بعد ألف عام... الحروب الصليبية أدبياً

ستيفان فاندر إلست يعيد قراءتها كظاهرة ثقافية

«الحملة على القدس»... لوحة الرسام الإيطالي فرانسيسكو هيز
«الحملة على القدس»... لوحة الرسام الإيطالي فرانسيسكو هيز
TT

بعد ألف عام... الحروب الصليبية أدبياً

«الحملة على القدس»... لوحة الرسام الإيطالي فرانسيسكو هيز
«الحملة على القدس»... لوحة الرسام الإيطالي فرانسيسكو هيز

بعد ما يقرب من ألف عام على انطلاق أولى سلسلة الهجمات التي شنّها الغرب على المشرق العربي بدايةً من حملة البابا إربان الثاني عام 1095، التي استمرت بعدها لعدة قرون فيما عُرفت في المراجع التاريخيّة الغربيّة بالحملات الصليبيّة لتحرير «الأراضي المقدسة»، فإن هذه الهجمات البربرية السافرة في عنفها ما زالت تحظى بفضول المؤرخين والبحّاثة على نحو متجدد. ولعل الجانب الذي يحتمل مساحة أوسع للاجتهاد بشأن حقيقة هذه الحروب بعد سرد الأحداث التاريخيّة ذاتها -التي تكاد تكون في غالبها شبه متفق عليها بين المصادر الغربيّة والإسلاميّة– هو في محاولة فهم البواعث الممكنة التي دفعت بخروج فرسان ومقاتلين أوروبيين مسيحيين ينتمون إلى طبقات اجتماعيّة مختلفة من بلادهم ومجتمعاتهم غُزاة تحت راية الصليب يقتلون ويسلبون ويغتصبون باسم السيد المسيح في واحدة من أسوأ موجات العنف المجاني واسع النطاق في التاريخ المدوّن، ويتعرضون بدورهم للقتل أو الأسر على أيدي السكان المحليين.
بالطبع فإن مصادر كلاسيكيّة عديدة أرجعت ذلك دائماً إلى دوافع دينيّة بالأساس، حيث أمم أوروبا التي اعتنقت المسيحيّة على نطاق واسع اعتبرت دوماً العرب المسلمين بمثابة غزاة احتلوا الأراضي المقدسة التي عاش فيها السيّد المسيح وأمه وأتباعه المقربون وفيها دُفنوا، وأن الإيمان الصحيح يستلزم من أتباعه أن ينفروا لتحريرها منهم. لكن ستيفان فاندر إلست في كتابه الجديد «الفارس والصليب والأغنية: البروبوغاندا الصليبيّة وأدب الفرسان 1100 – 1400»، مطبعة جامعة بنسلفانيا، يعتقد أنْ لا قداسة في هذه الحروب التي شُنت باسم القداسة، وأن نظريّة الدافع الإيماني الطهروي لا تصمد أمام البحث المعمق في ثقافة الفترة التي شُنت خلالها تلك الحروب، كما أيضاً الكليشيهات عن شبان مغامرين طامعين بامتلاك أراضيهم الخاصة بعد أن امتلك الملوك والنبلاء والكنيسة معظم المناطق المسكونة من القارة الأوروبيّة.
فاندر إلست يعيد تصوير الحروب الصليبيّة من منظور جديد بوصفها ظاهرة ثقافيّة – اجتماعيّة، وهو يقدّم سرداً تاريخيّاً مثيراً عن ترافق تلك الحملات مع تقاطع صعود طبقة الفرسان النبلاء وسلسلة من الأعمال الأدبيّة الرّومانسيّة والشعر الملحمي وكتب التاريخ عبر القارة الأوروبيّة، التي مثلّت في مجموعها نوعاً من حملة بروباغاندا مكثّفة متكاملة نفذتها مؤسسة الكنيسة وأتباعها خلال ثلاثة قرون لصياغة سرديّة أيديولوجيا «الحروب المقدّسة» بهدف استقطاب هؤلاء الفرسان وإغواء ميولهم الأرستقراطيّة من خلال ربط مصالحهم وأطماعهم الدنيوية وشرفهم العسكري وأنسابهم العائليّة وشكل حياتهم -العلماني غالباً– وحتى شبقهم للنساء والملذات الصاخبة، بخدمة الصليب المُعَسْكر، وتشريبهم هذه الأفكار بأدوات الثقافة التي كانت متوفرة حينها لجمهور العصور الوسطى.
فاندر إلست –الذي يدرّس الأدب الإنجليزي في جامعة سان دييجو بالولايات المتحدة– يبني نظريته هذه عبر استعراض جغرافي وزماني واسعيْن لنصوص أدبيّة لاتينيّة وإنجليزيّة وفرنسيّة وألمانيّة من ثلاثة قرون عاصرت الحروب الصليبيّة وتبدو عند تحليلها اليوم بمثابة مجهود «حربي» ذكي لصياغة ذاكرة الناس وإعادة تفسير الأحداث وفق منطق المجتمع حينها على نحو يضمن تدفق المنخرطين في تلك الحروب العدوانيّة.
