أجنبي باقين في المدينة.
وكانت الرقة المدينة السورية الكبيرة الأولى التي تقع في يد التنظيم الإرهابي خلال اجتياحه مناطق من سوريا والعراق في 2014، وأصبحت مركزاً للعمليات الخاصة بالهجمات في الخارج وشهدت بعضاً من أسوأ أعمال التنظيم الوحشية.
وتحاول «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة بضربات جوية من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة انتزاع السيطرة على المدينة من يد «داعش» منذ يونيو (حزيران) الماضي.
وقال ديلون إن نحو 3500 مدني غادروا المناطق الخاضعة لسيطرة «داعش» في الرقة على مدى الأسبوع الماضي.
وغادرت قافلة تضم مقاتلين من التنظيم المتشدد وأسرهم الرقة أمس في إطار اتفاق إجلاء توسط فيه شيوخ العشائر في المنطقة. وسمح التنظيم في المقابل للمدنيين المحاصرين في الرقة بالخروج عبر ممر آمن.
ولدى سؤاله إن كان التحالف بقيادة الولايات المتحدة سيستهدف القافلة التي تقل المتطرفين وأسرهم، قال ديلون: «لن نقصف قافلة تضم عائلات أو مدنيين».
وبمجرد سيطرتهم على مدينة الرقة وطرد آخر مقاتلي تنظيم داعش منها، يقول مقاتلون في «قوات سوريا الديمقراطية» إنهم سيهدون نصرهم للبطاريات والأشرطة اللاصقة التي سهلت عليهم مهماتهم القتالية.
وخلال أكثر من أربعة أشهر من المعارك، وجد مقاتلو هذه القوات أنفسهم بحاجة للعودة إلى الأساسيات واختراع وسائل وطرق تسهّل عليهم مهماتهم القتالية.
داخل مستودع كبير شمال المدينة القديمة في الرقة، يفترش مقاتلون سجادة متسخة وضعوا عليها بطاريات بقوة ثلاثة فولت على شكل أسطوانات، مع شرائط لاصقة وعلب سجائر فارغة وأسلاك طويلة.
وتستخدم هذه المواد لصنع شاحن متنقل بدائي مخصص لأجهزة الاتصال اللاسلكي التي يعتمد قياديو قوات سوريا الديمقراطية عليها للتواصل مع بعضهم بعضا على خطوط الجبهة الأمامية في الرقة.
وبعيدا عن خطوط القتال، ينهمك كل مقاتل في إنجاز الشق المتعلق به. يضع الأول ثماني بطاريات بشكل متراص فيما يجهز آخر اللاصق الذي سيجمعها معاً. ويعمل ثالث على سحب رقائق الألمنيوم التي عادة ما توضع داخل علب السجائر، وتُستخدم كناقل للكهرباء، ويبدأ بلفها على الأشرطة الحديدية التي تم سحبها من جدران المنازل، تمهيداً لشحن أجهزة اللاسلكي بهذه البطاريات المتلاصقة.
ويقول القيادي الميداني في قوات سوريا الديمقراطية شيفكير هيمو: «نحتاج إلى أن نكون على تواصل مع نقاطنا (المقاتلين) على مدى 24 ساعة، لكن هذه الأجهزة ليست جيدة بما فيه الكفاية».
وتعمل البطاريات الذاتية الخاصة بأجهزة الاتصالات اللاسلكية لمدة ثلاث ساعات فقط، مما يجبر قادة قوات سوريا الديمقراطية على وقف تشغيلها بين تنسيق عمليات الاقتحام وإطلاق الصواريخ الدفاعية أو عمليات إنقاذ المدنيين.
ولكن مع هذه الرزمة من البطاريات اليدوية الصنع، يمكن استخدام أجهزة اللاسلكي المشحونة لمدة يومين على التوالي.
وتنتشر هذه البطاريات في كل أحياء المدينة التي دمرتها المعارك، وكذلك على خطوط القتال الأمامية كما هو الحال في مواقع المقاتلين على تخوم المستشفى الوطني والملعب البلدي، الذين يتحصن فيهما المتطرفون.
ويضطر مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية المرابضين على تلك الجبهات إلى البقاء معزولين لأيام عن قواعدهم الخلفية، معتمدين على أجهزة اللاسلكي المشحونة هذه للبقاء على تواصل مع قادتهم.
ويضيف هيمو: «إنها منقذة للحياة. الحاجة أم الاختراع كما يقولون».
ويضيف «للقوات (النظامية) معاملها ولكن نحن كقوة عسكرية ليس لدينا هذا الدعم العالمي. لذلك نعتمد على الأشياء الموجودة في السوق ونحن نعدل فيها».
وتأسست قوات سوريا الديمقراطية المؤلفة من فصائل كردية وعربية تدعمها واشنطن في أواخر عام 2015. ولا تعد هذه القوات جيشاً تقليدياً ولم يخضع كثير من مقاتليها الشباب لأي تدريب عسكري مسبق.
في أزقة الرقة، يقاتل هؤلاء الشبان وهم يرتدون أحذية رياضية متسخة أو صنادل بلاستيكية.
كما ابتكر مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية أسلوب تنبيه في الأبنية التي اتخذوا منها مقرات لهم قرب جبهات القتال.
وفي مبنى من طابق واحد قرب المستشفى المدني، عمد المقاتلون إلى نثر قطع عبوات مياه بلاستيكية محطمة على الدرج، قد تبدو للوهلة الأولى كما لو أنها نفايات.
لكن القيادي في قوات سوريا الديمقراطية جكر ديريك يقول: «إذا حاول شخص أن يصعد الدرج ويدوس على هذا الزجاج، فسينبه المقاتلين المناوبين فوق من دون أن يدري».
أما الابتكار المفضل بالنسبة إلى قوات سوريا الديمقراطية فهو عبارة عن قنابل كروية الشكل تضم متفجرات يدوية الصنع يطلقون عليها اسم «الفتيلة».
وتعبأ كل كرة بمادة الديناميت المتفجرة وتزود بفتيل يتراوح طوله بين 15 و20 سنتيمتراً وتربط معاً عبر أحزمة قماش.
ويوضح المقاتل محمد وهو يتمركز في حي النهضة في وسط الرقة أنهم يربطون القنابل بهذه الأحزمة «لمساعدة الرفاق على حمل أربع أو خمس قنابل».
ويقول بفخر فيما يعلق أربع كريات حول عنقه إنها «يدوية الصنع ومحلية الإنتاج».
ورفضت قوات سوريا الديمقراطية طلبات عدة تقدم بها فريق وكالة الصحافة الفرنسية لاصطحابه إلى ورشة إعداد هذه القنابل.
وبحسب محمد، فإن هذا الابتكار هو الوسيلة الأنجع لمواجهة أسلحة التنظيم: القناصة والأنفاق السرية.
ويوضح: «إذا أراد أحد من رفاقنا أن يقطع الشارع وفيه قناص، يرميها (الكرة المتفجرة) وتتسبب بتصاعد الغبار، ويقطع حينها الشارع دون أن يراه القناص».
وتبدو هذه الطريقة أكثر فاعلية من المتفجرات التقليدية التي لا تصدر دخاناً كثيفاً وتحدث ضجيجاً قوياً.
ويضيف محمد: «إذا كان هناك من قبو أو نفق حفره الدواعش، نرميها داخله لكي نردمه. وإذا لم تكف واحدة، نرمي اثنتين».
وشدد على أن هذا الابتكار «يخلص حياة».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».