يتركز التحليل في «الفارس والصليب والأغنية» على آداب تلك الفترة: قصائد الشعر الملحمي المعروفة بـ«الشانسون دي جيستي» أو أغنيات البطولات، والتي رافقت بدايات ظهور الأدب الفرنسي مثل (جيستا فرانكورم) -التي كانت بمثابة توثيق لبطولات الفرسان الأوروبيين في حملتهم الصليبية الأولى منذ انطلاقها نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1095، وحتى معركة عسقلان في فلسطين عام 1099، ويُفترض أنّها نُظِمت من قبل شاعر مجهول رافق الحملة- وكذلك نص «الحوليات الفرنسيّة» أو «لا شانسون دي جيروساليم»، ثم السرد الرومانسي عن سيرة الفرسان كما في «مسرد أحداث الأراضي البروسيّة» الذي كتبه الألماني نيكولاس فون جيروستشن (1290 – 1341) عن بطولات نظام الفرسان التيوتونيين، وملحمة «عندما أخذنا الإسكندريّة» لجويليام دي مانشوت التي سجلت وقائع حملة ملك قبرص بطرس الأول دو لوزينان الصليبية التي غزت الإسكندريّة في مصر عام 1365. هذه الأعمال وأمثالها وظفت مزيجاً من الدسائس السياسيّة والطموحات الدمويّة والإحساس بالواجب نحو العائلة، وأوهام التفوق القومي وأحلام التوسع الإقليمي لمصلحة سَوْقِ الفرسان إلى الأراضي المقدسة. ولم يتورع المثقفون الذين وضعوا هذه الكتابات عن سبك قصائدهم ورواياتهم في صياغات تناسب متطلبات الحشد للمعركة، فمثلاً تم التحول عن دعوات التبتل واعتزال النساء التي رافقت الحملة الأولى -وفي أقل من مائة عام بعد أن خفت الإقبال على الالتحاق بالحملات- إلى نموذج الفارس الرومانسي الذي يقاتل بشجاعة ليحظى بحب سيّدة حسناء فحسب.
يطور البروفسور فاندر إلست جدله عبر موازاة تاريخيّة ثريّة للتقاطع بين النصوص الأدبيّة وسياقاتها الحدثية تُظهر على نحو جليٍّ أن غرض النصوص الأساس لم يكن مطلقاً تسجيل الوقائع وتصوير الحملات الصليبية ذاتها بقدر ما كانت تخدم موضوع تعبئة الفرسان للقتال في المشرق. وهو يأخذ عن روبرت الراهب -الذي كتب واحداً من أهم ثلاثة نصوص غربيّة في تاريخ الحروب الصليبية- قوله بأن أغنيات البطولات الفرنسيّة المزعومة رسمت صورة للانتصارات الصليبيّة المبكرة في المشرق على نحو جعلها تبدو كأنها تجديد واستعادة معاصرة لقصص انتصارات شعب الله المختار في الأرض الموعودة كما رواها العهد القديم، وأنها أطلقت إحساساً عاماً بين الفرنجة الفرنسيين بتقمص دور الشعب المختار الجديد الذي يتسابق مثل بني إسرائيل في حج دموي نحو أورشليم ويستلهم روح العنصريّة والعنف الذكوري وكراهيّة الآخر.
يتخذ «الفارس والصليب والأغنية» مواقف محددة بشأن بعض الأحداث التاريخيّة، ربما قد لا يوافق على صحتها التيار العام من المؤرخين. واتهم بعض النقاد المؤلف بأنه في حرصه على صياغة نظرية متكاملة تعسَّفَ بعض الأحايين بتوظيفه الشواهد، مثلاً كما في سرده حكاية توزيع بيهموند الأنطاكي نسخاً من قصيدة «جيستا فرانكورم» على النبلاء بينما كان يتجول في أوروبا عام 1106 ليجمع المقاتلين، وهي الحكاية التي نفاها مؤرخون رئيسيون من العصور الوسطى على أرضية تفضيل بيهموند المعروف لترويج دعاياته المؤدلجة من خلال الاستعراضات البشريّة والحملات الشفوية بدلاً من النصوص المكتوبة. ورغم أن فاندر إلست يشير في إحالاته إلى وجود جدل بشأن بعض هذه الروايات، فإنه لا يوضح لقرائه لماذا اختار جانباً من ذاك الجدل دون آخر.
كتاب فاندر إلست إضافة مهمة للغاية، ليس فقط في مجال تفكيك تاريخ الحروب الصليبيّة وتخليصه من التصويرات عميقة الأدلجة التي أفقدته صورته الحقيقيّة، أو حتى في تطويره قراءة معاصرة للنصوص الأدبيّة الكلاسيكيّة من خلال فهم سياقاتها الحدثيّة وإطاراتها السياسيّة -بوصف العمل الأدبي، مهما علا قدره فنياً، فإنه في النهاية ليس إلا عملاً سياسياً محضاً يصدر عن موقف منحاز لجهة دون أخرى- بل هو كبوابة تفتح فضاءً حدوده سماوات واعدة بين المختصين عبر شمال المتوسط وجنوبه في الآداب والتأريخ العسكري والسياسي والثقافي وعلوم الاجتماع والأنثروبولوجيا لإعادة بناء تاريخ تلك الحلقة المحزنة من تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب على نحو يسمح للشعوب بأن تتحرر من ظلاميات الماضي، ولا تعود يوماً إلى ذبح الآخر المختلف تحت راية الدين. فتلك هي مهمة الثقافة كما يقول ثيودور أدورنو في معرض تعليقه على أنباء الهولوكوست في الحرب العالميّة الثانية.



اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.


أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
TT

أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)

عبر عذوبة الصوت وخشوع القلب ورهافة الإحساس الصادق، يصدح جيل جديد من المقرئين في المساجد المصرية الكبرى مثل جوامع «الإمام الحسين» و«عمرو بن العاص» و«السيدة زينب» و«السيدة نفيسة» وهم يؤمون المصلين ويتلون القرآن في صلوات «المغرب» و«التراويح» و«الفجر» منذ بداية شهر رمضان.

وتشهد تلك المساجد إقبالاً كثيفاً من المصلين يقدر بالآلاف يومياً في طقس روحاني لافت يجمع بين عبق الطابع التاريخي الأثري للمكان أو المنطقة، وتصدي أسماء شهيرة من المقرئين والخطباء كى يؤموا الجموع الغفيرة في مختلف الشعائر والمواقيت.

وبرز اسم هؤلاء «المقرئين الجدد» من خلال برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» الذي انطلقت فعالياته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بهدف اكتشاف جيل جديد من الموهوبين في قراءة آيات الذكر الحكيم ضمن تقاليد «المدرسة المصرية في فن التلاوة» التي قدمت للعالم الإسلامي قمماً شامخة في هذا السياق مثل الشيوخ مصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود علي البنا، ومحمود خليل الحصري.

أصوات جديدة شابة في المساجد المصرية خلال رمضان (وزارة الأوقاف المصرية)

ومن أبرز القراء الجدد محمد وفيق ومحمود السيد وأبو بكر سيد وخالد عطية، فضلاً عن الخمسة المؤهلين إلى الحلقة النهائية من البرنامج، والتي تذاع في ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهم أحمد محمد وأشرف سيف ومحمد أحمد عبد الحليم ومحمد محمد كامل ومحمد القلاجى.

وعدّ الدكتور حازم مبروك عطية، الباحث بهيئة كبار العلماء بالأزهر، مشاركة نجوم «دولة التلاوة» في إمامة المساجد الكبرى في رمضان «خطوة رائعة تجمع قلوب المصلين حول الأصوات العذبة في نهج يستلهم السيرة النبوية في اكتشاف من يتمتعون بحلاوة الصوت ويمنحهم الفرصة للتعبير عما يتمتعون به من نعمة وموهبة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مسابقة (دولة التلاوة) أعادت إلى الأذهان أمجاد سير أعلام هذا الإبداع المصري الخالص الذي قدّم أسماء تختلف تماماً عن مثيلاتها في العالمين العربي والإسلامي، لأن القرآن كما يقولون نزل في مكة وفُسّر في العراق وقُرئ في مصر، وبالتالي فالقرّاء المصريون لا يكاد يباريهم أحد في هذا المجال ولا بد أن يكون هناك امتداد لجيل العمالقة الذين تربينا على أصواتهم».

ويأتي برنامج «دولة التلاوة» كنتيجة لتعاون مثمر بين وزارة الأوقاف و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، حيث أذيع عبر قنوات «cbc» و«الحياة» و«الناس» وسط تفاعل جماهيري لافت، متصدراً اهتمام الرأي العام، كما كسر حاجز الملياري مشاهدة عبر مختلف المنصات، بحسب تصريح سابق للدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم «الأوقاف».

الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى (وزارة الأوقاف المصرية)

وأضاف رسلان أن «الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى عبر محافظات الجمهورية، وليس القاهرة فقط، طوال شهر رمضان تعزيزاً للأجواء الروحانية والمفاهيم الإيمانية».

وقال الدكتور حازم مبروك عطية إن «التفاعل الجماهيري اللافت مع مسابقة (دولة التلاوة) يثبت أن الشعب المصري يميل إلى القيمة، كما يميل إلى كل ذي قدر في كل فن، فما شهدناه من الإجماع والإقبال غير المسبوق يجعلنا نثق في هذا الشعب الكريم الذي يشيع البعض عنه بين الحين والآخر أنه يهتم بالأشياء البسيطة والسريعة والعابرة، لكنه يثبت عبر هذه المسابقة أنه شعب يحب القيمة ويحب الالتفاف حول الجمال وينحاز للمبدأ الصحيح».